1. مقدمة: السويداء تحت الهجوم
لم يندلع هجوم تموز/يوليو 2025 على السويداء عفويًا. فقد سبقته حملة مستمرة من التحريض الطائفي أطَّرَت المجتمع الدرزي في صورة "عدو داخلي" وطبَّعَت العنف ضده. ابتداءً من ربيع عام 2025، زاد في الخطاب العام نعت الفاعلين الدروز بالـ “مرتدين" و"العملاء"، بالتزامن مع إذكاء التحريض الديني والإعلامي مناخًا من العداء وتوفيره الغطاء الأخلاقي للعقاب الجماعي. وفي الوقت نفسه، تعرض المدنيون الدروز لمضايقات منهجية عند نقاط التفتيش، وإغلاق متقطع لطريق دمشق-السويداء، وضغوط إدارية واقتصادية متصاعدة تهدف إلى إجبارهم على الامتثال السياسي.
في هذا السياق، لا يمكن اختزال ما حدث بين 13 و20 تموز/يوليو إلى تدخل أمني محلي أو نزاع عشائري محدود. وكما يرى مازن عزّي، فالنمط أقرب إلى البوغروم: عنف جماعي منظم أو مُتسَامَح معه ضد أقلية عرقية-دينية محددة، يسبقه تشويه مستمر للصورة ويجري بالقتل والنهب والإذلال وتدمير المنازل والمواقع المجتمعية . وتسميته بهذا المسمى مسألة تحليلية وليست بلاغية. إذ يسلط الضوء على الدور الوظيفي للتحريض والشائعات والتعبئة الدينية والإعلامية في التحضير للعنف — إنتاج مناخ أخلاقي صار فيه اقتحام البيوت والإعدام الميداني والحرق المنهجي أمرًا مقبولًا اجتماعيًا ومسموحًا به سياسيًا.
وثقت تحقيقات حقوقية متعددة مستقلة ودولية كيف ارتكبت الوحدات الأمنية فظائع ضد المدنيين الدروز: إعدامات خارج نطاق القضاء في الساحات العامة والبيوت والمدارس وحتى في مستشفى. تُظهر مقاطع فيديو تم التحقق منها رجالًا بالزي العسكري يرافقون مدنيين عزل قبل إعدامهم من مسافة قريبة، وتصف شهادات شهود العيان مداهمات متنقلة من بيت إلى بيت انتهت بعمليات قتل.
لم تقتصر هذه الاعتداءات على العنف المباشر ضد المدنيين، بل شملت تدميرًا منهجيًا: فقد أُحرقت المنازل، ونُهبت الأسواق، ودُنست المعالم الدينية، وخُرِّبَت البنية التحتية. أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية بنزوح أكثر من 187,000 شخص في غضون أسابيع، مع التجاء العائلات إلى مدارس ومبانٍ عامة مكتظة، من دون طعام أو ماء أو خدمات طبية في الغالب. شكّلت هذه الأحداث مجتمعةً أحد أخطر التصعيدات في جنوب سوريا منذ بدء الحرب، لتتحوّل السويداء بفعلها من مركز محافظة فعّال إلى منطقة طوارئ إنسانية.
في مدينة السويداء وقراها، تجسد العنف مكانيًا من خلال القصف المدفعي والطائرات المسيّرة، وحرق المنازل، والنهب المنهجي، وتخريب البنية التحتية، وكل ذلك جرى في تتابع سريع. دُمِّرَت الأسواق والساحات — البنية التحتية المادية للتفاعل الاجتماعي —؛ وأُحرقت المنازل أو نُهبت؛ وعُطِّلَت الكهرباء والمياه والاتصالات؛ وتسبّب إغلاق الطرق والمخلفات المتفجرة في تقييد الحركة. تتوافق هذه الإجراءات مع مفهوم "إبادة العمران" — التدمير المتعمد للمباني لمحو التنوع في الحياة الحضرية واستبداله بالتشابه القسري — و"إهلاك السكنى" — التدمير المتعمد للمنزل وملحقاته. إبادة العمران ليست مجرد خسارة مبانٍ، بل هي تفكيك للعمران — النسيج الضام الذي يتيح التجمع والتعاون والمعارضة. أما إهلاك السكنى فيقطع أوصال الانتماء والذاكرة بإحراق البيوت وتجريد أهلها منها وجعلها غير صالحة للسكن؛ كما تشمل النهب التافه والمستمر للبيوت وتخريب المرافق الحيوية بما يحول دون عودة الأهالي إليها.
والأهم من ذلك أن الهجوم على السويداء استخدم الظروف البيئية كسلاح. فقد أسفرت سنوات الجفاف (2006-2011 وما بعدها) عن إجهاد الموارد المائية والنظم الإيكولوجية الزراعية؛ وزادت الأعمال العدائية التي وقعت عام 2025 من حدة هذا الوضع الهش من خلال تكتيكات استمرت آثارها إلى ما بعد انتهاء القتال. عند قراءة هذه الأعمال العدائية البيئية من خلال مفهوم العنف البطيء لنيكسون، نجد أنها أضرار متزايدة ومنتشرة مكانيًا تقوض إمكانية العودة حتى بعد توقف القصف. وبهذا المعنى، لا تظهر الإبادة البيئية — أي تعمّد جعل البيئة غير صالحة للسكن — على أنها أثر جانبي، بل أسلوب حكم يوسع نطاق إبادة العمران وإهلاك السكنى ليشمل المجال البيئي.
تُظهر التجربة السورية كيف يتكرر العنف المكاني عبر الزمن والمناطق والجهات الحاكمة. في المراحل المبكرة من النزاع — في عهد الأسد —، استُخدِم الحصار والقصف والمحو القانوني والإداري بعد النزاع لترسيخ القمع والحرمان. وكما سنناقش لاحقًا في القسم الثاني، عادت في السويداء، في عهد نظام الشرع، الأساليب نفسها لتظهر من جديد متداخلة، وتجلب نتائج مدمرة بالقدر نفسه. ورغم اختلاف الأساليب من حيث التسلسل والعمق المؤسسي — بسبب اختلاف الأسباب الكامنة وراءها والجهات الفاعلة — فمنطقها الأساسي واحد: جعل المنازل والأحياء والبيئة المحيطة غير صالحة للسكن، وتفكيك التضامن الاجتماعي، ومعاقبة المناطق من خلال السيطرة على الحركة والخدمات والأفق الزمني.
باستقراء مفهوم لوفيفر في "الحق في المدينة" الذي يشدّد على أن الفضاء ينتج فعليًا عبر سُلطة القوة، وأدبيات العدالة المكانية الداعية لمساءلة التوزيع الجغرافي غير المتكافئ للضرر، تُبرز السويداء جليًا منهجية الحكم الاستبدادي في تكريس الظلم مكانيًا عبر أبعاد العدالة المكانية كافة. ففي هذا السياق، تغدو السيطرة على الفضاء سيطرةً تامةً على سبل الوصول إلى موارد الحياة؛ كالماء، والغذاء، وحرية التنقل، والكهرباء، والأمان. فالسلطة السيادية تنظم الحركة، وتفرض ظروفًا شبه حصاريةٍ عبر نقاط التفتيش وإغلاق الطرقات، وتحيل البنية التحتية أداة عقابٍ وإكراه.
من منظور العدالة المكانية (التوزيعية، والاعترافية، والإجرائية)، تتداخل هذه الأبعاد، لتكشف عن تقاطع أشكال الظلم في السويداء. فمن الناحية التوزيعية، تحدد السيطرة المكانية من يحصل على السكن والبنية التحتية والحماية — ومن يُحرم منها عبر نقاط التفتيش وإغلاق الطرق والاستهداف. من الناحية الإجرائية، تملي السيطرة المكانية من يُسمح له بالمشاركة في إعادة الإعمار والحكم، ومن يُستبعد في ظل ظروف قسرية. ومن الناحية الاعترافية، تقرر السيطرة المكانية أي مشاهد ثقافية وذكريات جماعية تُحفَظ، وأيها يُمحى.
أنطلق في تعليقي هذا من 3 فرضيات. أولًا، ليست إبادة العمران وإهلاك السكنى تجاوزات عرضية، إنما هي طرائق حكم تستخدم البيئة العمرانية والمسكن كسلاح لقمع الحياة الجماعية. ثانيًا، إدماج الضرر البيئي في هذا النطاق، فالإبادة البيئية تغدو آلية سيطرة بطيئة بفعل الانبعاثات الناتجة عن حرق المنازل، وتلوث الأنقاض والنفايات المستمر، والضغط على المياه الجوفية تحت الحصار، وتعطيل البنية التحتية الزراعية. ثالثًا، تتطلب معالجة أزمة السويداء تعافيًا موجهًا نحو العدالة يربط إعادة الإعمار الحضري بالإصلاح البيئي — إزالة الأنقاض وإدارتها بأمان، وإعادة تأهيل الآبار، ودعم إعادة الزراعة واستعادة التربة، واستعادة المشاهد الثقافية، وضمان إجراءات شاملة وشفافة لا تعيد إنتاج الإقصاء. يربط التحليل أدناه هذه المقترحات بالحقائق المعلنة والأطر النظرية. بالاعتماد على التقارير الإنسانية، وتحليل الوسائط المختلطة، ومقابلات مع شهود عيان، تحدّد السؤال المركزي هنا في: كيف يستخدم العنف الاستبدادي كل من الفضاء الحضري والبيئة كسلاح لفرض السيطرة ومحو المقاومة، وما الذي تتطلبه استجابة العدالة المكانية-البيئية؟
راجعنا جميع الادعاءات الواردة في المقابلات المذكورة هنا وقارناها مع تقارير وسائل الإعلام المحلية، وحيثما أمكن، مع مقاطع فيديو محددة الموقع الجغرافي لضمان الاتساق والموثوقية.
2. إبادة العمران وإهلاك السكنى: تدمير الفضاء والمنزل
تجلى هجوم تموز/يوليو وآب/أغسطس 2025 على السويداء كهجوم مباشر على الأسس المادية والرمزية للحياة الجماعية. في هذا السياق، قابلنا 3 أشخاص نتحفظ على هوياتهم —صحفي محلي يوثق التطورات على الأرض، ومحامٍ ممارس على دراية بالانتهاكات القانونية والعقارية في المحافظة، ومهجّر من أهل المنطقة متضرر من الهجوم —، وقدموا لنا وجهات نظر مهنية وتجريبية متكاملة. وفقًا لهؤلاء الأشخاص (المقيمين في المنطقة، مقابلات شخصية، تموز/يوليو-آب/أغسطس 2025)، ضربت قذائف المدفعية والطائرات المسيّرة الأحياء السكنية والأسواق والمدارس والمستشفيات — وهي أماكن محورية للتفاعل المدني والحركة. إن استهداف البنية التحتية حين يركز على البنية المدنية بدلًا من العسكرية يجسد ما يُعرفه كاوارد بإبادة العمران: الاستهداف المتعمد للبيئة العمرانية لتدمير التنوع وظروف الحياة السياسية . فالقصف بتعطيله الأسواق والساحات يفكك النسيج الضام لعملية العمران نفسها، جاعلًا الحياة الجماعية مقلقة.
إلى جانب ذلك، أظهرت مقاطع فيديو عديدة متداولة على وسائل الإعلام المحلية أن المنازل نفسها أصبحت أدوات للعقاب. أُعدم مدنيون في مساكنهم، وشاهد آخرون منازلهم تُحرق عمدًا قبل أن تُجرد من الأثاث والأسلاك والتجهيزات. تتوافق هذه الممارسات مع تعريف بورتيوس وسميث لإهلاك السكنى بالتدمير المتعمد للمنزل. في السويداء، تداخلت أشكال مختلفة من إهلاك السكنى: فقد تزامنت أعمال الحرق مع النهب المنهجي، لضمان تدمير البيوت وتجريدها في الوقت نفسه من قيمتها المادية والرمزية.
كان البعد الرمزي لإهلاك السكنى واضحًا بشكل خاص. لم يكن حرق الكنائس والمزارات والمعالم المجتمعية اعتداءً على الهياكل المادية وحدها، بل على الركائز الثقافية والرمزية للمكان. كما انخرطت الحكومة والقوات التابعة لها في أعمال إهانة رمزية، من قبيل حلق شوارب الرجال الدروز قسرًا، وهي حركة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالفخر والهوية المجتمعية. لم تسعَ هذه الممارسات إلى إهانة الأفراد فحسب، بل تجاوزتها إلى إهانة الكرامة الجماعية للمجتمع. يساعدنا مفهوم لوفيفر عن المدينة بوصفها عملًا جماعيًا في تفسير عنف هذه الأفعال: فقد كانت تهدف إلى بتر الهوية الثقافية والذكريات الحية المنقوشة في المكان، وتفكيك أسس الانتماء ذاتها.
لم تكن إبادة العمران وإهلاك السكنى في السويداء مجرد فظائع حربية منعزلة، بل شكّلتا معًا أساليب حكم منهجية. والهدف منهما إعادة تشكيل المنطقة من خلال تفكيك البنى التحتية الاجتماعية والمادية التي تمد الحياة الجماعية بأسباب الاستمرار. ظهرت أنماط مماثلة في حمص إبان النزاع السوري، إذ سبق الحصار والقصف وتدمير المساكن إعادة هندسة ديموغرافية، وكذلك في البوسنة في التسعينيات وحاليًا في غزة، حيث أحال استهداف المنازل والبنية التحتية المكان شيئًا فشيئًا غير صالح للسكن. من حيث العدالة المكانية، حرمت هذه التكتيكات المجتمعات من الحقوق التوزيعية بحرمانها من الوصول إلى السكن والأسواق والمياه والخدمات الأساسية. وقد قوضت هذه التكتيكات الفاعلية الإجرائية باستبعادها السكان من القرارات المتعلقة بالبقاء على قيد الحياة والتعافي وإمكانية العودة. وانتهكت العدالة الاعترافية بمهاجمتها المعالم الثقافية ورموز الكرامة، ومحو الهويات ذاتها المنقوشة في المكان. وكان الأثر التراكمي لذلك كسر التضامن، وسد الطريق أمام العودة، وترسيخ النزوح كحالة دائمة — لتتحوّل السويداء إلى أرض غير صالحة للسكن تخضع للسيطرة الاستبدادية.
3. الإبادة البيئية والعنف البيئي البطيء
تكشَّفَ العنف في السويداء على خلفية الأزمة البيئية المطولة في سوريا. منذ عام 2006، عانى البلد أسوأ موجات الجفاف في تاريخه الحديث، اتسمت بتلف المحاصيل على مدى عدة مواسم، وانخفاض منسوب المياه الجوفية، والنزوح الريفي الجماعي. لا يزال العلماء منقسمين حول دور التغير المناخي في إشعال انتفاضة عام 2011، ولكن يوجد إجماع واسع على أن الجفاف المطول فاقم أوجه الضعف ووضع ضغطًا هائلًا على سبل العيش الزراعية.
في عام 2025، استُخدِمَت هذه الضغوط البيئية كسلاح متعمد في السويداء من خلال أعمال الإبادة البيئية. أُحرِقَت البساتين والأراضي الزراعية، ما قضى على مصادر الرزق وتسبب في إطلاق دخان سام. أشار أحد المشاركين في المقابلة، وهو عضو في فريق التوثيق التطوعي، إلى استخدام مواد كيميائية مسرعة للاحتراق في الحرائق المتعمدة، أفرزت انبعاثات شديدة بشكل غير عادي وخلّفَت تلوثًا طويل الأمد. أُضرمت النيران في مربعات سكنية بأكملها، فخلَّفَت غبارًا وأنقاضًا خطرة لا تزال تغطي الشوارع والتربة. كما طال التخريب والحرق منشآت استراتيجية، منها مطحنة الحبوب الرئيسة، الأمر الذي شلّ قدرات تجهيز الأغذية في جميع أنحاء المحافظة.
كما استُهدفت البنية التحتية المائية. ففي القرى الخمس والثلاثين التي تسيطر عليها القوات الحكومية، تعرضت الآبار للنهب والتخريب أو الطمر بشكل منهجي، فقضت على المصادر الأساسية للأسر والزراعة على حد سواء. ومع تعطيل الشبكات المركزية، اضطر السكان إلى الاعتماد على الآبار الخاصة ومولدات الديزل، وأسفر هذا عن تسريع استنزاف المياه الجوفية مع خلق أعباء جديدة تتمثل في الضوضاء وتلوث الهواء وندرة الوقود. وكما أوضح أحد الأشخاص الذين قابلناهم:
"كان للهجوم، ومن بعده الحصار، تأثير مدمر على السكان. المياه شديدة الندرة، بعدما أصبح الوصول إلى الآبار في القرى الغربية مستحيلًا؛ وفي بعض الحالات، طالها التخريب المتعمد عبر نهبها وطمرها. وإذا توفرت المياه من الناحية الفنية، فإن عدم توفر الوقود يحول دون ضخها. الكهرباء غائبة بالكامل تقريبًا— لا تصل إلا كل 6 أو 7 ساعات لمدة لا تتجاوز 45 دقيقة —، ما يجبر الأسر على الاعتماد على المولدات الخاصة للحصول على المياه".
وتؤكد شهادات أخرى هذه التكتيكات. وصف المقيم الثالث، المنحدر من قرية لا تزال تحت سيطرة الحكومة، لقطات مسربة تظهر القوات الحكومية والقوات التابعة لها وهي تقطع الأشجار حول منزله، وحذر من أن السكان، في ظل ندرة الوقود تحت الحصار، يخشون الاضطرار إلى الاعتماد على الغطاء الشجري المتبقي من أجل البقاء. هذه المخاطر المتغيرة تسرّع عمليات قطع الأشجار الجارية بالأصل بلا رقابة تُذكَر، وقد استنزفت منذ فترة طويلة المساحات الخضراء في السويداء، ليزداد بالتالي انحسار الغطاء الشجري الهش في المناطق الحضرية والريفية، لتغدو الخسائر الإضافية كارثية من الناحية البيئية.
فاقمت هذه الضغوط من الانهيار البيئي الأوسع نطاقًا. فنهب الآلات الزراعية وشلل الزراعة فاقم خطر تدهور التربة وانعدام الأمن الغذائي على المدى الطويل. كما جعلت مخلفات الحرب — ومنها الألغام الأرضية والذخائر غير المنفجرة — البساتين ومراعي الماشية والطرق الريفية غير آمنة، لتمنع التعافي وتطيل النزوح. روى شهود عيان وجود جثث وقمامة غير مجمعة في الشوارع، مع ذبح الماشية من دون تعويض بسبب نقص العلف. وتراكمت النفايات الطبية بلا معالجة. وأفاد السكان أن شدة الحرائق — الواضحة من ذوبان الزجاج والعناصر الإنشائية — تشير إلى أن الحكومة والقوات التابعة لها استخدمت مواد كيميائية محظورة لإشعال النيران في المنازل، مطلقةً سمومًا ذات عواقب بيئية خطيرة ودائمة.
تجسد هذه التكتيكات ما يسميه نيكسون العنف البطيء: ضرر تدريجي واستنزافي يمتد إلى ما هو أبعد بكثير من مشهد القصف. وعلى عكس الرؤية المباشرة للإعدامات أو الضربات المدفعية، فإن آثار الإبادة البيئية — الهواء المسموم، والآبار المطمورة، والبساتين الملغومة، والأشجار المقطوعة، والنفايات السامة — خفية، وتتكشف على مدى سنوات. في السويداء، الجفاف ليس مجرد أزمة طبيعية، بل فرصة سياسية تُستَغل: عنف استبدادي ضاعف الانهيار البيئي ليحوّل الندرة إلى أداة للسيطرة والتهجير. هنا، يُستخدم مصطلح الإبادة البيئية تحليليًا لوصف تعمد جعل البيئة غير صالحة للسكن أو مفاقمة هذه الحالة كاستراتيجية للتهجير. ولا يُستخدم هذا المصطلح بمعنى الدعوى القانونية الرسمية، بل نستدعيه لنلتقط كيفية توظيف التدهور البيئي كأسلوب للحكم الاستبدادي — القضاء على سبل العيش، واستنزاف القدرات الزراعية، وجعل العودة غير ممكنة من الناحية المادية.
4. المحو المكاني والعدالة البيئية
يكشف التقاء إبادة العمران وإهلاك السكنى والإبادة البيئية في السويداء عن منطق أوسع للمحو المكاني. لم يعطِّل العنف ضد المنازل والبنية التحتية والنظم البيئية الحياة اليومية فحسب، بل فكك الأسس المادية والثقافية والرمزية التي تربط الناس بالمكان أيضًا. فقد تعرضت الأسواق والساحات، وهي مواقع التبادل واللقاء، للقصف والنهب، تفتت معها التفاعل الاجتماعي. وأُحرقت المنازل أو نُهبت، ما قطع الروابط مع الذاكرة والانتماء. وطال التدهور البساتين والتربة والآبار، ما أسفر عن تقويض الأساس البيئي للعودة. حوَّلَت هذه الإجراءات مجتمعة السويداء من بيئة حية إلى مشهد من المصادرة والتجريد.
تعكس هذه الدينامية رؤية لوفيفر إلى المكان بوصفه نتاج علاقات القوة، وليس وعاءً حياديًا. ففي السويداء، ترسخت السلطة الاستبدادية من خلال تعمدها جعل المدينة والريف غير صالحين للسكن. والأهم من ذلك أن هذا الأمر لم يكن ماديًا فحسب، بل رمزيًا أيضًا. فقد شكّل حرق الكنائس والمزارات والمعالم المجتمعية، مقترنًا بأعمال الإذلال كحلق شوارب الرجال الدروز قسرًا، هجومًا مباشرًا على الهوية الثقافية والكرامة الجماعية. ولم تكن ممارسات الإذلال هذه رمزية فحسب؛ فقد كانت بمثابة تقنيات للسيطرة المكانية، تهدف إلى كسر الكرامة المجتمعية وجعل الوجود في المكان متقلقلًا. وكما يجادل مازن عزّي في قراءته للسويداء من عدسة البوغروم، فقد شكّل الإذلال العلني — إلى جانب النهب والحرق — جزءًا من مجموعة من الأساليب المنظمة أعادت صياغة المجتمع المستهدف بوصفه "عدوًا داخليًا" شرعيًا وطبَّعَت طرده. وبهذه الطريقة، امتد المحو المكاني إلى ما وراء المباني والبنية التحتية ليستهدف الذاكرة والطقوس والاعتراف وشرعية الانتماء ذاتها.
من منظور العدالة المكانية، توضح هذه الممارسات التفاوتات العميقة في توزيع الضرر والبقاء. فقد أناخ عبء التدهور البيئي وتلوث الأنقاض واستنزاف المياه الجوفية بكلكله على المدنيين، في حين احتفظت الحكومة والقوات التابعة لها بالسيطرة على البنية التحتية والموارد الاستراتيجية. ومن الناحية الإجرائية، استُبعِدَت المجتمعات المحلية من القرارات المتعلقة بالمساعدات، والحركة، والحكم، والتعافي. ومن منظور العدالة الاعترافية، أنكر طمس المواقع الرمزية شرعية الهوية الدرزية وسلبها الارتباط بالمكان.
لذلك، في السويداء، لا يمكن التعامل مع التدمير البيئي على أنه نتيجة غير مقصودة لإبادة العمران وإهلاك السكنى؛ بل كان امتدادهما في المجالين البيئي والرمزي. وإدراك هذه العلاقة المتبادلة ضروري لفهم عمق العنف وحجم العدالة المطلوبة للتعافي.
5. المقاومة وإمكانية التعافي
على الرغم من حجم الدمار، لم تُسكت السويداء. بالتوازي مع المحاولات الاستبدادية لتفكيك المنزل والمدينة والبيئة، حشدت المجتمعات ممارسات يومية للصمود والدفاع عن المكان والبيئة. عمل السكان بشكل جماعي لحماية الآبار المتبقية، وتقنين موارد المياه الشحيحة وتقاسمها، وإعادة زراعة البساتين المتضررة، سعيًا لاستعادة قدر من الأمن الغذائي واستمرارية الحياة تحت الحصار. في الوقت نفسه، عبرت الاحتجاجات والتجمعات عن مطلب الحق في تقرير المصير، وربطت البقاء المادي بالاستقلال السياسي. وكما أوضح أحد المحامين المحليين ممن قابلناهم في إطار هذه الدراسة، فإن الحركة "نشأت من المعاناة نفسها؛ كانت وسيلة للإصرار على الوجود ومقاومة المحو على الرغم من محاولات تصوير الأمر بخلاف ذلك". ويوضح هذا التمرد أن التعافي لا يبدأ بالتدخلات الخارجية، بل بالجهود المحلية للحفاظ على الحياة تحت الحصار وتصور مستقبل يتجاوز السيطرة الاستبدادية.
وبالتالي، يظهر التدمير الاستبدادي والإصلاح الشعبي كمشروعين مكانيين متنافسين. فحيث يسعى أحدهما إلى محو الذاكرة وتهجير السكان، يسعى الآخر إلى الحفاظ على الاستمرارية من خلال الرعاية والزراعة والإشراف الجماعي على الأرض والبنية التحتية. هذا التوتر ضروري لفهم سياسات التعافي: فالإصلاح ليس مسألة تقنية فحسب، بل مسألة سياسية أيضًا، لأنه يستعيد الحق في البقاء والعودة وإعادة البناء. أصبح الإصلاح المجتمعي أيضًا دفاعًا عن الكرامة — لمواجهة الإذلال والمحو اللذين، كما يلاحظ عزّي، يشكّلان جوهر ذخيرة العنف الشبيه بالبوغروم. كما يجسد ما تسميه ميرافتاب "التخطيط التمردي"، وما يصفه الباحثون بالأمل الجذري — القدرة على تصور مستقبل عادل في خضم الدمار نفسه.
يشكّل الصمود الذي تقوده المجتمعات المحلية أساس التعافي، ولكن يجب دعمها وتوسيع نطاقها بشكل منهجي عبر نهج شامل. يتطلب التعافي المستدام استراتيجيات مدروسة لإصلاح البيئة: برامج إعادة التحريج وإعادة الزراعة، وإعادة تأهيل المياه والتربة الملوثة، وحماية المشاهد الثقافية بصفتها ذخائر الذاكرة. يجب أن تكون هذه الجهود جزءًا لا يتجزأ من أطر أوسع للعدالة، لضمان ألّا تتسبّب إعادة الإعمار في تكرار الإقصاء، لتكون بدلًا من ذلك فاتحة لاستعادة الحقوق في السكن والبيئة والانتماء، وفي نهاية المطاف، في تقرير المصير.
6. الخلاصة: السويداء كحالة من حالات العدالة المكانية والبيئية
يُظهر الهجوم على السويداء كيف يعمل العنف الاستبدادي على مستويات متعددة: المدينة كفضاء جماعي، والمنزل كموقع للانتماء، والبيئة كأساس للبقاء. لم تكن إبادة العمران وإهلاك السكنى والإبادة البيئية نتائج جانبية للحرب، بل استراتيجيات متعمدة للسيطرة، مصممة لتفكيك سبل العيش والذاكرة وشروط العودة ذاتها.
وفهم هذا التدمير متعدد الطبقات ضروري لتشكيل عملية التعافي. يجب أن تتجاوز إعادة الإعمار مجرد إعادة بناء المنازل والبنية التحتية لتعالج الظلم التوزيعي والإجرائي والاعترافي المتأصل في دمار السويداء. يتطلب التعافي الموجه نحو العدالة لا الإصلاح المادي وحده، بل أيضًا الاستعادة البيئية — إزالة الأنقاض بأمان، وإعادة تأهيل الآبار، وإعادة زراعة البساتين، وحماية المشاهد الثقافية بوصفها ذخائر الذاكرة والهوية.
وبالمثل، تؤكد السويداء أن الصمود بقيادة المجتمعات المحلية والمطالبات بالحق في تقرير المصير ليست هامشية، بل أساسية لعملية التعافي. وتجسد أعمال الرعاية والزراعة والإشراف الجماعي ممارسات ثورية وأملًا جذريًا: القدرة على تصور مستقبل عادل وسط الدمار. ومن الضروري دعم هذه الممارسات الشعبية وتوسيع نطاقها إذا أريد لإعادة الإعمار أن تنتقل من إعادة التأهيل التقني إلى العدالة التحويلية.
لذلك، فإن الدفاع عن الحق في الوطن والذاكرة في السويداء يعني أيضًا الدفاع عن النظم البيئية التي تدعمهما. إن ربط العدالة المكانية بالعدالة البيئية مسألة حتمية وليست اختيارية. فمن خلال هذا النهج المتكامل، وليس أي نهج آخر، يمكن للتعافي أن يقاوم المحو الاستبدادي ويضع الأساس للعودة العادلة، والصمود الجماعي، والسلام الدائم.
تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.