بلغت تبعية لبنان إلى جهتين خارجيتين متنافستين حدودها القصوى. فحزب الله لا يملك استراتيجية للخروج من الحربين اللتين انخرط فيهما دعمًا لحلفائه منذ عام 2023، سوى انتظار نتائج الديناميات بين الولايات المتحدة وإيران. فيما لا يملك الرئيس جوزيف عون أفقًا واضحًا بعد سبع جولاتٍ من المفاوضات مع إسرائيل، سوى التعويل على أن يكبح دونالد ترامب في نهاية المطاف السياسات التوسعية الإسرائيلية. وفي ظلّ عدم توقع حدوث أيّ اختراقٍ بين واشنطن وطهران في المستقبل القريب، تبرز الحاجة إلى ديناميات داخلية جديدة لكسر حالة الجمود.
ويوفر «التحوط المدروس» إطارًا سياساتيًا لتوسيع خيارات لبنان تدريجيًا واستعادة قدر أكبر من الاستقلالية الاستراتيجية في مواجهة تبعيته المزدوجة للولايات المتحدة وإيران. ولا يعني ذلك الوقوف على الحياد بين القوى المتنافسة، بل بذل جهود تدريجية للحد من التبعية للخارج، وتنويع الشراكات، وإعادة قرارات الأمن القومي إلى مؤسسات الدولة. تتناول هذه الورقة المسار الذي أوصل لبنان إلى حالة التبعية المزدوجة للخارج، وتشرح لماذا لا يُعدّ أي من هذين الاصطفافين قابلًا للاستمرار، وتوضح ما يعنيه «التحوط المدروس» عمليًا، وتحدّد الشروط اللازمة لتحقيقه.
من التبعية الأحادية إلى التبعية المزدوجة
لا تعكس معضلة السياسة الخارجية اللبنانية مجرد اختلافات أيديولوجية، بل غياب سياسة خارجية متماسكة قادرة على التوفيق بين الانقسامات السياسية الداخلية في لبنان وبيئة إقليمية تتزايد فيها حدّة التنافس. منذ انسحاب قوات النظام السوري عام 2005، حاول لبنان استعادة سيادته من دون أن ينجح في تحقيق استقلاليته الاستراتيجية. وبدلًا من ذلك، أصبحت السياسة الخارجية مقسّمة بين مراكز قوى متنافسة تسعى إلى إقامة شراكات خارجية مختلفة وتتبنى أولويات أمنية متباينة. وهكذا، انتقل لبنان من التبعية الخارجية الأحادية في ظلّ الوصاية السورية إلى التبعية المزدوجة للولايات المتحدة وإيران. وكانت النتيجة نشوء توجهين متناقضين للسياسة الخارجية داخل الدولة الواحدة.
بين وقف إطلاق النار في تشرين الثاني/نوفمبر 2024 واستئناف القتال بين إسرائيل وحزب الله في آذار/مارس 2026، لم يتمكن الرئيس عون ولا حزب الله من معالجة التحديات على الحدود الجنوبية أو سدّ فجوة الثقة المتسعة بينهما. ولم تتنازل إسرائيل عن مطالبها أو تتخلى عن استعدادها لفرضها عسكريًا. ووصلت المبادرة التي اقترحها المبعوث الأمريكي توم باراك، والقائمة على مقاربة تدريجية تقضي بمقايضة نزع سلاح حزب الله بالانسحاب الإسرائيلي من خمس تلال محتلة، إلى طريق مسدود، ما شلّ آلية المراقبة المنبثقة عن اتفاق وقف إطلاق النار لعام 2024، التي ترأسها كلّ من الولايات المتحدة وفرنسا. استغل حزب الله هذه الفترة لإعادة تنظيم صفوفه واستعادة خطوط إمداده، في حين لم يُترجم عون مبدأ «الحياد الإيجابي» إلى مقاربة قادرة على تجاوز المأزق اللبناني من دون زعزعة الاستقرار السياسي.
فقد كل من عون وحزب الله، اللذين يمثلان توجهين خارجيين مختلفين، جزءًا كبيرًا من هامش المناورة المتاح لهما بعد اندلاع الحرب الأمريكية - الإيرانية في آذار/مارس 2026. وفي أعقاب اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في 28 شباط/فبراير، تخلّى حزب الله عن ضبط النفس الذي أبداه منذ وقف إطلاق النار في تشرين الثاني/نوفمبر 2024، وأطلق ستة صواريخ باتجاه إسرائيل ردًا على الاغتيال. أما عون، فابتعد عن «الحياد الإيجابي» المفترض، واتجه نحو اصطفافٍ أوثق مع واشنطن.
وسّعت إسرائيل لاحقًا الأراضي اللبنانية التي تحتلّها من خمس تلال إلى كامل المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني، مع امتداد سيطرتها العملياتية إلى مناطق شمال النهر. ومنذ وقف إطلاق النار في تشرين الثاني/نوفمبر 2024، انتقل حزب الله من العمل بوصفه قوة شبه عسكرية نظامية تسيطر على الأراضي إلى اعتماد حرب العصابات. وبحلول الوقت الذي أسفرت فيه مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران عن وقف إطلاق النار في حزيران/يونيو 2026، فقد حزب الله القدرة على السيطرة على الأراضي، ولم يكن قد أجرى تنسيقًا مسبقًا مع الجيش اللبناني، الذي كان قد انسحب من عدة مواقع في جنوب لبنان وسط التقدم الإسرائيلي والقصف وإنذارات الإخلاء.
اعتبارًا من 9 آذار/مارس 2026، ضغط عون بشكلٍ متزايد لعقد مفاوضاتٍ مباشرة مع إسرائيل لتجنب المزيد من هجماتها، وأجاز من جانبٍ واحدٍ توقيع اتفاق إطاري في حزيران/يونيو 2026، يضع فعليًّا السلطات اللبنانية والإسرائيلية في خندقٍ واحدٍ في مواجهة حزب الله. وراهن تدريجيًّا على التحالف الوثيق مع الولايات المتحدة باعتباره المسار الرئيسي لإنهاء الهجمات الإسرائيلية وضمان الانسحاب الإسرائيلي. ومع ذلك، فإن الاتفاق الإطاري لا يحل المعضلة الأساسية المتمثلة في نزع سلاح حزب الله مقابل الانسحاب الإسرائيلي، على الرغم من التفوّق العسكري الساحق لإسرائيل.
ويواصل حزب الله النظر إلى نفسه باعتباره جزءًا لا يتجزأ من شبكة النفوذ الإقليمية لإيران، ويرفض أي ترتيبات أمنية من شأنها إضعاف نفوذ طهران في المنطقة. وشكّل إطلاق ستة صواريخ على إسرائيل ردًا على اغتيال خامنئي خطأً فادحًا في الحسابات، مدفوعًا باعتبارات خارجية وأيديولوجية أكثر منه بتحليل الكلفة والمنفعة من منظور حزب الله، ناهيك عن مصالح لبنان. وعلى الرغم من الخسائر الاستراتيجية الكبيرة في جنوب لبنان، أكد النائب حسين الحاج حسن، في 12 أيلول/سبتمبر، أن «حزب الله ينتمي إلى المحور الذي ينتصر في باب المندب ومضيق هُرمز».
لماذا لا ينجح أيٌّ من هذين التوجهين
لا يوفّر أي من التوجهين سياسة خارجية مستدامة. فالاعتماد الحصري على واشنطن يعرّض لبنان لتقلبات السياسة الداخلية الأمريكية، ولديناميات العلاقات الأمريكية - الإسرائيلية، ولتغيّر الأولويات الإقليمية، بينما يخاطر بربط المصالح اللبنانية بشكل وثيق جدًا بالاستراتيجية الأمريكية. أما استمرار الاعتماد على إيران فيُعرّض لبنان للتصعيد الإقليمي، ويحدّ من قدرة الدولة على ممارسة سيادتها في إدارة النزاعات والعلاقات الخارجية. ويقلّص كلا التوجهين هامش المناورة المتاح للبنان ويعمّق الاستقطاب الداخلي.
يستند كل من الرهانين إلى منطق استراتيجي، لكن أيًا منهما لا يمنح لبنان القدرة على التحكم في النتائج. يعتمد عون بشكل كبير على استعداد واشنطن وقدرتها على ترجمة نفوذها على إسرائيل إلى انسحاب إسرائيلي وفرض قيود على العمليات العسكرية الإسرائيلية، وهو رهان لم يؤتِ ثماره حتى الآن. أما حزب الله، فيعتمد على قدرة إيران على دعمه عسكريًا وسياسيًا، ويفترض أن استمرار المقاومة يمكن أن يفرض أكلافًا على إسرائيل من دون تعريض لبنان لمواجهة مدمرة أخرى. وفي كلتا الحالتين، تبقى القرارات الحاسمة مرهونةً في نهاية المطاف بحساباتٍ تُجرى خارج لبنان.
ولا يتعين أن يتطابق التوجهان تمامًا في التعامل مع إسرائيل وإيران، لكن . فقد يقوّض العمل العسكري الأحادي الذي ينفذه حزب الله المفاوضات الدبلوماسية ويعرّض البلاد للتصعيد؛ في حين أن الاعتماد المفرط على الوساطة الأمريكية قد يترك بيروت أمام خياراتٍ محدودة عندما لا تكون واشنطن مستعدةً أو قادرة على انتزاع تنازلاتٍ إسرائيلية.
ويُجسِّد لقاء عون مع دونالد ترامب في 21 تموز/يوليو، واعتماده اللاحق على حسن النية الأمريكية، هذه المعضلة. في المقابل، زار رئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي، طهران بعد أيامٍ من لقائه ترامب في البيت الأبيض، إذ التقى الرئيس مسعود بزشكيان ونقل مبادرة لخفض التصعيد إلى القيادة الإيرانية. وتلقى عون مكالمة هاتفية من وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، في 14 تشرين الأول/أكتوبر، لكن الاتصالات الدبلوماسية وحدها لا تشكل استراتيجيةً للتحوّط. وبغض النظر عما إذا كانت خطوة كهذه ستحقق نتائج، فإن لبنان لم يعين ممثلًا له في الآلية الخاصة بلبنان، التي أُنشئت بموجب مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، ويقودها نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس. وبدلًا من ذلك، راهنت السلطات اللبنانية على مسار الاتفاق الإطاري الذي يقوده وزير الخارجية ماركو روبيو. ولا يبدو أن الموازنة بين المسارين خيار مطروح، حتى داخل إدارة ترامب نفسها.
لا ينبغي أن يكون الهدف استبدال طهران بواشنطن أو الرياض باعتبارها المرجعية الخارجية المهيمنة، بل توسيع شبكة العلاقات التي يستطيع لبنان من خلالها السعي إلى تحقيق مصالحه. ويكمن التحدي المباشر في إرساء حدٍ كافٍ من التوافق الداخلي لمنع أي من هاتين العلاقتين من تحديد سياسة لبنان الخارجية.
ماذا يعني «التحوط المدروس» عمليًا
لا يتطلب التحوّط المدروس من لبنان أن ينأى بنفسه بالقدر عينه عن واشنطن وطهران، أو أن يعلّق المفاوضات مع إسرائيل، أو أن يعلن الحياد. بل يهدف إلى منع أي علاقة خارجية منفردة من تحديد السياسة الخارجية اللبنانية. عمليًا، يعني ذلك الإبقاء على الشراكات الضرورية مع الولايات المتحدة ودول الخليج، مع الحفاظ على العلاقات بين الدولتين اللبنانية والإيرانية، وفصل الخلافات الثنائية مع إسرائيل عن المواجهة الأوسع بين الولايات المتحدة وإيران، وإخضاع القرارات الأمنية تدريجيًا لسلطة الدولة.
ينبغي أن يواصل لبنان المفاوضات مع إسرائيل عندما تخدم أهدافًا لبنانية محددة بوضوح، مع الحدّ من خطر تجدد الصراع. ويجب أن تبقى المفاوضات مركزة على قضايا أمنية وحدودية ملموسة، بدلًا من أن تتحول إلى أداة لاصطفاف استراتيجي أوسع. كما يتعيّن أن تعقد هذه المفاوضات من جانب مؤسسات الدولة انطلاقًا من موقف لبناني متفق عليه، من دون إلزام لبنان بالأولويات الإقليمية لواشنطن أو طهران، وهو ما كانت المرحلة الأولى من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية في واشنطن تنطوي على خطر التسبب به.
كما لا يستطيع لبنان واقعيًا استبعاد طهران من دبلوماسيته الإقليمية ما دام حزب الله مرتبطًا بشكلٍ وثيقٍ بالمنظومة الأمنية الإيرانية. وينبغي للدولة أن تطور قناتها الثنائية الخاصة مع إيران، بدلًا من السماح لحزب الله بالبقاء الوسيط الرئيسي في هذه العلاقة. وعلى بيروت أن تتواصل مع طهران مباشرةً بشأن القضايا التي تؤثر في لبنان، من ضمنها وقف إطلاق النار والعلاقات الاقتصادية، بدلًا من ترك إدارة علاقة تنعكس تداعياتها على البلاد بأكملها لطرفٍ داخلي واحد.
وفي ما يتعلق بواشنطن، يجب على لبنان الحفاظ على التعاون الوثيق معها، من دون التعامل مع السياسة الأمريكية باعتبارها مرادفة للمصالح الوطنية اللبنانية. ولا تزال المساعدات العسكرية الأمريكية للجيش اللبناني، والوساطة الدبلوماسية، ودعم إعادة الإعمار، تكتسب أهميةً، لكن على بيروت مقاومة ربط كل قضية ثنائية مع إسرائيل بالهدف الأمريكي الأوسع المتمثل في إضعاف إيران وحزب الله. وينبغي أن يقوم التعاون على أساس كل قضية على حدة، بدلًا من أن يرقى إلى اصطفاف استراتيجي لا رجعة فيه، وأن تحافظ بيروت على قنوات دبلوماسية بديلة عندما تتباين الأولويات الأمريكية واللبنانية. وبالمثل، ينبغي أن تعزز العلاقات مع دول الخليج قدرات الدولة، بدلًا من خلق شكل آخر من التبعية، وألّا يكون الدعم الخارجي للجيش اللبناني مشروطًا بمواجهة حزب الله عسكريًا.
كما يعني «التحوط» توسيع دائرة الشركاء لتتجاوز واشنطن وطهران. ففرنسا، التي شاركت في آلية وقف إطلاق النار لعام 2024، والاتحاد الأوروبي عمومًا، يوفران قنوات دبلوماسية ومالية غير مرتبطة بالمواجهة الأمريكية - الإيرانية، فيما اضطلعت مصر وقطر بأدوارٍ في الوساطة وتقديم الدعم للبنان. ومع ذلك، لم يستفد لبنان من هذه الخيارات بشكل منتظم. فقد تخلت بيروت عن الدور الفرنسي في جنوب لبنان، ولم تقاوم الضغوط، التي مورست في آب/أغسطس 2025، لإنهاء ولاية قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفل) قبل أن تندم لاحقًا على هذا القرار، كما لم تتفاعل مع الوساطة المصرية والسعودية لتسهيل التوصل إلى تفاهم داخلي بشأن سلاح حزب الله. ومن شأن تعزيز هذه العلاقات بشكل أكثر فاعلية أن ينوّع مصادر الدعم الخارجي للبنان، ويخفف اعتماده على أيّ طرفٍ منفرد، ويمنح بيروت مرونة دبلوماسية أكبر عندما تتباين أولويات شركائها الدوليين.
كما يتطلب التحوط إعادة بناء العلاقات مع سوريا على أساس العلاقات بين دولتين. فالواقع السياسي الجديد في دمشق يخلق مخاطر وفرصًا على حدٍ سواء. وينبغي للبنان أن يقاوم العودة إلى علاقة تمارس فيها سوريا الوصاية السياسية، مع إدراك أن أمن الحدود واللاجئين والتجارة والتهريب والدبلوماسية الإقليمية، ولا سيما التنسيق بشأن إسرائيل، تجعل العلاقات المستقرة أمرًا لا مفر منه. ويتعيّن أن يتمثل الهدف العملي في إقامة تعاون وظيفي بشأن القضايا الثنائية، من دون السماح لدمشق، أو أيّ عاصمةٍ خارجيةٍ أخرى، باستعادة دورٍ مميز في عملية صنع القرار اللبناني.
تتيح السياسة الاقتصادية مجالًا فوريًا لتطبيق التحوط. يجب أن يصبح التنويع الاقتصادي هدفًا صريحًا للسياسة الخارجية، يتجاوز دول الخليج وأوروبا. والهدف ليس التوازن الاقتصادي، بل الحدّ من الهشاشة السياسية إزاء الجهات الخارجية القادرة على تحديد فرص حصول لبنان على التمويل وإعادة الإعمار والطاقة. فالسيادة داخلية بقدر ما هي خارجية: والاعتماد على المساعدات الأجنبية لضمان البقاء الاقتصادي، وإعادة الإعمار، وانتشار الجيش اللبناني في الجنوب، لا يرقى إلى سيادة حقيقية.
ومن الناحية المؤسسية، لا يمكن لهذه السياسات أن تنجح إذا استمرت السياسة الخارجية في الاعتماد بشكلٍ أساسي على القادة الأفراد. ينبغي تنسيق القرارات الاستراتيجية من خلال مجلس الوزراء، بدعم من آلية مشتركة دائمة بين الوزارات، تضمّ الرئاسة ومكتب رئيس الوزراء ووزارتي الخارجية والدفاع والمؤسسات الأمنية المعنية. وبموجب الدستور اللبناني، تقع قرارات الحرب والسلم ضمن صلاحيات مجلس الوزراء، لا القادة الأفراد أو الجماعات المسلحة. ومن دون هذا التنسيق، ستبقى سياسة الأمن القومي اللبناني قائمة على الارتجال وتفتقر إلى التماسك الاستراتيجي.
تهيئة الظروف اللازمة للتحوّط المدروس
لا يستطيع لبنان تنفيذ استراتيجية كهذه بمجرد الإعلان عنها. فقدرته على التحوط مقيدة حاليًا بالانقسامات الداخلية، وببيئة خارجية تملك فيها الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل حوافز قوية لدفع لبنان نحو خيارات أوضح. وينبغي أن يكون الهدف السياسي المباشر توسيع هامش المناورة، بدلًا من محاولة تحقيق الاستقلالية الاستراتيجية دفعة واحدة.
يتمثل الشرط الأول في التوصل إلى تفاهم داخلي محدود، لكن مشترك، بشأن حدود السياسة الخارجية والأمنية. وليس مطلوبًا من حزب الله ومعارضيه الاتفاق على العلاقات مع إيران أو الولايات المتحدة أو إسرائيل، بل على قواعد أكثر تحديدًا: ألا يدخل لبنان حربًا إقليمية من دون قرارٍ من الدولة؛ وأن تتولى الحكومة المفاوضات التي تمس الأراضي اللبنانية وسيادتها؛ وأن تعزز المساعدات الخارجية مؤسسات الدولة بدلًا من البنى الموازية لها؛ وألا يستخدم أي طرف داخلي علاقاته الخارجية لفرض اصطفافٍ إقليمي على البلاد أو لترسيخ موقعه على حساب الأطراف الداخلية الأخرى. ويمكن للجنة وساطة مستقلة أن تيسر محادثات غير مباشرة بين السلطات اللبنانية وحزب الله، سعيًا للتوصل إلى إطار أوسع لنقل المسؤوليات الأمنية تدريجيًا من حزب الله إلى الجيش اللبناني.
ويُشكّل حزب الله طرفًا محوريًا في أي تفاهمٍ من هذا النوع. فمن غير المرجح أن يتخلى الحزب عن سلاحه لمجرد مطالبة الحكومة أو القوى الخارجية بذلك، لا سيما في ظلّ استمرار إسرائيل في احتلال أراضٍ لبنانية وتنفيذ عمليات عسكرية داخل لبنان. ومع ذلك، فإن الحفاظ على استقلاليته الحالية ينطوي أيضًا على أكلاف متزايدة. ويمكن لترتيب تدريجي أن يربط بين الانسحاب الإسرائيلي وإعادة الإعمار وتوسيع نطاق الأمن الذي تتولاه الدولة، وبين المفاوضات بشأن مستقبل سلاح الحزب، ما يتيح للسلطات اللبنانية إثبات قدرة الدبلوماسية على تحقيق مكاسب أمنية ملموسة. كما سيتطلب الانتقال التفاوضي أن يقرّ حزب الله بأنّ دوره العسكري السابق على طول الحدود لا يمكن استعادته، وأن يُظهر التزامًا جديًا بنقل المسؤوليات الأمنية إلى الدولة، بدلًا من استغلال هذه العملية للحفاظ على استقلاليته العسكرية إلى أجل غير مسمى.
كما سيتعين على الحكومة التحرّك بالتوازي لتجنب استبدال اعتماد حزب الله على إيران باعتماد الدولة على واشنطن. وينبغي لبيروت أن تواصل الاستعانة بالوساطة الأمريكية حيثما يمكن أن تحقق نتائج، مع الحفاظ على قنوات دبلوماسية بديلة عندما تتباعد الأولويات الأمريكية واللبنانية.
وتؤثر الأطراف الخارجية في الحيّز اللازم لاتباع استراتيجية التحوّط. وسيتعين على واشنطن قبول استراتيجية لبنانية تسعى إلى الحد من النفوذ الإيراني تدريجيًا، بدلًا من مطالبة بيروت بمعاملة طهران بوصفها عدوًا أو معاملة حزب الله حصرًا باعتباره مشكلةً أمنية يمكن حلها باستخدام قدرٍ كافٍ من القوة النارية.
ومن غير المرجح أن تتخلى إيران طوعًا عن أحد مصادر نفوذها الرئيسية في المشرق. لكن التوصل إلى ترتيبٍ يحافظ على العلاقات مع إيران والدور السياسي لحزب الله قد يكون أفضل من تجدّد الحرب، أو المزيد من إضعاف حزب الله، أو محاولة إقصاء إيران تمامًا عن لبنان.
تشكل إسرائيل أصعب القيود الخارجية. ولا يمكن أن تنجح استراتيجية التحوّط إذا أصرت إسرائيل على نزع سلاح حزب الله بالكامل قبل الانسحاب من الأراضي اللبنانية، مع احتفاظها، في الوقت عينه، بحرية غير مقيدة في تنفيذ عملياتٍ عسكريةٍ داخل لبنان. ويتطلب الانتقال القابل للتطبيق اتخاذ خطواتٍ متبادلة بين توسيع سلطة الدولة اللبنانية والانسحاب الإسرائيلي. فالعمل العسكري وحده لا يستطيع تحقيق نتيجة مستدامة ما لم تترجم نتائجه إلى تفاهماتٍ سياسية.
ولا يتوفر أيّ من هذه الشروط بالكامل اليوم. لذا، ينبغي فهم «التحوّط» باعتباره مسارًا يجب التقدم فيه، لا عقيدةً يمكن تطبيقها فورًا. وعلى المدى القصير، تبقى الأولويات منع تجدد الحرب، وضمان الانسحاب الإسرائيلي، وتعزيز الجيش اللبناني، واستعادة سلطة الدولة في الجنوب.
تتطلب الاستقلالية الاستراتيجية في نهاية المطاف أن تمارس الدولة اللبنانية سلطتها على قرارات الحرب والسلم، وأن يقبل حزب الله بأن قراراته العسكرية لا يمكن أن تستمر في تعريض البلد بأكمله لصراعاتٍ إقليمية من دون تفويضٍ من الدولة. وهذا هو الجانب الأصعب في استراتيجية «التحوط»، لأنه يتطلب حدًا أدنى من التفاهم بين السلطات اللبنانية وحزب الله. ولا يمكن واقعيًا أن يكون الهدف نزع سلاح حزب الله سريعًا بالقوة، بل التوسع التدريجي في المسؤوليات الأمنية للجيش اللبناني، مع الحدّ من قدرة حزب الله على التصرف بشكل مستقل. وينبغي للحكومة، من جانبها، أن تتجنب التعامل مع مسألة نزع السلاح باعتباره، في المقام الأول، شرطًا مفروضًا من الخارج، أو مجرد عملية عسكرية ولوجستية. فهو أيضًا مسألة سياسية تنطوي على مشكلات بنيوية تتعلق بتقاسم السلطة وتوجه السياسة الخارجية للبنان.
الخلاصة
يعكس توجه الرئيس عون نحو واشنطن الظروف الصعبة التي يواجهها لبنان، وليس خيارًا غير عقلاني في السياسة الخارجية. وتنشأ الصعوبة عندما تتحول شراكة ضرورية إلى شراكةٍ لا غنى عنها. فإذا كانت قدرة لبنان على تأمين أراضيه، أو تمويل إعادة الإعمار، أو تعزيز الجيش اللبناني تعتمد إلى حدٍ كبير على القرارات المتخذة في واشنطن، فإن الدولة تبقى عرضةً للتأثر بالتغيرات في الأولويات الأمريكية، وللتباينات بين المصالح الأمريكية واللبنانية. وينطبق الأمر عينه، بشكل أكثر وضوحًا، على علاقة حزب الله بإيران، فالدعم الإيراني وفر للحزب قدرات لم تستطع الدولة اللبنانية توفيرها، لكنه ربط أيضًا القرارات المؤثرة في أمن لبنان بمواجهة إقليمية أوسع لا تملك المؤسسات اللبنانية سيطرةً تُذكر عليها.
يواجه لبنان خيارًا زائفًا إذا اختُزِل النقاش حول سياسته الخارجية في الاصطفاف إلى جانب واشنطن أو الاستمرار في الاعتماد على طهران. فاستبدال تبعية خارجية بأخرى لن يعيد السيادة. كما أن إعلان الحياد لن يحلّ المشكلة الجوهرية، في ظلّ افتقار الدولة إلى المؤسسات والقدرات اللازمة لفرضه. ويتمثل الهدف الأكثر واقعيةً في توسيع الخيارات المتاحة أمام صناع القرار اللبنانيين تدريجيًا، مع الحدّ من قدرة أيّ قوة خارجية على تحديد خيارات البلاد. وهذا هو الغرض من استراتيجية «التحوّط المدروس»: التعاون مع واشنطن من دون تبنّي أولوياتها الإقليمية تلقائيًا؛ والحفاظ على العلاقات مع إيران مع رفض استراتيجية عسكرية مستقلة مدعومة من طهران؛ والتفاوض مع إسرائيل من دون جعل إعادة توجيه أوسع للسياسات الداخلية والخارجية للبنان شرطًا مسبقًا لحل النزاعات المتعلقة بأمن الحدود.
أما أصعب مرحلة انتقالية فتتعلق بسلاح حزب الله. ولا يمكن تحقيق ذلك بسرعة. فلبنان يفتقر حاليًا إلى التوافق الداخلي وحرية التحرك الخارجية اللازمين لوضع استراتيجية تحوط متكاملة. وتتمثل المهمة المباشرة في إرساء الأسس لسياسة خارجية وعقيدة أمن قومي جديدتين، تعززان الاستقلالية الاستراتيجية للبنان وتحظيان بحدٍ أدنى من التوافق الداخلي. وما لم يتخذ لبنان خطوات في هذا الاتجاه، فإن العوامل الخارجية ستفرض، عاجلًا أم آجلًا، مستقبل البلاد، سواء من خلال مواجهة عسكرية أو تسوية سياسية، وعلى الأرجح على حساب المصالح اللبنانية.
وبالنسبة إلى لبنان، لا تتمثّل الاستقلالية الاستراتيجية في استعادة سيادة بعيدة المنال، بل في مسارٍ يجب بناؤه مع مرور الوقت. ولن يُقاس النجاح بمدى وقوف لبنان على مسافة واحدة من القوى المتنافسة، بل بمدى قدرة حكومته على التعاون مع إحدى هذه القوى من دون أن تصبح تابعةً لها، والتعامل مع قوةٍ أخرى من دون أن تتحول إلى وكيلٍ لها، وصوغ علاقاتها الخارجية وفقًا للمصالح اللبنانية.
تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.