مواجهة الفجوة: الربط بين النضالات من أجل الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والحقوق الشخصية والسياسية

تأملات متوازية من علاء الطالبي وحسام بهجت، ناشطين بارزين في حركة حقوق الإنسان في المنطقة

مقابلة أجرتها ديالا أحوش

Confronting the Divide: Bridging Socio-Economic and Personal-Political Rights Struggles
صورة مركّبة: متظاهرون في شارع الحبيب بورقيبة يحتجّون على "القرارات الاستثنائية" للرئيس التونسي قيس سعيّد، تونس العاصمة، 10 أكتوبر/تشرين الأول 2021 (© Nacer Talel - AA)؛ ومتظاهرون في ميدان التحرير، القاهرة، 15 يوليو/تموز 2011 (© John Wreford - shutterstock). تصميم: مبادرة الإصلاح العربي.

تجمع هذه المقابلة اثنين من أبرز نشطاء حقوق الإنسان في المنطقة، اللذين قادا التفكير النقدي والعمل الحقوقي الفعّال خلال تولّيهما منصب المدير التنفيذي لكلّ من المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، لمناقشة سبل الربط بين النضال من أجل الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والنضال من أجل الحقوق السياسية. يعكس تصريح لعلاء الطالبي واقعًا بسيطًا في ظاهره، لكنه بالغ التعقيد:

«لا يمكن للحركة الحقوقية أن تؤسّس لتغييرٍ مجتمعي حقيقي، سواء على مستوى العدالة الاجتماعية أو على مستوى الحريات، من دون عمل مشترك، ومن دون مراعاة مختلف التوجهات الموجودة في المجتمع. فلا يمكن معالجة القضايا الاجتماعية والاقتصادية على حساب الحريات، كما لا يمكن الدفاع عن الحريات على حساب الحقوق الاجتماعية والاقتصادية. ما نحتاج إليه هو مقاربة متكاملة تجمع بين هذين البُعدين، وأن تشكّل هذه المقاربة أساس عملنا الجماعي».

لطالما شكّلت مسألة الربط بين النضال من أجل الحقوق الشخصية والسياسية والنضال من أجل الحقوق الاجتماعية والاقتصادية أحد أبرز التحديات التي واجهت الحركات الحقوقية في المنطقة، بل وحتى أحد أوجه إخفاقها، منذ ثورات عام 2011 وصولًا إلى عودة الأنظمة الاستبدادية التي تلتها. يعزو كثيرون الإخفاق في استدامة مسارات التحول الديمقراطي إلى العجز عن ترسيخ المطالب الاقتصادية والاجتماعية للشعوب وترجمتها إلى سياسات ملموسة في صلب العمليات السياسية التي أعقبت سقوط الأنظمة. واليوم، فيما نعيش مرحلة من المراجعة والتأمل، تتراجع خلالها مكاسب عديدة جرى الاحتفاء بها على مدى العقد الماضي، أو تواجه تهديدات خطيرة، نعتقد أن البناء على تجارب أولئك الذين سعوا بصدق، وعلى أرض الواقع، إلى مواجهة هذا الانقسام، والاستفادة منها، يمكن أن يساعد في رسم الطريق للمضي قدمًا.

كان اختيار تسليط الضوء على هاتين المنظمتين متعمّدًا، إذ سلكت كلٌّ منهما مسارًا مميزًا في الانخراط في قضايا الحقوق الاجتماعية والاقتصادية، تَشَكّل وفقًا لتجربتها وسياق عملها واستجابتها العضوية للواقع الوطني المختلف في كلّ بلد. وقد تطورت مقاربتاهما على مر السنوات من خلال التعلّم الداخلي، والتفاعل مع المجتمع المدني والحركات المحلية، والتواصل مع الحركة الحقوقية العالمية الأوسع. كما تعمل المنظمتان في بلدين شهدا ثورةً وتغييرًا في النظام، ومرحلة من الانفتاح الأكبر أمام المجتمع المدني، أعقبتها في نهاية المطاف عودة إلى الحكم الاستبدادي. لذلك، فإن المسارين المختلفين للمنظمتين، اللذين أفضيا مع ذلك إلى استنتاجاتٍ متقاربة، يقدّمان حالتين مهمتين للتأمل في التحدي المستمر المتمثل في الربط بين الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والحقوق الشخصية والسياسية.

وقد أسهم انخراط المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، منذ تأسيسه، في العمل مع الحركات الاجتماعية والمنظمات العمّالية في جعل النضالات الاجتماعية والاقتصادية محورًا أساسيًا في نشاطه منذ بداياته، بما يعكس التجربة التونسية العريقة والناضجة نسبيًا في التنظيم النقابي والعمالي مقارنةً بدول أخرى في المنطقة. وانطلاقًا من هذه الأرضية، وسّع المنتدى انخراطه في الحركة الحقوقية، ساعيًا إلى مدّ جسور بين الحقوق الاجتماعية والاقتصادية من جهة، والحقوق الفردية والسياسية والمدنية من جهةٍ أخرى. أما المبادرة المصرية للحقوق الشخصية فسلكت مسارًا مختلفًا، إذ بدأت بالدفاع عن الحقوق الشخصية والفردية، قبل أن يتوسّع نطاق عملها تدريجيًا وبصورةٍ عضوية ليشمل الحق في الصحة بوصفه ركيزةً أساسية لتطبيق هذه الحقوق. وأدى هذا التطور إلى تبني مقاربة نقدية متكاملة تنظر إلى النضال من أجل الحقوق باعتباره نضالًا من أجل الحرية الفردية والعدالة الاجتماعية في آنٍ واحد.

أجرينا مقابلتين منفصلتين مع علاء الطالبي، المدير التنفيذي السابق للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وحسام بهجت، المدير التنفيذي للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، لكننا اخترنا عرض رؤاهما جنبًا إلى جنب، بهدف إبراز الأوجه المشتركة والمقاربات المختلفة للنضال من أجل النهوض بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية ضمن الحركة الحقوقية الأوسع، في ظلّ التحوّلات في المشاهد السياسية.

هل يمكنك أن تحدثنا عن بدايات انخراط منظمتك في الدفاع عن الحقوق الاجتماعية والاقتصادية؟

علاء الطالبي

يعود وجودنا إلى ما قبل ثورة عام 2011. في البداية، كنا نعمل بشكل غير رسمي، كلجنة لدعم الحركات الاجتماعية، ولا سيما إضراب عمال النسيج في المنستير عام 2000. وعلى مر السنين، تطوّر هذا العمل ليشمل دعمًا أوسع للاحتجاجات والنضالات الشعبية المرتبطة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية. في عام 2005، نظّمنا أول نقاش عام حول الكلفة الاجتماعية للعولمة، في وقت كانت فيه الحركة الحقوقية التونسية تركّز بشكل شبه حصري على الحريات المدنية والسياسية. آنذاك، كنا نؤمن بأن النضالات الاجتماعية والاقتصادية تملك القدرة على زعزعة النظام. وقد تأكد لنا ذلك مع انتفاضة الحوض المنجمي في عام 2008 في قفصة، التي ما زلنا نعتبرها محطةً حاسمة في تاريخ الاحتجاجات في تونس، إذ أظهرت كيف يمكن للمطالب الاجتماعية والاقتصادية أن تشكّل أساسًا لحركة سياسية أوسع.

ومع اندلاع الثورة في عام 2011، بأبعادها الاجتماعية والاقتصادية القوية، كنّا قد اكتسبنا شرعية ميدانية وراكمنا تجربة ورصيدًا غنيًا في العمل مع الحركات الاجتماعية. في العام نفسه، أسّسنا رسميًا المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، انطلاقًا من رؤية تجمع بين العمل النضالي ومرافقة الحركات الاجتماعية، والبحث السياساتي، والتضامن مع الفئات المهمّشة. ولطالما كانت فكرتنا الأساسية أن الديمقراطية تبقى هشّة ما لم تعالج القضايا الاجتماعية والاقتصادية.

حسام بهجت

تأسست المبادرة في مصر عام 2002، وركّزنا عملنا في البداية على الحقوق الشخصية، إذ تخصّصنا في حقوق الإنسان في المجال الخاص، بما يشمل قضايا الخصوصية وحرية المعتقد والسلامة الجسدية والحقوق الجنسية والإنجابية والحق في الصحة. واستند هذا الخيار إلى تقييمنا لبنية حركة حقوق الإنسان في مصر آنذاك، التي كانت تركز على الحريات العامة وحقوق الإنسان في المجال العام، لذا شعرنا بالحاجة إلى إيلاء مزيد من الاهتمام للحقوق في المجال الخاص.

وسرعان ما قادنا هذا العمل، بشكل عضوي وتدريجي، إلى مجال الحقوق الاجتماعية والاقتصادية، إذ لم يكن ممكنًا فصل الحق في الصحة عن قضايا الحصول على الأدوية والتأمين الصّحي والإنفاق العام. في ذلك الوقت، كان المواطنون في مصر يتحمّلون مباشرةً أكثر من 60 بالمئة من تكاليف الرعاية الصحية، ولم يكن سوى 50 بالمئة من السكان مشمولين بأي من أنظمة التأمين الصّحي المختلفة، التي كانت تستهدف في المقام الأول العاملين في القطاع العام والقطاع الخاص وطلاب الجامعات. بدأنا عملنا بالتركيز على التمييز المرتبط بالصحة، بما يشمل قضايا فيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز، والصحة النفسية، والتهاب الكبد الوبائي «سي»، قبل أن يتوسّع نشاطنا ليشمل النظام الصحي ككل.

وبحلول أواخر العقد الأول من الألفية الثالثة، كنّا المنظمة الحقوقية الوحيدة في مصر التي تمتلك برنامجًا مخصصًا للحق في الصحة. انخرطت المنظمة بشكلٍ جديّ في الضغط من أجل إقرار نظام تأمين صحي شامل في مصر. وفي حدود عام 2010، واستشرافًا من قبلنا لاحتمالية حدوث تغييرات سياسية، قرّرنا توسيع نطاق عملنا إلى ما يتجاوز الحق في الصحة، ليشمل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية بشكلٍ أوسع، وتحديدًا الحق في السكن، وحقوق العمل، والحق في بيئة سليمة، والحق في الغذاء، والعدالة الاقتصادية على مستوى الاقتصاد الكلي. وقد جاء هذا التوسع مدفوعًا بموجة الاحتجاجات والإضرابات التي بدأت عام 2007، وأسهم في تهيئتنا للتعامل مع ثورة عام 2011.

كيف تغيّرت استراتيجياتكم عبر المراحل السياسية المختلفة، وتحديدًا قبل ثورة عام 2011، وخلالها، وفي أعقابها مباشرة، ثم لاحقًا في ظلّ عودة الحكم الاستبدادي؟

علاء الطالبي

قبل الثورة، كانت استراتيجيتنا تقوم أساسًا على التضامن مع الحركات الاجتماعية ودعمها. لم نكن منظمة رسمية بعد، لكنّنا كنّا ندعم الاحتجاجات العمالية والنضالات المحلية بوسائل مختلفة. كانت جهودنا متواضعة، لكنها أكسبتنا مصداقيةً لدى الحركات التي غالبًا ما شعرت بالتجاهل أو الوصم. قبل عام 2011، اعتمدت استراتيجيتنا في دعم الحركات الشعبية على مجموعة من الأدوات، أبرزها تعزيز شبكات التواصل والتنسيق، والمساعدة في كسر التعتيم الإعلامي، وإيصال أصوات المحتجين ومطالبهم إلى الخارج. مع تصاعد القمع العنيف الذي مارسه النظام، ولا سيما في عام 2008، بدأنا أيضًا بالمساهمة في الدفاع عن الناشطين المعتقلين، بالتعاون مع محامين تونسيين ودوليين، وبدعمٍ من منظماتٍ دولية. وقد أفضت هذه الخطوة إلى تجربتنا الأولى في تشكيل لجنة للدفاع عن المعتقلين السياسيين. ونجحت اللجنة، بالتعاون مع الحركة الاحتجاجية، في كسر التعتيم الإعلامي من خلال بناء شبكات تواصل مع صحافيين محليين ودوليين، فضلًا عن نقابات عمالية وحركات اجتماعية من مختلف أنحاء العالم. وقد حضر العديد من ممثلي هذه الجهات إلى تونس للتعبير عن تضامنهم مع الحركة. وشكّل ذلك اختراقًا مهمًّا ونقطة تحوّل في تجربتنا، ولا تزال هذه التجربة بالنسبة إلينا نموذجًا جديرًا بالدراسة والاستفادة منه.

بعد عام 2011، ومع التأسيس الرسمي للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، واجهنا تحدّي الانتقال من الاحتجاج إلى بناء المؤسسات، من دون فقدان صلتنا بالشارع والحركات الاجتماعية. وبالنتيجة، تطوّر نهجنا على ثلاثة مستويات مترابطة. أولًا، ركّزنا على مرافقة الحركات الاجتماعية ميدانيًا، من خلال تقديم المساعدة القانونية عند وقوع مواجهات مع السلطات، وضمان التغطية الإعلامية لإيصال أصواتها وتعزيز حضورها في النقاش العام، فضلًا عن تقديم بدائل سياساتية ملموسة يمكن الاستناد إليها في المفاوضات عند الحاجة. ثانيًا، عملنا على مواجهة الخطاب الذي غالبًا ما كان يصوّر الحركات الاجتماعية على أنها فوضوية أو غير شرعية. ولتحقيق ذلك، نظّمنا دورات تدريبية ومدارس صيفية وبرامج بناء قدرات، لمساعدة الناشطين على بلورة مطالبهم وصياغتها بوضوح، وتعزيز قدراتهم القيادية، والانخراط بثقة أكبر في النقاشات العامة. ثالثًا، سعينا إلى تجاوز عزلة النضالات المحلية عبر إنشاء مساحات وطنية للحوار والتنسيق، أبرزها المؤتمرات السنوية التي جمعت حركات من مختلف المناطق والقطاعات. ومنذ ذلك الحين، استمرّ هذا الالتزام المزدوج، الذي يجمع بين دعم الحركات القاعدية من جهة، والبحث والتحليل من جهة أخرى، ركيزة أساسية في استراتيجيتنا.

حسام بهجت

إذا نظرنا إلى الوراء، نجد أن استراتيجياتنا تطوّرت عبر ثلاث مراحل رئيسية، تشكّلت كلّ منها متأثرةً بالسياق السياسي السائد في لحظتها. ففي السنوات التي سبقت عام 2011، تمحور عملنا في مجال الحقوق الاجتماعية والاقتصادية حول الحق في الصحة، إذ اعتمدنا على الأبحاث والمناصرة والتقاضي للطعن في السياسات الحكومية. وأصبحت المحاكم ساحة أساسية للمواجهة، إذ لجأ المواطنون والمنظمات والحركات الاجتماعية إلى القضاء لرفع دعاوى ضد الحكومة في عدة مجالات، من بينها الحقوق الاجتماعية والاقتصادية. وخلال تلك الفترة، حقّقنا أبرز انتصاراتنا، حين نجحنا في وقف خطة الحكومة لخصخصة الهيئة العامة للتأمين الصّحي وإبطالها. كان التركيز آنذاك منصبًّا على استخدام المحاكم مساحةً للمقاومة، وعلى إظهار كيف يمكن الدفاع عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية بالاستناد إلى الحجج القانونية والمعايير الدولية. وقد أتاحت لنا ذلك، حينها، النزعة المتزايدة لدى عدد من القضاة إلى إصدار أحكام مستقلّة.

ومع اندلاع الثورة، دخلنا مرحلةً مختلفةً تمامًا. فبين عامي 2011 و2014، توسع عملنا بسرعة كبيرة. أنشأنا قسمًا للعدالة الاقتصادية والاجتماعية، ضم برنامج الحق في الصحة، وأضاف مجالات عمل جديدة، شملت الحق في السكن والعدالة البيئية وحقوق العمال ومكافحة الفساد والعدالة على مستوى الاقتصاد الكلي. وبالتوازي، أنشأنا مكاتب محلية في مختلف أنحاء البلاد. وللمرة الأولى، لم يعد عملنا يقتصر على البحث والمساعدة القانونية والتقاضي، بل شمل أيضًا بناء الحركات والتنظيم المجتمعي والدعم المباشر للنضالات المحلية. كانت تلك مرحلةً من التجريب والنمو، أتاح لنا فيها الانفتاح السياسي التفكير بجرأة وطموح أكبر وتوسيع نطاق تحركنا. لكن هذا التوسع كشف أيضًا عن مدى صعوبة تحوّل منظمة تشكلت خلال عهد مبارك، وبصورة مفاجئة، إلى منظمة منخرطة ومتجذرة في النضال والعمل القاعدي.

غير أن هذه المسيرة توقّفت بصورة مفاجئة عام 2014، مع بدء النظام العسكري الجديد في قمع جميع أشكال النشاط الحقوقي والمدني. واضطررنا إلى إغلاق مكاتبنا المحلية، والاستغناء عن عدد من الموظفين، وتقليص برامجنا. في تلك المرحلة، انحصر وجودنا مجدّدًا في القاهرة وركّزنا جهودنا على مجموعة أضيق من القضايا، شملت الصحة والبيئة والعدالة على مستوى الاقتصاد الكلي. تحوّل جزء كبير من عملنا نحو تحليل السياسات العامة والمناصرة، باعتبارهما مجالين أكثر أمانًا واستدامة في ظلّ القمع، مقارنة بالتنظيم المجتمعي.

ومع ذلك، ورغم هذه القيود، تمكنّا من الحفاظ على بعض هوامش التأثير والعمل، كما حدث عندما قمنا بالمساهمة في صياغة أول قانون للتأمين الصحي الشامل في مصر عام 2017. وقد أكّدت لنا هذه التجربة أن العمل في مجال الحقوق الاجتماعية والاقتصادية يمكنه أحيانًا أن يصمد في وجه القمع، إذا جرى تأطيره وتقديمه بوصفه خبرة فنية متخصّصة تحتاج إليها الدولة نفسها.

كيف تعاملتم مع التحدّي المتمثّل في الربط بين المطالب الحقوقية المتعلّقة بالحريات والحقوق الفردية، والمطالب الاجتماعية والاقتصادية؟ وكيف اختبرتم هذا التحدي؟

علاء الطالبي

كانت إحدى أبرز نقاط قوتنا أن مؤسسي المنتدى جاؤوا من خلفيات متنوعة، شملت باحثين أكاديميين، ونقابيين من الاتحاد العام التونسي للشغل، ومدافعين عن حقوق الإنسان من الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان. سمح هذا التنوع لنشطاء المنتدى بتطوير رؤية مشتركة، مفادها أن العمل التراكمي للحركات الاجتماعية قادر على إحداث التغيير، بل إنه ضروري ومحوري لتحقيقه، حتى لو استغرق ذلك سنوات. انبثقت فكرتنا عن التضامن من إيماننا بأن الحركات الاجتماعية ليست «فوضوية» أو بلا أهداف، بل هي حركات لديها مطالب ورؤية وفاعلون يمكن التفاعل معهم لتصبح قوة ضغط فاعلة لتغيير السياسات العامة والتوجهات الاجتماعية والاقتصادية للدولة. وقد كنّا في موقع مميّز أتاح لنا تحقيق نتائج ملموسة في هذا المجال لسببين رئيسيين. أولهما إرثنا الطويل في العمل مع الحركات الاجتماعية على مدى سنوات سبقت الثورة، وهو إرث مكّننا من بناء علاقات مستدامة مع التنظيمات والحركات المختلفة، حتى مع تغيّر الأفراد أو القيادات داخلها. أما السبب الثاني، فيرتبط بمقاربتنا وطبيعة العلاقة التي حرصنا على بنائها مع هذه الحراكات. فقد كان المبدأ الناظم لتعاملنا مع الحركات الاجتماعية دائمًا هو أنّنا لا نتقدّم عليها ولا نتخلّف عنها، ولا نفرض عليها شروطًا، بل نحافظ على مسافة قائمة على الاحترام المتبادل تصون استقلاليتها في العمل واتخاذ القرار. فعندما يُعترف بهذه الاستقلالية وتُحترم، تتعزّز الثقة، وتتّسع مجالات التعاون، وتتعزز بصورة ملحوظة فرص تحقيق أهداف ونتائج ملموسة وذات أثر فعلي.

لكن في الواقع التونسي، كانت الحركة الحقوقية منقسمة إلى تيارين منفصلين: أحدهما يركّز على النضال من أجل الحقوق الشخصية والسياسية، بينما ينشط الآخر في الدفاع عن الحقوق الاقتصادية والبيئية. وتكمن الإشكالية في أنه، رغم انفتاح المنتدى على كلا التيارين، لم يكن هذا هو الوضع السائد في المشهد العام للحركة الحقوقية. فعلى سبيل المثال، كان المنتدى عضوًا في الائتلاف الوطني للدفاع عن الحقوق الفردية، وقررنا الانضمام من موقف داعم وتضامني مع هذا النضال، رغم أنه لم يكن يندرج مباشرةً ضمن نطاق عملنا. وحتى داخل المنتدى نفسه، تباينت المواقف بشأن هذا الانخراط؛ إذ كانت الأجيال الأكبر سنًّا تدافع عن محورية القضايا الاجتماعية والاقتصادية، في حين رأى آخرون، بمن فيهم أنا، ضرورة بناء الجسور بين التيارين. وأذكر أننا خضنا نقاشًا داخليًا حول هذه المسألة، وقرّرنا في نهايته اتباع نهج الانفتاح والتعاون. ونتيجة لذلك، نُظّمت أول مسيرة لمجتمع الميم عين في تونس عام 2013، على هامش المنتدى الاجتماعي العالمي الذي استضافه المنتدى. وقد شكّلت هذه التجربة سابقة من نوعها في التعاون والعمل النضالي التقاطعي.

ومع ذلك، لطالما شعرنا بأن الحركة المُدافعة عن الحقوق الشخصية والسياسية لم تكن مستعدة بالقدر نفسه لدعم الحركات الشعبية التي تتحرك عادةً حول القضايا الاجتماعية والاقتصادية. وكثيرًا ما وجدنا أنفسنا وحدنا في انخراطنا مع هذه الحركات. وفي رأيي، يعود ذلك إلى نزعة نخبوية تهيمن على الحركات المُدافعة عن الحقوق الشخصية والسياسية. ويتجلّى ذلك في الوصم الذي أشرت إليه سابقًا، والذي يصوّر الحركات الاجتماعية والشعبية على أنها «فوضوية» أو «عنيفة». وفي المقابل، كنا ندرك أيضًا أن الحركات الاجتماعية غالبًا ما تكون محافظة، ولا تتبنى سقفًا واسعًا من الحريات الفردية.

حسام بهجت

عندما بدأنا الانخراط في العمل مع المجتمعات المحلية والحركات الاجتماعية، علينا أن نواجه بصدق أنّنا كنّا أنفسنا نخبويين. فقد تعاملنا مع هذا العمل بصفتنا خبراء يمتلكون المعرفة، وافترضنا أن دورنا يتمثل في مساعدة المجتمعات المحلية على أن تصبح أكثر فاعلية في التنظيم، والتعبير عن مطالبها، وصياغة استراتيجياتها. لكن ما لم ندركه تمامًا آنذاك هو أن العديد من هذه المجتمعات كانت أكثر وعيًا منا بكثير بطبيعة نضالاتها والتحديات التي تواجهها، بل كانت في كثير من الأحيان أكثر تنظيمًا وقدرةً على الصمود في وجه الصعوبات. وقد شكّل هذا الإدراك لحظة مفصلية دفعتنا إلى إعادة النظر في مقاربتنا وطريقة عملنا.

وخلال تلك السنوات الأولى، أعدنا أيضًا إنتاج بعض الديناميات الضارة التي لطالما انتقدناها لدى المنظمات الدولية والجهات المانحة. فعلى سبيل المثال، على الرغم من حرصنا على توظيف كوادر محلية في المناطق التي افتتحنا فيها مكاتب، قدّمنا لهم رواتب بمستويات مماثلة لتلك المُعتمدة في القاهرة، وكانت أعلى مما تستطيع منظمات المجتمع المحلي دفعه. وقد أدى ذلك، من دون قصد، إلى خلق تفاوتات وعلاقات هرمية، والإخلال بالتوازنات القائمة داخل بيئات العمل والنشاط الحقوقي المحلي.

كيف تعاملتم مع هذا الانقسام بين الحركات؟ وهل لديكم تجارب تعتبرونها ناجحة في سد هذه الفجوة؟

علاء الطالبي

لقد أدركنا حقيقة هذا الانقسام متأخرين بعض الشيء، وتحديدًا في عام 2021، الذي نعتبره عامًا مفصليًا في تاريخ النضال في تونس. فعلى المستوى السياسي، خسرنا المعركة بعد 25 تموز/يوليو 2021، عندما وقع انقلاب على الدستور، ودفعنا ثمن ذلك من حرياتنا ومكاسب أخرى انتزعناها بعد نضالات طويلة. في كانون الثاني/يناير 2021، اندلعت انتفاضات اجتماعية في الأحياء الشعبية، ولم تجد من يساندها سوى المنتدى وعدد محدود من الفاعلين التقليديين الذين اعتادوا دعم هذه التحركات. عندها أدركنا أننا تأخرنا كثيرًا في معالجة مسألة التقاطع بين الحقوق والنضالات المختلفة. ومن هنا، برزت ضرورة فتح حوار متبادل، بحيث تتبنّى الحركات الاجتماعية مطالب الحريات الفردية، وفي المقابل، تنخرط الحركات المُدافعة عن الحريات الفردية في عمق النضال الاجتماعي.

واستلهمنا في ذلك من تجارب سابقة، من بينها ما شهدته بريطانيا خلال ثمانينيات القرن الماضي، عندما وقفت حركة الدفاع عن حقوق المثليين في وجه سياسات مارغريت تاتشر وما ترتّب عليها من كلفة اجتماعية مرتفعة. وانطلاقًا من ذلك، اخترنا في عام 2021 شخصيات من الحركة المدافعة عن الحريات الفردية، ممن كانت لديهم أيضًا تجارب نضالية سابقة في القضايا البيئية والاجتماعية، وشكّلنا لجنةً للتحضير لمؤتمر وطني يجمع الحركات الاجتماعية والحركات المدافعة عن الحريات الفردية ومكوّنات المجتمع المدني. كانت تجربة فريدة من نوعها، إذ أتاحت للمشاركين مواجهة أنفسهم ومراجعة مواقفهم، والاعتراف بنقاط ضعفهم ونزعاتهم المحافظة والنخبوية، وحتى واجهوا نظرتهم الاستعلائية تجاه الآخرين. وبالفعل، اجتمعت هذه الأطراف في مؤتمر موسّع عُقد في نهاية عام 2021. للأسف، لم تحدث هذه الخطوة في وقت أبكر، لكنّنا نعتبرها نقطة انطلاق مهمّة.

ومنذ ذلك الحين، استمر الزخم الذي أطلقته هذه المبادرة. في كانون الأول/ديسمبر 2024، نظّمت منظمة محامون بلا حدود مؤتمرًا بعنوان «التضامن والالتزام»، استكمالًا لما أطلقناه في عام 2021. وجمع هذا المؤتمر أيضًا الحركات الاجتماعية والحركات المُدافعة عن الحريات الفردية، حيث أمضى المشاركون خمسة أيام كاملة في مخيم أتاح لهم تبادل الآراء وخوض نقاشات وحوارات معمّقة.

والخلاصة الأهم من هذه التجربة هي أن غياب التواصل والتنسيق بين التيارين أضعف كليهما. ونحن ندرك الآن أن مدّ الجسور بينهما ضرورة لا غنى عنها. فالحركات الاجتماعية، حتى وإن كانت محافظة في توجّهاتها، تحتاج إلى الانخراط في قضايا الحريات الفردية، في حين يجب على الحركات الحقوقية أن تربط مطالبها بنضالات الناس اليومية من أجل الكرامة وتأمين مقوّمات العيش. إن بناء مثل هذه الجسور ليس بالمهمة السهلة، لكنه السبيل الوحيد لإحداث تغيير حقيقي ومستدام وذي أثر ملموس.

حسام بهجت

لقد ساعدتنا طبيعة عملنا الواسعة والشاملة على التعامل مع هذا الانقسام وتجاوز بعض جوانبه. فلم تكن المجتمعات المحلية التي عملنا معها تتبنى دائمًا مواقفنا بشأن قضايا الحريات الشخصية، لكنّ تعاملنا مع جميع الحقوق باعتبارها متساوية في الأهمية أكسبنا المصداقية والاحترام. وقد أظهرت تجربتنا أن من الممكن الانخراط في العمل مع مجموعات متنوعة، حتى تلك التي قد تتبنى مواقف محافظة أو متردّدة تجاه بعض القضايا، ما دمنا نتعامل معها من دون فرض تراتبية بين الحقوق أو إعطاء الأولوية لبعضها على حساب البعض الآخر. وقد استمدّ عملنا شرعيته من إظهار التزامنا المستمر بمبدأ مفاده أنّ الدفاع عن الحق في الصحة أو الحقوق السياسية أو الحريات الدينية، هو جزء من نضال واحد لا يتجزّأ. وأتاحت لنا هذه المصداقية العمل مع مجتمعات محلية كان من الممكن أن تنظر بريبة إلى منظمة حقوقية مثل منظمتنا.

والأهم من ذلك، أن هذه التجربة علّمتنا، مع مرور الوقت، ضرورة أن يحلّ التضامن محلّ خطاب «بناء القدرات». فلم يعد عملنا اليوم يقوم بالدرجة الأولى على التعامل مع المجتمعات المحلية بوصفها جهات مستفيدة من الدعم الفني الذي نقدّمه، بل أصبح يرتكز على الوقوف إلى جانبها ومرافقتها في نضالاتها. فالبحث والمناصرة والدعم القانوني لا تكتسب معناها الحقيقي إلا عندما تستند إلى التضامن والاستعداد لتحمّل المخاطر بصورة مشتركة. وقد شكّل هذا التحوّل، من موقع تقديم الخبرات إلى ممارسة المرافقة والتضامن في النضال، أحد أهم التحولات التي شهدناها كمنظمة.

ما هي الدروس التي تقدمها تجربتكم للحركة الحقوقية الأوسع؟

علاء الطالبي

بالنسبة إلينا، أكّدت التجربة التونسية أن الديمقراطية من دون عدالة اجتماعية ليست سوى وعد فارغ. قد تزدهر الحقوق السياسية لفترة من الزمن، لكنها تبقى عرضة للتهديد إذا جرى تجاهل المظالم الاقتصادية. كما تعلّمنا أن الحركات الاجتماعية لا تستطيع الصمود بمفردها. فعندما تبقى الاحتجاجات معزولة في مدينة أو قطاع واحد، يسهل احتواؤها أو تجاهلها. إن بناء شبكات وتعزيز التضامن بين المناطق الجغرافية والمطالب المختلفة أمر ضروري لتحويل النضالات المتفرقة إلى قوة جماعية قادرة على إحداث التغيير. ومن الدروس الأخرى التي استخلصناها ما يتعلق بمخاطر النزعة النخبوية. فلطالما هيمنت النخب الحضرية على الخطاب الحقوقي، بينما كان الغضب الشعبي يُعامل على أنه غير مشروع. لكن الاحتجاجات المُزعزعة للنظام، حتى حين تكون فوضوية، غالبًا ما تكون لغة التعبير الوحيدة المتاحة للفئات المهمّشة. وأخيرًا، تعلّمنا أن الانتصارات لا يمكن الحفاظ عليها في بلد واحد بمعزل عن غيره. بعد عام 2011، انكفأت الحركات في مختلف أنحاء المنطقة إلى العزلة، وفُقد الزخم الأوسع. ما نحتاج إليه هو تضامن عابر للحدود، حتى تسهم المكاسب المحلية في إحداث تغيير إقليمي.

حسام بهجت

كان درسنا الرئيسي هو أهمية التعلّم والتكيّف المستمرين. لقد ارتكبنا أخطاءً، بعضها كان جسيمًا، لكنّ هذه الإخفاقات دفعتنا إلى التطور وإعادة النظر في مقاربتنا. كانت إحدى أصعب الحقائق التي واجهناها هي الحاجة إلى التحلي بالتواضع. فالخبرة والأدوات التقنية مهمّة، لكن لا ينبغي أن تأتي أبدًا على حساب التضامن مع المجتمعات التي نخدمها. كما تعلمنا أنه حتى في ظل القمع، تبقى هناك دائمًا هوامش صغيرة يمكن الاستفادة منها لتحقيق تقدم حقيقي. وتُعدّ مساهمتنا في صياغة أول قانون للتأمين الصّحي الشامل في مصر عام 2017 مثالًا على ذلك، على الرغم من أن موظفينا كانوا آنذاك خاضعين للتحقيق وممنوعين من السفر. لكن لعلّ المراجعة الأعمق تتعلّق بنموذج المنظمة الحقوقية عينه. فالنموذج التقليدي للمنظمات غير الحكومية، القائم على المركزية والاحتراف المهني والاعتماد على المانحين، له محدوديته. ولمواجهة تحدّيات المرحلة الراهنة، نحن بحاجة إلى إعادة التفكير في كيفية تنظيم أنفسنا، وآليات تمويل عملنا، وطرق تواصلنا مع الجمهور.

ما هي الأولويات التي ترونها لمستقبل المناصرة في مجال الحقوق الاجتماعية والاقتصادية؟

علاء الطالبي

بالنظر إلى المستقبل، نعتقد أن الأولوية تكمن في إعادة بناء الثقة والحوار بين الحركات المناصرة للحريات وتلك المناضلة في سبيل العدالة الاجتماعية. في تونس، كان أحد أبرز الإخفاقات عجز هذين التيارين النضاليين عن العمل المشترك. ويتمثل التحدّي اليوم في خلق مساحات تتيح لهما الالتقاء وتبادل الأفكار والخبرات ودعم بعضهما بعضًا. ومن دون ذلك، نخاطر بتكرار الحلقة عينها من الانتصارات الهشة التي تنهار بسرعة. ما نحتاج إليه ليس مجرّد انتصارات قصيرة الأمد، بل تغيير ثقافي وبنيوي متجذّر في التضامن والنضال الجماعي. ولن نتمكن من إرساء أسس ديمقراطية تجمع بين الحرية والعدالة الاجتماعية إلا من خلال مدّ الجسور بين الحركات المختلفة.

حسام بهجت

بالنسبة إلينا، تتمثّل نقطة الانطلاق في الاعتراف بأن النموذج الحالي لم يعد مجديًا. غالبًا ما نقول إن «البيت يحترق»، وهذا يعني أننا يجب أن نكون مستعدين لإعادة تصوّر كل شيء. ويشمل ذلك مراجعة طريقة عملنا، وهيكلنا التنظيمي، وأساليب تمويلنا، وكيفية تواصلنا مع الجمهور. وقد يتطلب الأمر حتى تجاوز النموذج التقليدي للمنظمات غير الحكومية، القائم على منظمات صغيرة ذات طابع مهني احترافي، لاستكشاف أشكال جديدة من التنظيم تكون أكثر ديمقراطية وقدرةً على الصمود. ويكمن الأساس في الانطلاق من صفحة بيضاء، كما لو كنا نبني حركة من الصفر، والتساؤل عن الهياكل والممارسات الأكثر ملاءمة لأزمات اليوم. بالنسبة إلى المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، يكمن المستقبل في عملية إعادة التصور الجماعي هذه، القائمة على التضامن والاستجابة لتحديات المرحلة الراهنة.

تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.