شركاء في الأزمة: الدولة اللبنانية، والتضامن المحلي، والقدرة على الصمود في خضم حروب 2024-2026

حشد من الناس يشكلون هيئة علم لبنان: رسم توضيحي (فيكتور). © Akane1988

مقدمة

منذ بدء التصعيد الإسرائيلي ضد لبنان في أيلول/سبتمبر 2024، وتجدده في آذار/مارس 2026، نزح أكثر من مليون شخص نتيجة موجات متتالية من أوامر الإخلاء.1Time, “One Million People Displaced in Lebanon as Israel Launches Ground Invasion”, 16 March 2026; Middle East Council on Global Affairs, “In Lebanon, a New Wave of Displacement Exposes a Broken System”, April 2026. وحشدت مؤسسات الدولة اللبنانية جهودها للاستجابة لهذه الأزمة في ظلّ ظروف بالغة الصعوبة. فخلال الأيام الثلاثة الأولى فقط من تصعيد آذار/مارس 2026، افتتح نحو 400 مركز إيواء جماعي خصصتها الحكومة في المدارس والمباني العامة، وبلغ معظمها طاقته الاستيعابية القصوى خلال أسبوع، مستضيفاً ما يزيد بكثير على 100 ألف نازح.2مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR)، ”نحو 700 ألف نازح في أسبوع واحد في جميع أنحاء لبنان مع تفاقم الأزمة“، آذار/مارس 2026 (UNHCR، "نحو 700 ألف نازح"). وتعدّ هذه التعبئة السريعة إنجازاً تحقّق، على الرغم من أن الدولة لا تزال تتعافى من الانهيار الاقتصادي الذي حدث عام 2019، والفراغ الرئاسي الطويل، والقيود الشديدة المفروضة على ماليتها العامة. فحذر مسؤولون، حتى قبل تصعيد آذار/مارس 2026، من أن استمرار تشغيل مراكز الإيواء ودعم النازحين سيتطلّب نحو 250 مليون دولار شهرياً، قبل أن يؤكدوا لاحقاً أن الدولة لا تمتلك سوى نحو %30 من التمويل اللازم لتلبية احتياجات النازحين.3Tahrir Institute for Middle East Policy (TIMEP), “War in Lebanon: Community Initiatives Work to Fill the Rescue Gap”, 7 April 2026 (TIMEP, “War in Lebanon”).

تتناول هذه المقالة التحليلية كيفية إسهام المجتمع المدني اللبناني والشبكات الشعبية، بالتعاون مع الدولة وفي إطار استجابة أكثر تنسيقاً، في استكمال قدرات المؤسسات الحكومية، لا الحلول محلها. فقد عملت المطابخ المجتمعية، وجهود تنسيق الإيواء على المستوى المحلي، وحملات المساعدة المموّلة من اللبنانيين في الاغتراب، جنباً إلى جنب مع السلطات البلدية والوطنية، لتعزيز الاستفادة من الموارد المحدودة وتوسيع نطاق تأثيرها. غير أن هذه التجربة تطرح سؤالاً أكثر تعقيداً. فمفهوم "التكامل" ينطوي هنا على أبعاد تتجاوز مجرد التعاون، ويستدعي التساؤل عمّن يرسم الحدود الفاصلة بين دور الدولة ودور الجهات غير الرسمية، وعلى أي أسس تُوزّع المسؤوليات، ووفق أي آليات للمساءلة؟ وبعيداً من اعتبار هذا النمط من الاستجابة دليلاً مباشراً على غياب الدولة، يمكن فهمه بصورةٍ أدقّ بوصفه شراكة مجتمعية متعددة الأطراف، قائمة على التعاون بدلاً من هيمنة طرف على آخر. لكن اختزال هذه الشراكة في كونها ترتيباً إدارياً فعالاً ينطوي على خطر تطبيع انسحاب الدولة التدريجي والدائم في توفير الرعاية والخدمات الاجتماعية. فالوصول اليومي والموثوق إلى الخدمات العامة يعدّ إحدى القنوات الأساسية التي تُبنى من خلالها ثقة المواطنين في الدولة. فكلما أصبح الوصول إلى هذه الخدمات يمرّ عبر المنظمات غير الحكومية ووكالات الأمم المتحدة وشبكات المغتربين بدلاً من مؤسسات الدولة نفسها، ازداد تأثير هذا التحول في إعادة تشكيل العلاقة بين المواطنين والدولة، لا في كيفية تخصيص الموارد المالية وإنفاقها فحسب. لذلك، تنظر هذه المقالة إلى النموذج الهجين، القائم على الجمع بين جهود الدولة والجهات غير الحكومية، باعتباره استجابة طارئة مشروعة وفعالة بالفعل في بعض جوانبها. لكن استمرار مشروعيته على المدى الطويل يتوقف على إدارته بوصفه نموذجاً انتقالياً، يشكّل جسراً نحو إعادة بناء قدرات الدولة، لا صيغة دائمة لتفويض مسؤولياتها إلى جهاتٍ أخرى. وتختتم المقالة بمجموعة من التوصيات السياساتية الموجهة إلى الحكومة والجهات المانحة والأطراف الدولية الأكثر قدرة على ترجمة هذا التمييز إلى خطواتٍ عملية.

دولة تحت الضغط

يعدّ حجم التعبئة التي بذلتها الدولة لتأمين مراكز الإيواء منذ عام 2024 لافتاً بالفعل، بالنظر إلى الظروف المالية القاسية، والحجم الهائل للنزوح، والموارد البشرية التي تطلبتها هذه الاستجابة. وتدير الدولة ما يشبه شراكة اجتماعية متعددة الأطراف، بالتنسيق مع ما لا يقل عن 7 وزارات أخرى، ونحو 400 منظمة غير حكومية، ونحو 20 وكالة تابعة للأمم المتحدة، من دون أن تمتلك تفويضاً صريحاً للاضطلاع بهذه المهمة. وقد أعادت الوزارات والبلديات تخصيص المدارس والملاعب والمباني العامة وتحويلها إلى مراكز إيواء خلال مهلة زمنية قصيرة جدًا، مع تنسيق عمليات تسجيل النازحين داخلياً، وتأمين احتياجاتهم من الخدمات الأساسية، والسعي، وإن بصورة غير مكتملة، إلى ضمان معايير السلامة والتشغيل في مئات المراكز. إن مجرد نجاح هذه التعبئة، في بلدٍ عانى بالفعل من انهيار النظام المصرفي وسنوات من التدهور الاقتصادي، وفي ظلّ تعطّل بعض الوظائف الأساسية للدولة، يصعّب اختزال المشهد في سردية الغياب التام للدولة، ويستدعي التوقف عنده بمزيدٍ من التدقيق. ومع ذلك، فإن تحديد ما إذا كان هذا الترتيب سيعزز أو يقوض مكانة الدولة على المدى الطويل لدى المواطنين، لا يرتبط بكفاءته الإدارية بقدر ما يرتبط بكيفية التعامل معه وتقديمه في الخطاب العام: فهل ينظر إليه باعتباره حلاً مؤقتاً ريثما تُعاد بناء قدرات الدولة، أم يجري تكريسه بوصفه بديلاً دائماً عن تقديم الدولة الخدمات بصورة مباشرة، وهو تمييز سنعود إليه لاحقاً.

ومع ذلك، تضع الأرقام الرسمية هذا الإنجاز في سياقه الفعلي. فحتى منتصف عام 2026، لم يتجاوز تمويل "خطة الاستجابة للبنان" (LRP) الأوسع نطاقاً نحو 44.8% من احتياجاتها،4مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، خدمة التتبع المالي: خطة الاستجابة الإنسانية للبنان لعام 2026، 2026 (OCHA، خدمة التتبع المالي). بينما يشير مسؤولون لبنانيون، بشكلٍ منفصلٍ، إلى أن الدولة نفسها لا تمتلك سوى نحو %30 من الأموال اللازمة لتلبية احتياجات النازحين.5TIMEP, “War in Lebanon”. وأيًا تكن النسبة المعتمدة، فإن دولة ومنظومة استجابة تعملان بأقل من نصف الميزانية المطلوبة لا يمكنهما ببساطة توسيع نطاق جهودهما أصلاً. وتجد الدولة نفسها مضطرة إلى اتخاذ قرارات، بصورة ضمنية أو صريحة، بشأن المسؤوليات التي ستتخلى عن الاضطلاع بها وتُحيلها إلى جهات من خارج مؤسساتها الرسمية. ولذلك، فإن فهم طبيعة الاستجابة خلال الفترة الممتدة بين عامي 2024 و2026 يقتضي البحث في كيفية اتخاذ هذه القرارات، بدل الاكتفاء بتوصيف تعزيز منظومة هجينة كانت موجودة أصلاً. كما يستدعي التساؤل عن الشروط التي ينبغي أن تحكم التقليص التدريجي للاعتماد على هذه المنظومة وقدرتها على استعادة مسؤولياتها المباشرة.

النموذج الهجين في الممارسة العملية

في بيروت، استأنف المطبخ المجتمعي "نيشن ستيشن" (Nation Station) عملياته الإغاثية الطارئة خلال أيام من تصعيد آذار/مارس 2026. وبحلول 5 آذار/مارس، كان المتطوعون والطهاة يُعدّون نحو 1000  وجبة يوميًا لتوزيعها على 3 مراكز إيواء جماعية قريبة.6TIMEP, “War in Lebanon”. وبحلول نيسان/أبريل 2026، كان كل من "نيشن ستيشن" و"إيكو هاب" الذي تديره منظمة "أحلى فوضى"، يقدمان معًا أكثر من 28,761 وجبة يوميًا، بالاعتماد على متطوعين يحضرون يوميًا إلى هذين الموقعين ومواقع أخرى عديدة.7M. Chakraborty, “Mutual Aid Is a Lifeline for the Displaced in Lebanon”, Waging Nonviolence, republished in Truthdig, 5 April 2026. وكانت التغطيات الإعلامية لعمليات هذه المطابخ عام 2024 أشارت أيضاً إلى أن "نيشن ستيشن" كان يوزّع نحو 3 آلاف وجبة يوميًا على أكثر من 12 مدرسة تؤوي نازحين.8The Media Line, “Lebanese Solidarity Initiatives Help Support Displaced People”, 11 October 2024. وسدّت مجموعات تقودها عاملات مهاجرات فجوة أخرى في الاستجابة الإنسانية. فقد نظمت مجموعة "استعادة حقوقنا" (Reclaim Our Rights)، وهي ائتلاف من العاملات المهاجرات، مطابخ مجتمعية وطروداً غذائية ومساعدات في دفع الإيجار، خُصصت للنساء المهاجرات النازحات،9J. Cole, “Mutual Aid Helps the Million Lebanese Israel Displaced”, Informed Comment, 8 April 2026. وهن فئة بقيت إلى حدٍّ كبير خارج نطاق خدمات مراكز الإيواء الحكومية. ويكشف النمط المشترك بين هذه المبادرات عن تنسيق مع المنظومة الرسمية، لا اندماج فيها. فالمطابخ توصل الوجبات إلى مراكز الإيواء التي تحددها الحكومة، لكنها تحتفظ باستقلاليتها في التمويل والتوظيف والإدارة.

على المستوى المؤسسي، يجري التنسيق الرسمي من خلال هياكل مثل "خطة الاستجابة للبنان" (LRP)، و"مجموعة العمل المعنية بالمساعدات النقدية"، و"اللجنة الفنية لإدارة المواقع والتنسيق"، التي تتشارك المنظمة الدولية للهجرة رئاستها مع السلطات اللبنانية، لدعم النازحين في مراكز الإيواء الجماعية وتيسير إغلاق هذه المراكز لاحقاً بطريقة تحفظ كرامتهم.10المنظمة الدولية للهجرة (IOM)، خطة الاستجابة للأزمة في لبنان 2026، منصة الاستجابة للأزمات العالمية، 2026 (IOM، خطة الاستجابة للأزمة في لبنان). وبشكل أعم، تشير تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) إلى أن تنسيق العمل في نحو 640 مركز إيواء جماعياً في لبنان، حتى حزيران/يونيو 2026، شمل تعاوناً بين الصليب الأحمر اللبناني، ووحدة رصد مخاطر الكوارث في رئاسة مجلس الوزراء، والمحافظين، والبلديات، ووزارة الشؤون الاجتماعية.11OCHA, Lebanon: Flash Update #34 – Escalation of Hostilities in Lebanon (as of 11 June 2026), 12 June 2026 (OCHA, Flash Update #34). وهو ترتيب تشاركي يضمّ جهات متعددة، تعتمد فعاليته بشكل كبير على قدرات البلديات، وبالتالي يتفاوت مستوى الاستجابة من منطقة إلى أخرى.

أسهمت شبكات الاغتراب اللبناني في تحويل الأموال والتبرعات العينية عبر مجموعة متنوعة من المنصات، بعضها ينسّق مع البلديات، فيما يعمل كثير منها خارج هذا الإطار. وعلى المستوى التنظيمي، أطلقت شبكة المهنيين اللبنانيين في الاغتراب "ليبنت" (LebNet) حملة في نيسان/أبريل 2026 لجمع 10 ملايين دولار لصالح لبنان، مستفيدةً من شبكة تضمّ أكثر من 4,500 مهني في جميع أنحاء أمريكا الشمالية، ووجهت الأموال إلى منظمات إنسانية خضعت للتدقيق والتحقق من أهليتها، وتعمل ميدانياً في لبنان.12L’Orient Today, “The Lebanese Diaspora Launches ‘Your Turn’, an Initiative to Raise Funds for Lebanon”, L’Orient-Le Jour, 30 April 2026. أما على المستوى الفردي، فجاءت الاستجابة أكثر عفوية وتشتتاً. فقد نظم اللبنانيون الأمريكيون في ميشيغان ومناطق أخرى حملات محلية لجمع التبرعات، وخصص بعضهم جزءاً من مداخيلهم الأسبوعية لدعم أقاربهم ومجتمعاتهم في المناطق الأكثر تضررًا في جنوب لبنان. ويشير باحثون إلى تفضيل هؤلاء تقديم المساعدات مباشرةً عبر الروابط المجتمعية، بدلاً من الاعتماد على القنوات الحكومية، سواء اللبنانية أو الأجنبية.13S. Raza, “Lebanese Americans Send Money and Grieve a Homeland Engulfed by War”, Associated Press, 4 June 2026. ويمثّل هذا المستوى من الاستجابة الحلقة الأبعد عن التنسيق الرسمي مع الدولة. فتتحرك المساعدات بصورة أساسية عبر منصات تحويل الأموال والعلاقات المباشرة بين المغتربين وعائلات أو مناطق محددة. وعلى الرغم من أن هذا الأسلوب يعزز سرعة إيصال المساعدات والثقة بين الأطراف، فإنه يحدّ من قدرة الجهات الحكومية المعنية بالتخطيط على معرفة الوجهات الفعلية التي تصل إليها الموارد وتوزيعها الجغرافي.

تثبت هذه الديناميكية فاعليتها في ضمان مقومات البقاء الأساسية خلال الأزمات، بل تصبح في بعض المناطق ضرورة لا غنى عنها. ومع ذلك، فإن التحويلات المالية وتدفقات الأموال من الاغتراب، حين تجري خارج القنوات المصرفية والضريبية الرسمية، لا تسهم في تعزيز قاعدة الإيرادات الذاتية للدولة. ومن هذا المنظور فإن الاستجابة التي تعتمد على تحويلات خاصة غير موثقة، ومعفاة من الضرائب إلى حد كبير، تموّل عملية التعافي من دون معالجة مواطن الضعف البنيوية في المالية العامة اللبنانية. وقد تعمق أيضاً الاعتماد على التدفقات المالية الخارجية التي لا تملك الدولة سوى قدرة محدودة على تتبعها أو التحكم فيها. ومع أن معالجة هذا الاعتماد تتجاوز نطاق هذا المقال، لكنها تطرح مسارين للإصلاح مترابطين يستحقان مزيداً من البحث. يتمثل الأول في إصلاح نموذج تمويل التنمية، بما يشمل إعادة النظر في دور المؤسسات المالية الدولية في تحديد أطر المساعدات والديون في سياق الأزمات الممتدة. أما الثاني، فيتعلق بإصلاح قدرة الدولة اللبنانية على تعبئة الموارد المحلية بشكل منصف. ولا يندرج أي من هذين المسارين ضمن الإصلاحات الخاصة بالقطاع الإنساني وحده، لكنهما يرتبطان بشكلٍ مباشر بالسؤال عما إذا كان النموذج الهجين الموصوف هنا قادراً، في نهاية المطاف، على تمهيد الطريق نحو منظومة أكثر مؤسسية واستدامة.

هذا النمط ليس جديداً على لبنان. فهو يستعيد ملامح الاستجابة لانفجار مرفأ بيروت عام 2020، بل يمتد إلى شبكات الرعاية الاجتماعية غير الرسمية التي سدت الثغرات في الخدمات التي تقدمها الدولة طوال مرحلة ما بعد الحرب الأهلية. لكن ما يميّز الفترة الممتدة بين عامي 2024 و2026 هو أن السلطات البلدية والوطنية عمدت، في حالات محددة وموثقة، إلى تنظيم مساحة عمل لهذه الجهات وإتاحة المجال أمام مشاركتها، بدلاً من استمرار كل طرف في العمل بصورة منفصلة. خلال الأزمة، أصدرت وزارة الشؤون الاجتماعية ووزارة التربية والتعليم ووزارة الصحة إرشادات لإدارة مراكز الإيواء، بالإضافة إلى توجيهات تتعلق بالمياه والصرف الصحي والنظافة الصحية (WASH) وتوزيع المواد الغذائية. واقتصرت صلاحية تقديم المساعدات على المنظمات غير الحكومية المسجلة. وبحسب أحد مسؤولي وزارة الشؤون الاجتماعية، تولّت الوزارة عملية تسجيل النازحين داخلياً في مراكز الإيواء، والتحكّم في السردية العامة المحيطة بالاستجابة، والتنسيق مع المجتمع الدولي، مع ترتيب أولويات التمويل وفقاً لذلك. ثم تدفقت تلك الأموال إلى المنظمات غير الحكومية على أساس الأولويات المحددة بالتشاور معها، نظراً إلى أن وكالات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية المحلية تعمل كل منها وفق تفويضاتها وأولوياتها الخاصة، وهو واقع كان على الحكومة مراعاته والتكيف معه. وجرى تنسيق هذه الجهود عبر "خطة الاستجابة للبنان" وقطاعاتها المختلفة، والتي شملت الأمم المتحدة والحكومة والمنظمات غير الحكومية المحلية. وفي وصفه تعقيدات هذه العملية، قال المسؤول: "التنسيق عملية شاقة للغاية. إنه جهد حقيقي يُبذل في ظل حالة الطوارئ والحاجة الملحة. وعندما يحدث ذلك خلال حالة طوارئ، يصبح تحديد الأولويات ضرورة. لا توجد صيغة محددة... كل شيء حدث بسرعة كبيرة، وسط ضغوط سياسية ودفع من جميع الأطراف، لكننا نجحنا في إنجاح العملية".

حدود الشراكة: نظرة نقدية

إن تصوير هذا النموذج الهجين بوصفه يعمل بسلاسة ينطوي على خطر التغاضي عن التفاوتات الحقيقية في أدائه. وتبرز هنا 4 تحديات رئيسية، استناداً إلى إفادات الأطراف المعنية، وتشير جميعها إلى مجالات تستدعي مزيداً من البحث.

التنسيق. يستدعي نموذج الاستجابة الهجينة للطوارئ، القائم على مئات الجهات الفاعلة، تدقيقاً خاصاً في مسألة التنسيق. فوصول خدمات الإيواء والمساعدات إلى النازحين بالمستوى نفسه في مختلف المناطق لا يتوقف على عدد المنظمات المشاركة بقدر ما يعتمد على مدى التزامها بمعايير موحدة، وهذا أمر يصعب التحقق منه.

ويؤكد المسؤولون وجود توجهٍ واضح في هذا المجال. ورداً على سؤال حول علاقة الحكومة بالمنظمات غير الحكومية، أوضح مسؤول في وزارة الشؤون الاجتماعية (MOSA) أن الوزارة ترى نفسها الجهة المسؤولة عن تحديد أسس الشراكة، قائلاً: "كحكومة، لا نريد أن نحلّ محلّ المنظمات غير الحكومية؛ لا يمكننا ذلك، ولا نرغب فيه. نريد العمل معها، لكننا نضع المعايير ونشرف على التنفيذ، ويجري توفير الخدمات المطلوبة". وفي معرض حديثه عن حجم التحدي، أشار المسؤول إلى الأعداد الكبيرة للجهات المعنية، إذ تنسّق الوزارة في الوقت عينه مع نحو 20 وكالة تابعة للأمم المتحدة، وعدة وزارات حكومية أخرى، ومئات المنظمات غير الحكومية. كما أفاد موظفون في قطاعات الصحة والتعليم ووزارة الشؤون الاجتماعية بأنهم يعملون على مدار الساعة منذ بداية الأزمة. ويعكس ذلك واقعاً مهماً، فامتلاك الدولة القدرة على وضع المعايير والإشراف على تنفيذها، حتى في غياب التمويل الكافي، يمثل أحد مظاهر قدرتها المؤسسية. كما أن تنسيق عمل هذا العدد الكبير من الجهات في آن واحد ليس مهمة بسيطة. لكن ذلك لا يجيب عن السؤال الأكثر تعقيداً: هل يشمل هذا التنسيق جميع المناطق والمجتمعات المحلية بصورة متوازنة، أم يتركز في مناطق معينة على حساب أخرى؟ تتطلب الإجابة عن هذا السؤال مزيداً من البحث، في ظل عدم توافر البيانات التفصيلية اللازمة على مستوى مراكز الإيواء والمناطق. ومن الخطوات العملية، إذا لم تكن قد اتُخذت بعد، إدراج مؤشرات خاصة بمراكز الإيواء والمناطق ضمن السجلات الاجتماعية القائمة في لبنان، تمهيداً لبناء سجل موحد تدريجياً. ومن شأن هذا السجل أن يتيح مراقبة البرامج والجهات المنفذة استناداً إلى بيانات موثوقة، بدلاً من إعادة جمع المعلومات وتنظيمها بصورة منفصلة مع كل حالة طوارئ جديدة.

الاستدامة في مقابل الارتجال. من الواضح أن النموذج القائم على التعبئة السريعة والمتكررة لمواجهة الطوارئ، وعلى التنسيق بين الوزارات والمنظمات غير الحكومية الدولية والمحلية ووكالات الأمم المتحدة، لا يعادل وجود منظومة مؤسسية راسخة للحماية الاجتماعية. والتعامل مع هذا النموذج بوصفه صيغةً يُحتذى بها ينطوي على خطر تشجيع المانحين والمؤسسات المعنية على تكريس الاعتماد على الجهود المدنية غير المدفوعة الأجر، والمتفاوتة في توزيعها الجغرافي والاجتماعي، بدلاً من معالجة العجز الهيكلي في تمويل الدولة. فالقدرة على الصمود التي تتحقق بهذه الطريقة تترتب عليها تكاليف فعلية، يتحملها الأشخاص الذين يواصلون تقديم هذه الجهود، كما تنعكس على انتظام المساعدات وإمكانية التنبؤ باستمرارها في ظلّ نزاعٍ طويل الأمد.

توجد ثغرات في المساءلة ضمن نظام قائم على حلول مؤقتة. تختلف المشاريع الممولة من المغتربين ومنظمات الإغاثة المستقلة في مستويات الشفافية المالية والرقابة التي تخضع لها. وغالبًا ما تتدفق هذه المساعدات عبر شبكات العلاقات الشخصية والمجتمعية، متأثرةً بالعوامل الطائفية والاجتماعية بقدر ما تتأثر بحجم الاحتياجات الفعلية. لكن التحقق من هذه الفرضية يتطلب مزيدًا من البحث.

لا يقتصر العقد الاجتماعي على تقديم الخدمات، بل يشمل أيضًا طبيعة العلاقة بين المواطنين والدولة. فالثقة في المؤسسات الحكومية تتشكل من خلال التجارب المتسقة التي يختبرها المواطنون عند تلقي الخدمات منها مباشرةً. وعندما تتولى تقديم هذه الخدمات المنظمات غير الحكومية أو وكالات الأمم المتحدة أو مجموعات المغتربين، حتى وإن جرى ذلك بالتنسيق مع الحكومة، يتراجع حضور الدولة في نظر المواطنين وتتأثر شرعيتها، على الرغم من استمرارها في دور إشرافي بعيداً عن الأنظار. ولا يعني ذلك رفض اعتماد النموذج الهجين مؤقتًا، أو الإيحاء بأن وزارة الشؤون الاجتماعية أو السلطات البلدية تسعى إلى التنصل من مسؤولياتها، بل على العكس، يُظهر هذا النموذج وجود جهود تنسيقية نشطة. غير أن الحفاظ على شرعية الدولة على المدى الطويل يقتضي التعامل مع هذا النموذج باعتباره ترتيباً انتقالياً، يرتبط بخطة واضحة لاستعادة الدولة دورها المباشر في تقديم الخدمات عندما تتحسن أوضاعها المالية، بدلاً من تكريسه بديلاً دائماً عن مؤسساتها.

أصوات من الميدان: حوار مع وزارة الشؤون الاجتماعية (MOSA)

أوضح مسؤول في وزارة الشؤون الاجتماعية (MOSA) أن العلاقة بين الدولة والمنظمات غير الحكومية تقوم على 3 مجالات رئيسية. أولاً، تقديم المساعدات الاجتماعية من خلال شبكات الأمان الاجتماعي القائمة على التحويلات النقدية، مثل برنامج "أمان" (AMAN) وشبكة الأمان الاجتماعي الطارئة (ESSN) والبرامج ذات الصلة، والتي تُصرف جميعها نقداً بدلاً من تقديمها على شكل مساعدات عينية. ثانياً، تتعاقد وزارة الشؤون الاجتماعية (MOSA) مباشرةً مع منظمات غير حكومية لتقديم خدمات للنساء والأطفال، وقد واصلت هذه المنظمات عملها طوال فترة الحرب. ثالثاً، تولّت الوزارة تنسيق الجهود خلال الحرب، إذ قاد وزير الشؤون الاجتماعية الاستجابة الحكومية، ونسّق الأولويات المختلفة، بما فيها "خطة الاستجابة للبنان" (LRP).

وأوضح المسؤول أن خطة الاستجابة للبنان (LRP) أُطلقت عام 2014 استجابةً لأزمة النزوح السورية، ويرأسها وزير الشؤون الاجتماعية. وتجمع الخطة وكالات الأمم المتحدة الرئيسية وممثلي الجهات المانحة، الذين يجتمعون بشكل شبه يومي. ويحدد الوزير أولويات التمويل المقدّم من خلال نداءات الاستجابة العاجلة الصادرة عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) وفقاً للاحتياجات التي جرى تقييمها، والموزّعة بحسب القطاعات: المياه والصرف الصحي والنظافة (WASH)، والتعليم، والصحة، والغذاء والإيواء، والحماية. وتتولى هيئات حكومية أخرى عملية الصرف المباشر للأموال، من بينها مجلس الجنوب ووزارة الصحة العامة والهيئة العليا للإغاثة، في حين يقتصر دور وزارة الشؤون الاجتماعية (MOSA) على التنسيق بدلاً من إنفاق الأموال مباشرةً، إذ تمرّ نداءات الاستجابة العاجلة نفسها عبر خطة الاستجابة للبنان.

وحول تفضيل الوزارة المساعدات النقدية، قال المسؤول: "المساعدات النقدية هي مستقبل أي استجابة إنسانية، فهي تنتقل مباشرة من وزارة الشؤون الاجتماعية إلى المواطن، ويشتري الناس احتياجاتهم". ويتوافق هذا التوجه مع تيار مؤثر في الأدبيات المتعلقة بالعمل الإنساني، يرى أن التحويلات النقدية، حيثما أمكن اعتمادها، تميل إلى أن تكون أسرع في الوصول إلى المستفيدين، وأكثر كفاءة على مستوى التكلفة، وأفضل في صون كرامتهم مقارنةً بالمساعدات العينية.14High Level Panel on Humanitarian Cash Transfers, Doing Cash Differently: How Cash Transfers Can Transform Humanitarian Aid, Overseas Development Institute / Center for Global Development, 2015.

غير أن  هذه الحجة طُرِحت بشكل أساسي في سياقات تتسم باستقرار العملات، ولا يمكن تطبيقها بسهولة على اقتصاد يعاني تضخماً مفرطاً مثل الاقتصاد اللبناني، إذ فقدت الليرة اللبنانية معظم قيمتها منذ عام 2019. فالمساعدات النقدية المقدمة بالعملة المحلية قد تفقد جزءاً من قدرتها الشرائية بين لحظة صرفها واستخدامها. وحتى التحويلات النقدية المقومة بالدولار أو المرتبطة بسعر صرفه تعرّض المستفيدين لتقلبات أسواق الغذاء والوقود والسكن، التي تعاني ضعفاً في التنظيم والرقابة. ولا ينفي ذلك مزايا المساعدات النقدية مقارنةً بالمساعدات العينية، على مستوى صون الكرامة وحرية الاختيار وسهولة الإجراءات الإدارية، لكنه يوضح أن الحجج المؤيدة لاعتماد المساعدات النقدية لا يمكن نقلها ببساطة من بيئات اقتصادية أكثر استقرارًا إلى السياق اللبناني. فالحفاظ على هذه المزايا مع حماية المستفيدين من مخاطر تقلبات العملة والأسواق، يتطلب على الأرجح استراتيجيات محددة، مثل ربط قيمة المساعدات بمؤشرات الأسعار، أو زيادة وتيرة صرفها، أو اعتماد نهج هجين يجمع بين المساعدات النقدية ومراقبة الأسعار، بدلاً من افتراض أن تحويل الأموال إلى المستفيدين يكفي بحدّ ذاته لتلبية احتياجاتهم.

وفي ما يتعلق بشبكات الأمان الاجتماعي القائمة على التحويلات النقدية، أوضح المسؤول أن الأدوار موزّعة بوضوح. إذ تتولى وزارة الشؤون الاجتماعية (MOSA) إدارة عمليات التسجيل واختيار المستفيدين، وتتعاون مع نحو 17 شريكاً منفذاً، من بينهم برنامج الأغذية العالمي (WFP) ومنظمة ميرسي كوربس (Mercy Corps)، بموجب اتفاقية لتبادل البيانات تشمل المعلومات الشخصية. وقال المسؤول: "هذا يوضح المسؤوليات"، مشيرًا إلى أن هذه الآلية تُدار عبر فريق عمل مشترك معني بالمساعدات النقدية، بقيادة وزارة الشؤون الاجتماعية. ويمنح المسجلون موافقتهم على مشاركة بياناتهم، إذ وافق نحو %97 منهم على ذلك عند التسجيل. وبعدها، تزود الوزارة الشركاء بقوائم المستفيدين، ويتولى كل شريك إجراء عملية التحقق الخاصة به مع الوزارة، قبل توزيع المساعدات وتقديم تقارير تتضمن المبالغ المصروفة وأسماء المستفيدين منها. وأضاف المسؤول: "تعمل هذه الدورة المتكاملة من الإجراءات لتحقيق هدف مشترك".

ويُعتمد نموذج مماثل في توزيع المساعدات العينية، مثل مستلزمات النظافة الشخصية. إذ ترصد وزارة الشؤون الاجتماعية (MOSA) أعداد السكان في كل مركز إيواء، وتشارك هذه البيانات مع قطاع المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية (WASH)، الذي يتولى تحديد الفئات المستهدفة، من خلال التنسيق مع الشركاء وضمان شمول جميع مراكز الإيواء والمناطق الجغرافية على امتداد الأراضي اللبنانية، ضمن دورة مدتها 30 يومًا. ويتّبع توزيع المواد الغذائية الهيكلية عينها. ووفقاً للمسؤول يطبّق كلّ قطاع مراقبة الجودة الخاصة به، فيما تضع وزارة الشؤون الاجتماعية (MOSA) المواصفات التي يجب على الشركاء الالتزام بها عند شراء المستلزمات. وعلى الأرض، يتواجد ممثلون عن وزارة الشؤون الاجتماعية (MOSA) وقطاع التعليم في كل مركز إيواء، وتُرفع  أي مشكلات تتعلق بالحماية أو الخدمات أولاً إلى الوزارة عبر إدارة مركز الإيواء.

وعند قراءة إفادات وزارة الشؤون الاجتماعية في سياقها العام، يتضح أن النموذج الذي تصفه يقوم إلى حدٍ كبير على أدوات المساعدة النقدية الطارئة أو شبه الطارئة، مثل برنامج "أمان" (AMAN) وشبكة الأمان الاجتماعي الطارئة (ESSN)، إلى جانب دورات توزيع مستلزمات النظافة والمواد الغذائية التي تُنفّذ بالتعاون مع الشركاء، بدلاً من الاستناد إلى منظومة دائمة للضمان الاجتماعي قائمة على الحقوق، يُدرج ضمنها النازحون والفئات الهشة باعتبار الحماية الاجتماعية حقاً مكفولاً لهم. ويكتسب هذا التمييز أهمية أساسية في فهم النموذج الحالي الذي يعتمد بشكل كبير على المساعدات النقدية.

ومن هذا المنطلق، ينبغي النظر إلى التحويلات النقدية المموّلة من المانحين والموجّهة إلى مناطق وفئات محدّدة بوصفها أدوات طارئة لامتصاص الصدمات، تستمدّ أهميتها تحديداً من إمكانية إطلاقها بسرعة وتكييفها بمرونة مع الاحتياجات، لا باعتبارها الغاية النهائية لإصلاح منظومة الحماية الاجتماعية. وتكمن ميزتها النسبية في قدرتها على توفير هامش مالي وإداري يتيح، على المدى الأبعد، بناء إطار اجتماعي أكثر مؤسسية وقائم على الحقوق، لا يعتمد، عاماً بعد عام، على حجم التمويل الذي يوفره نداء إغاثة عاجل معين، أو لاستعداد مجموعة معينة من المانحين لتقديم الدعم.

نحو مقاربة أكثر منهجية

تميل الأدبيات البحثية القائمة على الحماية الاجتماعية في لبنان إلى التركيز على تشتت قدرات الدولة في برامج المساعدات الاجتماعية.15N. Khayat et al., Navigating Social Assistance in Lebanon: Experiences and Insights of the Bottom Poor, CAMEALEON (Consortium of the Norwegian Refugee Council, Oxfam Italy, and Solidarités International), 2025. وبحثت دراسات أخرى التفاوت في تقديم المساعدات الاجتماعية بحسب المنطقة الجغرافية والجنسية،16D.J.H. te Lintelo et al. Lakshman, Patchworks of Provisioning: Social Assistance in Beirut’s Informal Neighborhoods, BASIC Research Working Paper 57, Institute of Development Studies, 2026. فيما بدأت مجموعة محدودة من الأبحاث تتتبّع الدور الذي اضطلعت به البلديات والمنظمات الاجتماعية في توفير المساعدات حيثما عجزت الدولة عن ذلك.17N. Khayat and D.J.H. te Lintelo, “Between Aid and Local Governance: Social Assistance in Lebanon’s Protracted Crises”, in R. Sabates-Wheeler, J. Lind, and B. Carter (eds.), Social Assistance and Protracted Crises: Navigating the Nexus of Social Protection and Humanitarian Aid, Routledge, forthcoming. ولا يزال جزء كبير من هذه الأدبيات ينطلق من حالة التشتت التي كشفت عنها الأزمة الاقتصادية عام 2019، من دون أن يرصد بشكل كامل كيفية تكيّف الجهات الحكومية والبلدية مع دورها التنسيقي خلال حروب 2024-2026. ولا تُخطئ هذه الأدبيات في تشخيص أوجه القصور، إذ تكفي فجوة التمويل وحدها لتأكيدها، لكنها لم تتناول بالقدر الكافي الآليات المحددة التي رُبطت من خلالها قدرات الحكومة والمبادرات الشعبية منذ عام 2024، ولا المجالات التي أثبت فيها هذا الترابط فاعليته، وتلك التي ظهرت فيها حدوده.

وتكتسب معالجة هذه الفجوة البحثية أهميةً تتجاوز لبنان، سواء على مستوى الأدبيات المتعلقة بالمساعدة والحماية الاجتماعية أو على المستوى التطبيقي. فإذا كان من المزمع اعتماد نموذج يجمع بين البنية التحتية التي توفرها الدولة وتقديم الخدمات بقيادة المجتمعات المحلية، والتوصية به لدولٍ أخرى تواجه صراعاتٍ مطولة وقيوداً على الموازنات العامة، فلا بدّ من توصيفه بما يشمل ثغرات المساءلة والتفاوت في توزيع المساعدات، لا الاكتفاء بإبراز جوانب كفاءته. وينبغي على المانحين والمؤسسات الدولية التي تدرس مواصلة دعم هذا النموذج أو توسيعه، ألا تكتفي بالسؤال عما إذا كان النموذج الهجين ناجحًا، بل أن تبحث أيضًا في الفئات الأقل استفادة منه، وفي الشكل الذي ينبغي أن يتّخذه التنسيق المؤسسي المنظم لسدّ هذه الفجوات، انطلاقاً من الممارسات التنسيقية التي قد تكون وزارة الشؤون الاجتماعية وشركاؤها من المنظمات غير الحكومية قد بدأوا بالفعل في تطويرها. وتحدد التوصيات الواردة أدناه بعض الخطوات العملية التي يمكن اتخاذها على المدى القريب للشروع في معالجة هذه الثغرات.

توصيات على مستوى السياسات العامة

يشير التحليل السابق إلى مجموعة من الخطوات العملية القابلة للتنفيذ على المدى القريب، التي يمكن أن تتخذها الجهات الحكومية والمانحين والجهات الدولية المعنية باتخاذها. ولا تتطلب أيّ من هذه الخطوات تفكيك النموذج الهجين، بل تهدف جميعها إلى ضمان أن يشكّل مرحلةً انتقالية نحو تعزيز قدرات الدولة، بدلاً من أن يتحول إلى بديل دائم عنها.

بالنسبة إلى وزارة الشؤون الاجتماعية والوزارات المعنية

  • إضفاء طابع انتقالي رسمي على نموذج التنسيق الهجين، عبر وضع مسار معلن وجدول زمني استرشادي لإعادة بناء قدرات الدولة على تقديم الخدمات مباشرة، كلما سمحت الظروف المالية بذلك، بدلاً من إبقاء مدة العمل بهذا النموذج مفتوحة من دون أفق محدّد.
  • إدماج مؤشرات للرصد والمتابعة على مستوى مراكز الإيواء والمناطق ضمن السجلات الاجتماعية القائمة، تمهيداً لإنشاء سجل وطني موحد يتيح توجيه المساعدات استناداً إلى الأدلة والبيانات، عبر مختلف البرامج والجهات الفاعلة.
  • وحيثما أمكن، ربط المساعدات النقدية بآلياتٍ تحمي المستفيدين من تقلبات أسعار الصرف والأسعار – مثل ربط قيمة المساعدات بمؤشرات الأسعار، أو تقليص الفترات الفاصلة بين دفعات الصرف، أو اعتماد برامج تجمع بين التحويلات النقدية وأشكال إضافية من الدعم تخضع لمراقبة الأسعار، بما يحول دون تآكل مزايا المساعدات النقدية في ظلّ البيئة التضخمية في لبنان.
  • إقرار متطلبات موحدة ومُعلنة للشفافية المالية، تُطبّق على المنظمات غير الحكومية والمبادرات المرتبطة بالاغتراب اللبناني العاملة داخل مراكز الإيواء التي تحددها الحكومة، بهدف تقليص فجوة المساءلة بين الشركاء المرتبطين بعقودٍ رسمية والجهات التي تعمل ضمن ترتيبات تنسيقية أقل رسمية.

بالنسبة إلى مكتب رئيس الوزراء ومجلس الوزراء

  • تكليف هيئة مشتركة بين الوزارات، إذا لم تكن هذه الخطوة قد نُفّذت بعد، بالاستناد إلى هيكلية التنسيق القائمة ضمن خطة الاستجابة للبنان، وبالتشاور مع وزارة الشؤون الاجتماعية، لتحديد المتطلبات المالية والقانونية والإدارية اللازمة لإرساء نظام مؤسسي للحماية الاجتماعية قائم على الحقوق.
  • المضي في إصلاحات تعبئة الموارد المحلية، بما يشمل إصلاح النظام الضريبي وتعزيز تحصيل الضرائب والإيرادات العامة، للحد من الاعتماد الهيكلي على التمويل الخارجي وتمويل المغتربين على المدى المتوسط.

بالنسبة إلى المانحين والمؤسسات المالية الدولية

  • الالتزام بتوفير تمويل مستقرّ وقابل للتوقع لبناء المؤسسات، بما يشمل تطوير السجلات الاجتماعية، وتعزيز قدرات الوزارات، وبناء أنظمة الحماية الاجتماعية، بالتوازي مع تمويل الاستجابة الطارئة. والهدف أن تشكّل التحويلات النقدية ودعم مراكز الإيواء جسراً نحو نظام أكثر استدامة، لا بديلاً عن دور الدولة.
  • دعم الأبحاث وجمع البيانات التي تتيح تقييم مدى عدالة توزيع المساعدات وفاعلية التنسيق، على مستوى كل منطقة وكل مركز إيواء، وتحديد ما إذا كانت آليات إيصال المساعدات تصل إلى مختلف الفئات السكانية بصورة متكافئة.
  • إعادة النظر في ترتيبات التمويل والديون المتعلقة بلبنان في ضوء ضعف القاعدة الضريبية وتدفقات تحويلات المغتربين غير الخاضعة للضرائب، التي تؤدي حالياً دوراً بديلاً عن الإنفاق الحكومي وتمويل الجهات المانحة. ويقتضي ذلك الإقرار بأن معالجة هذه المسألة ليست مجرد قضية إنسانية، بل هي أيضاً مسألة تتصل بالبنية الهيكلية للتمويل والمالية العامة.

Endnotes

Endnotes
↑1 Time, “One Million People Displaced in Lebanon as Israel Launches Ground Invasion”, 16 March 2026; Middle East Council on Global Affairs, “In Lebanon, a New Wave of Displacement Exposes a Broken System”, April 2026.
↑2 مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR)، ”نحو 700 ألف نازح في أسبوع واحد في جميع أنحاء لبنان مع تفاقم الأزمة“، آذار/مارس 2026 (UNHCR، "نحو 700 ألف نازح").
↑3 Tahrir Institute for Middle East Policy (TIMEP), “War in Lebanon: Community Initiatives Work to Fill the Rescue Gap”, 7 April 2026 (TIMEP, “War in Lebanon”).
↑4 مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، خدمة التتبع المالي: خطة الاستجابة الإنسانية للبنان لعام 2026، 2026 (OCHA، خدمة التتبع المالي).
↑5 TIMEP, “War in Lebanon”.
↑6 TIMEP, “War in Lebanon”.
↑7 M. Chakraborty, “Mutual Aid Is a Lifeline for the Displaced in Lebanon”, Waging Nonviolence, republished in Truthdig, 5 April 2026.
↑8 The Media Line, “Lebanese Solidarity Initiatives Help Support Displaced People”, 11 October 2024.
↑9 J. Cole, “Mutual Aid Helps the Million Lebanese Israel Displaced”, Informed Comment, 8 April 2026.
↑10 المنظمة الدولية للهجرة (IOM)، خطة الاستجابة للأزمة في لبنان 2026، منصة الاستجابة للأزمات العالمية، 2026 (IOM، خطة الاستجابة للأزمة في لبنان).
↑11 OCHA, Lebanon: Flash Update #34 – Escalation of Hostilities in Lebanon (as of 11 June 2026), 12 June 2026 (OCHA, Flash Update #34).
↑12 L’Orient Today, “The Lebanese Diaspora Launches ‘Your Turn’, an Initiative to Raise Funds for Lebanon”, L’Orient-Le Jour, 30 April 2026.
↑13 S. Raza, “Lebanese Americans Send Money and Grieve a Homeland Engulfed by War”, Associated Press, 4 June 2026.
↑14 High Level Panel on Humanitarian Cash Transfers, Doing Cash Differently: How Cash Transfers Can Transform Humanitarian Aid, Overseas Development Institute / Center for Global Development, 2015.
↑15 N. Khayat et al., Navigating Social Assistance in Lebanon: Experiences and Insights of the Bottom Poor, CAMEALEON (Consortium of the Norwegian Refugee Council, Oxfam Italy, and Solidarités International), 2025.
↑16 D.J.H. te Lintelo et al. Lakshman, Patchworks of Provisioning: Social Assistance in Beirut’s Informal Neighborhoods, BASIC Research Working Paper 57, Institute of Development Studies, 2026.
↑17 N. Khayat and D.J.H. te Lintelo, “Between Aid and Local Governance: Social Assistance in Lebanon’s Protracted Crises”, in R. Sabates-Wheeler, J. Lind, and B. Carter (eds.), Social Assistance and Protracted Crises: Navigating the Nexus of Social Protection and Humanitarian Aid, Routledge, forthcoming.

تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.