مسار للتغيير السياسي في لبنان؟ دروس وسرديات من انتخابات 2018

تنافست قطاعات مستقلة وعلمانية بالمجتمع المدني مع الأحزاب السياسية التقليدية في الانتخابات البرلمانية اللبنانية لعام 2018. بينما أوقدت حملتهم أمل التغيير، جاءت نتائج الانتخابات مخيبة للآمال. لماذا أخفقت هذه المجموعات وماهي الدروس التي يمكن استخلاصها من الحملة؟

مواطنون لبنانيون ينتظرون الإدلاء بأصواتهم في محطة اقتراع في بيروت، لبنان، مايو/أيار 2018.© EPA

انعقدت الانتخابات البرلمانية اللبنانية الأخيرة منذ ما يربو قليلاً على العام. في مايو/أيار 2018 قامت 11 مجموعة – قوامها 66 مرشحاً (بينهم 19 مرشحة) من قطاعات مستقلة وعلمانية بالمجتمع المدني – بتشكيل تحالف سُمي "كلنا وطني" لتحدي هيمنة الأحزاب السياسية التقليدية. نظراً لتزايد انعدام الكفاءة وغياب المحاسبة عن مؤسسات الدولة، ومع تفشي حالة إحباط عامة من أداء المؤسسات العامة، كان للمرء أن يتوقع إقبال الناخبين اللبنانيين على التصويت لبعض الوجوه الجديدة. لكنهم اختاروا بأغلبية كبيرة إعادة انتخاب نفس الأحزاب والقيادات القديمة. تبحث هذه الورقة في أسباب إخفاق النشطاء والمجموعات المعارضة التقدمية التي تحاول تحدي السياسة الطائفية المتجذرة، وتحلل الآليات المؤسسية والقمعية، التي تمارسها النخب السياسية، وهي الآليات التي تحدد أنماط السلوك التصويتي وتحول دون ظهور قوى بديلة. كما تبحث الورقة في مشكلات الجهود السياسية التي تبذلها مجموعات المعارضة وتخرج بتوصيات للمستقبل. تعتمد النتائج على 14 مقابلة مع نشطاء سياسيين أجريت في ديسمبر/كانون الأول 2018، فضلاً عن مراجعة الكتابات الأكاديمية المتوفرة حول السياسة الطائفية.1 يعتمد هذا المقال على أطروحتي الأكاديمية، الصادرة عن "أمهيرست كولدج" في أبريل/نيسان 2019، ويمكن الاطلاع عليها عبر الرابط: academia.edu

تجذّر السلطة: النظام في لبنان بمرحلة ما بعد الحرب

إن العديد من المعوقات الأساسية التي تحول دون تحقيق التغيير السياسي في لبنان تكمن في أسس وطريقة عمل نظامه السياسي. فمقومات منظومة تشارك السلطة (وتُعرف أيضاً بمسمى "المحاصصة الطائفية") تعود إلى أواخر الحقبة العثمانية، عندما "[أصبحت] الهوية الطائفية هي السمة الفعالة الوحيدة للإصلاح السياسي والقاعدة الحقيقية الوحيدة للمطالبات السياسية".2 Ussama Makdisi, The Culture of Sectarianism: Community, History, and Violence in Nineteenth-Century Ottoman Lebanon. Berkeley, CA: University of California Press, 2000: 6. والميثاق الوطني لعام 1943 الذي نصّ على الأسس السياسية للنظام الطائفي تبين فيما بعد أنه شيّد أسساً هشة للغاية. ولقد بلغت فترات الأزمة ذروتها في صورة الحرب الأهلية التي دامت 15 عاماً، وانتهت بعملية إعادة توزيع جديدة للسلطة فيما بين الطوائف، بموجب اتفاق الطائف لعام 1989. كان الاتفاق بمثابة صفقة بين أمراء الحرب القدامى الذين استبدلوا بموجبه مهامهم العسكرية بحقائب ومهام وزارية. من ثم أصبح أمراء الحرب السابقين حراس بوابات الحصول على الوظائف الحكومية والخدمات العامة، وفي هذا السياق، قاموا بتشييد شبكات ممتدة من الزبائنية. كانت هذه الشبكات تعمل بالأساس بناء على الطائفة، حيث يخدم كل قائد "طائفته". وتحالفت نخب التجارة والأعمال بقوة مع هذه الشبكات، وظهرت طبقة جديدة من الثراء الذي التف حول هؤلاء القادة السياسيين، ما مكّنهم من توزيع وظائف القطاع الخاص. كانت النتيجة النهائية هي زيادة اعتماد المواطنين على قادتهم في تحصيل الوظائف، وفي العمل بشركات بعينها، أو لمجرد التمكن من الاستفادة من خدمات المستشفيات والمدارس.3Hannes Baumann, Citizen Hariri: Lebanon’s Neoliberal Reconstruction. Hurst Publishers, 2016; Reinoud Leenders, Spoils of Truce: Corruption and State-building in Postwar Lebanon. Ithaca: Cornell UP, 2012.

ولم تقف النخب السياسية عند استخدام موارد الدولة لتحقيق مصالحهم، إنما عملوا أيضاً على ضمان تصميم القوانين الانتخابية والدوائر الانتخابية بشكل يعزز من موقف القادة الطائفيين ويحول دون ظهور حركات عابرة للطوائف أو حركات علمانية.4 Bassel Salloukh, “The Limits of Electoral Engineering in Divided Societies: Elections in Postwar Lebanon.” Canadian Journal of Political Science, Volume 39, Issue 3, 2006. من ثم كانت كل انتخابات تسبقها فترة من التفاوض المكثف بين القادة السياسيين التقليديين، بما يضمن لهم الاستفادة من القانون الانتخابي القائم وتقسيم الدوائر الانتخابية. ومن عدة أوجه، كانت هذه المفاوضات تحدد نتائج الانتخابات سلفاً.

وفي عام 2013 لم تتمكن الطبقة السياسية القائمة من الاتفاق على قانون جديد للانتخابات، وانتهى بها المطاف إلى تأجيل الانتخابات خمس سنوات، بدلاً من المخاطرة بعقد انتخابات بموجب قانون من شأنه إضعاف هيمنتها التقليدية القائمة على السلطة. وأخيراً توصل الأطراف لاتفاق في يونيو/حزيران 2017، واعتمدوا قانون الانتخابات الجديد الذي اعتمد للمرة الأولى نظام التمثيل النسبي في انتخابات 2018.

وبينما نظرياً تعتبر الاستعانة بنهج التمثيل النسبي آلية تسمح للأحزاب الجديدة بدخول دائرة التنافس الانتخابي، فمن حيث الممارسة، أدى قانون لبنان الجديد إلى المزيد من تجذّر السياسة الطائفية. فكما قال بعض المعلقين حين صدر القانون، فإن "روح القانون هي حكم الأغلبية والدوائر الانتخابية فيه مقسمة بموجب حسابات سياسية وطائفية بحتة".5 Sami Atallah and Zeina El-Helou, “Our New Electoral Law: Proportional in Form, Majoritarian at Heart”, Lebanese Center for Policy Studies. Available at: lcps-lebanon.org

لقد بلغ تقسيم الدوائر على أرضية طائفية آفاقاً جديدة في ظل القانون الجديد. فالدوائر الكبرى رُسمت وبكل وضوح بناءً على التقسيمات السكانية للطوائف، وهو الأمر الذي يضمن بالكامل وجود كتل سياسية طائفية متجانسة. على سبيل المثال، أصبحت بيروت مكونة من دائرتين انتخابيتين بدلاً من الدوائر الثلاث السابقة، ما يعني تقسيم العاصمة إلى شرق بيروت المسيحية في الأغلب الأعم، وغرب بيروت المسلمة، ما يعيد ذكريات خط الفاصل الذي يرمز إلى الحرب الأهلية. إضافة إلى المذكور، فلم يتناول القانون بالمرة السلوك المسيئ للأحزاب التقليدية إذ لم ينص على لجنة انتخابية مستقلة أو يفرض حدوداً قصوى للإنفاق على الحملات الانتخابية.

وبدلاً من استخدام القانون في زيادة التمثيل وتقليل استمرارية السياسة الطائفية، فمن الواجب أن نفهم قانون انتخابات 2017 بصفته أداة في صندوق أدوات وآليات النخب السياسية لترسيخ السلطة. الحق أن ما جعل القانون جذّاباً هكذا للساسة هو أنه – على السطح – يمكن وصفه بأنه قانون للتمثيل النسبي، لكن وكما ذكرنا، فهو يُمكّن من عمل آليات تجعله يدعم نظام حكم الأغلبية مع توفير قدر ما من التناسب الرمزي.6Sami Atallah and Zeina El-Helou, “Our New Electoral Law: Proportional in Form, Majoritarian at Heart”, Lebanese Center for Policy Studies. Available at: lcps-lebanon.org

مقاومة النظام تشتد: عودة العمل الجماعي

حاولت مجموعات عديدة الحشد ضد النخب ونظامها الزبائني على مدار السنوات. ففي مطلع فترة ما بعد الحرب (التسعينيات) قاد هذا الحشد بالأساس الحركة النقابية العمالية، واستمر في جملة عريضة من الأنشطة الجماعية التي قادتها مجموعات اجتماعية متباينة. يشير المعلقون إلى عدة نقاط التقاء أساسية شكّلت جهود الحشد في أعقاب الحرب: اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري عام 2005، والحرب الإسرائيلية على لبنان في 2006، ومظاهرات القمامة في 2015. وضعت  الباحثة منى حرب يدها على 3 أنواع من الاشتباك السياسي التي تتسم بها تلك الفترة: أ) التنظيم "التأكيدي" وبموجبه يدعم الأفراد انتمائهم الطائفي ويقوّونه؛ ب) منظمات المجتمع المدني البديلة التي تقدم الخدمات وتسد الثغرات التي تخفق الدولة في التعامل معها؛ ت) الناشطية "التقديمة" حيث يستفيد المنظمون من التنظيم الفضفاض الذي يركز على القضايا التقدمية والراديكالية. 7Mona Harb, “New Forms of Youth Activism in Contested Cities: The Case of Beirut”, The International Spectator, 53:2, 74-93, 2018. المجموعة الأخيرة تؤشر بـ "انتقال من المحافل الرسمية لأحزاب المعارضة "القديمة" ومنظمات المجتمع المدني" وتعتمد أكثر على "المزيد من سبل الاشتباك الأفقي، وتعدد القيادات والهياكل التنظيمية الفضفاضة، حيث تلعب وسائط التواصل الاجتماعي دوراً مهماً في التواصل وفي صناعة القرار".

إننا قد نرى بذور هذا الشكل الجديد من الحشد في العمل الجماعي الذي جرى تنظيمه في 2006، مع قيام "صامدون" – وهي حركة تضامن شعبية كبيرة قدمت الدعم لآلاف النازحين الذين قدموا إلى بيروت فراراً من الغارات والهجمات الإٍسرائيلية على بيوتهم في الضاحية وجنوب لبنان. عملت "صامدون" عبر مختلف الخطوط الطائفية، وكانت بمثابة شبكة من النشطاء القادمين من مجموعات سياسية تقدمية مختلفة، ومن النشطاء البيئيين والطلاب ونشطاء من مجتمع الميم.8 Lamia Moghnieh, “Local Forms of Relief during the July War in 2006 and International Humanitarian Interventions: Implications on Community Preparftness for War and Conflict”, Civil Society Knowledge Center, Lebanon Support, June 2015. ومع حلول عام 2011، لدى اندلاع الثورات العربية، خرج آلاف المواطنين إلى الشوارع للمطالبة بالتخلص من النظام الطائفي.9 باسم شيت، "الحراك من أجل إسقاط النظام الطائفي ورموزه: دروس واستنتاجات"، مركز الدراسات والأبحاث العلمانية في العالم العربي. يناير/كانون الثاني 2012. متوفر على: ssrcaw.org ورغم أن الحركة لم تعش طويلاً ولم تتمكن من جذب كتلة كافية من أجل تفعيل تغيير ملموس، فقد بثت الحياة والنشاط في المجتمع المدني اللبناني وهيأت الساحة للكثير من مبادرات العمل المباشر التي خرجت على مدار السنوات التالية. وفي صيف 2015 خرجت الاحتجاجات ضد الحكومة جرّاء إخفاقها في حل مشكلة القمامة، ما أدى إلى تحرك نحو 100 ألف شخص في أكبر التظاهرات، في لحظة شهدت فيها بيروت غرق شوارعها تحت تلال من القمامة.10 Kassir, Alexandra. “‘We are here’: A New Wave of Anti-Sectarian Mobilizations in Lebanon.” OpenDemocracy, October 2015. opendemocracy.net; Cynthia Khreichati, Knowledge and the Trash: The Predominance of the Expert Model in the 2015 Beirut Protests. Thesis, American University of Beirut, 2016. هذا "الحراك" (المسمى الذي عُرف به) اتهم النظام بشكل صريح لا ضمني، بإخفاقاته على مسار تقديم الخدمات العامة للمواطنين، رغم مراكمته لثالث أكبر دين بالتناسب مع إجمالي الناتج المحلي، على مستوى العالم، وندد بفساده. طالب المتظاهرون بإصلاحات سياسية وبانتخابات وبالمحاسبة والعدالة الاجتماعية. على أن الحركة سريعاً ما خفت صوتها، بسبب قمع الشرطة العنيف، وجهود النخب السياسية لتقويض الحراك من خلال اختراق اجتماعاته والزعم بأن المتظاهرين اتجهوا للعنف، مع مهاجمة عناصر الحراك في الإعلام.11“Lebanese security forces using excessive force against protesters,” Euro-Mediterranean Human Rights Monitor, September 17, 2015. Available at: euromedmonitor.org; Lebanon Support (2016)a. Waste Management Conflict (Starting January 25, 2014). Available at: civilsociety-centre.org; Lebanon Support (2016)b. Social Movement responding to the Lebanese Garbage Crisis. Available at: civilsociety-centre.org; لكن ما ميّز هذه الأشكال الجديدة من الحشد هو كونها عابرة للطوائف ولطبيعتها المضادة للمؤسسة القائمة إلى حد بعيد، مع رفض لجميع النخب السياسية، ما يُظهر وجود جيل جديد من النشطاء السياسيين الآخذين في التشكل، مع حرصهم على إنجاز الأعمال التنظيمية للحركة.

استمر بعض من هذه الطاقة الجديدة في حملة "بيروت مدينتي" للانتخابات البلدية في عام 2016، وهي الحملة التي ورغم عدم نجاحها فقد أعادت الأمل في التغيير، مع اقتراب منظمي الحملة من هزيمة قائمة مرشحين مدعومة من قبل بعض أقوى الأحزاب السياسية بلبنان.12 بسبب طبيعة "حكم الأغلبية" لنظام الانتخابات البلدية، فإن أصوات بيروت مدينتي التي بلغت 30 ألف صوت (نحو ثلث إجمالي الأصوات) لم يؤمن للمجموعة أية مقاعد في مجلس العاصمة. للاطلاع على التقسيم التفصيلي للنتائج، انظر: monthlymagazine.com مثلت "بيروت مدينتي" سابقة هامة للمجموعات المعارضة للطائفية، وشجعت على تكوّن مجموعات جديدة شاركت في انتخابات 2018 البرلمانية. وللمرة الأولى في تاريخ لبنان الحديث، ظهر تحالف انتخابي وطني اسمه "كلنا وطني" مكون من 66 مرشحاً من 11 منظمة مجتمع مدني مستقلة (30% منهم سيّدات) في 9 من 15 دائرة انتخابية تشكلت لتحدي هيمنة الأحزاب والقيادات السياسية التقليدية. في حين أعاد التحالف قدراً من الأمل في أوساط الطبقة الوسطى، فالواقع ثبت أنه معقد ومحبط إذ لم يحصد التحالف سوى مقعد واحد. الفائزون الحقيقيون كانوا هم عناصر الأحزاب التقليدية، الذين فازوا بـ 103 مقاعد من مجموع 128 مقعداً.

"الحملات القذرة" للأحزاب الطائفية التقليدية

بدعم من قانون الانتخابات المصاغ بحرص بالغ، وبدعم من الاقتصاد السياسي الزبائني، تمكنت النخب السياسية من سحق أية محاولات للحراك على مدار السنوات، و/أو أن تضم إليها أعضاء من هذه الحركات، في صفوفها، أو تشتري ولائهم بشكل صريح.13Sami Baroudi, “Economic Conflict in Postwar Lebanon: State-Labor Relations between 1992 and 1999.” Middle East Journal, 52(4), 1998; Hannes Baumann, “Social Protest and the Political Economy of Sectarianism in Lebanon”, in S. Mabon and L. Ardovini (eds), Sectarianism in the Contemporary Middle East. London: Routledge, 2018; Fawwaz Traboulsi, Social Classes and Political Power in Lebanon. Henrich Böll Foundation, 2014. كما لجأت إلى جملة من الممارسات القمعية لضمان ألا "ينسى" المواطن ولائه أثناء الانتخابات. من السبل الأكثر مباشرة من هذه الممارسات، ما يتصل بشراء الأصوات وترهيب الناخبين. فأثناء موسم الانتخابات، تنشر الأحزاب ماكيناتها، وتتكون من عدة "مفاتيح" وتعمل في أحياء بعينها. المفتاح هو عضو نافذ من حزب سياسي مسؤول عن إقناع الناخبين. يتواصل المفتاح مع العائلات بالحي وإما يذكرهم بالخدمات التي حصلوا عليها (مثل حصول فرد بالأسرة على وظيفة حكومية) أو يوزع أموالاً أو خدمات للمؤيدين، مع كتابة أسماء المنشقّين أو المعارضين. بالأساس فإن المفتاح هو عين وأذن حزبه على الأرض، وهو المقوم الأساسي لنجاح الحزب على المستوى الشعبي. وماكينة الحزب هو الجهاز العام لإحصاء الناخبين، وإعداد القوائم، ورسم خرائط الأحياء، والإشراف على هذه العملية. كما قال أحد الأشخاص الذين تحدّثت معهم، وهو ناشط من "كلنا وطني": "الماكينة تقسم المدينة إلى أحياء، وهم يعرفون لمن سيصوت كل ناخب. ويحصل كل شخص على خدمة [في المقابل]. إنهم يقسمون الناس إلى موالين ومنشقّين. ومن لا يصوتون لهم إما يُعرض عليهم خدمات [لجذبهم للتصويت لهم] أو يتم تخويفهم أو تهديدهم".

مهمة إجبار الناس أو تبين لمن صوتوا كانت أسهل قبل 2018، إذ لم تكن في لبنان أوراق اقتراع مطبوعة مسبقاً. من ثم كان الماكينات توزع أوراق الاقتراع خاصتة بهم على الناخبين ويستعينون بتقنية "للتعليم" مثل توزيع أسماء المرشحين بترتيب معين، بحيث يمكنهم تبيّن لمن ذهبت الأصوات على أوراق الاقتراع، بما يمكنهم من التثبت مما إذا كان الأفراد والعائلات قد صوتوا فعلاً كما تعهدوا. في حين لم يعد هذا الأسلوب يستخدم في ظل نظام الطباعة المسبقة لأوراق الاقتراع بدءاً من عام 2018، فإن الماكينات قد توصلت إلى سبل جديدة للتعرف على المنشقّين من الناخبين. على سبيل المثال، يقوم ممثلو الحزب بتعقب ترتيب دخول العائلات إلى مراكز الاقتراع، ما يساعدهم على التعرف على العائلات المنشقة أثناء فرز الأصوات. من ثم، فإن لدى الماكينات سمعة قوية بالقدرة على معرفة كل شيء، ما يؤدي بالعديد من الناخبين إلى الخوف من التبعات الاجتماعية والمادية إذا لم يظهروا ولائهم عبر التصويت.

وكانت الأحزاب التقليدية تعتمد أيضاً على باقة من الأساليب لزرع الخوف بالناخبين. إذ زعموا أن مرشحي "لبلدي" – وهي مجوعة من "كلنا وطني" كان لها مرشحين بدائرة بيروت الأولى – لن يتمكنوا من الدفاع عن "المصالح المسيحية". تحدث مرشح أجريت معه مقابلة عن كيف أن الكنيسة الأرثوذكسية – بالتعاون مع فاعلين مسيحيين آخرين بالمنطقة – وصمته بأنه "يساري"، وهو ما له تداعيات معينة وظلال معاني تاريخية بالنسبة للجزء الذي به أغلبية مسيحية من المدينة. "اليساري" تعني هناك عضو الحركة القومية اللبنانية، وهي جبهة كانت مكونة من عدد من اليساريين القوميين الذين تحالفوا مع منظمة التحرير الفلسطينية ضد الفصائل المسيحية اليمينية في الحرب الأهلية. أي أنه إذا وصم شخص بكونه "يساري" فهذا لا يعني كونه يسارياً من منطلق اقتصادي أو سياسي، إنما يعني كونه ضد المسيحيين.

هناك مثال آخر من مرشح في قائمة "لبلادي" أفاد بأن المفتاح التابع لحزب بارز تباهى جهراً بأن "سعر الصوت 500 دولار" للتصويت لحزبه، مع إشارته إلى أنه "تدخل شخصياً لمنع الرعاية الطبية عن ناخب لم يحسم لمن سيعطي صوته إلى أن وافق الناخب المريض على التصويت لهم". الحق أن التأثير على قرارات الناخبين لم يحدث فقط تحت تأثير تقديم الأموال بشكل مباشر، إنما اعتمد أيضاً على استغلال نقاط هشاشة الأفراد واعتمادهم على الخدمات الأساسية. فعندما سألت أحد من أجريت معهم مقابلات عن الحزب الذي يقوم بهذه الممارسة، كانت الإجابة: "الجميع بدون مبالغة. هذه هي أساليب الماكينات في كل الأحزاب".

المشكلات الداخلية: مجموعات قليلة وهياكل غير منظمة

رغم المعوقات الهيكلية، والممارسات القمعية، وسلوكيات التزوير والخداع، فإن جميع النشطاء السياسيين الذين شاركوا في حملة "كلنا وطني" كانوا يؤمنون بأن التغيير السياسي لا يزال ممكناً عن طريق الانتخابات. لقد أقرّوا بأن "الأساليب القذرة" عائق كبير، لكن أحسوا بأن نتائج الانتخابات السلبية هي أيضاً بسبب مشكلات داخلية وإخفاقات في التنظيم والحشد بشكل استراتيجي. أشاروا إلى كيف تم تضييع الوقت في الجدل حول التحالفات وتكوين القوائم، بدلاً من التركيز على إعداد أجندة مشتركة أو على تنظيم الحملة الانتخابية محلياً. طبقاً للبعض، فإن المجموعات المستقلة "سقطت في فخ الرغبة في توحيد المجتمع المدني" ما أدى إلى فقدان التحالف لهوية واضحة ولرؤية سياسية، مع غياب كبير لمشتركات بين المرشحين. هناك شخص آخر تمت مقابلته أشار إلى ما وصفه بـ "كارثتين استراتيجيتين كبيرتين" في تجربة التحالف: الأولى هي عدم القدرة على تكوين القوائم القادرة على تحدي هيمنة حزب الله وأمل في معاقلهما، والثانية هي الأولويات الذاتية الضيقة لبعض المرشحين، ما أدى إلى انقسامات في التحالف وإلى خسارة ما حسبوه مقعد شبه مضمون للمستقلين في دائرة جبل لبنان الرابعة (قضائي الشوف وعاليه).14 المرشح الرئيسي لقائمة مدنية المستقلة رفض التحالف مع "كلنا وطني".

إلا أن هناك مشكلة داخلية رئيسية ذكرتها أغلب مجموعات "كلنا وطني"، تتمثل في عدم فعالية الحملات على المستوى الشعبي. فكما أوضح أحد أعضاء "لبلدي": "عملية اختيار والتدقيق في اختيار المرشحين كانت سخيفة. أمضينا وقتاً طويلا في الجدل حول هذه الأمور ونسينا التحدث إلى الناس. لم يكن لنا حضور على الأرض!".

على أن الكثير ممن أجريت معهم المقابلات ذكروا "لحقي" (وهي مجموعة من "كلنا وطني" كان لها حضور في دائرة جبل لبنان الرابعة) وكيف عملت بشكل مختلف:

حاولنا توحيد المجتمع المدني، وكان الأمر فوضوياً إذ تبيّن أنه لا توجد أي مشتركات بين المرشحين. بل حتى فرضنا مرشحين لا يتمتعون بالشعبية على بعض الدوائر. سبب أداء "لحقي" الجيد نسبياً هو أنهم أداروا حملة شعبية على يد أعضاء من المجتمع تولوا الأمور بأنفسهم وفرضوا إرادتهم على الأحزاب التقليدية

تمكنت من التثبت من هذا الرأي عبر مقابلاتي. إقراراً بأن "لحقي" تفتقر إلى التمويل لتحقيق الانكشاف الإعلامي في وسائل الإعلام التقليدية؛ التزم أعضاء الحملة بدلاً من ذلك بالتواصل العضوي وتحرّوا تنفيذ استراتيجية للاستقطاب عن طريق طرق الأبواب والتواصل المباشر مع الناس. أشار أحد مرشحيهم إلى أنه زار بنفسه أكثر من 100 قرية في قضاء الشوف وعاليه أثناء الحملة الانتخابية. كما اعتمدت المجموعة بقوة على مواقع التواصل الاجتماعي، لا سيما الفيس بوك وواتس آب، ما مكّنها من بناء تابعين لها بشكل تدريجي، بلغ 1000 متطوع في ذروة نجاح هذه الجهود. كما أن التنظيم الداخلي لـمجموعة "لحقي" اتسم بأساليب تشاركية وصناعة القرار بشكل أفقي. اختار الأعضاء المرشحين البرلمانيين للمجموعة عبر عملية تصويت داخلية. وبالمثل، فإن جميع عمليات صناعة القرار اتبعت هذه العملية الديمقراطية. من ثم، كانت السمات الأساسية لـ "لحقي" تتمثل في بنيانها الشعبي والتشاركي. أشار أحد الأعضاء إلى أن رسالة المجموعة كانت "إعادة تحديد الخطاب السياسي وساحة المعارك الانتخابية".

يتكون برنامج "لحقي" من 10 نقاط، يركز كل منها على قضية حقوقية معينة.15 الحق في: 1) دولة مدنية ومحايدة، 2) بيئة صحية، 3) رعاية صحية متكاملة، 4) تعليم جيد، 5) اقتصاد منتج وعادل، 6) وظائف لائقة، 7) إسكان ملائم ومقبول التكلفة، 8) المساواة والحقوق المدنية والحريات الشخصية، 9) مؤسسات فعالة وشفافة وغير طائفية، 10) الخدمات العامة الأساسية. يتوفر البرنامج التفصيلي بالعربية على: lihaqqi.org بالنسبة إليهم، فالحقوق والخدمات الأساسية يجب ألا تكون رفاهية أو خدمات زبائنية يدفع المواطن ثمنها عبر تحالفه في نسق طائفي. كانوا يرغبون في صوغ نوع مختلف من الصلة بالمواطنين، كما أوضح لي أحد أعضاء المجموعة: "ما يجلب لنا الأصوات هو التواصل المباشر مع الناس. التواجد على الأرض له أثر أقوى بكثير من حديث الساسة على التلفزيون. إنها مسألة ثقة وتواصل إنساني".

حملة "لحقي": بناء المجتمع في مواجهة الحقائق القاسية على الأرض

رغم جمعها أكبر عدد من الناخبين من بين مجموعات "كلنا وطني" الـ 11، فإن "لحقي" لم تحصل على مقعد بالبرلمان، إذ كان ينقصها نحو 3 آلاف صوت بدوائر عاليه والشوف. يثير هذا الإخفاق تساؤلات مهمة. هل يمكن لـ "لحقي" أن تتجاوز "الحملات القذرة" التي اضطرت لمواجهتها؟

تم إخباري بقصة والد أحد أعضاء "لحقي"، تم طرده من عمله بعد أن تلقى صاحب عمله تهديدات من شخص واسع النفوذ على صلة بحزب الدروز بالمنطقة، وهو الحزب التقدمي الاشتراكي. حاول أعضاء "لحقي" التدخل مع صاحب العمل دون جدوى، إذ كان الأخير يخشى على أعماله إذا أعاد الأب لعمله. وهناك قصة أخرى تخص أم لمناصر آخر لـ "لحقي" ضغط عليها أقرانها حتى لا تدعم البرنامج السياسي لابنها ولكي تصوت للحزب التقدمي الاشتراكي الذي كانت موالية له لعقود. قيل لي إن المضايقات كانت تحدث بشكل يومي، وكانت قوية لدرجة أنها ترجت ابنها ألا يصوت للمجموعة التي يناصرها خشية على مكانتها الاجتماعية ولكي "تتمكن من الحياة في مجتمعها"، وهو الأمر المتصل بشكل مباشر بولائها لأقرانها وللحزب.

وهناك استراتيجية كبرى أخرى تستعين بها النخب السياسية ومناصريها في التلاعب بالانتخابات. ففي يوم الاقتراع كان تواجد 350 مندوباً عن "لحقي" في مراكز اقتراع "الشوف-عاليه" – بأعداد أكبر من أية مجموعة مستقلة أخرى – يعكس قدرة المجموعة على التواصل مع المواطنين على المستوى الشعبي. ورغم هذا الحضور، وقعت انتهاكات بلا حصر أثناء فرز الأصوات. طبقاً لشخص تواجد في مركز للاقتراع في عاليه، تم فرز الأصوات في غياب القاضي، وعندما تم استلام صناديق بعد ساعات، في الرابعة صباحاً، من مصادر مجهولة، طلب القاضي من المندوبين البدء في عدّ الأصوات من جديد. بحلول السادسة صباحاً كان مندوبو "لحقي" قد أحصوا نحو 11,500 صوت لصالحهم، وكانت هناك أصوات أكثر بكثير لم يتم عدّها بعد. في تلك اللحظة قام القاضي – الذي يُعتقد أنه موالي لحزب سياسي طائفي – بمطالبة المندوبين بأخذ استراحة والعودة في التاسعة صباحاً. وعندما عادوا، كان قد تم إعلان النتائج الرسمية، وقُدرت أصوات "لحقي" بـ 9987 صوتاً فقط. كان عدد الأصوات المطلوبة للحصول على مقعد في البرلمان هو 13126 صوتاً. وعندما اعترض البعض على القاضي، قيل لـ "لحقي" أن يقدموا شكوى في المجلس الدستوري، وهو الجهة المشرفة على الخلافات الانتخابية. إجمالاً، تم تقديم 53 اعتراضاً بمركز عاليه، لكن لم يتم التعامل مع أي من الشكاوى. وهناك شائعات دائرة بعقد صفقة بين الحزب التقدمي الاشتراكي والحركة الوطنية الحرة، بين السادسة والتاسعة صباحاً، وبموجبها يحصل كل من الطرفين على مقعد (مسروق): واحد من "لحقي" والآخر من قائمة وئام وهاب التي حصلت على 12796 صوتاً. ومن المستحيل التحقق من صحة هذه الادعاءات. في النهاية، اقتسمت قائمتا الحزب التقدمي الاشتراكي والحركة الوطنية الحرة 13 مقعداً برلمانياً (9 و4 على التوالي).

الدروس المستفادة: إعادة التنظيم من أجل المعارك الجديدة

في حين كانت نتائج الانتخابات قطعاً مخيبة للآمال في نظر "كلنا وطني" ومن كان يحدوهم الأمل في تغيير الوضع السياسي في لبنان، فإن الاستراتيجيات التي استخدمتها الأطراف السياسية الطائفية قادرة على إحداث هذا الإحساس بالإحباط، لكن يبدو أن الانتخابات قدمت دروساً قيمة للمجموعات المعارضة المناهضة للطائفية، تصب في صالح تضامنها. خلال مقابلاتي، طلبت من الناشطين الحديث عن الاستراتيجيات التي يعتبرونها قادرة على النجاح لمناهضة النخب الطائفية في المستقبل. قال البعض من اليسار الراديكالي إن التغيير الحقيقي لن يحدث أبداً من داخل النظام، نظراً لهياكل الحكم المعيبة تماماً، وأن المشاركة في الانتخابات مسألة لا نفع منها. اختلف أغلب المتحدثين من تحالف "كلنا وطني" مع هذا الرأي، واعتبروا أن التفكير في إطار هذه الثنائية مسألة خطرة، مع الإشارة إلى أن المواطنين جزء من النظام، سواء أعجبهم هذا أم لا. بالنسبة إلى أحد أعضاء "لحقي"، فإنه وبغض النظر عن الساحة التي تُشن فيها المعارك ضد النظام (الانتخابات أم الشوارع)، فالهدف النهائي هو العدالة الاجتماعية: "عندما ينزل الناس إلى الشوارع، فهم لا يتوقعون إسقاط النظام. إنهم يعرفون أن الأمر يستغرق وقتاً طويلاً وأنهم ذاهبون للاقتراع بعد أشهر قليلة". الحق أن الزعم بالرغبة في إحداث التغيير "من الخارج" يعني إمكانية أن يكون المرء خارج النظام. يعتبر الكثير من النشطاء أن هذا الموقف ليس أكثر من مزايدات مبعثها إحساس صاحبه بالامتياز أو عدم فهمه للأوضاع، مع القول بأن التغيير السياسي قد يستغرق سنوات أو عقود حتى يتحقق، وذكروا أن أدوارهم تتمثل في العمل على إحداث هذا التغيير التراكمي.

لقد وافق من أجريت معهم المقابلات على أن ثمة عائق رئيسي يعترض تطوير سياسة المعارضة الناجحة، وهو العمل على تقليل اعتمادية الناس المادية على النخب في تحصيل الخدمات الأساسية وفرص العمل. فمع وجود 1.5 مليون لبناني يعيشون تحت خط الفقر، إضافة إلى عدم كفاءة الخدمات العامة، يصبح الاعتماد على النخب السياسية النافذة بالغ الأهمية.16“Lebanon Crisis Report Plan 2017-2020,” Report by the Government of Lebanon and the UNDP, January 2018. Available here: un.org.lb يقول البعض بأن من تحملوا التصويت لـ "كلنا وطني" كانوا مستقلين مالياً، ولم يواجهوا خطر الإقصاء أو التهديد من قبل مجتمعاتهم، ولم يكونوا منخرطين في شبكات الأعمال الخاصة بالنخب. كيفية مواجهة وتحدي هذه البنية الزبائنية هي مسألة خلافية رئيسية بين أعضاء مجموعات المعارضة. يرى البعض أن الأمر غير ممكن وليس من المجدي محاولة تغييره، ويفضلون التركيز بدلاً من ذلك في جهودهم الأولية على حشد الطبقات الوسطى المستقلة مالياً بدرجة نسبية عن القادة الطائفيين.

وهناك نشطاء آخرين يرون أن "نهج الطبقة الوسطى" لن يزيد أثره عن السماح لمجموعات المعارضة باكتساب مجموعة قليلة من المقاعد في البرلمان، إذ أن أغلب السكان في سن التصويت إما فقراء أو يعملون في القطاع الحكومي. وقال أحد من أجريت معهم مقابلات: "إذا لم يصوت لك أي من هؤلاء الناس، فأي حركة معارضة أنت؟"

وهناك طريقة أخرى لمناوئة أو تقليل آثار الشبكات الزبائنية، هو أن تركز مجموعات المعارضة على تهيئة شبكات التضامن على المستوى الشعبي، بحيث تكون قادرة على تقديم بدائل للخدمات التقليدية التي توزعها الأحزاب الطائفية. لابد أن تدعم المجتمعات بعضها البعض مادياً وعاطفياً لسد الفجوة التي تركتها الدولة. من خلال بث الثقة والتضامن تدريجياً، يمكن أن تظهر – عضوياً – حركة أقوى. قالت مناصرة لمجموعة "لحقي" إنها ما كانت لتصوت أبداً للمجموعة لولا إحساسها بقدر من التمكين السياسي، إذ تم ضمها إلى هيكل المجموعة التشاركي واشتركت في عمليات صناعة القرار. الحق أن الإحساس بالانتماء والتمكين يؤدي إلى الثقة في البدائل السياسية، ويطرح أسساً قوية لحركة مناهضة للطائفية قادرة على النمو.

وهناك نقطة أخرى تستحق الاستكشاف، هي إمكانية تطوير استراتيجية مناوئة لسرديات التخويف الطائفية التي تبثها النخب الطائفية. فالكثير من النشطاء لاحظوا ضرورة تقديم سرديات وتخييلات سياسية بديلة، تتعاطى مع القضايا الاجتماعية-الاقتصادية والبيئية وقضايا الحقوق المدنية. المسألة تتمثل في كيفية تحقيق هذا الهدف. في 2018، حاولت مجموعات عديدة، مثل "لحقي"، وربما يجب استكشاف إن كانت هذه الخطابات قد تمكنت فعلا من التغلب على التخويف الطائفي القائم. يمكن تحقيق الحشد السياسي الفعال من خلال التربيط بين المصالح والقضايا المشتركة، مثل العدالة التوزيعية ومكافحة الفساد والناشطية البيئية الراديكالية والمحاسبة والتنمية الاقتصادية الشاملة للجميع. نظراً لأن انتخابات 2018 تمثل أولى الجهود الملموسة للتنظيم تحت لواء أشكال جديدة من الحشد، فربما يكون الاستثمار في إطار عمل يعتمد على الأفقية أمراً يستحق الاستكشاف.

على أن هناك عائق رئيسي يعترض التنظيم، وهو شح الموارد، المالية والبشرية. فتحدي هيمنة المجموعات السياسية الطائفية يتطلب إنشاء شبكات طويلة الأجل قادرة على مواجهة "الماكينات" الخاصة بتلك المجموعات الطائفية، ما يعني ضرورة وجود موارد كبيرة لا تتوفر حالياً لأي من المجموعات المستقلة. إن لدى الكثير من النشطاء وأغلب المرشحين وظائف بدوام كامل، ولا يمكنهم تحمل أن يتحولوا إلى فاعلين سياسيين بدوام كامل قادرين على استثمار وقتهم وجهودهم بالقدر الكافي لتطوير شبكات التضامن الشعبية اللازمة. بينما دأبت الأحزاب الطائفية على الاستفادة بشكل تطفلي من موارد الدولة و/أو استخلاص رأس المال عبر مختلف الموارد المحلية والخارجية، فإن المجموعات المناهضة للطائفية تُكافح لتلبية احتياجاتها. إن الكثير من مرشحي "كلنا وطني" ترتبت عليهم ديون لعدم تمكنهم من تمويل حملاتهم الانتخابية بأنفسهم.

أما السؤال الكبير المفتوح فهو ما إذا كانت المجموعات المحلية ستتمكن من التغلب على هذا التحدي التنظيمي من خلال الاستثمار في بناء المجتمعات وفي الشبكات غير الرسمية. تجربة "لحقي" مشجعة على هذا المضمار. فالإحساس القوي بالمجتمع الذي شيدته المجموعة مكّنها من الاستمرار في عملها التنظيمي حتى بعد أن عاد أعضاء المجموعة لوظائفهم. لا يزال الأعضاء يجدون الوقت للإسهام في جهود الحشد، وفي دعم بعضهم البعض لتحقيق هذا. يبدو أن البناء التشاركي اللامركزي للمجموعة يلعب دوراً محورياً في استمرارية أعمالها حتى في غياب التمويل. التحدي هو ما إذا كانت هذه المقاربة اللامركزية بتركيزها على المجتمع المحلي يمكن تطبيقها على نطاق أكبر في مختلف المناطق، بل وحتى على مستوى الدولة. من يأملون في التغيير في لبنان أمامهم 3 سنوات لمحاولة استكشاف واختبار هذه السبل الجديدة قبل الانتخابات القادمة. لقد قدمت لهم انتخابات 2018 – على الأقل – صورة أوضح عن الخصم الذي يواجهوه.

Footnotes   [ + ]

1.  يعتمد هذا المقال على أطروحتي الأكاديمية، الصادرة عن "أمهيرست كولدج" في أبريل/نيسان 2019، ويمكن الاطلاع عليها عبر الرابط: academia.edu
2.  Ussama Makdisi, The Culture of Sectarianism: Community, History, and Violence in Nineteenth-Century Ottoman Lebanon. Berkeley, CA: University of California Press, 2000: 6.
3. Hannes Baumann, Citizen Hariri: Lebanon’s Neoliberal Reconstruction. Hurst Publishers, 2016; Reinoud Leenders, Spoils of Truce: Corruption and State-building in Postwar Lebanon. Ithaca: Cornell UP, 2012.
4.  Bassel Salloukh, “The Limits of Electoral Engineering in Divided Societies: Elections in Postwar Lebanon.” Canadian Journal of Political Science, Volume 39, Issue 3, 2006.
5.  Sami Atallah and Zeina El-Helou, “Our New Electoral Law: Proportional in Form, Majoritarian at Heart”, Lebanese Center for Policy Studies. Available at: lcps-lebanon.org
6. Sami Atallah and Zeina El-Helou, “Our New Electoral Law: Proportional in Form, Majoritarian at Heart”, Lebanese Center for Policy Studies. Available at: lcps-lebanon.org
7. Mona Harb, “New Forms of Youth Activism in Contested Cities: The Case of Beirut”, The International Spectator, 53:2, 74-93, 2018.
8.  Lamia Moghnieh, “Local Forms of Relief during the July War in 2006 and International Humanitarian Interventions: Implications on Community Preparftness for War and Conflict”, Civil Society Knowledge Center, Lebanon Support, June 2015.
9.  باسم شيت، "الحراك من أجل إسقاط النظام الطائفي ورموزه: دروس واستنتاجات"، مركز الدراسات والأبحاث العلمانية في العالم العربي. يناير/كانون الثاني 2012. متوفر على: ssrcaw.org
10.  Kassir, Alexandra. “‘We are here’: A New Wave of Anti-Sectarian Mobilizations in Lebanon.” OpenDemocracy, October 2015. opendemocracy.net; Cynthia Khreichati, Knowledge and the Trash: The Predominance of the Expert Model in the 2015 Beirut Protests. Thesis, American University of Beirut, 2016.
11. “Lebanese security forces using excessive force against protesters,” Euro-Mediterranean Human Rights Monitor, September 17, 2015. Available at: euromedmonitor.org; Lebanon Support (2016)a. Waste Management Conflict (Starting January 25, 2014). Available at: civilsociety-centre.org; Lebanon Support (2016)b. Social Movement responding to the Lebanese Garbage Crisis. Available at: civilsociety-centre.org;
12.  بسبب طبيعة "حكم الأغلبية" لنظام الانتخابات البلدية، فإن أصوات بيروت مدينتي التي بلغت 30 ألف صوت (نحو ثلث إجمالي الأصوات) لم يؤمن للمجموعة أية مقاعد في مجلس العاصمة. للاطلاع على التقسيم التفصيلي للنتائج، انظر: monthlymagazine.com
13. Sami Baroudi, “Economic Conflict in Postwar Lebanon: State-Labor Relations between 1992 and 1999.” Middle East Journal, 52(4), 1998; Hannes Baumann, “Social Protest and the Political Economy of Sectarianism in Lebanon”, in S. Mabon and L. Ardovini (eds), Sectarianism in the Contemporary Middle East. London: Routledge, 2018; Fawwaz Traboulsi, Social Classes and Political Power in Lebanon. Henrich Böll Foundation, 2014.
14.  المرشح الرئيسي لقائمة مدنية المستقلة رفض التحالف مع "كلنا وطني".
15.  الحق في: 1) دولة مدنية ومحايدة، 2) بيئة صحية، 3) رعاية صحية متكاملة، 4) تعليم جيد، 5) اقتصاد منتج وعادل، 6) وظائف لائقة، 7) إسكان ملائم ومقبول التكلفة، 8) المساواة والحقوق المدنية والحريات الشخصية، 9) مؤسسات فعالة وشفافة وغير طائفية، 10) الخدمات العامة الأساسية. يتوفر البرنامج التفصيلي بالعربية على: lihaqqi.org
16. “Lebanon Crisis Report Plan 2017-2020,” Report by the Government of Lebanon and the UNDP, January 2018. Available here: un.org.lb