لطالما حلّل صنّاع القرار في المنطقة إسرائيل من منظور الأيديولوجيا السياسية والخطاب الاستعماري، متجاهلين في أحيان كثيرة منطقها التكنو-عسكري الخاص، والكيفية التي تحوّلت بها مناطق الحرب في السنوات الأخيرة إلى ميادين لاختبار الأسلحة، أنظمة المراقبة، الأنظمة مزدوجة الاستخدام ومنصّات لتسويقها في آنٍ معًا. يتتبّع هذا التقرير التكوّن التاريخي للمنطق التكنو-عسكري وتداعياته المعاصرة عبر ستة أقسام رئيسية. يتناول أولًا الجذور السابقة لقيام الدولة، الرؤية التكنوقراطية الإسرائيلية وصلاتها بالبنية التحتية التي أُنشئت في عهد الانتداب البريطاني. ويتتبّع ثانيًا مأسسة التعبئة العسكرية الدائمة وأطر الطوارئ والترابط بين المؤسسة العسكرية والأوساط الأكاديمية والصناعة بعد عام 1948. ويحلّل ثالثًا المنظومة المعاصرة للتكنولوجيا الدفاعية، مع التركيز على الحرب المعزّزة بالذكاء الاصطناعي، والتحقق من فعالية الأنظمة ميدانيًا، وبرامج استقطاب الكفاءات والنخب. ويستكشف رابعًا تطوّر إسرائيل من «أمّة الشركات الناشئة» إلى مُصدِّر عالمي في مجال الدفاع. ويعرض خامسًا مشتريات الدول العربية، في مرحلة ما بعد الاتفاقيات الابراهيمية، من أنظمة المراقبة السيبرانية والدفاع الجوي وأمن الحدود. ويتناول أخيرًا التداعيات الإقليمية لهذا النموذج، مسلّطًا الضوء على الكيفية التي تولّد بها التقنيات المستوردة تبعية بنيوية واعتمادًا وتقييدًا لاستقلالية القرار السياسي.
مقدمة: التكنولوجيا، العسكرة وقوة الدولة الإسرائيلية
أظهر تصاعد العمليات العسكرية في غزة ولبنان بين عامي 2023 و2026 تحولاً بنيوياً في طبيعة الحرب الحديثة. فهذه الصراعات ليست مجرد امتداد لنزاعات إقليمية أو سياسية ممتدة منذ عقود، بل تعكس توظيف عقائد عسكرية عالية الأتمتة ومدفوعة بالذكاء الاصطناعي. ويشكّل دمج الاستهداف الخوارزمي في الزمن الحقيقي، والمراقبة واسعة النطاق للبيانات، ومنصات القتال شبه المستقلة، بما فيها الطائرات المسيّرة، سمة بارزة في الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية المعاصرة. غير أن النظر إلى هذه التطورات باعتبارها مجرد تبنٍّ لأدوات متقدمة يغفل جانباً جوهرياً من منطق الدولة الإسرائيلية. فالتكنولوجيا والعسكرة ليستا مجرد أدوات مساندة تستخدمها الدولة لتحقيق أهدافها، بل تمثلان عنصرين أساسيين في تشكيل هويتها الوطنية، وإطارها المؤسسي، وسلوكها الاستراتيجي.
على مدى عقود، تعامل المخططون الاستراتيجيون وصانعو السياسات العرب مع إسرائيل من خلال أطر أيديولوجية، ركزت على ديناميات الاستعمار الاستيطاني، والقومية، والمطالبات الدينية والتاريخية بالأرض، وسرديات الضحية المرتبطة بما بعد الهولوكوست. ورغم أن هذه المقاربات تلتقط جوانب أساسية من نشأة الدولة الإسرائيلية وسياساتها الإقليمية، فإنها قد تقلل من أهمية المنطق المؤسسي الذي يحكم منظومتها التكنو-عسكرية، ودورها في ترسيخ القوة الوطنية الإسرائيلية. ولهذه الفجوة التحليلية عواقب ملموسة على صعيد السياسات. إذ يُبيّن موقع إسرائيل بوصفها سابع أكبر مُصدِّر للأسلحة في العالم خلال الفترة 2021–2025، بحصة بلغت 4.4 بالمئة من الصادرات العالمية للأسلحة، مدى ارتباط التكنولوجيا العسكرية والصادرات الدفاعية بنفوذها الاقتصادي والدبلوماسي. ومن ثمّ، فإن أي تحليل إقليمي يركّز حصرًا على الصراع الأيديولوجي قد يُغفل البعد التكنولوجي للمشروع الإسرائيلي. ويُعدّ النظر إلى إسرائيل بوصفها منظومة تقنية-عسكرية متكاملة أمرًا ضروريًا لتقييم عقيدتها الاستراتيجية، وكذلك الحوافز الاقتصادية والشبكات المؤسسية وعلاقات التصدير التي تشكّل سلوكها الإقليمي.
يقدّم هذا التقرير إسرائيل بوصفها دولة تكنو-عسكرية، أي دولة يحتلّ فيها التفوّق التكنولوجي والتعبئة الأمنية الدائمة موقعًا مركزيًا في الهوية السياسية والاستراتيجية الاقتصادية والخارجية. وترتكز قوتها المعاصرة على حلقة تغذية راجعة مستمرة: إذ يشكّل المحيط الجغرافي المجاور ميدان اختبار حيًّا للأسلحة وأنظمة المراقبة التجريبية، التي تُحوَّل لاحقًا إلى سلع، وتُسوَّق على أنها «مجرَّبة في المعارك»، ثم تُدمج في سوق التصدير العالمي. وفي حين أولت الأجيال المؤسِّسة من القادة الإسرائيليين الأولوية للاكتفاء الذاتي التكنو-عسكري في مجالَي التسلّح والبنية التحتية، تطوّر هذا المنطق تدريجيًا منذ أواخر القرن العشرين نحو نموذج يشكّل فيه الابتكار العسكري والصادرات الدفاعية ركيزة أساسية لعلامة «أمّة الشركات الناشئة» الإسرائيلية ولروابطها الاستراتيجية الخارجية. وفي السنوات الأخيرة، تقاطعت هذه الدينامية مباشرة مع موجة التطبيع الإقليمي، ما أفضى إلى وضع باتت فيه دول عربية تستورد على نحو متزايد بنى المراقبة والأمن ذاتها التي طُوِّرت في خضمّ هذه النزاعات. ويمكن فهم هذا المسار بوصفه امتدادًا تكنولوجيًا لعقيدة «الجدار الحديدي» التي صاغها جابوتنسكي، والتي ترسّخ منطقها على نحو متزايد في المؤسسات العسكرية والعلمية والصناعية الإسرائيلية. وتتتبّع الأقسام التالية هذا التحوّل منذ جذوره السابقة لقيام الدولة وصولًا إلى صيغته التكنو-عسكرية المعاصرة.
تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.