استنادًا إلى أكثر من 100 حوار أُجريت بين كانون الثاني/يناير 2025 وأيار/مايو 2026 مع سياسيين ونشطاء ومسؤولين في أنحاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يرى الناشط حسين باومي أن صمود الأنظمة الاستبدادية في المنطقة لا يعود إلى قوة تلك الأنظمة بقدر ما يعود إلى فجوة في المصداقية داخل المعارضة الديمقراطية نفسها.
1) أتاحت لك مسيرتك المهنية التحدث مع مجموعة متنوعة من الفاعلين السياسيين والاجتماعيين منذ ثورات عام 2011. بشكلٍ عام، هل يمكنك أن تخبرنا المزيد عن ملامح القوى الديمقراطية التي أجريت معها مقابلات على مر السنين، وعن المسارات التي سلكتها خلال مرحلتي الانفتاح الديمقراطي والانغلاق؟
بدأت نشاطي في مصر ضمن حركة الاحتجاجات المناهضة لنظام مبارك عام 2008. وعلى مر السنين، التقيت بالعديد من الفاعلين الديمقراطيين، بدايةً من مصر ثم من مختلف أنحاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. كما أتيحت لي فرصة لقاء فاعلين ديمقراطيين من أمريكا اللاتينية وأوروبا الشرقية، لا سيما عندما كنت أعيش في بوغوتا ثم لاحقًا في بودابست. وأُعرّف الفاعلين الديمقراطيين بأنهم سياسيون ونشطاء ملتزمون بشكل عام بإرساء نظام تكون فيه السلطة السياسية منبثقة من انتخابات حرة وتنافسية وشاملة وقابلة للتداول السلمي؛ وتُصان فيه المشاركة السياسية والتعددية والحريات المدنية الأساسية. ويستبعد هذا التعريف من يسعون إلى أشكال غير ديمقراطية من الحكم، ومن ينظرون إلى الديمقراطية بوصفها مجرد جسر للوصول إلى نظام غير ديمقراطي. ولأنني خرجت بنفسي من هذه البيئة، فإنني أقدم هنا تأملًا نقديًا لجماعة سياسية كنتُ جزءًا منها.
اتّسم الأشخاص الذين التقيتهم بتنوّعٍ شديد، وشملوا قادة معارضة رسميين، ونشطاء في الحركات الاحتجاجية، وسياسيين مخضرمين، ومنفيين، ووسطاء. ويمكن بصورة عامة تحديد ثلاثة مسارات رئيسية سلكها الفاعلون الديمقراطيون. سأحاول رسم الملامح العريضة لكلٍّ منها.
يضمّ المسار الأول فاعلين ديمقراطيين دخلوا معترك السياسة الرسمية بعد عام 2011، قبل أن يتعرضوا للتهميش أو القمع مع انغلاق الفضاء العام. وفي ذروة المراحل الديمقراطية في بلدانهم، تولى بعض هؤلاء مناصب وزارية، بل وصل بعضهم إلى الرئاسة، كما في حالة المنصف المرزوقي. ومع تآكل المسار الديمقراطي، اعتُقِل البعض، ولجأ آخرون إلى المنفى، بينما تمكن فريق ثالث من الحفاظ على قدر من الحضور السياسي. واليوم، لا يزال كثيرون منهم نشطاء في السياسة الرسمية، أو يقودون أحزابًا معارضة، أو يحظون باحترام كبير داخل الأوساط السياسية. وتمثل هذه الفئة، في جوهرها، قيادة المعارضة.
أما المسار الثاني فيشمل نشطاء معارضين تنقلوا بين النشاط السياسي والمنفى والسجن والسياسة غير الرسمية. في البداية، أدى هؤلاء دورًا رئيسيًّا في صياغة السردية والخطاب في فترة ما بعد عام 2011، وتبنوا غالبًا الأهداف الأكثر راديكالية. لكنهم أُصيبوا لاحقًا بخيبة أمل وتعرّضوا لقمعٍ عنيف مع عودة الاستبداد. ومع مرور الوقت، تمكن بعضهم من العمل ضمن أطر مؤسسية أكثر تنظيمًا، فيما ينشط كثيرون اليوم في مجالات متاخمة للسياسة، مثل الإعلام والقانون العام والنقابات المهنية والعمالية ومنظمات المجتمع المدني، أو يعيشون في المنفى، سواء بالمعنى الجغرافي أو السياسي. وتشكّل هذه الفئة القاعدة العريضة للمعارضة.
ويضمّ المسار الثالث فاعلين تمكنوا من العمل قبل عام 2011، واستطاعوا إلى حدٍ بعيد الحفاظ على نشاطهم السياسي، وإن ضمن مجال عام آخذ في الانكماش. وهم سياسيون مخضرمون يمتلكون فهمًا عميقًا لآليات عمل الأنظمة العربية. خلال فترات الانفتاح السياسي، خاضوا الانتخابات بل شارك بعضهم في الحكومات. لكنهم تعرضوا بدورهم للتهميش بشكل متزايد، بعدما أدرك الحكام السلطويون أنهم لا يتبنّون مشروع النظام بالكامل. ومع ذلك، لم يواجهوا مستوى العنف الذي تعرض له فاعلون آخرون، ويرجع ذلك جزئيًا إلى استمرارهم في أداء دور مفيد بوصفهم قنوات تواصل مع المعارضة الأوسع. وعادةً ما يمتنع هؤلاء عن انتقاد الأنظمة علنًا، ويفضلون العمل ضمن الهوامش المتاحة لدفع إصلاحات محدودة. أعتقد أن هذه الفئة تتعرض لنقدٍ غير منصف عندما تُصنف في خانة واحدة مع النظام، وغالبًا ما يُساء فهم أعضائها، إذ ينظر إليهم بوصفهم انتهازيين، بينما يؤدون في كثير من الحالات دور الوسطاء بين المعارضة والأنظمة.
2) في النقاشات التي أجريتها معهم، كيف يفهمون انتكاساتهم وعودة الأنظمة السياسية إلى مزيدٍ من الانغلاق؟
تطور فهم الفاعلين الديمقراطيين لانتكاساتهم بمرور الوقت. ففي أعقاب عودة الاستبداد مباشرةً، ساد مزيج من عدم التصديق، تلاه بحث عن تفسيرات خارجية مع تكرّس الواقع الجديد. ومع مرور الوقت، أصبح عدد متزايد منهم أكثر استعدادًا لتحمل المسؤولية، أحيانًا علنًا، ولكن في الغالب داخل المجالس الخاصة.
لقد سمعت عدة تفسيرات يمكن تصنيفها ضمن الاتجاهات الآتية: يأتي أحدها غالبًا من القوميين وبعض اليساريين الراديكاليين، ويركز على التدخل الخارجي، مثل دور دول الخليج أو إسرائيل أو تركيا أو روسيا أو الولايات المتحدة أو أوروبا في تمويل القوى المناهضة للديمقراطية أو دعمها عسكريًّا. ويصدر تفسير آخر غالبًا عن سياسيين ليبراليين يحمّلون المواطنين أنفسهم المسؤولية، إما لعدم إعطائهم الأولوية للديمقراطية، وإما لتصويتهم لقوى مناهضة للديمقراطية أو تأييدهم لها. أما التفسير الثالث، الذي يطرحه غالبًا اليسار، فيحمّل نخب رجال الأعمال المسؤولية متهمًا إياها بالتآمر النشط لإسقاط الديمقراطية. ويأتي تفسير رابع من بعض العلمانيين الذين يلومون الإسلاميين على سلوكهم ومحاولاتهم احتكار السلطة ودورهم في استقطاب المجتمع. والقاسم المشترك بين هذه التفسيرات كلها هو النظر إلى الجيوش والأجهزة الأمنية بوصفها الأدوات التي أُجهِضت بها التطلعات الديمقراطية في نهاية المطاف، عبر العنف والقمع.
لكن بعض الفاعلين تحملوا بالفعل قدرًا من المسؤولية عن فشل محاولات التحول الديمقراطي. ففي مصر وسوريا، على سبيل المثال، كتب بعض السياسيين مقالات أو أجروا مقابلات استعرضوا فيها إخفاقاتهم الخاصة. وفي تونس، يبدو أن بعض السياسيين أشاروا أيضًا إلى بعض إخفاقاتهم، على الرغم من أنهم، حسبما رأيت، امتنعوا عن تحمّل المسؤولية الشخصية، وأحالوها بدلًا من ذلك إلى الإخفاق الأوسع للمعارضة التي كانوا جزءًا منها. وهنا، إلى حدٍ بعيد تنتهي المراجعات الذاتية المتاحة للجمهور. أما في الأحاديث الخاصة مع سياسيين في أنحاء المنطقة، فتظهر جرأة أكبر على انتقاد القوى الديمقراطية، لا سيما بين القواعد والكوادر غير القيادية، أو لدى أشخاص لا يشغلون مناصب في السلطة بأنفسهم.
ويميل منتقدو القوى الديمقراطية إلى الإشارة إلى التشرذم وعدم المسؤولية والانفصال عن الناس. وتتمثل الانتقادات في أن الفاعلين الديمقراطيين ارتكبوا أخطاء فادحة في مرحلة ما بعد عام 2011، فأهدروا فرص الوصول إلى السلطة، أو أساؤوا إدارة المراحل الانتقالية، أو فشلوا في إعطاء الأولوية للإصلاحات الرئيسية، أو عجزوا عن ترسيخ حضورهم داخل مجتمعاتهم. ولا يزال هذا النقد مستمرًا إلى اليوم، وقد دفع كثيرين نحو اللامبالاة.
3) من وجهة نظرك، ما الذي نغفله في فهمنا لقدرة الأنظمة الاستبدادية على الصمود في المنطقة؟
ثمة فكرة مشتركة تكررت في أحاديث خاصة مع فاعلين ديمقراطيين في أنحاء المنطقة، مفادها أن أكبر نعمة تحظى بها الأنظمة الاستبدادية هي عدم كفاءة خصومها الديمقراطيين. وقد تبدو هذه العبارة، في حدّ ذاتها، مبالغًا فيها، لكنني أعتقد أنها تختصر فجوة أساسية في فهمنا لقدرة الأنظمة الاستبدادية على الصمود. نحن نسيء فهم هذا الصمود عندما ننظر فقط إلى قوة الحكام الاستبداديين. علينا أيضًا أن ننظر إلى ضعف البديل. لا يبقى الحكام الاستبداديون في الحكم بسبب القمع وحده، بل أيضًا لأن الجمهور والنخب ومؤسسات الدولة والجهات الدولية، لا ترى في كثير من الأحيان أن القوى الديمقراطية تتمتع بالمصداقية الكافية التي تستحق المجازفة بدعمها. وهذا لا يبرر القمع ولا يلقي اللوم على الضحايا، لكنه يعني أن خيارات الفاعلين الديمقراطيين مهمة.
عندما ننظر إلى مصر، نجد غضبًا واضحًا وخيبة أمل تجاه الرئيس عبد الفتاح السيسي لدى شرائح مختلفة من المصريين، كذلك لدى بعض داعمي الحكومة في الخارج. لكن ذلك لم يُترجَم إلى ضغط من أجل تغيير النظام. فالجمهور يفضل تحمّل الفقر المدقع أو سلوك مسارات الهجرة الخطرة، أو — كما يفضّل مجتمع الأعمال — القبول باتفاقات غير مواتية مع شخصيات مرتبطة بالنظام، على المجازفة بالضغط عليه.
ثم ننتقل إلى تونس، حيث وصل الرئيس قيس سعيد إلى السلطة باكتساح، مستندًا إلى خطاب مناهض للمنظومة الحاكمة. وعلى الرغم من تدهور الأوضاع الاقتصادية، كان ردّ الفعل الأوسع هو اللامبالاة، لا التعبئة الشعبية. ويحدث ذلك على الرغم من أن تونس ما زالت تتيح حيزًا ما للتنظيم وقدرًا من الوصول إلى وسائل الإعلام. ويبدو أن المشكلة الأكبر تكمن في أن الجمهور غارق، إلى حد كبير، في اللامبالاة، وفاقد الثقة بشكل خاص في التجربة الديمقراطية.
أما في سوريا اليوم، فيبدو أن العديد من الفاعلين المحليين والنخبويين والدوليين مستعدون للتعامل مع الرئيس أحمد الشرع باعتباره الفاعل الوحيد القادر على الحفاظ على تماسك البلاد، مع وجود بعض الاستثناءات، وإن لم تكن هذه الاستثناءات مؤيدة بالضرورة لنموذج ديمقراطي.
ما تشترك فيه الأمثلة الثلاثة هو أن المعارضة الديمقراطية فشلت في إقناع الجمهور ومجتمع الأعمال ومؤسسات الدولة والجهات الدولية بالمراهنة على النموذج الديمقراطي بدلًا من الحكّام الاستبداديين. مرشحو المعارضة الديمقراطية المصرية (حمدين صباحي، عبد المنعم أبو الفتوح، عمرو موسى، محمد سليم العوا، خالد علي، أبو العز الحريري، وهشام البسطويسي) حصلوا على ما مجموعه 51 في المئة من الأصوات في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية لعام 2012، لكن تشتتهم حرمهم من بلوغ الجولة الثانية. وفي تونس، فاز سياسيون ديمقراطيون بمقاعد في البرلمان والمجالس البلدية، وتمتعوا، لفترة من الزمن، بوصول واسع إلى وسائل الإعلام وفرص للتواصل مع الجمهور. ومع ذلك، أسهم خطابهم وانقساماتهم الداخلية وسلوكهم في ترسيخ الانطباع بأنهم منفصلون عن المواطنين العاديين وعاجزون عن الحكم بفعالية. وقد عمّق ذلك خيبة أمل الجمهور في السياسيين والنظام الديمقراطي معًا. وكان من الممكن تصور مسار سياسي مختلف لو أن هؤلاء الفاعلين تصرفوا بشكل مختلف قبل الانتخابات الرئاسية عام 2019. وبالمثل، كان بإمكان المعارضة الديمقراطية السورية أن تبذل المزيد من الجهد لترسيخ حضورها بين السوريين، سواء في الشتات أو في الداخل، خصوصًا بعد سقوط الأسد.
وحتى خارج منطقتنا، تُظهر التجارب المقارنة، من المجر وتركيا إلى أمريكا اللاتينية ومراحل الانتقال في دول ما بعد الاتحاد السوفياتي، أن الصراعات بين القوى الاستبدادية والديمقراطية — وبعضها حسم مسار التحول الديمقراطي أو الانزلاق نحو السلطوية — غالبًا ما تُحسم بفوارق ضئيلة.
لذلك بدأت أسأل الناس مباشرةً: لماذا لا تُعدّ الديمقراطية خيارًا جذابًا في نظرهم. وكانت الإجابة في معظم الحالات تقريبًا غير أيديولوجية.
في حين تلتزم أقلية بالفعل، وعن قناعة أيديولوجية بالحكم الاستبدادي، تُختزل المسألة بالنسبة إلى معظم الآخرين في اعتقادهم أن الديمقراطيين لم يحققوا، ولن يحققوا، الاستقرار والتقدم الاقتصادي. أجد في هذا تمييزًا مهمًّا، لأن من تحدثت إليهم لم يقولوا إن الديمقراطية سيئة في جوهرها، بل قالوا إنهم لم يشهدوا حكمًا رشيدًا في ظلها.
ويتمثل التحدي الرئيسي في الكيفية التي يستطيع بها الفاعلون الديمقراطيون إقناع الجمهور والنخب الاقتصادية ومؤسسات الدولة والفاعلين الدوليين بأن البديل الديمقراطي سيحمي مصالحهم، ويحقق الاستقرار والتقدم الاقتصادي، ويستحق المخاطر المترتبة على تحدي الحكم الاستبدادي.
تكمن الإجابة في وجود بديل ذي مصداقية. بعبارة أخرى، إذا أردت من هذه الأطراف إنهاء دعمها للديكتاتوريين واستثمار رأسمالها السياسي، أو حتى المجازفة بمصالحها الاقتصادية أو حريتها أو حياتها، فيجب أن تعرف أن ثمة بديلًا موثوقًا تحمّل المخاطر الناجمة عن تحدي ديكتاتور غاشم. وقد دفعني ذلك كله إلى التفكير في سؤالين: ما الذي يجعل البديل ذا مصداقية؟ وكيف يمكن للقوى الديمقراطية أن تصبح هذا البديل؟
4) في رأيك، كيف يمكن للقوى الديمقراطية بناء هذه المصداقية؟ ما الذي يتعين عليها فعله، ومتى؟
وللإجابة عن هذا السؤال المحوري، أجريت بين كانون الثاني/يناير 2025 وأيار/مايو 2026 حواراتٍ محددة الهدف مع أكثر من 100 من السياسيين ونشطاء المجتمع المدني ورجال الأعمال والمسؤولين الحكوميين، بالإضافة إلى العديد من المواطنين، من المغرب وتونس والجزائر ومصر والأردن وسوريا ولبنان. وسألتهم كيف يبدو، من وجهة نظرهم، البديل الديمقراطي الذي يتمتع بالمصداقية؟ أجريتُ هذه الحوارات أثناء زيارتي إلى تلك البلدان، باستثناء الجزائر ومصر، إذ دارت الحوارات المتعلقة بهما في إحدى المدن الأوروبية أو عبر قنوات اتصال آمنة. بالنسبة إلى السياسيين والنشطاء، اعتمدت على شبكة علاقاتي القائمة، فتحدثت إلى معارفي القدامى أو تواصلت مع أشخاص جدد. أما رجال الأعمال والمسؤولون الحكوميون، فتواصلت معهم من خلال وسطاء غير سياسيين أعرفهم في تلك البلدان. وفي ما يتعلق بعامة الناس، فقد اعتدتُ طرح هذا السؤال كلما زرت إحدى هذه الدول أو التقيت شخصًا ينتمي إليها. كما استندت إلى حوارات أجريتها مع مسؤولين وسياسيين من دول الخليج وأوروبا والولايات المتحدة المعنيين بسياسات الشرق الأوسط، في سياق عملي على العلاقات بين الاتحاد الأوروبي ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في بروكسل وعواصم أوروبية، وخلال زياراتي إلى عواصم عربية على مدى الأعوام القليلة الماضية. وفي مختلف هذه الحوارات، برزت ثلاثة عناصر باستمرار: التماسك، والمسؤولية، والتأييد الشعبي.
أولًا، تحتاج قوى المعارضة الديمقراطية إلى بناء التماسك في صفوفها. ولا أستطيع التشديد بما يكفي على حجم الضرر الذي يسبّبه تشتت القوى الديمقراطية بصورتها في نظر مختلف أصحاب المصلحة. أتفهّم أن الفاعلين الديمقراطيين قد يرون في هذا التشتت تعبيرًا عن الممارسة الديمقراطية، لكن ما يراه الجمهور ومجتمع الأعمال و«الدولة العميقة» والدول الأخرى هو الفوضى وعدم اليقين. وإذا كان ثمة شيء واحد يتعين على الفاعلين الديمقراطيين القيام به، فهو بناء التماسك. عليهم أن يتحدوا خلف مشروع واضح، لإثبات أنهم، إذا وصلوا إلى السلطة، سيكونون قادرين على الحكم من دون الانزلاق إلى صراعات فئوية داخلية.
ثانيًا، يجب أن يتحلى الفاعلون الديمقراطيون بالمسؤولية. وأعني بالمسؤولية إظهار ما يلزم من حسن التقدير السياسي، والقدرة على استيعاب مختلف الأطراف، والكفاءة في الحكم من أجل الدفع نحو التغيير الديمقراطي من دون إثارة صراعات أو إقصاء أو اضطرابات لا ضرورة لها. تمرّ منطقتنا بأحداث عاصفة، ويبدو المستقبل أكثر قتامة. وقليلون هم المستعدون للمخاطرة بأفكار جريئة. فاحتمال خوض مغامرات غير مدروسة أو تبني سياسات راديكالية يثير مخاوف الجمهور والنخب والجهات الدولية. لذلك، تحتاج القوى الديمقراطية إلى إثبات مسؤوليتها في نظر جميع هذه الأطراف. وقد تتخذ المسؤولية أشكالًا مختلفة، لكنها تعني، في أبسط مستوياتها، أن تفهم القوى الديمقراطية هذه الفئات المتنوعة، وآمالها ومخاوفها، ثم أن تتصرف وتتحدث بطريقة تبدّد هواجسها وترسم في الوقت عينه مستقبلًا يتوافق مع تطلعاتها.
في خطابها، ينبغي للقوى الديمقراطية أن تطرح إصلاحات واقعية وتدريجية من شأنها تحسين حياة الناس، وأن تشرح كيفية تنفيذها. كما يتعيّن عليها التخلي عن المقترحات التي أثارت مخاوف واسعة ومشروعة من الإقصاء أو الصراع أو عدم الاستقرار المؤسسي، وأن تقرّ، عند الضرورة، بالأخطاء التي انطوى عليها تبني تلك المقترحات.
أما في تنظيمها، فيجب عليها الانفتاح على الفاعلين من مختلف أطياف المشهد السياسي، بمن فيهم المقربون من الحكومة أو العاملون داخلها، واستقطاب شخصيات تحظى باحترام الجمهور والنخب وتعكس صورة الاستقرار والحكم الرشيد. وبالقدر عينه، عليها تجنب وضع أفراد يرتبطون على نطاق واسع بخطابات تحريضية أو إقصائية أو بسياسات مزعزعة للاستقرار في واجهة الحركات الديمقراطية. وحين تصل هذه القوى إلى مواقع السلطة، سواء على المستوى الوطني أو المحلي، أو داخل النقابات والروابط المهنية، ينبغي لها إعطاء الأولوية للبراغماتية، وكفاءة الإدارة، وإحداث تحسينات ملموسة في حياة الناس.
ثالثًا، يتعين على القوى الديمقراطية السعي إلى كسب التأييد الشعبي والحفاظ عليه. وهذه عملية طويلة الأمد، لأنها تتطلب بناء قواعد اجتماعية وتجاوز القيود المفروضة على البيئة الإعلامية. وتختلف السبل المتاحة لذلك من بلدٍ إلى آخر. وحيثما يمكن ضمان وصول مناسب إلى الجمهور، يصبح العمل الوثيق مع القواعد الشعبية ضروريًا لبناء الثقة والتأييد. وحتى في البيئات الأكثر تقييدًا، قد تتوافر أحيانًا مسارات للعمل من خلال النقابات أو الاتحادات أو الهيئات شبه الحكومية. ويمكن أن تشكّل وسائل الإعلام، وخصوصًا وسائل التواصل الاجتماعي، قنوات رئيسية لتحقيق ذلك.
أما عن التوقيت، فيُقال إن أفضل وقت لزراعة شجرة كان قبل 20 عامًا. وإن ثاني أفضل وقت هو الآن. يحتاج الفاعلون الديمقراطيون إلى البدء في بناء المصداقية قبل وقوع الأزمات، أو انتقال السلطة، أو الانتخابات، أو الصدمات الاقتصادية، أو الانقسامات داخل النخب، لأنه عند انفتاح باب الانتقال، قد يكون الأوان قد فات. علاوة على ذلك، كلما ازدادت مصداقيتهم، ارتفعت احتمالية ظهور مثل هذه الفرص أساسًا.
وبالفعل، بدأ بعض الفاعلين باتباع هذا النهج، وإن بدرجات متفاوتة من النجاح. وتشمل هذه الجهود تشكيل منصات مكرسة للتحول الديمقراطي لتعزيز الوحدة داخل المعسكر الديمقراطي، والتواصل مع شخصيات مرموقة تمتلك خبرة سابقة في الحكم لإشراكها في تلك المنصات، وخوض المنافسة بنجاح في انتخابات النقابات والروابط المهنية والانتخابات المحلية والبرلمانية، أو في الهيئات المرتبطة بالحكومة، بل وإدارة هذه الهيئات أو حكمها بطريقة تحقق نتائج ملموسة للجهات التي تمثلها. وبالمثل، يستكشف بعض السياسيين سبل التواصل مع الجمهور عبر القنوات المحدودة المتاحة لهم، لا سيما وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام المستقلة، مع تبني خطاب يعكس المسؤولية، بل والاعتراف بأخطاء الماضي.
لكن هذه المساعي شهدت انتكاسات أيضًا. فقد انهارت بعض محاولات بناء التحالفات أو المنصات، واعتُقِل بعض الفاعلين الديمقراطيين بعدما بدأ نفوذهم يتّسع، فيما فشل آخرون في تلبية احتياجات قواعدهم بعد توليهم مناصب عامة. ومع ذلك، تشير حواراتي إلى أن بعض هؤلاء الفاعلين، على الأقل، يتعلمون من إخفاقاتهم ونجاحاتهم، ومن تجارب الآخرين أيضًا.
في نهاية المطاف، يمكن أن يتخذ التغيير في منطقتنا شكلين. الأول تحول تدريجي، يدفع فيه تصاعد الضغوط من أطراف مختلفة النظام إلى الاستنتاج بأن قبضته على السلطة لم تعد قابلة للاستمرار، ما يفضي إلى عملية تغيير تدريجية، غالبًا ما تبدأ في لحظات انتقال السلطة أو حدوث فراغ في الحكم. أما الشكل الثاني، فقد يكون أكثر فجائية، عندما تقرر بعض مكوّنات النظام تغيير القيادة استجابةً لاحتجاجاتٍ شعبية أو لتدهور اقتصادي أو سياسي سريع. وأنا أستبعد عن قصد سيناريوهات أخرى، مثل الانهيار التام للدولة، لأنني لا أعتقد أن ثمة قبولًا أو رغبة في مثل هذا الاحتمال.
باختصار، يتعين على المعارضة الديمقراطية أن تبدأ التحوّل إلى بديل يتمتع بالمصداقية، لكي تكون — إذا وقع التغيير — قوة وازنة لا يمكن تجاهلها، وبالتالي قادرة على تولي السلطة أو على الأقل المشاركة فيها. علاوة على ذلك، كلما ازدادت مصداقية المعارضة، أصبح أصحاب المصلحة أكثر استعدادًا للضغط على النظام، وارتفعت احتمالات استعداد بعض العناصر داخل النظام للمجازفة بخوض مسار التغيير السياسي.
5) ما هي العقبات التي يتعين عليهم تجاوزها للنجاح في بناء المساءلة الديمقراطية؟ هل يعملون على تجاوزها (وإن لم يفعلوا، فما السبب)؟
إن بناء المساءلة الديمقراطية عملية طويلة. وفي جوهرها، تحتاج القوى الديمقراطية إلى إقناع الجمهور والنخب بأن الديمقراطية هي الشكل الأنسب للحكم، وبأنها قادرة على تحقيق مصالحهم. عندها فقط سيصبحون مستعدين لمساءلة أي جهة تتولى السلطة. غير أننا ما زلنا بعيدين جدًا عن ذلك، ويجب على الفاعلين الديمقراطيين تجاوز اللامبالاة والقمع والسيطرة على وسائل الإعلام من أجل بناء المساءلة الديمقراطية. والأهم، أننا بحاجة إلى التخلي عن الاستراتيجيات التي أثبتت فشلها منذ زمن طويل.
العقبة الأكثر وضوحًا هي افتقار الفاعلين الديمقراطيين إلى المصداقية. تُظهر استطلاعات الرأي ونسب المشاركة الانتخابية انتشار لامبالاة واسعة بين الجمهور العربي بشكل عام، في ظلّ اعتقاد بأن التصويت لن يغير أوضاع الناس المعيشية، أو بأن البديل عن الأنظمة الحالية هو الفوضى. بعبارة أخرى، إذا لم يؤمن الجمهور بوجود بدائل ذات مصداقية، فسيكون أقلّ ميلًا إلى إدراك جدوى مساءلة الأنظمة عن انتهاك المعايير الديمقراطية. أعتقد أننا شهدنا بعض قوى المعارضة في أنحاء المنطقة تبدأ ببناء مصداقيتها أو تعترف على الأقل بأخطائها وتفكر في سبل معالجتها، سواء عبر تعزيز تماسكها أو تحملها المسؤولية أو توسيع قاعدتها الشعبية. ومع ذلك، أعتقد أن هناك حاجة إلى المزيد من العمل، إذ إن كثيرًا من الفاعلين الديمقراطيين الآخرين لم يدركوا بعد ضرورة بناء مصداقيتهم. كما أرى أن العمل على إشراك الجاليات العربية في المهجر لا يزال دون المستوى المطلوب، مع أنها قد تشكل مصدرًا مهمًا للتمويل، وتساعد على توسيع نطاق وصول الرسائل السياسية.
العقبة الثانية هي القمع. وهنا يتعين على المعارضة الديمقراطية أن تتحلى بالحنكة والتوازن. وأودّ أن أوضح أنني لا ألوم الضحايا بأيّ شكل، لكننا نعيش واقعًا تبدي فيه الأنظمة القمعية استعدادًا لاستخدام العنف للبقاء في السلطة. أعتقد أن التعامل مع القمع يمكن أن يسلك مسارين. من ناحية، يستطيع الفاعلون الديمقراطيون رفع كلفة القمع من خلال إقامة علاقات مع النخب والجهات الدولية، وكسب التأييد الشعبي. وبهذا المعنى، كلما زادت مصداقية المعارضة، أصبح قمعها أكثر صعوبة. ومن ناحية أخرى، كلما أظهرت المعارضة الديمقراطية قدرًا أكبر من الانضباط والقدرة على ضبط تحركاتها، ازدادت صعوبة استهدافها من النظام. ونشهد في جميع أنحاء المنطقة معارضة ديمقراطية تزداد نضجًا، إذ يعمل كثير من الفاعلين على بناء علاقات مع النخب لرفع كلفة القمع. وفي الوقت عينه، نشهد نضوجًا في الخطاب السياسي، مع تعلم الفاعلين كيفية تجاوز الخطوط الحمراء ودفعها بحذر.
العقبة الثالثة هي السيطرة على وسائل الإعلام. يُعد الوصول إلى المعلومات عنصرًا أساسيًا في المساءلة الديمقراطية. وإذا تعذّر على الجمهور الوصول إليها، تمكّن الفاعلون المناهضون للديمقراطية من تشكيل الخطاب العام والتفكير الجمعي. يميل الحكام الاستبداديون إلى فرض سيطرة واسعة على وسائل الإعلام ومراقبة وسائل التواصل الاجتماعي، ما يحرم المعارضين إلى حد كبير من مخاطبة الجمهور. وقد رأيت بعض المؤشرات على نجاح فاعلين ديمقراطيين في مخاطبة شرائح محدودة من خلال وسائل إعلام مستقلة ضيقة الانتشار، وبشكل متزايد عبر يوتيوب، الذي يستقطب جمهورًا أوسع بكثير من جمهور المقالات المكتوبة. لكنني أجد أن تيك توك على وجه الخصوص لا يزال أداة غير مستثمرة بما يكفي. فقد أحدث ثورة في التواصل السياسي، لكننا ما زلنا متأخرين جدًا في استخدامه على مستوى المنطقة.
لكنني أعتقد أيضًا أن بعض الفاعلين الديمقراطيين لا يزالون يهدرون طاقاتهم على استراتيجيات فشلت مرارًا. أولى هذه الاستراتيجيات انتظار أن تجبر الأطراف الدولية القادة الاستبداديين على التحول إلى الديمقراطية. ولا تزال المناصرة على المستوى الخارجي مهمة، لكن صناع السياسات الأوروبيين والأمريكيين، ينطلقون، بشكل متزايد، من افتراض أن القادة الاستبداديين باقون في السلطة، خصوصًا عندما لا يرون بدائل ديمقراطية ذات مصداقية. أما الاستراتيجية الثانية فهي الإفراط في التركيز على الإصلاح المؤسسي قبل بناء القوة السياسية اللازمة أولًا لجعل هذا الإصلاح ممكنًا. فلا شك في أهمية استقلال المؤسسات وسيادة القانون، لكن من غير المرجح أن ينشآ في ظل الأنظمة الاستبدادية لمجرد مطالبة نخب الأعمال أو المستثمرين الدوليين. علاوة على ذلك، أظهرت نخب الأعمال والمستثمرون الدوليون تفضيلًا للتعايش مع مؤسسات تابعة أو خاضعة للسيطرة، بدلًا من المخاطرة بنتائج مجهولة. والاستراتيجية الثالثة هي الدعوة إلى الديمقراطية والليبرالية بمفاهيم مجردة، بدلًا من إظهار كيف يمكن للسياسة الديمقراطية أن تحقق الاستقرار والكرامة والتقدم الاقتصادي. أما الرابعة، فهي التعامل مع الإسلاميين باعتبارهم العائق الرئيسي أمام التحول الديمقراطي، وبالتالي قبول التحالفات مع الحكام الاستبداديين. وهذا المنطق بحد ذاته معادٍ للديمقراطية، وعزّز مرارًا الاستبداد بدلًا من فتح المجال الديمقراطي.
ومن المفارقات أن هذه المقاربات الأربع جُرِبت طوال عقود، ولم تحقق سوى نتائج محدودة. لكي يتمكن الفاعلون الديمقراطيون من دفع المسار الديمقراطي إلى الأمام، عليهم إقناع الجمهور والنخب، من خلال أفعالهم، بأنهم قادرون على تحقيق الاستقرار والتقدم الاقتصادي. عندها فقط يمكن للمساءلة الديمقراطية أن تصبح قوة سياسية حقيقية، بدلًا من أن تبقى مجرد مبدأ.
تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.