نحو لامركزية الحوكمة: تجارب إقليمية من أجل بناء نموذج لسوريا

Arab Reform Initiative - What Decentralization Model for Future Syria?
© مبادرة الإصلاح العربي

" نحو لامركزية الحوكمة: تجارب إقليمية من أجل بناء نموذج لسوريا "

تقرير حول حلقة دراسية (سيمنار)

بدعم من مؤسسات المجتمع المفتوح 

باريس – 28 يناير/كانون الثاني 2019

نظّمت مبادرة الإصلاح العربي حلقة دراسية لعرض ومناقشة البحوث حول تجارب اللامركزية، في إطار مشروعها المعنون "الانتقال نحو لامركزية الحوكمة: أيُّ نموذجِ لامركزيّة لمستقبلِ سوريا؟"، القائم منذ عام 2016. وكان هدف الحلقة الدراسية هو الخروج بالدروس المستفادة من الدول الآخذة في الخروج من النزاع، لتبصير النقاش حول الإصلاحات اللامركزية الخاصة بسوريا.

إضافة إلى الملاحظات الافتتاحية من بسمة قضماني المديرة التنفيذية لمبادرة الإصلاح العربي، وكيارا عيّاد الباحثة ومسؤولة البرامج في المبادرة، عرضت مبادرة الإصلاح العربي نتائج استبيان تم عبر الإنترنت عن اللامركزية، وقد تم تنفيذه في ديسمبر/كانون الأول 2018. وكان هدف الاستبيان  ولقد التمس الاستطلاع قياس الآراء والتصورات حول عمليات اللامركزية، وحول مزاياها وتحدياتها. استجاب للاستبيان أكثر من 440 مواطناً من 18 دولة عربية.

تُظهر نتائج الاستطلاع أن أغلبية كبيرة من المواطنين العرب لديهم مدركات إيجابية حول اللامركزية وإمكانات الحوكمة المحلية من حيث دورها في زيادة الديمقراطية التشاركية والتنمية الاقتصادية. يرى 91% أن النظام اللامركزي من شأنه أن يزيد من إشراك المواطنين ومشاركتهم في صناعة القرار، في حين يعتبر 81% أن المحاسبة من شأنها أن تتحسن في ظل اللامركزية. ويرى أغلب المشاركين في الاستبيان أن الأهداف الرئيسية للامركزية هي التنمية الاجتماعية وتحسين تقديم الخدمات وزيادة المشاركة السياسية للمواطنين. كما يؤمن 86% بأن تشريعات الإصلاحات اللامركزية ضرورية للعالم العربي. تشير هذه النتائج إلى أن هناك نسبة موافقة أعلى على تفويض السلطات من المركز إلى الهامش، وهو الرأي الذي يمكن تفسيره انطلاقاً من نسبة الإحباط المرتفعة لدى سكان المنطقة العربية من رداءة الخدمات العامة المقدمة إليهم ومن مستوى التمثيل السياسي. على ذلك، فقد تمت الأشارة إلى ضرورة توفير عدة ضمانات يجب أن تتخذ الطابع المؤسسي على المستويين المركزي والمحلي لكي تأتي الإصلاحات اللامركزية ثمارها الإيجابية، مع أن تكون عمليات التحول للامركزية شاملة للجميع وتشاركية وتسمح بمشاركة المجتمع المدني فيها.

كما كشفت أسئلة تتعلق بدول بعينها في الاستبيان عن أن 81% من المشاركين في الاستبيان فيما يخص لبنان يعتقدون أن اللامركزية قد تكون هي الحل لمشكلات وتحديات التنمية، في حين يرى 82% بضرورة أن يتم انتخاب أعضاء المجالس المحلية. وبالنسبة إلى الأردن، قال 67% بأن اللامركزية لم تحقق إلى الآن أهدافها الإنمائية المنشودة وأشاروا إلى الحاجة إلى التوسع في الولاية المالية للمحافظات والبلديات، مع تعزيز الإشراف من مستوى الحوكمة المحلية. وبالمثل، أيد 86% في حالة العراق الرأي القائل بأن اللامركزية لم تحقق أهدافها، في حين رأى 73% أن مشكلات النظام اللامركزي سببها السلطات السياسية العراقية، حيث أعربت أغلبية كبيرة عن قلقها بالأساس إزاء النقص في القدرات المحلية واستشراء الفساد. وفي حالة تونس، أظهر الاستبيان وجود مدركات إيجابية للغاية حول الإصلاحات اللامركزية، حيث اعتبر 98% أن اللامركزية قادرة على حل مشكلات تونس، ورأى 77% أن زيادة عدد البلديات تمثل تطوراً إيجابياً.

الجلسة الأولى:

اللقاء الأول – عرض البحوث والدروس المستفادة من تونس والمغرب

ترأست اللقاء: انتصار خريجي، خبيرة اللامركزية والحكم المحلي

أوضحت خريجي أن الحالة التونسية تشتمل على تطورات جديرة بالمناقشة، مثل اعتماد كوتة انتخابية لصالح المرأة والشباب. وتُقدّر أن 37% من المشاركين في الانتخابات البلدية كانت أعمارهم تحت 25 سنة. وشددت على أهمية دراسة مختلف خبرات الإصلاحات اللامركزية في العالم العربي من أجل الوصول إلى دروس مستفادة متكاملة تكون مفيدة لصالح نماذج التحول للامركزية في المستقبل.

وفي حالة المغرب، أوضحت لمياء الزاكي، خبيرة التنمية العمرانية والحكم المحلي، أنه بحلول عام 2011 كانت السلطات البلدية المغربية لها ولاية إدارة الخدمات الأساسية من قبيل المياه والصرف الصحي. وأضافت أن الحكومات المحلية تمتعت بميزانية جيدة مُشتقة من ضريبة القيمة المضافة وتمويلات أخرى تبلغ نحو 3.5% من إجمالي الناتج المحلي (مقابل 1% في تونس) لكي تُعد وتطبق النظم اللامركزية وآليات الحكم المحلي الأخرى. على أن لمياء الزاكي طرحت تساؤلات حول الحريات الإدارية للحكومات المحلية، وقالت بأنه ورغم انتهاء نظام الوصاية الذي تقوم بموجبه الحكومة المركزية بالإشراف على السلطات المحلية والسيطرة عليها، فإن بعض أشكال السيطرة ما زالت قائمة، مثل ضرورة موافقة الحكومة المركزية مسبقاً على بعض القرارات المحلية.

وقال لطفي طرشونة الأستاذ والباحث في جامعة سوسة، إن الزيادة المطردة في عدد البلديات منذ 2014 (تُقدر حالياً بـ 350 بلدية) هي مؤشر على وجود حركة نحو الحوكمة اللامركزية وتشارك السلطة بين الدولة المركزية وبنى الحكم المحلي، تحركها بالأساس الحاجة إلى التصدي لأوجه التفاوت الإنمائية بين المناطق الحضرية والريفية. وقال بأن هذه العملية لها أيضاً بُعد سياسي، إذ أنها تشتمل على عمليات تتحرى الديمقراطية التشاركية.

ولقد تم تدعيم هذا المنظور السياسي-القانوني للامركزية عن طريق ضم وإضافة مصطلحات تخص الحكم المحلي والشخصية القانونية (الاعتبارية) والسلطة الإشرافية وغيرها من المفاهيم القانونية والسياسية الأساسية المتصلة باللامركزية. وبناء على دستور 2014، أصبح التنظيم الإداري الجهوي والمحلي في تونس لامحوري أكثر من كونه لامركزي، لعدة عوامل. تشمل هذه العوامل خصوصية الدول النامية الشابة التي لا تسمح بتوزيع صناعة القرار السياسي على نطاق عريض، والحاجة إلى التنمية الاقتصادية في إطار النظام اللامركزي، ما يعني الحاجة إلى ميزانيات كبيرة تؤدي إلى توزيع الجهود الإنمائية، والرغبة في تأكيد وترسيخ الهوية الوطنية والانحياز القوي إلى الدولة المركزية، لا إلى القبائل المحلية.

وأشار طرشونة أيضاً إلى بعض التحديات المالية واللوجستية التي تواجه تنفيذ الإصلاحات اللامركزية في تونس، ومنها عدم كفاية ميزانيات السلطات المحلية، وعدم اليقين إزاء قدرة الحكومة المحلية على تنفيذ بعض المهام الأساسية، وثقافة التهرب الضريبي على المستوى المحلي التي تعيق تحصيل العوائد المالية اللازمة. وأخيراً، فإن الدروس المستفادة والنتائج الأساسية المستقاة من دراسة تونس كانت كما يلي:

  • ضرورة السيطرة على مقومات اللامركزية في الدستور وتقويتها.
  • اعتماد نهج دستوري بناء على مبادئ دقيقة وقابلة للتنفيذ.
  • أهمية ضمّ جميع الأطراف إلى العملية وعمل انتخابات عامة لجميع المجموعات المحلية.
  • ضرورة التوسع في تطبيق نظام البلديات في جميع المناطق، مع تشكيل البلديات الريفية عند الاقتضاء.
  • أهمية إتاحة قدر كافٍ من الاستقلال لآليات الحكم المحلي قبالة الدولة، والحدّ من سيطرة الدولة، من أجل شرعنة الولايات الخاصة بالحكم المحلي.
  • توضيح تعريف العلاقة بين جميع مستويات الحكم المحلي.
  • الحاجة إلى تعزيز مبادئ وآليات الديمقراطية التشاركية.
  • تمكين النساء في المناصب القيادية بهياكل الحكم المحلي.
  • إنشاء مراكز لصناعة القرار المحلي للشباب ولأصحاب الإعاقات.
  • تطوير الوظيفة الاجتماعية لهياكل الحكم المحلي.
  • تطوير الكفاءات في المجال الثقافي.

ولقد سلطت خريجي الضوء – في حالة المغرب وتونس معاً – على أن الجوانب المالية – مثل التحويلات المالية من الدولة المركزية ونصيب السلطات المحلية من ميزانية الدولة وصلاحيات فرض الضرائب وإدارة الموارد الطبيعية – تبقى قضايا أساسية في سياق الإصلاحات اللامركزية. وأثار المشاركون تساؤلات حول الحوافز المشجعة على نقل السلطة من المستوى المركزي إلى المحلي، ودور الفاعلين والمانحين الأجانب، ودور الوالي/الحاكم المحلي والدور الإشرافي للدولة المركزية، ولأي درجة تُعد حالتي تونس والمغرب قابلتين للمقارنة بالحالة السورية، نظراً للتكوين الإثني والديني لهذين المجتمعين الذي يعد أقل تنوعاً من الحالة العراقية على سبيل المثال.

اللقاء الثاني – عرض البحوث والدروس المستفادة من العراق

ترأس اللقاء: عصام الخفاجي، أخصائي الاقتصاد السياسي والمؤرخ

بدأ الخفاجي بالإشارة إلى أنه لدى مناقشة اللامركزية في العراق، فإن مسألة الفيدرالية تُثار أيضاً بالضرورة، فضلاً عن عدّة بواعث قلق ومخاوف لدى العراقيين حول تقسيم الدولة. أوضح علي المولوي، رئيس البحوث في مركز البيان للدراسات والتخطيط أن الترتيبات الفيدرالية العراقية المنصوص عليها في دستور 2005 كان القصد منها الحدّ من إمكانية صعود نظام سلطوي آخر، وإبقاء الدولة متماسكة، وإرضاء النزعات الطائفية في العراق. وفي 2014 بعد سقوط الموصل في يد قوات "داعش"، تغيرت الديناميات السياسية في العراق وتم إعداد أجندة لتقاسم السلطة واللامركزية تحت شعار "الفيدرالية الفاعلة"، لكن ركزت الأجندة في البداية على إصلاح القطاع الأمني، كوسيلة للتعامل مع المظالم التي كانت هناك تصورات بأنها وراء صعود "داعش". واشتمل الأمر على تفويض السلطة الأمنية لفاعلين محليين بدعم من الشرطة الاتحادية.

ولقد بدأت اللامركزية الإدارية والقانونية والمالية في العراق في عام 2015 بتنفيذ قانون 21 الذي مثّل المهاد القانوني للامركزية ولإنشاء لجنة التنسيق العليا للامركزية. على أن التنفيذ واجه تحديات قانونية ومالية، مع محاولة الوزارات الحدّ من تشارك صناعة القرار مع المحافظين، ومع مقاومة وزارة المالية للامركزية المالية ومعارضتها لمسألة استخلاص العوائد على المستوى المحلي. وكان هذا كله في سياق تدهور تقديم الخدمات وتراجع الثقة في السلطات المركزية والمحلية، وهي الأحداث التي شوهدت إلى حد بعيد بصفتها مؤدية إلى الاحتجاجات الشعبية العنيفة التي اندلعت في البصرة في صيف 2018. وبسبب غياب الوضوح حول تقسيم السلطات والمسؤوليات، فقد تم تكليف قوة عمل مشكلة حديثاً بالتعامل مع الشكاوى الخاصة بالبصرة، بدلاً من أن يُعهد بهذه المسألة إلى الحكومة المحلية هناك.

وفيما يخص الدروس المستفادة من اللامركزية في العراق، تم تسليط الضوء على النقاط التالية:

  • يمكن أن يتم النظر إلى اللامركزية في التحليل الأخير بصفتها أداة من أدوات النخب السياسية لحماية نفسها في نظام ما بعد 2013.
  • بدأت أجندة اللامركزية في العراق كوسيلة للحفاظ على تماسك البلاد، وتطورت بحيث أصبحت تركز على تحسين الخدمات وتقديمها.
  • بناء قدرات الحكومة المحلية مسألة لا غنى عنها، لكن يجب أن تُحرك هذه العملية التدابير المُستخدمة لمعالجة المشكلات، لا أن تتكون من حلول جاهزة.
  • مطلوب قدر أكبر من التركيز على مستوى القضاء ومستوى الناحية لتحسين الخدمات، مع ضرورة الحدّ من صلاحيات مجالس المحافظات.
  • لا يمكن أن تتحسن قيمة اللامركزية إلا عندما ترافقها إصلاحات انتخابية تهيئ لمزيد من المحاسبة للمسؤولين المحليين على يد الناخبين.

ناقش الحضور دور المانحين الدوليين والإخفاق المتصل للجهود الدولية بهذا المجال، إذ تفتقر الحكومات المحلية إلى المهارات والقدرات اللازمة لإدارة التمويلات الأكبر وأعداد العاملين الأكبر. كما ناقش الحضور سؤال أن يكون المحافظ بالتعيين أم بالانتخاب، ومسألة تطبيق اللامركزية على مراحل. ولقد أشير إلى أنه في حالة عدة دول في أمريكا اللاتينية، بدأت عملية اللامركزية السياسية أولاً ثم تلتها المالية ثم تم تطبيق اللامركزية الإدارية أخيراً. وتعد معايير التطبيق على مراحل وثيقة الصلة بحالة العالم العربي والدول الآخذة في الخروج من نزاعات. كما أشار الحضور إلى بعض التحديات مثل الحاجة الملحة إلى توفر موافقة ثلثي السكان على الإصلاحات الدستورية، والعوامل التشجيعية الضعيفة ومنهجيات المتابعة الواهنة فيما يتعلق بمبادرات بناء قدرات الحكم المحلي.

الجلسة الثانية:

اللقاء الأول – فرص تطبيق اللامركزية في سوريا

ترأس اللقاء – أديب نعمة، خبير التنمية والحكم المحلي

في هذه الجلسة قام كل من بسمة قضماني وسلمان الشيخ رئيس "مجموعة الشيخ"، وجهاد يازجي مدير ورئيس تحرير التقرير السوري، ورياض علي، القاضي السوري ومعن طلاّع الباحث في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، بعرض تحليلاتهم لإمكانات تطبيق اللامركزية السياسية والاقتصادية والإدارية والأمنية في سوريا.

شددت قضماني على أن تنوع المجتمع السوري يجب أن ينعكس في مؤسسات الحكم. فصعود المجالس المحلية التي تولت دور الدولة المركزية أثناء النزاع يقتضي بدء مناقشة في سوريا حول فرص اللامركزية في البلاد. وقالت بأن محاولات المجتمع المدني للحفاظ على دور السلطات المحلية والمجتمعات المحلية في الحكم هي جهود اعترضتها بنية السلطة على المستوى المركزي، مع استرداد السيطرة العسكرية على مختلف المناطق. وأوضحت أن على الدولة السورية أن تعيد تشكيل ذاتها وأن تتغير بحيث تصبح تصبح دولة مركزية قوية وديمقراطية قادرة على تمثيل الجميع، كمطلب مسبق على نجاح أي شكل من أشكال اللامركزية وقبل أي نقل للسلطات إلى المستوى المحلي. ومع وصف قضماني للنقاش حول مدى تطبيق اللامركزية (اللامركزية الإدارية وغيرها) أشارت إلى "اللامركزية الديمقراطية" كمفهوم من الممكن أن يكون نقطة إجماع تؤدي إلى الخوض بشكل آمن في عملية اللامركزية في سوريا، مع تعريف وتحديد تفاصيل الدولة اللامركزية عبر التفاوض. مبادئ هذا الإطار تشمل وجود ضمانات دستورية تحمي الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية للمواطنين، وتضمن أن تخضع جميع السلطات المحلية – بغض النظر عن حجمها وعددها – لقانون مشترك واحد، مع وجود دولة مركزية محايدة فيما يخص الدين. وللتمهيد لهذه العملية، حاججت قضماني بضرورة إنشاء لجان إدارية واقتصادية وأمنية ولجان المدنيين والخبراء القانونيين بما يضمن التفاوض بشكل تفصيلي حول كل جانب من الجوانب، وتسوية مسألة الأرض وملكية العقارات المعقدة، لا سيما فيما يتعلق بالنازحين.

وأوضح الشيخ أن الأمر الواقع الذي يفرض نفسه في سوريا يتمثل في حالة من التشظي، وقال بأنه حتى إذا حُجبت العملية السياسية أو حتى وإن بدت راكدة، فإن النقاش حول درو اللامركزية في مستقبل سوريا قد تطور وأصبح مقبولاً بقدر أكبر من قبل مختلف الفصائل. وشدد على أهمية الدعم المستمر للمجالس المحلية التي ظهرت في سوريا ونجحت في إدارة الشؤون المحلية أثناء النزاع. كما أشار إلى الحاجة إلى إنشاء مساحة نقاش أكثر شمولاً لمختلف الأطراف، من أجل التقدم نحو عملية اللامركزية الديمقراطية في سوريا.

ومن جانبه قال جهاد يازجي إن اللامركزية الاقتصادية جانب محوري لا غنى عنه ضمن النقاش الخاص باللامركزية في السياق السوري، بسبب التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية وعدم تكافؤ تدفق الاستثمارات الأجنبية لمختلف المناطق وكذا خطط إعادة الإعمار بعد النزاع. لا يمكن فصل هذا النقاش عن الحل السياسي للنزاع، وعن الفهم المتلخص في أن التحديات التي أثارتها الثورة كانت في القلب من النظام السياسي المركزي. وبشكل أكثر تحديداً، فإن الجدل حول اللامركزية حالياً لا يمكن فصله عن النقاش حول إعادة إعمار سوريا. لقد أسفر النزاع عن دمار موسع يتطلب استثمارات متصلة ومشاركة من الدولة المركزية في إدارة هذه الاستثمارات. لكن هناك تفاوتات كبيرة في المهارات بين دمشق وباقي البلاد، وضعف في المؤسسات خارج العاصمة، حيث الدولة المركزية هي الجهة القادرة الوحيدة – نظرياً – على توفير الضمانات للمستثمرين. كما أن التفاوتات بين المناطق المختلفة تحتاج للمعالجة عبر التوزيع الأكثر عدلاً للموارد (ومنها النفط والغاز والموارد الزراعية والموارد الطبيعية الأخرى، فضلاً عن الإنفاق الحكومي مثل التوظيف بالقطاع الخاص الذي يحابي السكان بمناطق الساحل السوري). واختتم يازجي قوله بأنه حتى تصبح اللامركزية الاقتصادية فعالة، فلابد أن تتحلى السلطات المحلية بقدر من الحكم الذاتي في نصيبها من ميزانية الدولة وكذلك الحق في فرض الضرائب وتحديد مبالغها (في إطار الهامش الذي تفرضه الحكومة المركزية، لتفادي وجود منافسة كبيرة بين المحافظات).

وقام رياض علي بتسليط الضوء على أهمية اللامركزية الإدارية، على الأقل أثناء الفترة الانتقالية وفترة التعافي، بسبب الدمار الواسع جراء الحرب والحاجة الملحة إلى التنمية وإعادة الإعمار، وهي الجهود التي لا يمكن للدولة المركزية أن تضطلع بها وحدها. كما قال بأن اللامركزية الإدارية من شأنها حماية الدولة السورية من التشظي، وهي في الوقت نفسه كفيلة بطمأنة من يعارضون النظام الفيدرالي، وسوف تساعد في إرجاء اتخاذ قرار اعتماد النظام الفيدرالي في المحافظات. ولقد أكد علي في كلمته على قول المتحدثين السابقين، فقال إن اللامركزية الإدارية قد تُنفذ بنجاح في سوريا من بعد تعريف السلطات والاختصاصات الخاصة بالإدارة المركزية ومجالات عمل الوحدات اللامركزية المختلفة. وفي حال الاختلاف حول الاختصاصات، يكون للقضاء الإداري دور الفصل في هذه المسائل. وهذا يعني أن القضاء يجب أن يكون حراً ومستقلاً عن سيطرة وتدخلات السلطة التنفيذية.

كذلك شدد علي على ضرورة اختيار الممثلين للسلطات المحلية (مجلس المحافظة، مجلس المدينة، مجلس البلدة) من داخل المحافظة وليس عن طريق اختيار الحكومة أو الإدارة المركزية، ومن خلال انتخابات، للتأكيد على مبدأ الديمقراطية. يجب أن ينص الدستور السوري أيضاً على أن يكون للمحافظات سلطات إدارية ومالية موسعة لإدارة شؤونها بما يتوافق مع مبدأ اللامركزية الإدارية، وإتاحة الحق للمحكمة الدستورية العليا للنظر في دستورية أي قانون يصدر وتقييم مدى اتساقه مع مبدأ اللامركزية الإدارية.

وناقش معن طلاّع الجوانب الأمنية للامركزية وحاجج بأنه لدى مناقشة لامركزية القطاع الأمني في سوريا، فمن الأهمية بمكان ملاحظة أن جميع القرارات الأمنية التي صدرت قبل وأثناء الثورة كانت خاضعة لسيطرة سلطة شديدة المركزية وغير شفافة في دمشق، وهي التي وضعت الاستراتيجية الأمنية وحددت ما يعتبر تهديدات وقررت كيف تتصدى لها. وإلى اليوم، لا توجد استراتيجية أمنية وطنية سورية تم نشرها ولا يوجد أي وضوح إزاء الهيئات المسؤولة عن تنفيذ الصلاحيات الأمنية. وبعد 8 سنوات على بدء النزاع وتدخل القوى الأجنبية، أصبحت الأسس الأمنية بالمناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة مختلطة، إذ تمارس إيران سيطرة أمنية أفقية، مع دمج المسؤولين الإيرانيين بقوات الدولة، في حين تمارس روسيا سيطرة رأسية على الموقف الأمني في سوريا. كذلك أوضح طلاّع أن الدفع بلامركزية قوات الأمن وثيق الصلة بالمصالح الأمنية الوطنية العامة، من ثم فإن نموذج نقل السلطات الأمنية يتطلب مشاركة وطنية وإجماع وطني. ولابد أن يكون الفاعلين الأمنيين إبان تنفيذ اللامركزية في القطاع الأمني ممثلين للمصالح الوطنية ولهم سمة وطنية.

وفي غياب التفاهم السياسي بين أطراف النزاع، فإن مناقشة اللامركزية وأشكال الحكم الأخرى تبقى وثيقة الصلة بتعزيز الاستقرار المحلي. ومن وجهة النظر الأمنية، قال طلاّع بأن الثقة غائبة بين المركز والمستوى المحلي في السياق السوري. ولكي تظهر إلى الوجود عملية لامركزية حقيقية للقطاع الأمني، فلابد من تشكيل لجان مستقلة للتعرف على التهديدات الرئيسية ولتخطيط البرامج من قبيل نزع الأسلحة من المسلحين والتسريح وإعادة الدمج بالمجتمع. ومن الضروري – في تقدير طلاّع – إعداد مواد دستورية تفصيلية توضح تقسيمات السلطة في مختلف القطاعات وتضمن وجود ومشاركة المجتمع المدني السوري المستقل.

وخلال المناقشة، دار حوار بين سوريين من خلفيات عرقية وطائفية مختلفة، يُذكر منهم الأكراد والعرب، حول موقف المجلس الوطني الكردي، وهو الائتلاف السياسي الرئيسي للأحزاب السياسية الكردية السورية، حول مسألة الفيدرالية كمفهوم شامل يراعي مصالح جميع المجتمعات السورية. ولقد تم الاتفاق على أن هناك خصوصية للمسألة الكردية تتطلب عناية خاصة، بما أن مفهوم الهوية الكردية متجاوز للحدود السورية. كما ناقش الحضور أهمية مراعاة الجوانب الهيكلية والاجتماعية للامركزية، مثل ضرورة ألا نتجاهل التغيرات الديمغرافية والنزوح الجماعي.

اللقاء الثاني – اللامركزية والهوية الوطنية السورية

ترأس اللقاء: طارق عزيزة، باحث سوري

في اللقاء الأخير، ناقشت صبيحة خليل العضوة بالحركة السياسية النسائية السورية أهمية تعريف وتأكيد الهوية الوطنية السورية قبل تقرير الشكل النهائي للدولة وطبيعة الحكم فيها. قالت بأن الدولة المركزية ومن خلال جهازها الأمني، تغذي انعدام الثقة بين مختلف الأقليات العرقية والدينية في محاولة منها لتأسيس هوية وطنية شاملة لكنها غير مستوعبة لمختلف الأطراف. وحددت خليل عدة اعتبارات لابد من التصدي لها لدى مناقشة الهوية الوطنية السورية:

  1. سوريا اليوم مقسمة بين دوائر نفوذ دولية نتيجة للنزاع، مع وجود غطاء محلي لهذه الدوائر، ولا تعتبر موحدة من حيث الممارسة بقدر ما هي موحدة من حيث النظرية.
  2. تجسير الهوة التنموية بين المناطق السورية مع مراعاة متطلبات إعادة الإعمار المتوازن بين مختلف المدن والمناطق المتضررة. على سبيل المثال، لا يمكن مقارنة مناطق النظام بالمناطق الخاضعة للمعارضة لدى الحديث عن إعادة الإعمار، بما أن مناطق النظام ظلت آمنة أثناء النزاع في حين تعرضت مناطق المعارضة لدمار هائل.
  3. زيادة الكراهية بسبب الحرب والانقسامات الرأسية والأفقية التي أضرت بالنسيج الاجتماعي السوري ودفعت باتجاه مفهوم الهويات قبل الوطنية، من الطائفة والعشيرة والأسرة.
  4. التوزيع غير المتكافئ للثروة يعيد إلى الأذهان أن النزاع قد اشتد مع تشاطر دوائر النفوذ بين العصابات وأمراء الحرب.
  5. أثناء الحرب عاد مفهوم القوة الغاشمة بصورته العسكرية والأيديولوجية والدينية متجسداً في سلوك النظام وميليشيات المعارضة، مع بروز التصور بأن الدولة يجب أن تتسم بالحزم والقمع والمعاقبة والإفلات من العقاب لكي تحقق مصالح من هم في السلطة.

مع مراعاة هذه العناصر، أشارت خليل إلى أن بناء الثقة في الدولة المركزية سيكون الخطوة الأولى نحو اللامركزية، وأن أية مناقشات حول اللامركزية يجب أن تسبقها مناقشة حول طبيعة الدولة المركزية والهوية الوطنية السورية.

وأثناء المناقشة، تكرر إثارة موقف السوريين الأكراد ورؤيتهم الخاصة بسوريا الفيدرالية. وقيل إنه رغم اعتبار النموذج العراقي فاشلاً، فإن الأكراد في سوريا يرونه ناجحاً، إذ يعتبرون الفيدرالية في سوريا فرصة تاريخية لعملية سليمة لبناء الدولة. وسلطت المداخلات التالية الضوء على التوترات بين رؤية السوريين الأكراد لنموذج الحكم في سوريا، والرؤية القومية، مع إشارة بعض المشاركين إلى أن مقترح سوريا الفيدرالية قد تقدم به المكوّن الكردي دونما اعتبار أو مشاورات مع باقي عناصر الدولة. إن الطبيعة الانفصالية للأكراد ودعمهم للنموذج الفيدرالي تعمق من المخاوف إزاء انقسام سوريا. على ذلك، فقد رأى المشاركون أنه بغض النظر عن الشكل الذي ستكون عليه سوريا، فمن الضروري أن يكون ممثلاً لجميع الفئات المجتمعية، وأن يكون قادراً على إدارة التنوع، وتوفير الاحترام، ومراعاة سيادة القانون، وضمان المساواة في الحقوق للمواطنين كافة، وإنشاء دولة علمانية تحترم حقوق الإنسان وحقوق الأقليات. وتمثلت التحديات الأساسية في المناقشات حول الحُكم في سوريا في الانقسامات الخاصة بالمعارضة المتشظية، فضلاً عن الحاجة إلى الاتفاق على المصطلحات والمفاهيم وتحري التعريف الدقيق لمصطلحات الفيدرالية واللامركزية الديمغرافية واللامركزية الكيفية، واللامحورية وغيرها من المصطلحات. وأخيراً، فقد تم الاتفاق على أن النقاش المفتوح حول الإصلاحات اللامركزية يمكن أن يكون نقطة انطلاق نحو عملية تفويض السلطة تدريجياً من المركز إلى المستوى المحلي، مع التوجه نحو حل غير مُسيّس.