بعد الدمار، يبدو التعافي وكأنه وعد. لكن في السياقات التي تتسم بالحرب والاستبداد والنزوح وإعادة الإعمار غير المتكافئة، لا يكون التعافي محايدًا أبدًا. هو إحدى اللحظات التي تعيد فيها السلطة تنظيم نفسها بأشدّ الطرق قوة. تُفتح سجلات الأراضي مجددًا، أو تُصبح موضع نزاع، أو تُمحى. تُقبل المطالبات بالملكية، أو تُؤجّل، أو تُرفض. تُصنف الأحياء على أنها آمنة، أو غير قانونية، أو استراتيجية، أو متضررة إلى حدٍّ يتعذّر معه إصلاحها، أو جاهزة للاستثمار. وتُستعاد البنية التحتية في بعض الأماكن بينما تُحجب عن أماكن أخرى.
في سوريا، لا يُعد التعافي بعد النزاع مرحلة تقنية تلي العنف، بل صراعًا مكانيًا على الأرض والعودة والذاكرة والبنية التحتية والسلطة السياسية. تحتلّ حقوق السكن والأراضي والملكية موقعًا محوريًا في قضيتي النزوح والعودة، لا سيما عندما تكون الوثائق أو حقوق الحيازة أو مطالبات الملكية موضع نزاع. والسؤال لا يقتصر على كيفية إعادة بناء المدن والقرى المدمرة، بل يشمل أيضًا من يُسمح له بالعودة، ومن يُعترف بحقه في المطالبة، ومن يتحكم في إعادة الإعمار، وأي نوعٍ من المستقبل ينبثق من الدمار.
يتحدى منظور نزع الاستعمار مركزية المعرفة الغربية، ونماذج التخطيط المستوردة، والخبرات التي يقودها المانحون، والحياد الزائف للتنمية. يوضح أنيبال كيخانو كيف استمرت الهيمنة الاستعمارية بعد انتهاء الحكم الاستعماري الرسمي، من خلال المعرفة والاقتصاد والسلطة السياسية. وبالمثل، يصرّ والتر مينيولو على أن التفكير القائم على نزع الاستعمار يجب أن يغير الأسس التي تُنتج المعرفة وفقًا لها، لا أن يكتفي بإضافة الأصوات المستبعدة إلى الأطر القائمة.
ومع ذلك، فإن التعافي بعد النزاع يشكل اختبارًا أكثر صعوبة. ففي سوريا، لا تقتصر المشكلة على المعرفة السائدة المفروضة من خلال الخبرات التكنوقراطية. إذ يمكن للتعافي أيضًا أن يعيد تفعيل الآليات الداخلية التي جعلت نزع الملكية في ظلّ الاستبداد ممكنًا في المقام الأول، ومنها قوانين الملكية، والموافقات الأمنية، وأنظمة التوثيق، وإعادة التأهيل الانتقائية، والفرز الطائفي. لذلك، يجب أن يتجاوز نهج نزع الاستعمار في التعافي مجرد استبدال النماذج الخارجية بلغة الأصالة المحلية. فعليه أن يواجه الكيفية التي يمكن أن تُعيد بها عملية إعادة الإعمار نفسها إنتاج الأنظمة المكانية الاستبدادية، وتحدد من يُسمح له باستعادة الوصول إلى الأرض والسكن والخدمات والمستقبل. وكما يحذر تاك ويانغ، فإن نزع الاستعمار يفقد قوته عندما ينفصل عن الأرض والسيادة واسترداد الحقوق المادية.
تجادل هذه المقالة بأن نقد إعادة الإعمار بعد النزاع من منظور نزع الاستعمار لا ينبغي التخلي عنه، بل يجب إخضاعه للمساءلة المادية. وعبر التركيز على سوريا، تتساءل المقالة عما إذا كان التعافي بعد النزاع قادرًا على تجاوز النقد نحو تحقيق عدالة مكانية جابرة للضرر، تشمل الحق في العودة واسترداد الممتلكات، وإعادة الإعمار، والوصول إلى البنية التحتية، وتذكّر العنف، والمشاركة في تشكيل المستقبل.
بمَ يساعدنا منظور «نزع الاستعمار» على رؤيته؟ وأين تكمن حدوده؟
يبقى منظور «نزع الاستعمار» ذا قيمة لأنه يزعزع الادعاء بأن التخطيط والتنمية وإعادة الإعمار ممارسات تقنية محايدة. فهو يتساءل عن مصدر المفاهيم السائدة، والتواريخ التي تطمسها، والمؤسسات المخوّلة بتحديد الضرر والاحتياجات والتراث والقدرة على الصمود، والتعافي. في سياقات ما بعد النزاعات، تكتسب هذه الأسئلة أهميةً حيوية، فقد تبدو إعادة الإعمار عملًا إنسانيًا بينما تعيد إنتاج الأولويات الخارجية، أو تحافظ على التراث فيما تتجاهل السكان النازحين، أو تحتفي بالقدرة على الصمود في حين تُطبّع البقاء في ظروف هشة.
بالنسبة إلى سوريا، يكتسب هذا النقد أهميةً، لأن إعادة الإعمار تُصاغ غالبًا في إطار مفاهيم الاستقرار والتحديث والاستثمار والعودة، في حين تبقى قضايا الأراضي والوثائق والأمن والنزوح من دون حل. تذكرنا الدراسات النقدية للتخطيط بأن التخطيط غالبًا ما يكون جزءًا من الآليات المؤسسية التي يُعاد من خلالها تنظيم الأراضي والملكية والأوضاع القانونية وحرية التنقل. يساعد منظور «نزع الاستعمار» في كشف هذه الآليات، من خلال إظهار أن الخرائط والمخططات التوجيهية وتقييمات الأضرار وأطر التعافي تؤدي دورًا فاعلًا في تحديد ما يصبح مرئيًا، وقابلًا للتمويل، وقانونيًا، وخاضعًا للإدارة والحكم. ومن دون هذا المنظور، يخاطر التعافي بالعودة إلى لغة تقنية تُختزل فيها إعادة الإعمار في البنية التحتية والخدمات والنمو أو إدارة التراث. وهي لغة تحجب الأبعاد السياسية لعملية جبر الضرر.
لكن ذلك لا يعني قبول منظور «نزع الاستعمار» بوصفه إجابةً جاهزة. فالدعوات إلى نزع المركزية عن المعرفة السائدة في قضايا مثل التخطيط الحضري تبقى مهمة، لأنها تتحدى الافتراض القائل إن المفاهيم المستمدة من التجارب الغربية قابلة للتطبيق في كلّ مكان بوصفها نماذج عالمية. ومع ذلك، كما يجادل محمد سامي الكيال، فإن قيمة النقد ما بعد الاستعماري لا تكمن في اختزال السياسة إلى تعارض بسيط بين الهيمنة الغربية والذاتية غير الغربية، بل في التساؤل عن كيفية إنتاج السلطة والهوية والقومية والانتماء، وكيف يمكن لهذه العناصر أن تُعيد بدورها إنتاج الإقصاء.
بالنسبة إلى سوريا، يُعدّ هذا التمييز بالغ الأهمية. فالمشكلة ليست في أن إعادة الإعمار السورية «استعمارية» بمعنى خارجي مبسّط، ولا في أن السلطات السورية تستخدم بالضرورة خطاب نزع الاستعمار، بل إن سوريا تكشف عن توتر كامن في النقاشات المتعلقة بإعادة الإعمار: فقد تتشكل إعادة الإعمار وفق نماذج خارجية وأولويات المانحين والمصطلحات التكنوقراطية، لكن هذه الأدوات تتبناها أيضًا الجهات النافذة على المستويين الوطني والمحلي، وتعيد تكييفها وتوظيفها كسلاح. إذن، لا تتمثّل المهمة في استبدال إعادة الإعمار التكنوقراطية بخطاب رومانسي عن الأصالة المحلية، بل في دراسة كيف يمكن أن تعيد الهويات والمؤسسات والقوانين وأنظمة الملكية والتنظيمات المكانية إنتاج الإقصاء بعد الدمار.
وهنا تبدأ حدود هذا المنظور بالظهور. فإذا كان مفهوم «نزع الاستعمار» يُظهر أن المعرفة المتعلقة بالتعافي ذات طابعٍ سياسي، فإنه لا يوضح لنا تلقائيًا كيفية تغيير الأنظمة المادية التي يُنفذ من خلالها التعافي. ولذلك، يجب أن يتبع نقد الخبرة المتخصصة طرح أسئلة أصعب: من يغير القوانين، ويعيد توزيع الأراضي، ويضمن العودة، ويموّل البنية التحتية، ويحمي المستأجرين، ويعوّض الخسائر، ويمنع إعادة الإعمار من أن تصبح جولة أخرى من نزع الملكية والتهجير؟
إذن، فإن مكمن القصور ليس في النقد المعرفي في حد ذاته. فالمعرفة مهمة. لكن نقد اللغة يجب أن يرتبط بالآليات التي تجعل هذه اللغة قابلة للتطبيق العملي. وفي مجال التعافي بعد النزاعات، يعني ذلك، بصورةٍ ملموسة، التصدّي للآليات المكانية التي تتيح تحوّل عمليات إعادة الإعمار إلى أدوات لإعادة إنتاج الهيمنة والتبعية داخل النظام السياسي السوري.
التعافي بوصفه جهازًا مكانيًا
غالبًا ما يُقدَّم التعافي بعد النزاع بوصفه سلسلةً من المراحل المتعاقبة: الإغاثة الطارئة، وتقييم الأضرار، وإزالة الأنقاض، وإصلاح البنية التحتية، وإعادة إعمار المساكن، والعودة، والتنمية طويلة الأمد. يضفي هذا التسلسل على عملية التعافي مظهرًا من النظام، ويوحي بأن العنف قد انتهى، وأن التخطيط يتدخّل الآن بوصفه قوة تصحيحية. لكن في سوريا، يبدأ التعافي فيما لا تزال السلطة تقرر من يُسمح له بالعودة، وما الذي يمكن إعادة بنائه، وأي الخسائر يُعترف بها، وأي الآفاق المستقبلية يُتاح تحقيقها.
ولهذا السبب، ينبغي النظر إلى التعافي باعتباره جهازًا مكانيًا، لا مجرد مرحلة تقنية. فهذه المنظومة تعمل من خلال الوثائق والخرائط والعقود والتراخيص والإجراءات الأمنية وملفات التعويضات وأولويات البنية التحتية وتصنيفات الأضرار. قد تبدو هذه الأدوات إدارية بطبيعتها، لكنها توزع الحقوق وتحدد مواطن الهشاشة. فهي تحدد ما إذا كان المنزل المدمر سيُعامل كمطالبة مشروعة بحق الملكية أم كبناء غير رسمي مستبعَد من التعويض. كما تقرر ما إذا كانت العودة آمنة أو مشروطة أو مؤجلة أو مستحيلة. وتحدد أيضًا ما إذا كانت إعادة الإعمار ستعيد بناء مجتمعٍ محلي، أم ستفتح الأراضي أمام أشكالٍ جديدة من تراكم الثروة.
ووصف «التعافي» بأنه جهاز مكاني هو تأكيد أن سياسات إعادة الإعمار تتجلّى في التفاصيل التي تُعامل عادةً بوصفها مسائل تقنية. فسجلات الأراضي، وتصنيفات التنظيم العمراني، وإثبات الملكية، وقواعد الإرث، والموافقات الأمنية، وحماية المستأجرين، وعقود إزالة الأنقاض، ومراحل تنفيذ مشاريع البنية التحتية، وشروط المانحين، ليست مسائل ثانوية بالنسبة إلى العدالة، بل هي المواضع التي تصبح فيها العدالة ممكنة، أو تُقوض فيها بصمت. في سوريا، تُظهر قوانين إعادة التطوير العمراني، والإجراءات الأمنية، ومشاريع إعادة التأهيل، والنزاعات على الملكية، كيف يمكن أن تتحوّل إعادة الإعمار إلى وسيلة لتحديد من يُسمح له بأن يكون جزءًا من مدينة المستقبل.
سوريا: التعافي بوصفه آلية للفرز القانوني والأمني
تُظهر سوريا كيف يمكن أن يتحوّل التعافي إلى آلية لفرز السكان بعد العنف، ترتبط بالاعتبارات الأمنية والولاء والوثائق والهوية الطائفية والاعتراف القانوني. فالحق في العودة أو استعادة الممتلكات أو إعادة الإعمار وفقًا للاحتياجات أو الأضرار، تحكمه موازين القوى المتغيرة.
كان هذا المنطق واضحًا بالفعل خلال عهد الأسد. فأنشأ المرسوم التشريعي رقم 66 لعام 2012 مناطق تنظيمية لإعادة التطوير العمراني في دمشق، تحت ذريعة تطوير المناطق السكنية العشوائية، لكنه تحوّل إلى أساس قانوني لمشاريع مثل «مدينة ماروتا»، التي بُنيت في مناطق كان العديد من سكانها يفتقرون إلى سندات ملكية راسخة، أو لا يملكون وثائق كافية، أو يملكون تاريخًا من معارضة النظام والنزوح. ووسّع القانون رقم 10 لعام 2018 هذا المنطق ليشمل البلاد بأكملها، إذ ألزم المالكين والمستأجرين بإثبات حقوقهم من خلال إجراءات تقييدية. وقد كُشِف على نطاق واسع عن إمكانية استخدام هذه الأدوات لانتزاع ممتلكات، لا سيما أولئك الذين لا يمكنهم العودة أو الحصول على الوثائق أو المطالبة بممتلكاتهم بأمان. ومع ذلك، تشير تقارير حديثة عن مقترحات لإعادة الإعمار في شرق دمشق إلى أن السلطات السورية الجديدة قد تواصل العمل وفق المنطق القانوني والاستثماري عينه، على الرغم من مخاوف السكان من عمليات المصادرة المقنّعة.
تكشف السويداء عن وجه آخر للمشكلة عينها. بعد أعمال العنف في تموز/يوليو 2025، بقي العديد من سكان القرى المتضررة نازحين، فيما تضمنت خارطة الطريق التي وضعتها الحكومة السورية بالتعاون مع الأردن والولايات المتحدة خططًا لإعادة بناء القرى والممتلكات المتضررة. وعلى الرغم من الحاجة الملحة إلى إصلاح الأضرار، تبرز المشكلة عندما تبدأ أعمال إعادة الإعمار قبل أن يتمكن السكان النازحون من الوصول بأمان إلى منازلهم، أو المشاركة في اتخاذ القرارات، أو التحقق مما يجري إصلاحه ولصالح من. في مثل هذا السياق، تتحوّل إعادة الإعمار إلى مشهدٍ سياسي يقدّم دليلًا على التزام الدولة باتفاقٍ ما، بينما يبقى الأشخاص الذين تخضع منازلهم لعمليات التعافي غائبين عن هذه العملية ويُحرمون من العودة. ويكمن الخطر في أن تصبح إعادة الإعمار استعراضًا للاستقرار بدلًا من أن تكون وسيلة لتمكين السكان من العودة.
لم يكن النزوح في السويداء مجرد مسألة تتعلق بالمباني المتضررة. فقد تسبب العنف في نزوح جماعي، وانعدام الأمن، وأعمال نهب، وإغلاق الطرق، وتفاقم انعدام الثقة بين المجتمعات المحلية وتجاه السلطات. ووصفت التقارير التي صدرت بعد الاشتباكات عمليات نزوح واسعة النطاق، في ظلّ غموضٍ شديد يكتنف إمكانية عودة العائلات المتضررة، فيما بقي وصول المساعدات الإنسانية مقيدًا بفعل الظروف اللوجستية والأمنية. وفي ظل هذه الظروف، لا يتمثّل المعيار الأساسي لنجاح التعافي في إعادة إعمار المنازل على الورق، بل في قدرة السكان على العودة بأمان، واستعادة ممتلكاتهم، والحصول على الخدمات، والمشاركة في تحديد معنى الإصلاح، ورؤية محاسبة فعلية على أعمال العنف والاستيلاء على الممتلكات التي جعلت التعافي ضروريًا في المقام الأول.
تظهر آلية ثالثة في استهداف المجتمعات العلوية عبر المطالبات بالأراضي والممتلكات بعد سقوط الأسد. وقد نشأت بعض التجمعات السكانية العلوية عينها نتيجة تاريخٍ سابق من الامتيازات والإسكان العسكري والاستملاك وإعادة توزيع الممتلكات في ظلّ الحكم الاستبدادي. غير أن عمليات الإخلاء والتهديدات الأخيرة التي طاولت السكان العلويين، بمن فيهم عائلات تمتلك وثائق تثبت ملكيتها، تُظهر كيف يمكن الردّ على مظالم تاريخية عبر العقاب الجماعي بدلًا من الإنصاف القانوني. تبرز مخاوف مماثلة في ريف حماة وسهل الغاب، حيث وثّقت منظمات حقوقية حالات تهجير قسري واستيلاء غير قانوني على ممتلكات العلويين بعد سقوط الأسد. هذه الحالات تعقّد أي سردية تبسيطية تفترض أن الفاعلين المحليين، أو أولئك الذين برزوا بعد الأسد، أو المناهضين للنظام، هم بالضرورة قوى تحررية. يمكن أن تتحوّل الملكية العقارية إلى ساحة للصراع حول المظالم التاريخية والمخاوف الطائفية والانتقال السياسي، ما يعيد إنتاج ممارسات الاستيلاء الاستبدادية على الممتلكات، لكن بضحايا مختلفين.
وهكذا، تُضفي الحالة السورية بُعدًا أكثر تحديدًا على نقد مقاربات نزع الاستعمار. فالمشكلة لا تقتصر على المعرفة الاستعمارية أو نماذج إعادة الإعمار المستوردة، بل تكمن في نقطة التقاء أطر التعافي التكنوقراطية مع أدوات السلطة المحلية، من ضمنها الأطر القانونية والمؤسسات الأمنية والجماعات المسلحة والسرديات الطائفية والمشاريع الاستثمارية التي تحدد من يحقّ له أن يكون جزءًا من المستقبل. وبالتالي، فإن أي تعافٍ يهدف إلى جبر الضرر بصورة ملموسة، لا بدّ أن يتصدى لقوانين المصادرة العائدة إلى عهد الأسد، ويحمي النازحين من فقدان حقوقهم ومطالباتهم، ويمنع تحوّل إعادة التأهيل إلى مسرح سياسي، ويرفض الاستيلاء على الممتلكات بدافع الانتقام.
نحو تعافٍ مكاني تعويضيّ يتجاوز لغة نزع الاستعمار
يبدأ التعافي المكاني التعويضي بالتعامل مع الأرض والسكن باعتبارهما قضيتين سياسيتين، لا مجرد ملفات إدارية. في سوريا، تتشتت المطالبات المتعلقة بالسكن والأراضي والملكية نتيجة النزوح، وتدمير الوثائق، والحيازة غير الرسمية، والنزاعات على الميراث، والخوف من العودة، وعدم تكافؤ فرص الوصول إلى المحاكم أو السلطات. يجب أن يحمي التعافي السكان من فقدان حقوقهم في المطالبة بسبب غيابهم، أو افتقارهم إلى الوثائق، أو الاشتباه في مواقفهم السياسية، أو كونهم مستأجرين لا مالكين، أو لاجئين، أو من أسر تعيلها نساء، أو من أفراد جماعات موصومة اجتماعيًا. تعد حقوق السكن والأراضي والممتلكات أساسيةً لتحديد ما إذا كانت العودة ستكون آمنة وكريمة ومستدامة.
كما يتطلب التعافي الجابر للضرر أيضًا امتلاك سلطة التأثير في قرارات إعادة الإعمار. فالمشاركة وحدها لا تكفي إذا كانت المجتمعات المحلية تُستشار فقط بعد اتخاذ القرارات بشأن الموازنات، واستخدامات الأراضي، والمقاولين، والظروف الأمنية. ويكمن المعيار في مدى قدرة السكان المتضررين على تحديد الأولويات، ووقف المشاريع الضارة، والمطالبة بالتعويض، والطعن في قرارات نزع الملكية، والوصول إلى المعلومات.
وهنا، يجب أن يتجاوز النقد من منظور نزع الاستعمار ثنائية الهيمنة الخارجية والتحرر المحلي. فتُظهر سوريا أن المدن والأراضي لا يُعاد بناؤها على أرضٍ بريئة من إرث الماضي، بل من خلال مؤسسات الدولة الموروثة، والمناطق الخاضعة للعسكرة، وأنظمة الملكية، والمخاوف الطائفية، وأنظمة المانحين، والسرديات الوطنية التي قد تعيد إنتاج الإقصاء. إذن، فإن المهمة ليست التخلي عن منظور «نزع الاستعمار»، ولا التعامل معه كإجابة مكتملة، بل إخضاعه للمساءلة على أساس نتائجه المادية الملموسة، إذ لا يصبح التعافي جابرًا للضرر بصورة حقيقية إلا عندما يغير هذه الظروف المادية في الممارسة العملية، لا عندما يغير المفردات التي تتحدث بها السلطة.
تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.