ما الذي يمكن أن تتعلّمه سوريا من تجارب اللامركزية في الدول العربية الأخرى؟

الحقوق:مبادرة الإصلاح العربي
مبادرة الإصلاح العربي تُصدر تقريراً جديداً قبل جولة المفاوضات الجديدة

باريس – 31 يوليو/تموز 2019 – أصدرت مبادرة الإصلاح العربي اليوم تقريراً حول الدروس التي يمكن أن تستفيد بها سوريا من تجارب اللامركزية في الدول العربية. فعلى مدار السنوات الأخيرة، تركز قدر أكبر من الاهتمام على اللامركزية كعامل يمكن أن يسهم في الحل السياسي للأزمة في سوريا. لقد عاشت معاقل المعارضة عبر مختلف أنحاء سوريا درجات مختلفة من الحكم المحلي، كما اعتمدت الحكومة السورية – ولم تنفذ بعد – المرسوم بقانون رقم 107، وهو القانون الذي من شأنه منح صلاحيات أكبر للسلطات المحلية. من المتوقع أن تكون قضية اللامركزية على أجندة اللجنة الدستورية التي ستتشكل في المستقبل وأن تمثل جزءاً من المفاوضات حول سوريا بقيادة الأمم المتحدة.

يستعرض التقرير رؤى وتصورات من الخبرات المقارنة في الآونة الأخيرة، عبر أوراق بحثية حول التصميم المؤسسي والتحديات الخاصة بالإصلاحات اللامركزية في كل من العراق والمغرب وتونس، ويُقدم خارطة طريق لاستراتيجية اللامركزية في سوريا. ويسلط التقرير الضوء على رؤى المجتمع المدني السوري إزاء اللامركزية، وهي التصورات التي تم رصدها في سياق مؤتمر نظمته مبادرة الإصلاح العربي في باريس، في يناير/كانون الثاني 2019، كما يكشف عن نتائج استطلاع رأي تم عبر الإنترنت من خلال حسابات مبادرة الإصلاح العربي على مواقع التواصل الاجتماعي، في ديسمبر/كانون الأول 2018، لقياس الآراء والتصورات حول عمليات اللامركزية.

وقال نديم حوري، المدير التنفيذي لمبادرة الإصلاح العربي: "يمكن للامركزية أن تلعب دوراً محورياً في تيسير المرحلة الانتقالية والإصلاح السياسي في سوريا. ولكي يكون للامركزية أثرها الإيجابي المنشود، فلابد من توفّر عدة ضمانات، مع تحرّي عملية تشمل جميع مكونات المجتمع السوري". وأضاف: "الشيطان في التفاصيل، وتجارب المغرب وتونس والعراق قد تساعد في الكشف عن بعض الثغرات والتفكير في ضمانات ضرورية للإرساء لامركزية ديمقراطية تصلح لسوريا".

يرى 91 % ممن ردّوا على استطلاع الرأي أن النظام اللامركزي يمكن أن يزيد من درجة استيعاب المواطنين ومشاركتهم في عمليات صناعة القرار، في حين يعتقد 81% أن المحاسبة ستتحسن في ظل اللامركزية. تشير هذه النتائج إلى درجة عالية من الدعم – على الأقل في أوساط متابعي مبادرة الإصلاح العربي المتنوعين – لتفويض السلطات من المركز لمستوى الحكم المحلي، وهو ما يمكن تفسيره من واقع إحباط السكان المحليين البالغ من الحكم المركزي الذي فرض رقابة مشددة على المواطنين وأضر بعمليات تقديم الخدمات والتمثيل السياسي.

الدروس المستفادة من العراق وتونس والمغرب

تسلط دراسات هذا التقرير الضوء على عدد من الشروط المسبقة اللازمة لتصميم عملية لامركزية ناجحة ولتنفيذها، من الجوانب القانونية والسياسية ومن منظور التنمية العمرانية. ومن بين هذه الشروط ضرورة وجود عمليات شاملة للجميع ومبادئ واضحة وصلاحيات منصوص عليها في الدستور، ودولة مركزية ديمقراطية تحترم سيادة القانون، وتوزيع عادل للموارد المالية، ودعم بناء القدرات على المستوى المحلي.

في حين يتشارك العراق في بعض السمات مع سوريا، مثل تنوع الفئات السكانية ووجود تركة من الحكم السلطوي على يد النظام البعثي، فإن التجربة العراقية في الحكم الاتحادي (الفيدرالي) المستندة إلى المعايير العرقية والطائفية والتي تم التوصل إليها انطلاقاً من عملية متعجلة بقيادة الولايات المتحدة واستهدفت إحداث تغييرات إدارية وسياسية، هي تجربة يراها أغلب السوريين السبب في تمزيق العراق، مع الإحساس بضرورة تجنب مضي سوريا على هذا المسار. وتُحذر الورقة البحثية الخاصة بالعراق من عواقب عملية اللامركزية التي تصدر قراراتها من أعلى لأسفل وبدوافع سياسية خالصة، والتي استغلتها نخب الدولة في الاحتفاظ بالسلطة والوصاية وتوجيه اللوم إلى المسؤولين المحليين.

وقال علي المولوي، صاحب الدراسة الخاصة بالعراق: "طُبّقت اللامركزية في العراق لطمأنة الشعب أن بلدهم سيستقيم من خلال ترتيبات جديدة لتشارك السلطة. في السياق العراقي المشحون سياسياً، أدركت الحكومة المركزية أنها قادرة على توجيه السخط الشعبي إلى المسؤولين المحليين. ومن ثم، كان من المفيد سياسياً للسلطة المركزية أن توزع الغضب الشعبي على المؤسسات اللامركزية المحلية، وقد مثّل هذا حافزاً أساسياً للتسريع بعجلة الخطط الخاصة بتطبيق القانون 21 الخاص بالمحافظات".

وأشار لطفي طرشونة الذي أنجز الدراسة الخاصة بتونس، أن عملية صياغة الدستور هي المرحلة الأهم التي يجب من خلالها وضع أسس اللامركزية ونص صلاحيات ومبادئ واضحة: "عندما يتعلق الأمر بتأطير نص دستوري، فإننا نوصي بشدة بموقف وسيط. أي ألا يكون النص الدستوري تفصيلي للغاية أو موجز للغاية بحيث يقتصر على الخطوط العامة"، مُركزا على ضرورة أن تلازم عملية اللامركزية آلية للرقابة تعكف على فحص دستورية القوانين ذات الصلة.

ومن القضايا التي أثارها التقرير مسألة الموارد البشرية والمالية المتوفرة للسلطات المحلية وقدرة تلك السلطات واستقلاليتها في إدارة الموارد. في حين كانت ميزانية السلطات المحلية في المغرب أعلى مقارنة بدول جوار أخرى عديدة من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فهي لا تزال بعيدة عن تغطية الاحتياجات المتزايدة المتصلة بإتاحة مرافق البنية التحتية المطلوبة والمعدّات والخدمات اللازمة. طرحت لمياء الزاكي، خبيرة الحكم المحلي وصاحبة الدراسة الخاصة بالمغرب، بعض التساؤلات حول الحريات الإدارية الممنوحة للحكومات المحلية، قائلة بأنه من الضروري أن تكون الإصلاحات اللامركزية وثيقة الصلة بتحسين ترتيبات الكفاءات الضريبية للبلديات في إطار إعداد وتطوير مواردها حتى يمكن تحقق اللامركزية الفعّالة.

التفاوض على اللامركزية في سوريا

بدأت عملية التفاوض بقيادة الأمم المتحدة في جنيف في عام 2016، لكنها لم تصل بعد إلى مرحلة تفاوض جاد بين الأطراف السورية. رغم أن عملية اللامركزية لم تُذكر صراحة ضمن القضايا ذات الأولوية، فقد كانت على أجندة الوسيط الأممي منذ البداية، ومن المرجح أن تكون من القضايا الهامة التي ستتناولها اللجنة الدستورية ما إن تنعقد.

وقالت بسمة قضماني في دراستها الخاصة باللامركزية في سوريا: " قد يكون التفاوض على مجموعة من المبادئ التوجيهية للامركزية في مراحل مبكرة من عمل اللجنة الدستورية أمراً مطمئناً لمختلف الأطراف، لا سيما الأغلبية العربية والعنصر الكردي من المجتمع، بحيث يتوفر الاطمئنان حول الحقوق الأساسية للأكراد وضمانات وحدة الأراضي السورية للعرب".

بحسب جهاد يازجي الذي تحدث في مؤتمر مبادرة الإصلاح العربي عن اللامركزية الاقتصادية، فإن "اللامركزية الضريبية جانب لا غنى عنه من جوانب النقاش حول اللامركزية في السياق السوري، بسبب استمرار وجود تفاوتات اجتماعية واقتصادية بين المناطق المختلفة، وعدم تكافؤ وتساوي تدفق الاستثمارات الأجنبية وخطط إعادة الإعمار بمرحلة ما بعد النزاع. هذا النقاش لا يمكن فصله عن الحل السياسي للنزاع ولا عن الفهم القائل بأن التحديات التي أثارتها الانتفاضة كانت وثيقة الارتباط بمركزية النظام السياسي".

لقد تم بذل العديد من الجهود الموازية التي التّف حولها السوريون لنقاش إصلاح مسألة الحكم والهوية الوطنية السورية. تعد هذه الحوارات ضرورية كل الضرورة من أجل فهم وتسوية القضايا التي ستتصدى لها اللجنة الدستورية لا محالة.

وقال نديم حوري: "حان وقت تبني التوصيات والدروس التي عكف عليها الخبراء لسنوات، وترجمتها إلى عملية رسمية قادرة على تحقيق التغيير الذي يطمح إليه الكثير والكثير من السوريين".

يصدر التقرير ضمن مشروع مبادرة الإصلاح العربي "نحو لامركزية الحوكمة: دروس من أجل سوريا" الدائر منذ عام 2016، والذي يهدف إلى استخراج الدروس المستفادة لصالح الدول التي بدأت الخروج من النزاعات، لتبصير المناقشات حول الإصلاح اللامركزي في سوريا.

تضم سلسلة الأوراق الصادرة:

  • اللامركزية في المغرب: وعود بإصلاحات قانونية في غياب آثار إيجابية مؤكدة؛ لمياء زكي، خبيرة التنمية العمرانية والحكم المحلي (المغرب)
  • نهج اللامركزية في العراق والقيود المفروضة عليه؛ علي المولوي، رئيس البحوث بمركز البيان للدراسات الاستراتيجية (العراق)
  • التجربة التونسية في إرساء اللامركزية منذ 2014؛ لطفي طرشونة، أستاذ القانون العام في جامعة سوسة (تونس)
  • مسار آمن نحو اللامركزية الديمقراطية في سوريا، بسمة قضماني، المديرة التنفيذية السابقة لمبادرة الإصلاح العربي

لمزيد من المعلومات وللتواصل الإعلامي:

ari-communications@arab-reform.net

+33 1 48 06 93 06