عشرون يوماً من المظاهرات اللبنانية: بين الاستمرارية والابتكار وانعدام اليقين

كيف يمكن قراءة حركة الاحتجاجات اللبنانية الحالية؟ لا شك أن لهذه المظاهرات المستمرة ضد النظام الطائفي الراسخ والاقتصاد الفاشل في لبنان بعض الجذور في الناشطية السابقة للبنانيين واللبنانيات لكنها تمثل أيضًا ديناميات جديدة لم تكن موجودة في حركات التعبئة السابقة في 2005 أو 2011 أو 2015. تصف هذه الورقة بعض هذه الديناميات التي تستمر في التطور مع تجربة المحتجين يوما بعد يوم وابتكارهم لطرق جديدة لممارسة السياسة.

arab_reform_initiative_2019-11-Twenty-days-of-Lebanese-protests-between-continuity-innovation-and-uncertainty
متظاهرات في ساحة النور، طرابلس، لبنان - أكتوبر/تشرين الأول 2019© رندة الأيوبي

ملخَّص

تتناول هذه الورقة الاحتجاجات التي اندلعت في مختلف مناطق لبنان منذ 17 أكتوبر/تشرين الأول، بناء على المتابعة الميدانية المباشرة للمظاهرات، وبناء على مقابلات مع العديد من المشاركين. إقراراً بأن الحركة الاحتجاجية والوضع في لبنان عموماً لا يزالا في حالة سيولة كبيرة، تقدم الورقة بعض العناصر المقترحة لتحسين فهم الحراك ووضعه في سياقاته الصحيحة. رغم أن لبنان لم يدخل عموماً في موجة الاحتجاجات التي هبت على العالم العربي في 2011، فقد كانت هناك محاولات مبكرة لانتقاد النظام الطائفي والخدمات العامة المتداعية. توضح الورقة علاقة الأحداث الحالية بتاريخ التظاهر والاحتجاج بلبنان في التاريخ الحديث، لا سيما مظاهرات 2011 التي لم تطل، والتي طالبت بإنهاء النظام الطائفي، وحركة “طلعت ريحتكم” في عام 2015، التي نددت بسوء إدارة الحكومة للنفايات وطالبت بالمحاسبة على الفساد السياسي. في حين أن للاحتجاجات الحالية بعض الجذور التي يمكن رؤيتها في نشاط المواطنين في الفترات السابقة، فمن الواضح في الوقت نفسه أن هناك بعض العناصر والجوانب المستمرة في التطور، بالتواكب مع تطور الاحتجاجات يوماً بعد يوم، على مسار تبني وتفعيل سبل جديدة للاشتباك بالعمل السياسي.

اقرأ المزيد

 

قبل ثورة أكتوبر/تشرين الأول 1917 بأشهر معدودة، حينما كان يشعر بعميق الإهانة والأسف على ثورة 1905 المغدورة وكان في المنفى في زيورخ، قال لينين: "نحن صرنا مسنين، والأرجح أننا لن نرى ثورة أخرى في حياتنا".1 هذا اقتباس من فيلم تسجيلي لسيدريك تورب: Cédric Tourbe, “Lenin: Another Story of the Russian Revolution, 2016

كيف يمكننا فهم الحراك الاحتجاجي اللبناني الحالي؟ هناك نقطة بداية جيدة، هي الإقرار بأنه ونظراً لمدى اتساع هذه الظاهرة السياسية الشعبية – مع احتلال المتظاهرين للساحات والشوارع بمختلف المدن من الجنوب إلى الشمال، ومن الشرق إلى الغرب – ونظراً لسرعة تطور الأحداث وانعدام اليقين إزاء اتجاهات هذه التطورات، فإن أي مراقب للحركة لن يتكون له رأي يتجاوز نطاق الرأي الجزئي وغير المكتمل. يتطلب التحليل "السريع" لحراك سياسي لا يزال في طور التكوين، أن يكون المراقب واعياً بأن فهمه يتطور مع تطور الأحداث على الأرض، وأن أي تأطير مقترح للحركة هو تأطير مرحلي ومؤقت. من ثم، على المرء أن يمتنع عن "تفسير" أحداث الأيام العشرين الأخيرة هذه قائلاً بأن الحراك يتمتع بالتماسك والتكوين المنطقي، وهي السمات التي لم يتمتع بها الحراك بعد، بقدر ما تعتبر أهداف الحراك وما يطمح إليه غير مؤكدة. على أن مراقبة الأحداث وهي تقع يوماً بعد يوم، من مظاهرات ومقابلة بعض المتظاهرين ومنظمي المظاهرات، قد تمنح المرء سياقاً – أو مصفوفة – يمكن تحليل الأحداث على خليفتها.

حركة تتغذى على خبرات التظاهر السابقة... لكنها فاقتها سريعاً

لم تأت حركة الاحتجاج والتظاهر الحالية من فراغ. هناك طيف واسع من الحركات الناشطة حالياً في سياق المظاهرات، يجدر بالذكر منها حركة الطلاب الجامعيين، والأحزاب اليسارية وغير الطائفية، والمجموعات النسوية، هي حركات تشكلت ونشطت بين عاميّ 2011 و2015. طبقاً لـ 12 مقابلة أجراها المؤلف مع أساتذة جامعيين وصحفيين ونشطاء في بيروت وطرابلس على مدار الأسابيع الأخيرة، يعرف الكثير من النشطاء بالفعل بعضهم البعض جيداً من قبل الأحداث، عن طريق الصداقات وشبكات النشطاء التي تم بناؤها وتدعيمها أثناء جولات الحشد والتظاهر السابقة. ثم إن بعض الشعارات، مثل تلك التي تطالب بـ "إسقاط النظام الطائفي" سبق صكّها في عام 2011.

رغم حضور وتواجد هذه الشبكات من قبل، ذكر أشخاص أجريت معهم مقابلات كانوا قد شاركوا في حركات احتجاجية سابقة، إن التظاهرات الحالية تبدو مختلفة للغاية نظرا لجماهيريتها الكبيرة، واتساعها لتغطي كل مناطق لبنان وطابعها اللامركزي.

هذه المرة – طبقاً للكثيرين ممن أجريت معهم مقابلات – هناك رغبة في التعلم من تجارب الماضي، وعدم تكرار نفس الأخطاء الاستراتيجية. فسر الكثيرون إخفاقات الحركة المناهضة للطائفية في تحقيق نقلة نوعية في انتخابات 2018 النيابية، بأنها تعود إلى القيم السياسية التقليدية المتمثلة في الرغبة دائماً في وضع قائد في الصدارة، وهو الأمر الذي انتهى بمحاولات فاشلة لدمج مختلف الجهود المناهضة للطائفية. قال متعاطف سابق مع حزب "مواطنون ومواطنات في دولة": "لم يكن ذلك مجدياً"، وسط فعالية حاشدة في ساحة الشهداء. أضاف: "هناك شيء جديد يحدث... يجب أن دورنا في هذه المرحلة يتمثل في محاولة فهم ما يحدث. هذا هو أصعب وأعقل شيء نفعله الآن".

تبدو شبكات النشطاء القائمة من قبل الأحداث، مأخوذة بالأحداث الحالية، كما أقرّ بعض أعضاء هذه الشبكات، ويبدو أنهم سعداء بالسير مع التيار، أو مع "الشارع" كما قال الكثيرون منهم.

هناك متظاهرون آخرون تمت مقابلتهم، بينهم صحفيين وأساتذة جامعيين، لا يمكنهم ولا يرغبون في تحديد الاتجاه الذي ستمضي فيه الحركة. وكان موقفهم هذا متسقاً، بين طبيعة تحركاتهم ضمن الحراك وكيفية حديثهم عنه.

عملية حشد تسمو فوق الانقسامات السياسية المعهودة

يبدو الحراك الحالي مدعوماً من جميع المناطق والمجتمعات في لبنان. يبدو أن أغلب من تحدثت إليهم يعرفون بأن هناك قوة وطاقة جديدة مبعثها التسامي على الانتماء المجتمعي المحلي في بلد مقسم بقوة على خطوط طائفية. الحق أن الأمر الرئيسي الجديد في الحراك بهذه المرحلة يكمن – على ما يبدو – في "خفاء" الانتماءات الدينية للمتظاهرين. يتجسد هذا بقوة في طرابلس، حيث المسيحيون والمسلمون من سكان المدينة يتظاهرون جنباً إلى جنب ضد سياسات الدولة العامة، وحيث سكان أحياء باب التبانة (سنة) وجبل المحسن (علويون) الذين نشبت بينهم حرب قبل سنوات، يقفون صفاً واحداً أثناء أول مظاهرات بساحة النور بالمدينة.

كما سمح الحراك بتبادلات جديدة بين أطراف لم يكن مرجحاً حصول حوار بينها. فهناك عدة أساتذة جامعيين في طرابلس أخبروني بأن الشيوعيين وأعضاء حركة التوحيد الإسلامية دخلوا في مناقشات وحوارات في قلب ساحة النور التي تغص بالمتظاهرين:

هناك أناس يحاولون تجسير الفجوة بين الطرفين. بعض الناس الذين تحدثت إليهم اليوم ذكروا مطالب ثورية واجتماعية بصياغة إسلامية... في محاولة لاحترام اختلاف التوجهات والآراء الحاضرة في الساحة.2 مقابلة مع أستاذ علم اجتماع بالجامعة اللبنانية، ساحة النور، 27 أكتوبر/تشرين الأول 2019.

كلمات دون ناطق رسمي

هذه الحراك لا رأس له. إنه خيار استراتيجي وفي الوقت نفسه آلية شبه تلقائية تحققت وحدها؛ فالناس يرغبون في الكلام، وفي التعبير عن أنفسهم، وأن يتكلموا للمرة الأولى علناً حول قضايا سياسية وفي مواضيع تهمهم. نشعر بالحاجة إلى الحديث والحوار... وخبرات الماضي حين كان هناك قيادات لم تفلح: "كلنا وطني"،3 هذا اسم تحالف المجتمع المدني الذي تشكل أثناء الانتخابات اللبنانية العامة في 2018. و"بيروت مدينتي"،4 بيروت مدينتي كانت حملة سياسية بقيادة متطوعين للترشح لانتخابات بيروت البلدية. إلخ. باختصار، لم تفلح تجاربنا التي كان بها قيادات... هذه المرة الموضوع يشمل أنحاء لبنان بالكامل، إنه أكبر بكثير. نحن لا نريد التدخل كما حدث سابقاً... ونعتقد أنه من غير المنصف أن نتحدث باسمهم [أي المتظاهرين].5 مقابلة مع متظاهر قرب ساحة رياض الصلح، 23 أكتوبر/تشرين الأول 2019.

خلال الأيام الأولى لهذا الحراك، كانت هناك حاجة ملحة إلى الابتكار، بشكل مختلف عن التجارب السياسية السابقة؛ حاجة إلى اختراع "سبل ناشطة واستباقية للعمل"6 على حد تعبير مؤرخ الحركات الاجتماعية تشارلز تيلي: Charles Tilly (1978). وسبل جديدة لممارسة المواطنة. نظراً لأن هذه السبل لم تترسخ أو تتحقق عبر قنوات منظمة للفعل، فإن جدّة هذا الحراك يمكن أن نكتشفها عبر ملاحظة ورصد سبل الحركة والفعل التي استعان بها المتظاهرون.

أثناء نقاش تم تنظيمه في واحدة من خيام الجمعيات ببيروت في 23 أكتوبر/تشرين الأول 2019، كانت هناك صحفية وناشطة حقوقية تحاول أن تتكلم للمرة الثانية بعدما قدمت مداخلتها قبل دقائق. تدخل عدة أشخاص ليذكروها بأن تترك المنبر لغيرها ممن لم يتحدثوا بعد، ولمتحدثين آخرين أقل اعتياداً على المناقشات العامة. هنا، هشمت المطالب الديمقراطية للحضور يقين النشطاء المحترفين المقتنعين في حالات كثيرة بأن خبرتهم – بمجال حقوق الإنسان في هذه الحالة – تجعلهم ناطقين رسميين شرعيين نيابة عن الناس.

إذا كان ثمة إحساس بانعدام اليقين إزاء مستقبل الحراك جاء مصحوباً بالقلق في صفوف المتظاهرين، فلم يؤد بهم هذا بعد إلى عذابات وحيرة سؤال "ما العمل؟"7 هو أيضاً عنوان أحد مقالات لينين المطولة، ويرجع لعام 1901. إلا بالقدر الكافي لتأكيد الطبيعة النشطة للعملية الثورية الحالية، الذي تستدعي أجوائها التحررية إلى الأذهان مظاهرات فرنسا في مايو/أيار 1968، بحسب العديد من الأساتذة الجامعيين اللبنانيين الذين قابلهم المؤلف. الحق أن مختلف مجموعات المتظاهرين تبدو مصممة في هذه المرحلة على مقاومة ظهور قادة محتملين، وهي الظاهرة التي لا تزال ملحوظة في ساحة النور في طرابلس، وفي وسط مدينة بيروت، المكانان اللذان تم إجراء الدراسة فيهما.

لقد أدهشت تلقائية وتعددية الحركة الحالية المتظاهرين أنفسهم، وهي الظاهرة التي تعزز أيضاً قواعد غير مكتوبة يحترمها الجميع بشكل عام. وقيام جمعيات ومنظمات عديدة بنصب خيام في ساحة انتظار السيارات بين ساحة الشهداء والمبنى المعروف ب"البيضة" لا تشهد في هذه المرحلة على محاولة لتقديم "قيادة" للحركة أو التأثير عليها. إنما تعتبر هذه المنطقة بمثابة مساحة للنقاش في سياق تبادلات وحوارات أفقية، وفي سياق المقاومة العامة لظهور متحدثين رسميين أو قادة. تمكّن المتظاهرون من تهيئة أجواء ديمقراطية للغاية في المناقشات الجماعية والبرلمانات المُرتجلة في الشوارع، ويظهر في تلك المساحات الحرص على إعطاء فرصة الكلام للجميع، بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية أو الاجتماعية أو السياسية.

من الذي يدير منابر الحديث في الساحات؟ هل هي إدارة ذاتية أم "إخفاء" لتوازن القوى؟

في حين لا يوجد متحدثون رسميون في ظل غلبة النقاشات التي يهيمن عليها الحوار الأفقي، تبقى هنالك أسئلة حول من الذين يمارسون السيطرة على ما يمكن أن يعتبر أحد الرموز القليلة على المركزية والعلاقات الهيراركية بالساحات: المنابر العامة.

وصف أستاذ علم الاجتماع بالجامعة اللبنانية وهو واقف في ساحة النور بطرابلس – التي تعد مساحة التظاهر الأساسية بالمدينة – وصف ما يراه يحدث أمام عينيه: أن سكان المدينة استعادوا السيطرة على المجال العام وأعادوا تعريف ما يعتبر مجالاً عاماً.

إن علاقاتنا بالمجموعات الأخرى بالساحة طيبة. هناك الكثير من التعاون، ونحن مختلفون لكننا نرحب بالجميع. لا نريد أي صدام. الانتهازيون [من يسعون للحديث على حساب إسكات الغير] يتم إبعادهم سريعاً. الناس المجتمعون هنا قادرون على تنظيم وإدارة الأمور بشكل أفضل بكثير من قدرة البلدية. أصبح المكان الآن أفضل تنظيماً من قبل الاحتجاجات. سترى هنا اليوم أشخاص من مختلف الأحزاب السياسية، ومن مختلف الدوائر الاجتماعية.8 مقابلة مع أستاذ علم اجتماع بالجامعة اللبنانية، ساحة النور، 27 أكتوبر/تشرين الأول 2019.

على ذلك، يبدو أن الإدارة الذاتية تنحسر عندما يتعلق الأمر بجوانب أخرى بالساحة.

يبدو انعدام النظام ظاهراً بقوة في المكان. لكنها فوضى منظمة. هناك بعض القوى [أحزاب سياسية وقوى أمنية] تدير المكان، لكنها خفية. على كل حال، أنا لا أراهم. يبدو اختيار المتحدثين عشوائياً، لكنه ليس كذلك حقاً... كما ترى ونحن هنا، تتكشف الأحداث أمام أعيننا، لكن يصعب كثيراً معرفة ما يحدث حقاً. بالطبع يتمتع الإسلاميون وأجهز الدولة بسيطرة أكثر على المكان، مقارنة بما لدينا من سيطرة عليه [تجمع أساتذة الجامعات، ويبدو أنهم يساريون، في خيمة على طرف الساحة]. من يقرر من سيتحدثون على المنبر؟ من يختار الموسيقى والأغاني التي نسمعها؟ الأقوى هو من يختار الموسيقى. هناك أطراف موالية للحريري [رئيس الوزراء اللبناني الذي استقال في 29 أكتوبر/تشرين الأول 2019 بعد يومين من هذه المقابلة]، وميقاتي ["حركة عزم"]، وريفي [أشرف ريفي، مدير قوى الأمن اللبنانية السابق ووزير العدل السابق] وإسلاميون من حركة التوحيد. هم جميعاً يختارون الموسيقى، ويختارون من سيتحدث وموضوع الكلمة التي سيلقيها.9 أحد المسؤولين عن إدارة النقاشات في ساحة النور.

التضامن بين المواطنين يتحدى الانتماءات الجهوية والمحلية

أظهر المتظاهرون في مختلف مناطق لبنان تضامنهم مع بعضهم البعض، بشكل منتظم، إذ رددوا هتافات تعبر عن التضامن والدعم فيما بين المتظاهرين بمختلف المناطق، أثناء المظاهرات. قام الكثيرون حتى بالانتقال من بلدتهم أو قريتهم إلى مناطق وبلدات أخرى، مثل انتقال مجموعات من النبطية إلى ساحة النور في طرابلس، ومن بيروت إلى كفر رمان بالجنوب، ليظهروا تضامنهم بصورة مباشرة. فضلاً عن هذا، نظمت مجموعة أساتذة من الجامعة اللبنانية ببيروت مظاهرة في طرابلس وفي بعلبك تضامناً مع الأساتذة الذين لم يتمكنوا من الانضمام للمظاهرات في بيروت، وكوسيلة للتواصل والتشبيك مع أساتذة الجامعة اللبنانية من المناطق الأخرى.

كان التصور بأن كل منطقة ستقوم بكشف وانتقاد قادتها بمثابة عنصر رئيسي في بناء هذا التضامن. عارض المتظاهرون من طرابلس ومن مختلف مدن الجنوب قادتهم التقليديين المختلفين. ودارت على شبكات التواصل الاجتماعي صور سكان النبطية وهم يمزقون صورة نبيه بري، قائد حركة أمل الشيعية المسلحة، وهم يرددون شعار "حرامي، حرامي، نبيه بري حرامي". ثم خرج سكان طرابلس إلى الشوارع لانتقاد القائد السني.

لكن هذا التضامن المدني المتحضر بين المتظاهرين من مختلف المناطق لم يمنع اختلاف وقع المظاهرات بحسب مناطق خروجها، سواء كانت في الشمال أو في الشرق أو في بيروت أو الجنوب. فقصص كل منطقة وكل مجتمع محلي مختلفة وتقتصر على القضايا المتصلة بمجموعات المتظاهرين المختلفة. التظاهر مثلاً عن طريق ترديد النشيد الوطني في النبطية أو صور – معاقل حزب الله وأمل – له وقع مختلف ومعنى آخر بالمقارنة بالمناطق الأخرى بالدولة. الحق أن جنوب لبنان اكتسب سمعة كونه غير متصل بباقي لبنان، بسبب الاعتبارات الأمنية الخاصة بقربه من الحدود مع إسرائيل، والخوف من أن يعني هذا أنه عرضة لتدخلات دولة أجنبية. وبالنسبة للعديد ممن تحدثت إليهم في لبنان والعديد من المراقبين، فإن اندلاع المظاهرات في أوساط سكان الجنوب دليل إضافي على الطبيعة غير المسبوقة للأحداث الحالية.

آثار الأجيال السياسية

في مواجهة هذه الأزمة السياسية، التي لا تزال تطوراتها ونتائجها غير قابلة للتوقع، تتحرك مجموعات المتظاهرين المختلفة بأشكال مختلفة. إذا كان عدم اليقين حول الأثر النهائي للمظاهرات حاضراً في أذهان الجميع، فلابد من ملاحظة أن البعض أكثر تشاؤماً مقارنة بالبعض الآخر، حول إمكانية استدامة الحشد، أو إحداث تغيّر كبير في لبنان. وبدرجات متفاوتة، هناك فروق تظهر بين جيل سياسي أحبط جراء محاولات التظاهر في الماضي (في 2005 و2011 و2015) وجيل – هو الأصغر سناً – أكثر حماساً أو على الأقل أقل خوفاً من مخاطر الإجهاد والتنازع أو حتى الثورة المضادة.

إن دور أساتذة الجامعات هو وبوضوح دور ثانوي إلى جوار دور الطلاب. من رصد وملاحظة أنشطة الأساتذة – عبر تنظيم مناقشات عامة على سبيل المثال – أثناء المظاهرات، يتبين أن الخبرات السياسية السابقة لكل فرد تُحدث اختلافاً في تصور الفرد حول النتائج المحتملة للاحتجاجات. في الواقع، فإن الجيل الأكبر، المحبط للغاية جراء تجارب الماضي السياسية، يتبنى أحياناً تصوراً متشائماً للغاية عن قدرة الحركة على إحداث تغيير سياسي حقيقي أو الحفاظ على مستوى الحشد.

ما زلنا لم نر الأثر النهائي للمظاهرات وقدرتها على إضعاف أو حتى تقويض النظام الطائفي اللبناني. لكن المراقبين والمشاركين في الحركة الاحتجاجية الحالية يشعرون بأنها حركة مختلفة. هناك سمات وآليات جديدة لم تكن في الحركات السابقة، في 2005 و2011 و2015، وهي السمات والآليات التي يمكن رؤيتها والإحساس بها بشكل يومي في هذا الحراك. بالنسبة للعديد من المتظاهرين، هناك إحساس بالتعجب والدهشة من الأحداث المتوالية، وحماس – مختلط بالقلق غالباً – تجاه تجربة قائمة يبدو أنهم يؤدوها يومياً بأشكال جديدة من العمل السياسي والمشاركة كمواطنين. إذن وبالنسبة للعديد من المتظاهرين، فالاحتجاجات تعد أكثر من مجرد انتفاضة: إنها ثورة في أعين الكثيرين.

 

Footnotes   [ + ]

1.  هذا اقتباس من فيلم تسجيلي لسيدريك تورب: Cédric Tourbe, “Lenin: Another Story of the Russian Revolution, 2016
2.  مقابلة مع أستاذ علم اجتماع بالجامعة اللبنانية، ساحة النور، 27 أكتوبر/تشرين الأول 2019.
3.  هذا اسم تحالف المجتمع المدني الذي تشكل أثناء الانتخابات اللبنانية العامة في 2018.
4.  بيروت مدينتي كانت حملة سياسية بقيادة متطوعين للترشح لانتخابات بيروت البلدية.
5.  مقابلة مع متظاهر قرب ساحة رياض الصلح، 23 أكتوبر/تشرين الأول 2019.
6.  على حد تعبير مؤرخ الحركات الاجتماعية تشارلز تيلي: Charles Tilly (1978).
7.  هو أيضاً عنوان أحد مقالات لينين المطولة، ويرجع لعام 1901.
8.  مقابلة مع أستاذ علم اجتماع بالجامعة اللبنانية، ساحة النور، 27 أكتوبر/تشرين الأول 2019.
9.  أحد المسؤولين عن إدارة النقاشات في ساحة النور.