تطور حركة حقوق الإنسان في المغرب (من الاستقلال حتى 2016)

The Evolution of Mتطور حركة حقوق الإنسان في المغربorocco’s Human Rights Movement
متظاهرون ومتظاهرات مغاربة يرفعون لافتات تطالب بالإصلاح أثناء احتجاج في مدينة الدار البيضاء، المغرب، آذار/مارس 2011© Karim Selmaoui / EPA

ملخَّص

تستعرض هذه الورقة نشأة وتطور حركة حقوق الإنسان بالمغرب من خلال تتبع مولد الحركة والأسباب والعوامل التي صاحبت نشأتها وتطورها وتحدياتها الراهنة وآفاقها المستقبلية. وتستعرض الورقة التدرج الذي ميز طبيعة الأنشطة الحقوقية وتخصصها، بدءًا بالحقوق السياسية والتي مثلت ردة فعل في مواجهة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في العقود الأولى لدولة الاستقلال وحتى بداية التسعينيات، ومرورًا بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية التي ولدت مع نشأة وتطور الجمعيات الأهلية وبصفة خاصة تلك التي تعنى بتقديم الخدمات الاجتماعية، وكذلك طائفة الحقوق التي أطّرت عمل الجمعيات النسائية والمنظمات الأمازيغية، وانتهاءً بالحركات الاحتجاجية التي ترافقت مع الربيع العربي، وأفرزت حراك 20 فبراير. وتقاطع هذا الحراك مع أنشطة الحركة الحقوقية وعبر عن بعض مطالبها في نفس الوقت. وتشرّح الورقة استراتيجية الدولة في التعامل مع الحركة الحقوقية خصوصًا والمجتمع المدني عمومًا، وتتناول التحديات الراهنة للحركة الحقوقية المغربية من نواحي التنسيق والتمويل والمناخ المادي والقانوني والعلاقة مع الجانب السياسي شدًا وجذبًا مع الدولة والأحزاب السياسية وبقية مكونات المجتمع المدني من أجل التوثيق والكشف عن الإنتهاكات واقتراح السياسات الكفيلة بضمان حقوق الإنسان.

اقرأ المزيد

تستعرض هذه الورقة المسحية تاريخ نشأة وتطور مكونات الحركة الحقوقية المغربية في سياقها السياسي والاجتماعي الداخلي والدولي.1Paola Gandofli, “La société civile au Maroc, signification et issues des processus de changement sociale et politique”, 4th Mediterranean Social and Political Research Meeting, 19-23 March 2003, p. 8, ويمكن مراجعة هذه الورقة بالانجليزية في الرابط التالي goo.gl/BrMibG وتمثل الظروف السياسية المحلية سببًا مباشرًا في ولادة مجموعة جمعيات مدنية تدافع عن الحقوق والحريات وبصفة خاصة عن المعتقلين والمختطفين في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين. وتزامنت هذه الولادة مع تطور عالمي صارت فيه حقوق الإنسان منظومة عمل رئيسية في المجتمع المدني في هذين العقدين بعد تفكك حركة الحقوق المدنية في أوروبا والولايات المتحدة. وفي أوائل العقد الثاني من القرن الحالي أدت الاحتجاجات الشعبية العارمة في المنطقة بما فيها المغرب (فيما أطلق عليه آنذاك "الربيع العربي") إلى ظهور عدد من الحركات الحقوقية الجديدة التي أثرت في انتاج الدستور المغربي الجديد وتأثرت بصدوره، وتزامنت معها مجهودات عدد من الفاعلين الحقوقيين لعبوا دورًا فعالًا في الدفع بعجلة الإصلاحات الدستورية والقانونية قدمًا.

وتفترض الورقة أن سلوك الدولة عمومًا حيال التنظيمات المجتمعية ومنطلقات هذا السلوك يشكل طبيعة وآليات علاقتها بالفاعلين والمنخرطين في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان. وفي هذه العلاقة بالمغرب كان للدولة ومؤسساتها اليد العليا، تتصرف وفق ما يضمن فرض سلطتها السياسية والأمنية، ومن أجل متطلبات الضبط الاجتماعي كما تراها. واستمرت اليد العليا للدولة رغم تحول سبل فرض السلطة تدريجيًا من علاقة يستعمل فيها النظام العنف دون رادع من أجل بناء الدولة، ودفاعًا عن مصالح النخبة الحاكمة منذ الاستقلال في منتصف الخمسينيات وحتى بداية التسعينيات إلى مسعى "لدمقرطة" الحياة السياسية بصورة تدريجية بطيئة منذ النصف الثاني من التسعينيات. وهذه الدينامية الرئيسية للعلاقة هي التي أنتجت الاستراتيجيات الكبرى التي لجأت إليها الدولة من أجل إضعاف هؤلاء الفاعلين أو امتصاصهم أو الاستجابة لجزء من مطالبهم. وفي ظل النظام الذي كان يسعى، وبعنف، من أجل خلق دولة ما بعد الاستعمار في الستينيات وحتى منتصف التسعينيات، أو بالمساومة و"الدمقرطة" المشروطة في العقدين الماضيين نشأت وتطورت حركة حقوق الإنسان في المغرب وتحوّر خطابها وتغيرت تحدياتها وعلاقاتها السياسية والاجتماعية ونظمها الداخلية وتأثيرها. ويمكن الادعاء أن سلوك النظام كان العامل الرئيسي في تحولات هذه الحركة دون أن نبخس الحركة ومناضليها دورهم الفاعل في تحقيق مكاسب عديدة وتحولات تتعمق مع الوقت في دفع الدولة لضمان الحقوق وتجذيرها في المجتمع.

وسوف نسعى في تقسيم هذه الورقة إلى تتبع الحركة الحقوقية في شقيها التاريخي والأيديولوجي، متتبعين الاستراتيجيات التي تبنتها الدولة من أجل لجم الحركة الحقوقية، وكذلك الاستراتيجيات المناوئة التي سلكتها هذه الحركة من أجل تحقيق مطالبها، خاصة فيما يتعلق بالتدرج من المطالبة بالحقوق السياسية والمدنية إلى المطالبة بالحقوق الاقتصادية والثقافية والاجتماعية، وكذلك التدرج من المنظمات الحقوقية العامة إلى المنظمات الحقوقية المتخصصة بما يعني أيضًا زيادة الاحترافية التي، رغم أهميتها، قد تهدد أحيانًا بإبعاد الفاعلين عن قواعدهم الاجتماعية. وتتبع الورقة التقسيم التالي:

أولًا: مولد وتطور حركة حقوق الإنسان في المغرب

ثانيًا: الجمعيات المدنية المختصة بتقديم الخدمات

ثالثًا: الجمعيات النسائية

رابعًا: المنظمات الحقوقية المعنية بعمل مؤسسات العدالة

خامسًا: المنظمات الأمازيغية

سادسًا: الحركات الاحتجاجية والحقوقية واستراتيجية الدولة من أجل التفكيك/الامتصاص

  • على مستوى المؤسسات الرسمية
  • الدولة والحركات الاجتماعية: التكيف السياسي المتبادل وحراك 20 فبراير كمثال

سابعًا: خاتمة عن آفاق وتحديات الحركة الحقوقية بالمغرب.

أولًا: المنظمات المدنية الحقوقية العامة ومولد حركة حقوق الإنسان في المغرب

تأسست العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان في شهر مايو سنة 1972عقب سنوات حالة الاستثناء (1965-1970)، والانقلابين الفاشلين (1971-1972)، وفي ظل غياب مؤسسات مدنية تشارك في صنع ومراقبة السياسات الحكومية، وانسداد أفق الحوار السياسي مع الأحزاب، وتصاعد حملات الاعتقال التعسفي والاختطاف والمحاكمات الصورية وغيرها من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وخاصة على الصعيدين المدني والسياسي والتي ميزت الصراع السياسي في المغرب في أول عقدين بعد الاستقلال في غمار سعي مؤسسة القصر وحلفاؤه (ما يسمى بالمخزن2(المخزن هو تعبير يمثل النخبة الحاكمة في المغرب منذ عدة قرون وهي النخبة التي تسيطر على الجهازين الإداري والسياسي الخاضعين للسلطان (أو للملك فيما بعد) بصفته أمير المؤمنين ورئيس البلاد. أنظر: José M. González Riera, “Des années de plomb au 20 février. Le rôle désorganisations des droits humains dans la transition politique au Maroc”, Confluences Méditerranée, 2011/3 No78,  p. 45. من اجل ضمان السيطرة على السلطة وبناء مؤسسات دولة ما بعد الاستعمار والنظام الملكي.

ونشأت العصبة من بين صفوف حزب الاستقلال-3حزب الاستقلال هو أحد أقدم أحزاب المغرب. وبعد أن ترسخ وجوده وانتشر عبر المملكة تحول من مطالبة إدارة الحماية الفرنسية بإجراء إصلاحات إلى المناداة باستقلال البلاد في يناير 1954. وشارك الحزب ذي الأيديولوجية الاستقلالية الإسلامية المحافظة بعد استقلال المغرب في عدة حكومات، وفي مرحلة "الانتقال الديمقراطي" شارك في الكتلة الوطنية التي تشكلت سنة 1992 جنبًا إلى جنب مع حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والاتحاد الوطني للقوات الشعبية وحزب التقدم والاشتراكية ومنظمة العمل الديمقراطي، ثم شارك في حكومة "التناوب التوافقي" سنة 1998. أنظر الموقع الرسمي للحزب:  http://istiqlal.info/a/تاريخ%20الحزب/  وكذلك انظر محمد ضريف، "الأحزاب السياسية المغربية"، منشورات المجلة المغربية لعلم الاجتماع السياسي، 1993، ص. 200 أقدم الأحزاب المغربية والذي طالما مزج بين أيديولوجية وطنية وتوجه إسلامي عروبي محافظ- لأسباب عملية بالدرجة الأولى، حيث وجد عدد من المناضلين السياسيين أنفسهم معتقلين تعسفيًا دون أي دفاع يضمن أدنى حقوقهم السياسية أو القضائية- كان بين المعتقلين على سبيل المثال أنيس بلفريج وهو ابن أحمد بلفريج أحد قيادات حزب الاستقلال والمستشار الخاص للملك.4Marguerite Rollinde, “Les associations des droits de l’homme au Maroc : entre adhésion nationale, appartenance politique et engagement citoyen”, les cahiers du CRASC, n°5-2002, p. 128. وما زال هذا الارتباط قائمًا على الصعيد الأيديولوجي  كما أن عددا من قيادات وأطر حزب الاستقلال هم من بين أطر العصبة والتي أيضًا تشير بين قوانينها لوجود مرجعية إسلامية للعمل الحقوقي.5ينص الفصل الثالث من قوانين العصبة على أنها تسعى إلى نشر وتعميم مفاهيم مبادئ حقوق الإنسان وحرياته الأساسية في جميع أصولها ومصادرها كما نص عليها الإسلام وأكدها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمعاهدات الدولية والعربية. وتأثرت العصبة بعلاقتها بحزب الاستقلال، وصراعاته، ولم تنتقد الانتهاكات الحادة التي وقعت خلال تلك السنوات بقوة.6González Riera, op. cit., p. 36.

وقفت بعض تلك الأحداث والعوامل السياسية أيضًا وراء تأسيس الجمعية المغربية لحقوق الإنسان في 24 يونية 1979. ولم تسلم الجمعية بدورها من المتناقضات والانقسامات التي اعترت حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الذي تأسست الجمعية بمبادرة من بعض أعضائه.7تأسس حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في يناير 1975، متبنيًا أيديولوجية "الاشتراكية العلمية" وداعيًا لاعتماد استراتيجية شاملة من "أجل تشييد مجتمع وحضارة اشتراكية مطابقة لخصوصية شعبنا". أنظر: محمد ضريف، مرجع سبق ذكره، ص. 263. وكانت أهم المحطات السياسية التي شارك فيها الحزب تقلده لمنصب الوزير الأول في حكومة "التناوب التوافقي" سنة 1998 في شخص الكاتب الأول عبد الرحمان اليوسفي. وتضاءل تأثير الحزب في السنوات الأخيرة حتى أنه لم يحصل في الانتخابات التشريعية الأخيرة عام 2016 سوى على 20 من 395 مقعدًا. فقد كان الحزب يواجه تحديات سياسية داخلية ورغب في أن يدخل مجال العمل الحقوقي من أجل تقوية شرعيته كحزب يساري وفي إطار منافسته مع حزب الاستقلال.8Gandofli, op. cit., p. 10.

ورغم نشأة هاتين المنظمتين في السبعينيات إلا إنها ظلت مكبلة بسبب استمرار النظام الحاكم في سياسات القبضة الحديدية الأمنية الصارمة التي انسحبت على مدافعي حقوق الإنسان بدورهم. وتزايدت حالات الاعتقال والاختفاء القسري لعدد من الفاعلين السياسيين مما عرض المغرب لانتقادات دولية حيث واصلت حركة حقوق الإنسان في أنحاء العالم بروزها كفاعل مستقل رغم أنه جرى أحيانًا توظيفها أو توظيف الانتهاكات الواقعة بالفعل في الصراع السياسي الدولي وفي مناخ الحرب الباردة.

وبدأ فضح انتهاكات حقوق الإنسان في السبعينيات أيضًا على يد المهاجرين المغاربة والفرنسيين المتعاطفين الذي سعوا لتنبيه الرأي العام الفرنسي لوضع حقوق الإنسان المذري في المغرب. ولم تسفر هذه الحملات التي قام ببعضها جمعية الدفاع عن حقوق الإنسان في المغرب بعد إنشائها في 1984 عن أي تغيير يذكر بسبب الدعم الحكومي الفرنسي للنظام المغربي. ولكن مع مرور الوقت وتسرب رسائل وأوراق من داخل معتقلات المغرب الرهيبة وفرار أبناء الجنرال السابق محمد اوفقير في 1987 تزايد اهتمام الصحافة الفرنسية والدولية بأوضاع حقوق الإنسان في المغرب.9بيير فيرموريين، تاريخ المغرب منذ الاستقلال، ترجمة: عبد الرحيم زحل، الرباط: أفريقيا الشرق (2014) ص 173-174

ولكن داخل المغرب لم تتمكن العصبة والجمعية من القيام بعمل فعلي وواسع ومؤثر على الأرض حتى عام 1988 بسبب القمع الشديد لكل الأنشطة المعارضة سياسية كانت أو حقوقية حتى أواخر الثمانينيات. وعلى سبيل المثال تعرض مناضلو الجمعية المغربية لحقوق الإنسان لحملة اعتقالات في مايو 1983 وحتى يناير 1984 على خلفية عدد من المظاهرات والتي أدت بدورها إلى اعتقال العديد من المناضلين السياسيين. وجاءت هذه الاعتقالات بعد أن تكاتف قسم من اليسار مع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وطالبت الجمعية لأول مرة في عام 1983 بفضح ما كان يجري من انتهاكات جسمية وتعذيب ومعاملة سيئة للمعتقلين في تازمامرت.10Rollinde, op.cit. p. 127, 167.

ورغم هذه الضغوط، وربما نسبيًا بسببها، شهد عام 1988 ولادة ثالث منظمة حقوقية مهمة في المملكة وهي المنظمة المغربية لحقوق الإنسان. وجرى تنسيق متزايد بين العصبة والجمعية كرد فعل على خلق المنظمة المغربية لحقوق الإنسان، حيث تشككا في ضرورة ودوافع إنشاء مؤسسة حقوقية ثالثة في وقت تعجز فيه المنظمات القائمة بالفعل عن العمل. وارتفعت أصوات تدعي أن خلق المنظمة يدخل في إطار حسابات سياسية وأن الدولة قد خلقتها للحد من تأثير العصبة والجمعية، ومن خلالهما تأثير حزبي الاستقلال والاتحاد الاشتراكي، خاصة وأن الأحزاب أصبحت تعتمد على الجمعيات الحقوقية جزئيًا لإيصال صوتها إلى الشارع. وأنشأ المنظمة عدد من الجامعين المستقلين يتقدمهم رجل القانون عمر عزيمان وأعضاء من أحزاب يسارية (الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية) ولكن عزيمان سرعان ما استقال من المنظمة بسبب مساعي الأحزاب للتحكم في المنظمة التي لم يتعد عدد مناضليها في ذلك الوقت 150 عضوًا مقابل آلاف الأعضاء في الجمعية المغربية لحقوق الإنسان "ذات المنحى الراديكالي".11  Ibid., p. 174.

ولكن المنظمة انخرطت مع بقية الحركة الحقوقية بعد ذلك ووقعت مع جمعية هيئات المحامين والعصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان، والجمعية المغربية لحقوق الإنسان وجمعية الحقوقيين المغاربة على الميثاق الوطني لحقوق الإنسان في سنة 1990، وشاركت أيضًا في الائتلاف الوطني الحقوقي الذي ضم حوالي 22 هيئة حقوقية مستقلة للتوقيع على نفس الميثاق بعد تجديده في 12 ديسمبر 2013. ويُنص الميثاق على النضال المشترك من أجل ملاءمة الدستور المغربي مع القوانين والعهود الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، ورفع جميع التحفظات المرفقة بالمعاهدات الدولية، وكذا ملاءمة التشريع الوطني مع القوانين والعهود الدولية، والإقرار بأسبقية القانون الدولي على القانون الوطني، كما طالب باستقلال القضاء، وضمان حرية المعتقد والرأي وغيرها من الحقوق.12ياسر أروين، "شبكة أندلس تنفرد بنشر نص مشروع الميثاق الوطني لحقوق الإنسان المحين"، مغرس، 20 أكتوبر 2013، متاح على is.gd/ctzbZx إلا أنه ومع اختلاف الرؤى بين الهيئات الخمس التي صادقت على الميثاق سنة 1990، واختلاف المشروعات المجتمعية المتمثلة في عدد من المطالب المرتبطة بهذه المرحلة الزمنية والتي تحقق جزء منها بالفعل خلال العامين التاليين،13خديجة رياض، "قراءة في مشروع الميثاق الوطني لحقوق الإنسان"، طنجة 24 نوفمبر 2013، متاح على is.gd/ps0H2R ومن المطالب التي تحققت جزئيًا إطلاق سراح بعض المعتقلين، والمصادقة على عدد من الاتفاقيات الدولية كاتفاقية مناهضة التعذيب، اتفاقية مناهضة كل أشكال التمييز ضد المرأة، واتفاقية حقوق المهاجرين، إضافة إلى إدراج الدولة لمفهوم حقوق الإنسان في التعديل الدستوري لسنة 1992. لم تنمو وتتزايد مساعي وأعمال التنسيق بين مكونات الحركة الحقوقية المختلفة. وساهم في هذا أيضًا تباين المواقف السياسية للأحزاب التي نشأت في كنفها بعض مكونات هذه الحركة.14González Riera, op. cit., p. 37.

وكانت الحكومة قد بدأت في الإفراج عن معتقلين سياسيين في مايو 1989 وبدا أن النظام الملكي مستعد لانفتاح محسوب في مجال الحريات وخصوصًا مع تصاعد الضغوط الدولية مع نهاية الحرب الباردة وتسرب أوراق ومستندات ونشر كتب تفضح الممارسات المرعبة في سجون ومعتقلات المغرب في سنوات الرصاص.15تشير "سنوات الرصاص" إلى الفترة التاريخية التي امتدت من بداية الستينيات مرورًا بالسبعينيات وحتى التسعينيات. وقد شهدت هذه المرحلة من تاريخ المغرب ارتكاب أجهزة الأمن لانتهاكات منهجية جسيمة للحقوق المدنية والسياسية واستعمال أساليب تعذيب وحشية والإخفاء القسري للمعارضين والمشتبه بهم، والسجن دون محاكمة، وغياب ضمانات المحاكمات العادلة. ولكن حرب الخليج في عام 1990 عطلت عملية الانفتاح السياسي وتم إيكال مشكلة الألاف من ضحايا القمع إلى المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان الذي تأسس في نفس العام. واقتصرت الخطوات الحكومية التالية على إجراءات قانونية في مجال الحقوق مثل تضمين مفهوم حقوق الإنسان في الدستور الرابع الذي أُقر في عام 1993 وإنشاء وزارة لحقوق الإنسان في نفس العام تولاها رجل القانون عمر عزيمان. وقامت هذه الوزارة بأول خطوة في محاولة لجبر أضرار الماضي عن طريق صرف نفقة شهرية خمسة آلاف درهم لقدماء معتقلي تازمامرت ولكنها لم تلبث أن ألغت هذه النفقة عام 2000.16فيرموريين، مرجع سابق، ص 179-180.

ومع تولي حكومة "التناوب التوافقي"17في هذه الفترة كان خطاب حقوق الإنسان مهيمنًا على صعيد دولي وتنامي دور المنظمات الدولية غير الحكومية مثل هيومان رايتس ووتش والعفو الدولية في الضغط على الدول. وتبنى الملك الحسن الثاني سياسة أكثر انفتاحًا من ذي قبل، قام معها بإطلاق سراح السجناء، وخلق آليات لمراقبة حقوق الإنسان كالمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، وإنشاء وزارة حقوق الإنسان، وتأسيس حكومة التناوب، وهي الحكومة التي تأسست سنة 1998 بعد أن ضمن الملك قيام هذه التجربة السياسية القائمة على التداول على السلطة بين كتلتين سياسيتين، بحيث تم ترأسها أولًا من قبل زعيم الاتحاد الاشتراكي الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي، مع احتفاظ القصر بسلطة فوق السلطات تشمل رئاسة المجلس الوزاري والموافقة على الوزراء وتعيين الوزراء السياديين إلى جانب سلطات أخرى تقوض تمامًا مبدأ الفصل بين السلطات وتجعل الملك فوق السلطات فعليًا. انظر كريم المرزوقي، "هل سلطان ملك المغرب فوق كل السلطات؟" الترا صوت، 4 نوفمبر 2016، متاح على is.gd/N9jS2k سنة 1998 كان من المأمول أن يظهر للوجود نظام سياسي برلماني قائم على صراع سياسي فعلى حيث تمثل الكتلة الفائزة في الانتخابات الأغلبية وتشكل حكومة، في حين تقوم كتلة الأقلية بدور المعارضة، إلا أن هيمنة القصر على العملية السياسية وفشل الأحزاب في التكتل خلف برنامج سياسي عريض حالت دون نجاح هذا الانتقال المحكوم من أعلى ولذا بات عنوان التحول السياسي في المغرب "التناوب التوافقي" عوضًا عن أن يكون تحولًا ديمقراطيًا حقيقيًا.

وخلال هذه التجربة السياسية تغيرت طبيعة العلاقة التي تربط بين المجتمع المدني والأحزاب السياسية "تغيرًا جذريًا"،18González Riera, op. cit., p. 38. ذلك أن الجمعيات خاب أملها نسبيا في الأحزاب التي كانت تلعب من قبل دور المعارضة، ثم صارت في قلب التفاعلات السياسية التي تؤطرها الدولة، وتحول اهتمامها عن قضايا الحريات والحقوق بالدرجة الأولى لتركز على ملفات اعتبرتها أهم من الناحية السياسية والإدارية. ومما زاد من الشقاق تخبط حكومة "التناوب" في عدد من الملفات، من قبيل التشغيل، والتغير المفاجئ لخطاب الاتحاد الاشتراكي بعد وصوله إلى السلطة التنفيذية، وكذلك تنازل معارضة الأمس عن مطلب التعديل الدستوري الذي لطالما نادت به، والمتمثل بشكل أساسي في التطبيق الفعلي لمبدأ فصل السلطات، وخاصة دعم استقلال السلطة القضائية، إضافة إلى تعزيز اختصاصات البرلمان وضمان النزاهة في الانتخابات، واكتفائها بتعديلات من الدرجة الثانية مثل تقوية اختصاصات مجلس النواب وسلطات الوزير الأول.19مجلس النواب هو الغرفة الأولى من البرلمان المغربي المعتمد على نظام الغرفتين، وتعتمد على الانتخاب المباشر من طرف المواطنين المغاربة. وتسبب كل ذلك في ابتعاد حزب الاتحاد الاشتراكي تدريجيًا عن المجتمع الحقوقي. ونظرت الجمعيات، وخاصة الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، إلى أحزاب "الكتلة الديمقراطية" على أنها مجرد واجهة شكلية. وكان للعلاقة القوية التي حافظت عليها المنظمة المغربية لحقوق الإنسان مع الحكومة، أثر في إلقاء ظلال من الشك حول استقلالها عن قرار التيار السياسي الراعي لها، مما أدى إلى ضعف أنشطتها وتأثيرها وخروج عدد من الأعضاء منها.20González Riera, op. cit., p. 38

وعمومًا عانت الحركة الحقوقية من تأثير النزاعات السياسية السائدة في الأحزاب، بحيث بدا وكأن الجمعيات الحقوقية أحيانًا ليست إلا ناطقة باسم الأحزاب، وخاصة بعد موجة اعتقالات طالت أعضاء حزب الاتحاد الاشتراكي على الخصوص. واتفق اليوسفي، في مقابلة معه في مقر حزب الاتحاد الاشتراكي سنة 1995، مع هذا التحليل مجادلًا بأنه كان من الضروري إيجاد من يدافع عن ضحايا الاعتقالات، والاهتمام بأسرهم، على اعتبار أن ذلك كان من مهام حركات المعارضة، وهي مهام تتجاوز الملفات السياسية إلى تقديم خدمات قانونية واجتماعية تطلبت خلق بنية متخصصة. وترى رولاند أن هذا التصريح يوضح المهام الرئيسية التي سعت القيادات السياسية في الأحزاب لوضعها على عاتق جمعيات حقوق الإنسان في هذه المرحلة، كما يؤكد العلاقة بين الجمعيات والأحزاب السياسية، وإن لا يعني هذا أن الجمعيات والأحزاب كانوا في علاقة زبائنية محضة أو أن كل طرف لبى توقعات الآخر.

كانت الخيارات القائمة أمام المناضلين السياسيين -على الأقل أولئك الذين أفلتوا من السجون– تتلخص بين الاختفاء أو الهجرة أو الدخول في تنظيمات طابعها العلني غير سياسي. واختار عدد منهم، وخاصة المنتمون إلى التيار اليساري الماركسي ميدان حقوق الإنسان، ربما في أحيان كمجرد باب خلفي للعودة للمجال السياسي.21Rollinde, op. cit., p. 130.  وبمعنى أخر فقد شكل مجال حقوق الإنسان قاعة للانتظار بالنسبة لبعض هؤلاء المناضلين للعودة للسياسة. وبينما يمكن النظر لهذا الجمع بين العمل الحقوقي والمشروعات السياسية على إنه من بين مثالب الحركة الحقوقية بالمغرب، يري بعض الحقوقيين مثل أحمد الهايج رئيس الجمعية المغربية لحقوق الإنسان الأمر كله بطريقة مختلفة مشيرًا على سبيل المثال إلى الطريقة التي يتم بها توزيع الحصص التمثيلية على الأحزاب السياسية في المكتب المركزي للجمعية بطريقة تعكس التنوع السياسي داخل الجمعية وأن وجود أو عدم وجود فاعلين منتمين إلى تنظيمات سياسية داخل الجمعية لا يضر باستقلاليتها حيث أن هذه التنظيمات لا تتفق كلها على نفس الرؤى والمواقف طالما لم يكن تنظيما واحدا يسيطر على الجمعية.22حوار للسيد أحمد الهايج مع السيد حميد مهداوي على اليوتيوب، بدون تاريخ، متاح على www.youtube.com/watch?v=srmfS7ZvPTc ولكن الجمعية لا شك تخضع اكثر لنفوذ مجموعة متنوعة من اليسار المغربي.

وفي أواخر التسعينيات بدأت محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات الحقوقية الجسيمة التي عرفتها "سنوات الرصاص" في المغرب، خاصة بعد تأسيس منتدى الحقيقة والإنصاف في 1999 على خلفية الاحتجاجات التي أثارتها كل من المنظمة المغربية لحقوق الإنسان، والجمعية المغربية لحقوق الإنسان ومن خلالها العصبة المغربية لحقوق الإنسان بحكم التنسيق القائم بينها، إضافة إلى الضغوط الخارجية التي مارستها المنظمات الدولية مثل العفو الدولية والفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان والعصبة الفرنسية لحقوق الإنسان طوال سنوات التسعينيات.23Malika Hadda, “Lecture le mouvement marocain pour les droits de l’homme entre consensus national et engagement citoyen”, Confluences Méditerranée, 2004/4 (N°51), p. 87. وبعد ذلك أسست الحكومة هيئة التحكيم المستقلة في عام 1999 وهيئة الإنصاف والمصالحة في 2004 بمثابة استجابة للاحتجاجات التي أثارتها الجمعيات، وإن لم تنفذ الدولة التوصيات الواردة في التقرير النهائي لهيئة الإنصاف والذي تم نشره في 2006. وانقسم المجتمع الحقوقي بعد صدور تقرير الهيئة بين من يعمل على التنسيق مع الدولة مثل المنظمة المغربية لحقوق الإنسان، وبين الذين فضلوا أن يواصلوا مواجهة النظام مثل الجمعية المغربية لحقوق الإنسان ومنتدى الحقيقة والإنصاف.24González Riera, op.cit., p 39.

وبدا أن التنازلات التي قدمها النظام بعد 1998 هي استجابة بطيئة وتدريجية لمطالبات قوى مجتمعية ولكن مع استمرار استراتيجية المخزن الهادفة لتدجين الجمعيات المدنية الأهلية عمومًا سواء المعنية بتقديم الخدمات أو تلك المنخرطة في الدفاع عن ومناصرة الحقوق وإصلاح السياسات المختلفة.25وترجع جندولفي Gandolfi تأخر تأثير المجتمع المدني المغربي عمومًا حتى بداية التسعينيات إلى الاستراتيجيات التي كان المخزن يستغلها من أجل تدجين المجتمع المدني وفشل فاعلي في المجتمع المدني في انتزاع مساحة حركة كافية ومسافة نقدية من "المخزن" يتحقق بها استقلاله، حتى لو نسبيًا. بينما يعتبر عبد الله حمودي أن المجتمع المغربي تطور بسرعة تفوق سرعة تطور النخب مما نشأ عنه حالة من نضوج مجتمعي لا يرافقها اكتمال مؤسسي أو كما أطلق عليها "المأسسة غير المكتملة". (Gandolfi في مرجع سبق ذكره، ص 5 ونجح النظام في هذا نسبيًا في مواجهة الجمعيات الحقوقية رغم أن الأمر يتعلق بهيئات منظمة وبعضها تحوز دعمًا سياسيًا ناجمًا عن انخراط الأحزاب الوطنية في نشأة هذه الجمعيات ورعايتها. ويمكن القول بأن هذه العلاقة بين الحركة الحقوقية والأحزاب والتي شكلت من ناحية مصدر قوة للحركة على مستوى شرعيتها الوطنية، كانت هي نفسها أيضًا مصدر ضعف بالنسبة لها على مستوى علاقتها مع السلطة. فلم ير النظام في الجمعيات الحقوقية سوى آلية جديدة من آليات مواجهة الدولة من جانب الأحزاب السياسية التي تقف ورائها ونظرًا لطبيعة مطالبها المنصبة على الحقوق الأساسية المرتبطة بالوضع السياسي آنذاك. ولم يرغب النظام في الوفاء بعديد من هذه المطالب من منطلق رؤيته لكيفية وسبيل بناء دولة ما بعد الاستعمار عن طريق إقامة سلطة مركزية حازمة.

وواجه العمل الحقوقي تحديًا أخر تمثل في نظرة قطاع من المجتمع المغربي إليه بصفته يتعارض مع بعض مبادئ الدين الإسلامي حيث يعتمد العمل الحقوقي عادة على كونية حقوق الإنسان ويستند في شرعيته على نظم وقوانين دولية وينظر إلى دعاوي الخصوصية الثقافية في الأغلب بصفتها مجرد حجج يستغلها المستفيدون من انتهاك حقوق الإنسان في النظم المحافظة والمجتمعات الأبوية. وكان هذا أمرًا حساسًا للغاية في بلد مثل المغرب توظف فيه الدولة ذاتها فهمًا معينًا ومحددًا للدين من أجل دعم شرعية النظام، وتعين على الأحزاب التي تسعى للحفاظ على وضعها القانوني أن تقبل هذا الفهم وتلك الشرعية الدينية الممنوحة ذاتيًا للمؤسسة الملكية، حيث صارت معارضة هذه "الشرعية الدينية" جريمة ضد أمن الدولة.26Hadda, op.cit., p. 84. وما زال هذا التوتر يؤثر بشكل ما على العلاقات المتقاطعة بين الفاعلين الحقوقيين والدولة والمجتمع. ومن هذا المنطلق اكتسب إنشاء منتدى الكرامة في يونية 2005 انطلاقًا من مرجعية إسلامية أهمية خاصة ولا سيما فيما يتعلق بالموائمة بين هذه المرجعية وكونية وشمولية حقوق الإنسان. وكان بين أهداف المنتدى المعلنة نشر ثقافة حقوق الإنسان وتعميق الوعي بكرامته، ونشط في تناول الملفات التي يروج بصددها جدل كبير في الوسط الحقوقي، من قبيل تحديات التمويل والحوكمة والعلاقة مع النقابات والحقوق الاقتصادية والاجتماعية وكذلك تحديات الشبكات الجديدة وعدم حصولها على الحق القانوني في التنظيم. ولكن منتدى الكرامة لم يقدم حلولًا صريحة وناجعة للتناقض الرئيسي الذي يواجه معظم الفاعلين الحقوقيين المنطلقين من مرجعية إسلامية وهي التناقض القائم بين خصوصية فهم معين وشائع للإسلام في المغرب وكونية حقوق الإنسان وخاصة في القضايا التي تتعلق بالمساواة بين الرجل والمرأة (ومنها الزواج والميراث، الخ) والحقوق الجنسية الفردية.

ومس هذا التناقض ذا الجذور الاجتماعية والسياسية حركات حقوقية مقابلة مثل حركة "مالي" أو الحركة البديلة من أجل الحريات الفردية" والتي تأسست في سبتمبر 2009 وتمسكت بكونية وشمولية الحقوق وركزت على حقوقٍ فردية مثل حرية العقيدة وحرية الممارسات الدينية. وتأسست مالي على يد زينب الغزوي وابتسام لشكر بهدف تغيير عدد من الفصول الواردة في القانون الجنائي المغربي بدعوى أنها تحد من الحريات الفردية للمواطن، وخاصة الفصل 22227كلمة "مالي" العربية هي ترجمة حرفية للكلمة (MALI) وهي الاختصار الفرنسي لاسم الحركة بالفرنسية "LeMouvement alternatif pour les libertés individuelles". ساندت "مالي" حقوق المثليين التي نادت بها حركات أخرى مثل "كيف كيف" وذلك بنشر صورة لكل من زينب الغزوي وابتسام لشكر المؤسستين للحركة، وقد كتب على الصورة "لسنا مثليات لكننا ندعم المثليين"، مشاركة في الحملة التي انطلقت في شهر مايو من سنة 2014 والتي تستهدف إلغاء الفصل 489 من القانون الجنائي والذي يجرم العلاقات المثلية. ولم تلق قبولًا حتى من بعض المثليين أنفسهم على اعتبار أنهم رفضوا أن يتم التشبه بهم أو تكريس صورة نمطية لهم من أجل الدفاع عنهم. أنظر شبكة أندلس الإخبارية،"حركة مالي تتضامن مع المثليين بالمغرب"، 17 مايو 2017، ومتاح على  is.gd/CHzsUt الذي يجرم الإفطار عمدًا وجهرًا في نهار رمضان. وواجهت الحركة معارضة حادة من طرف ناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي، بزعم أنها تسعى "لتخريب المعتقدات الدينية للمسلمين المغاربة". وواجهت مؤسسة الحركة اتهامًا أنها تتلقى أموالًا من الخارج من أجل التأثير على الحياة الدينية والسياسية للمغرب، مع انتقادات لأحد مؤسسات الحركة بعد تصريحها أنها ملحدة وبأن الدولة المغربية تجبرها بالقانون القائم على أن تتصرف كمسلمة.28مقطع منشور بدون تاريخ على موقع يوتيوب بعنوان "شاهد ما قالت إبتسام لشكر عن رمضان والإسلام والحرية الجنسية والإجهاض – عاجل وخطير"، بدون تاريخ، متاح على  www.youtube.com/watch?v=DJdJNkRnHc بيّد أن بعض المحسوبين على التيارات الإسلامية يتفقون مع حركة مالي على تغيير الفصل 222 على اعتبار أن الدولة لا دخل لها في نية الناس وفي عقائدهم.[29]

لقد أسس الانفتاح السياسي الذي بدأ في أخر سنوات حكم الحسن الثاني وتعمق بعد تولي الملك محمد السادس مقاليد الحكم في أغسطس 199929يتحدث محللون عن انفتاح سياسي مُراقب.  أنظر: لاستراتيجيات مختلفة من جانب الدولة في التعامل مع موضوع حقوق الإنسان. وترافق هذا الانفتاح مع تحولات اجتماعية، مكنت فاعلين متمايزين في المجتمع المغربي (جمعيات، ونقابات عمالية، وفاعلين أفراد، الخ) من لعب أدوار ومهام جديدة. إلا أن كل ذلك لم يمثل قطيعة واضحة مع العديد من الممارسات الإدارية المرتبطة بالدولة التقليدية، والتي قد تتجسد في بطء الإجراءات (ما يعرف بالمساطر في المغرب) وتعقدها، والمعاملة السيئة من طرف بعض المسؤولين الإداريين تجاه المواطنين، والتي عكست بشكل ما ربما في المطاف الأخير نظرة هؤلاء المسؤولين والدولة الى افراد الشعب بصفتهم رعايا وليسوا مواطنين. ورد المواطنون بالمثل حيث تواترت سلوكيات اجتماعية عكست عدم احترام القوانين والأنظمة والاستخفاف بالأجهزة وإهانة بعض الموظفين، بما يوحى بعدم التعامل بجدية مع الدولة وما تمثله من سيادة للقانون واحتكار لأدوات العنف.

وهكذا صارت الدولة والمجتمع أمام معضلة تطور تاريخي تهتم فيها الأولى بتحقيق مطلب الأمن والنظام بما يتلاءم وحماية أسس الدولة بينما يهتم الطرف الأخر أكثر بالحقوق الفردية والجماعية، وبينهما كانت تتبدل الوسائل والآليات المادية والقانونية والبشرية الكفيلة بتحقيق حل وسط بين هذه المطالب المتصارعة والتي تدور في سياق أوسع من الحدود الميدانية والمعيارية (اقتصادية وثقافية على سبيل المثال) يؤثر على الخيارات الممكنة والمتاحة أمام كل الأطراف وخاصة في ضوء التعارضات الأيديولوجية والمصالح المادية التي تنوعت بين القصر والأحزاب، والحركات السياسية، والاجتماعية، وسط اعتبارات إقليمية ودولية متغيرة.

لقد كان الصراع في البداية ومباشرة بعد الاستقلال، صراعًا سياسيًا محضًا بين كل من المؤسسة الملكية آنذاك، والتي كانت تسعى لإرساء دعائم الدولة الحديثة كما تراها، وبين الحركة الوطنية وخاصة تلك المتأثرة بالأيديولوجية اليسارية، والتي كانت تطمح بدورها إلى خلق نظام للحكم يتلاءم وأفكارها المتعارضة في بعض الأحيان مع المصالح المادية والتوجهات الأيديولوجية الإسلامية للمؤسسة الملكية، حيث لم يكن الملك رئيس دولة حديثة وحسب، بل كان في نفس الوقت سلطان البلاد وأمير المؤمنين. وبغض النظر عن الإنجازات المؤسساتية التي ميزت عهد الملك الراحل الحسن الثاني،30وقد امتدت هذه الإنجازات عمومًا على مدى مرحلتين: الأولى في عهد الملك محمد الخامس، وتتعلق ببناء الدولة من الناحية المؤسساتية مباشرة بعد الاستقلال من قبيل تأسيس القوات المسلحة الملكية وجهاز الأمن الوطني سنة 1956 إضافة إلى مجموعة من القوانين كقانون المسطرة الجنائية سنة 1959، قانون الحريات العامة 1958، والقانون الانتخابي سنة 1959. والثانية في عهد الملك الحسن الثاني حيث تأسس المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان سنة 1990، وصدر عفو ملكي سنة 1991عن حوالي 300 من المختطفين والسجناء السياسيين، وجرت مراجعة للدستور سنة 1992 تم فيها النص على أن المغرب يتبنى حقوق الإنسان كما هو متعارف عليها دوليا، والمصادقة على إتفاقيات دولية أساسية خاصة بحقوق الإنسان سنة 1993، وخلق وزارة لحقوق الإنسان سنة 1993، وخلق المحاكم الإدارية سنة 1994، ثم إطلاق حوار سياسي من أجل تأسيس حكومة ديمقراطية منتصف التسعينيات. وإمكانيات الإنفتاح الديمقراطي المشروط التي أتاحها في سنوات نهاية عهده وخاصة مع "حكومة التناوب"، إلا أن النظام السياسي السائد ضمن استمرار تمتع القصر بسلطات واسعة واضفاء ستار من الغموض على السياسات الخاصة بالمالية والخزانة والتشغيل والحقوق المدنية والسياسية.31Gandolfi, op.cit., p 4.

ويظل أن الانتقال أو التحولات السياسية32كانت هناك تحولات حقوقية إيجابية على الصعيدين القانوني والمؤسسي في السنوات الأولى من عهد الملك محمد السادس مثل التعديلات بين سنوات 1999 و2002 في قانون الحريات العامة، وقانون المسطرة الجنائية، وقانون الشغل، إضافة إلى المصادقة على أربع اتفاقيات دولية سنة 2000 منها اتفاقية حقوق الطفل، وخلق ديوان المظالم والمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، وتأسيس هيئة الإنصاف والمصالحة في السنوات الأولى من العقد الماضي. أنظر: Belkouch, op. cit., p. 42. كانا ضرورة في عهد الملك محمد السادس الذي تولى العرش في 1999 استجابة لعوامل زادت من طموحات وتوقعات الشعب المغربي الذي اعتبر بأن عهد الملك الجديد سيأتي بالتغيير بعد أن حكم أبوه 38 عامًا. واكتسب الملك الشاب شعبية تزايدت بعد اعتلائه العرش، ونال حظوة لدى أحزاب المعارضة مع إعفاء وزير الداخلية مرهوب الجانب إدريس البصري من مهامه، وهو الوزير الذي كان وراء سياسات منظمة وأساليب منهجية لانتهاك حقوق الإنسان في العهود السابقة، ثم تغير موازين القوى السياسية المتمثلة مع تنامي شعبية أحزاب المعارضة وما استتبعه من ضرورة إعادة توزيع الأدوار داخل السلطة بين الأحزاب السياسية المعارضة والأحزاب الحاكمة أو تلك المقربة للقصر والتي تعرف بالأحزاب الإدارية.33Gandolfi, op.cit., p. 8. وسنعود لهذه الديناميكيات بتفصيل اكثر في الجزء السادس من هذه الورقة.

ثانيا: الجمعيات المدنية المختصة بتقديم الخدمات

شجعت الدولة على ولادة واستمرار الشق الخدماتي من المجتمع المدني، وذلك على حساب المكون الحقوقي، وخاصة مع تقليص دور الدولة في الخدمات الاجتماعية في إطار برامج إعادة الهيكلة الاقتصادية. وظهر للوجود عدد كبير من جمعيات المجتمع المدني التي تضع الخدمات الاجتماعية ضمن أولوياتها، خاصة في عقد الثمانينيات. وتجلى اهتمام الدولة من خلال التمويل الذي منحته للجمعيات "الخدماتية" بنسبة 80% في حين لم يتجاوز 1.9% بالنسبة للجمعيات الحقوقية حسب إحصائيات تعود إلى سنة 2007.34Mohamed El Hachimi, “Société civile et démocratisation au Maroc. Le grand malentendu”, Institut européen de la Méditerranée, Juin 2014, p. 15. وتعاملت الدولة بإزدواجية واضحة حيث تساهلت مع تأسيس هذا النوع من مؤسسات المجتمع المدني، مقابل التشدد مع الجمعيات الحقوقية أو المنظمات التي يعتقد أنها قادرة على خلق حراك اجتماعي وسياسي. وزاد وقع هذه الاستراتيجية مع إنطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية من جانب الملك محمد السادس سنة 2005 والتي تمخضت عن خلق 40% من الجمعيات الجديدة العاملة في مجال التنمية.35ibid., p. 11.

وتوجهت أغلب موارد هذه الجمعيات إلى محاربة الفقر والإقصاء والهشاشة، وخاصة في الأحياء الشعبية كثيفة السكان،36يوسف سونة، المغرب وحقوق الإنسان والمواطن، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 2002، ص 264. مما أدى إلى نشأة جمعيات الحي التي استفادت من مساعدات كبيرة من الدولة لهذا النوع من الجمعيات الصغيرة والمحدودة الأثر على مستوى السياسة والسياسات. وتناغم هذا التوجه الحكومي مع سعي الملك محمد السادس إلى تحقيق إنجازات اجتماعية. فبالإضافة إلى وراثته لعرش أبيه، ورث الملك محمد السادس أيضًا 2.8 مليون من الفقراء، و5.4 مليون ممن يعانون من هشاشة وضعهم الاجتماعي والاقتصادي37الشخص الذي يعاني من الهشاشة يمكن ان يتحول وضعه الاجتماعي إلى الفقر أو التهميش الاجتماعي بسهولة مع أي اضطراب بسيط نسبيًا في ظروفه الحياتية. ونظرًا للمجهود المتواصل في هذا الصدد، حقق المغرب قفزة نوعية في السياسات الاجتماعية جعلته ينجز نتائج إيجابية أفضل مما سبق في تاريخه. وربما ساهم هذا التحسن النسبي إضافة لقوة القصر وتحالفاته السياسية في جعل الحركات الاحتجاجية إبان "الربيع العربي" أقل حدة في المغرب مقارنة بتونس ومصر واليمن وسوريا والبحرين وليبيا.38Myriam Catusse, “Le « social » : une affaire d'Etat dans le Maroc de Mohammed VI “, Confluences Méditerranée, 2011/3 (N° 78), p. 64.

ثالثا: الجمعيات النسائية

مالت الجمعيات الحقوقية العامة إلى الدفاع عن الحقوق والحريات ومناقشة القضايا ذات الطابع السياسي، الشىء الذي أوغر صدر السلطة عليها، وسعت إلى الحد من آثارها سواء بالطرق المباشرة أو غير المباشرة، بينما تميزت الحركة النسائية عمومًا والجمعيات والاتحادات النسائية بكونها تواجه مقاومة أعقد وأقوى إذ كانت تقود نضالًا في مواجهة حيف نظام اجتماعي كلي، ذلك أن النظام الاجتماعي (بما في ذلك السلطة السياسية) لم يستسغ فكرة المساواة، أو على الأقل رفع التمييز الممارس بشكل منهجي وبطريقة تكاد تكون "طبيعية" ضد النساء

وبغض النظر عن جهود الحركات النسائية في النواحي القانونية والسياسية وحتى الاجتماعية، فإن الدولة مضت قدمًا في إصدار قوانين أثرت على وضعية المرأة في إطار بناء دولة ما بعد الاستعمار وهي: قانون مدونة الأحوال الشخصية (قانون الأسرة حاليًا) 1957، وقانون الحريات العامة سنة 1958،وقانون المسطرة الجنائية سنة 1959، وتأثرت هذه القوانين بنظرة أبوية معينة للمرأة، ومن خلالها الطفل والأسرة كلها، في نظام سياسي يعتبر الدين الإسلامي بفهمه المعين له، والذي تغلب الذكورية عليه، هي مرجعيته الأساسية فيما يتعلق بالأوضاع الشخصية.39Hadda, op. cit., p. 84.

وخاضت الحركة النسائية نضالات متعددة على اصعدة سياسية وثقافية متعلقة بهذه القوانين وفي مقدمتها مدونة الأحوال الشخصية والتي وضعت المرأة في موقع قانوني متدن. واستمرت النضالات النسوية ونجم عنها ظهور عدة جمعيات واتحادات مثل الاتحاد التقدمي النسائي سنة 1962 منضويًا تحت الاتحاد المغربي للشغل اليساري التوجه. وقاد الاتحاد مسيرة ضخمة في شوارع مدينة الدار البيضاء في أول مايو سنة 1962، رافعًا للمرة الأولى في المغرب لافتات تدعو للمساواة بين المرأة والرجل. وعانى النضال النسائي بعد 1965 من جمود ناجم عن الظروف السياسية التي عاشها المغرب طيلة العشر سنوات اللاحقة، وذلك رغم تفاقم المشاكل التي تعرض لها المجتمع وخصوصًا المرتبط منها مباشرة بوضعية المرأة داخل الأسرة مثل الطلاق المنفرد من جانب الزوج والطرد من منزل الزوجية وتزويج الفتيات القاصرات وتشريد الأطفال. وتحلحل الوضع مع قيام  منظمات نسائية بصياغة عدد من المطالب بمناسبة الإعداد للمؤتمر الإستثنائي للاتحاد الإشتراكي في يناير1975.40مؤسسة يطو- المغرب، "تاريخ الحركة النسائية المغربية في علاقتها بمدونة الأسرة"، الحوار المتمدن، عدد 1131/2005. is.gd/bQVokv وفي بداية الثمانينيات ونتيجة للحراك الذي عرفته الساحة السياسية توالت مبادرات رسمية وشعبية من أجل تعديل مدونة الأحوال الشخصية لكن هذه الجهود باءت بالفشل نتيجة لغياب إجماع وطني بين مكونات الحقلين السياسي والديني بالمغرب، إضافة إلى تغييب دور فعاليات المجتمع المدني.41راشد ززاوي، "التطور التاريخي لمدونة الأسرة المغربية"،  14 يناير  2016، متاح على goo.gl/aPXb4j وتأسس اتحاد العمل النسائي سنة 1987 وطالب بتعديل مدونة الأحوال الشخصية بما يشمل المساواة في الإرث، وهو موقف "جرىء"  اعتبرته القطاعات المحافظة في الدولة والمجتمع متعارضًا مع أسس الفقه الإسلامي السائد في المغرب.

وقبيل تعديلات 1993 في مدونة الأحوال الشخصية، والديناميات التي ترتبت عنها، ولدت جمعيتان نسائيتان لعبتا دورًا كبيرًا في تطوير استراتيجية النضال الحقوقي النسوي وهما: الرابطة الديمقراطية لحقوق المرأة التي قادت حملة من أجل أن تشمل مظلة قانون الشغل العاملات في المنازل، والجمعية المغربية للدفاع عن حقوق النساء والتي ركزت على موضوع التحرش الجنسي في أماكن العمل، وهي مطالب حظيت بدعم كبير في حملة حول قضايا المرأة والشغل سنة 1994.42مؤسسة يطو- المغرب، مرجع سبق ذكره.

وانضوت جماعات ضغط في "مجموعة ربيع المساواة النسائي" في 2001 بعد الفشل الذي منيت به الجمعيات النسائية في تعديلها للمدونة، واعتبار تعديل 1993 مجرد تغيير إجرائي لا يتعامل مع جوهر المشكلة.43المرجع السابق. وبعد ذلك بعامين أقر الملك محمد السادس في 2003 تعديلات واسعة في مدونة الأحوال الشخصية.

وبغض النظر عن مدى النجاح الذي حققته الحركة النسائية في تحقيق مطالبها، والتوعية بموضوعات واجهت معارضة من قبل السلطة الحاكمة أو قطاعات مجتمعية تبنت مفاهيم وممارسات معينة بذرائع دينية أو على أساس التقاليد، فإن النتيجة الأهم هي استمرار وتنوع هذه الحركة في بنيتها (جمعيات، اتحادات، الخ)، وفي عملها الذي كانت استراتيجياته ومطالبه، ولا زالت، تتطور مع تبدلات الأوضاع السياسية والمجتمعية.

رابعًا: المنظمات الحقوقية التي تهتم بمؤسسات العدالة

نشأت أول جمعية تسعى لتمثيل كل قضاة المملكة، "رابطة القضاة"، في مايو 1961، وبين أهدافها الرئيسية "العمل على ضمان حقوق أعضائها ومصالحهم واحترام كرامتهم كأعضاء في مؤسسة عليا في البلاد، نشر المثل العليا التي تتمسك بها الرابطة وهي العدل والنزاهة ونكران الذات، والكرامة الإنسانية". وركزت المنظمة في أوج نشاطها في الستينيات على استقلال وتعريب ومغربّة القضاء (الاقتصار على استعمال اللغة العربية في المحاكم والاستغناء عن القضاة الأجانب). وعملت الرابطة بالتوازي وفيما بعد على الدفاع عن حقوق القضاة المهنية والنقابية ودعم استقلال السلطة القضائية وحماية القضاة من تدخلات الأجهزة الأمنية والسعي لإصلاح نظم التعيينات والنقل والانتداب والأجور. وأصدرت الرابطة 22 عددا من مجلة تحمل اسمها حتى عام 1987 واعتنت بنشر المواضيع المتعلقة بالمسائل المهنية والنقابية في الستينيات ولكنها ركزت على القرارات والإجتهادات القضائية المتميزة في الثمانينيات (توقفت المجلة في السبعينيات).44أنس سعدون "رابطة القضاة (1): عندما انتصر القضاة في معركة إقرار أول دستور بالمغرب"، المفكرة القانونية، 2 يوليو 2015، متاح على  www.legal-agenda.com/article.php?id=1165  ولنفس المؤلف، "رابطة القضاة في المغرب"، المفكرة القانونية، 21 يوليو 2015، متاح على  www.legal-agenda.com/article.php?id=1175&folder=articles&lang=ar

واستمرت الرابطة حتى سنة 1989 حين تزايدت الضغوط من جانب الدولة إضافة إلى نشأة صراعات داخلية بين قضاة محاكم الشمال وقضاة محاكم الجنوب على المناصب داخل المكتب الوطني في الرابطة.45عمر بنعيش، "من رابطة القضاة إلى نادي قضاة المغرب""، هسبريس، 21 أغسطس 2012، متاح على www.hespress.com/writers/60923.html وعرقلت وزارة العدل انعقاد مؤتمر الرابطة (الجمعية العامة) حتى عام 1996 حيث جرى تعديل القانون الأساسي للرابطة، وتغيير اسمها إلى "الودادية الحسنية للقضاة"، وانتخاب محمد ميكو رئيسًا لها. وخرج عدد كبير من أعضاء الرابطة منها غير راضين عن الطريقة التي تغيرت بها بنيتها معتبرين بأن هذا التعديل قد أثر عليها سلبًا، وخاصة اشتراط ثلاثين سنة من الممارسة القضائية لتولي المناصب القيادية في الودادية، وذلك لقطع الطريق على القضاة الشباب ولتبقى الودادية في "أيد آمنة" وتابعة للوزارة.46محمد سامي "القضاة المغاربة بين تبعية الودادية واستقلال النادي"، دنيا الوطن، 31 أغسطس 2011، pulpit.alwatanvoice.com/articles/2011/08/31/236358.html

وفي سنة 2002 دعا خطاب ملكي الودادية أن تتأهب للمشاركة في إصلاح منظومة العدالة، وأن تتيح لجميع القضاة المشاركة الفعالة، وأن تجدد نظامها الأساسي بما يكفل لها استيعاب التحولات في المشهد القضائي، وتحديث هيئاتها المسيرة بما يضمن لها تعبئة طاقات جديدة ومنحها المسؤولية. وعقب الخطاب قام أعضاء من الودادية بمعية لجنة من القضاة المنتمين إلى وزارة العدل بتعديل القانون الأساسي، فأصبحت الجمعية العمومية تقترح ثلاثة قضاة ويقوم الملك باختيار رئيس "الودادية الحسنية للقضاة" من هؤلاء القضاة الثلاثة، إلا أن الملك لم يمارس هذا الحق في سنة 2004 أو في سنة 2006 رغم أن الودادية قدمت قائمة بمرشحين ثلاثة للقصر في هاتين المرتين.47بنعيش، مرجع سبق ذكره. ومن غير الواضح لماذا لم يمارس الملك سلطته في أي من المرتين ولكن هذا السلوك يشير إلى عدم رضا من جانب القصر عن طريقة عمل الودادية وعن مصداقية  انتخاباتها لشغل منصب الرئيس. وفي وقع الأمر يعود فشل الودادية أساسًا إلى إجراءات انتخاب قياداتها، حيث أفرزت تشكيلة من القضاة يفوق ولائهم لوزارة العدل (الإدارة المركزية للقضاة) ولائهم للقضاة الذين يقومون بانتخابهم من أجل الدفاع عن مصالحهم المهنية.

ورغم أن القصر لم يقم باختيار رئيس للودادية مرتين على التوالي، مما أثر على أدائها، فقد انتقد خطاب ملكي في مارس 2006 أداء الودادية وطلب منها أن تضطلع بمهامها في الإصلاح وأن تكف عن الصراعات الداخلية، وأن تطور نظامها الأساسي48المرجع السابق. وذلك بعد أن تبين بأنها قد ضعفت لدرجة العجز عن أن تقوم بمهمة تمثيل الجهاز القضائي فعلًا. ولكن المعضلة أن قيام الودادية بتمثيل حقيقي لمصالح الفئة التي تنوب عنها كان سيدفعها إلى الدخول في مواجهات وصراعات عدة مع المؤسسات الأقوى في الدولة التي لا يتمتع فيها القضاء باستقلال حقيقي وتام. ومن ناحية أخرى، عجزت الودادية عن احتواء موجة سخط لدى القضاة نتيجة الصراعات الداخلية الناجمة عن انتخابات غير تنافسية يستغل فيها بعض القضاة (رؤساء ورؤساء أولين، ووكلاء ووكلاء عامين) سلطتهم الأدبية ونفوذهم في المحاكم للسيطرة على هياكل الودادية تحت وصاية وزارة العدل. وصارت الودادية بسبب هذه الوصاية تقترب أكثر من السلطة التنفيذية وتبتعد عن التمثيل الحقيقي لمصالح القضاة.

كانت الودادية ترى أنها المخاطب الوحيد والشرعي للقضاة، إلا أن قانونها الأساسي كان يقصي الشباب.49كريمة مصلي،"400 قاض أسسوا جمعية مهنية بالهواء الطلق"، الصباح، 24 أغسطس 2011، متاح على assabah.ma/20531.html ولعب هذا الإقصاء وتخرج دفعة جديدة من القضاة في 2010 والحراك الاجتماعي في فترة الربيع العربي دورًا في إطلاق صفحة على شبكة التواصل الاجتماعي "فيسبوك" للقضاة، وهي صفحة التف حولها قضاة من كل ربوع المملكة حتى قرر متابعوها تأسيس جمعية "نادي قضاة المغرب".

واجتمع حوالي 400 قاض، كثير منهم من الشباب، من انحاء المملكة في 20 أغسطس 2011، وذلك من أجل حضور الجمعية العمومية التأسيسية الذي كان من المقرر إجراؤه بقاعة المحاضرات بالمدرسة الوطنية للصناعة المعدنية، إلا أنهم وبمجرد حضورهم أمام باب المدرسة، فوجئوا بقرار منعهم من دخولها رغم الاتفاق المسبق معها. وقررت اللجنة التنظيمية إجراء الجمعية العمومية في الهواء الطلق. وقامت اللجنة التنظيمية باجراء عملية الترشح لمناصب رئيس النادي، وأعضاء المجلس الوطني وأعضاء المجلس التنفيذي. وبعد فرز الأصوات حصل على الرئاسة ياسين مخلي مؤسس النادي على شبكة التواصل الاجتماعي "فيسبوك" والقاضي بابتدائية تاونات. وألقى مخلي كلمة بعد انتخابه، قال فيها بأن القضاة طالما راودهم حلم تأسيس جمعية مهنية تمثلهم أفضل تمثيل، وتساهم في إنضاج تجربة استقلال القضاء، وقد تحقق ذلك بفضل المبادرة التي أخذها القضاة بإنشاء صفحتهم على وسائل التواصل الاجتماعي.50المرجع السابق.

وفي المجتمع المدني، تأسست جمعية عدالة في أكتوبر 2005 للعمل من أجل ضمان الحق في محاكمة عادلة، وذلك عن طريق إصلاح القضاء لضمان استقلاليته ونزاهته وكفاءته. وتعمل الجمعية لتحقيق أهدافها عن طريق إنجاز دراسات وتقارير ترصد أوضاع العدالة في المغرب ووضع كتب وأدلة تساعد المشتغلين بالعدالة وخاصة المحامين والقضاة ومساعدي العدالة والمدافعين عن حقوق الإنسان، كما تعمل على متابعة ومراقبة المحاكمات ورصد كل الانتهاكات المتعلقة بالحق في المحاكمة العادلة. وتقدم عدالة مذكرات ومقترحات تعديل قوانين، وإصلاح قطاع العدالة للسلطات المعنية، وتنظم أنشطة تكوينية وندوات وطنية وجهوية بالإضافة إلى موائد مستديرة تهم منظومة العدالة وتتناول القوانين الوطنية والدولية ذات الصلة.51انظر موقع جمعية عدالة على موقع فيس بوك www.facebook.com/adala.justice/

خامسًا: المنظمات الأمازيغية

تبنى المغرب الإسلام كدين رسمي للدولة عقب الإستقلال. وبين انتشار وتجذر لهوية ما عربية إسلامية وسط  قطاعات واسعة من المجتمع بمساعدة وتشجيع الحركة الوطنية الداعية للاستقلال في وجه الإستعمار الفرنسي وقيام النظام الملكي الحاكم على هوية إسلامية يحكم فيها مستندًا على شرعية دينية واجه المدافعون عن مبادئ حقوق الإنسان خطوطًا حمراء كثر كان من الصعب للغاية تجاوزها.52Hadda, op. cit., p. 82. واتُهم المدافعون عن حركة حقوق الأمازيع/البربر قبل الاستقلال بالتعاون مع المستعمر الفرنسي بينما مثلوا عقبة  في وجه مشروع الدولة الوطنية بعد الاستقلال حيث كانت الهوية العربية/الإسلامية أحد مرتكزاتها من أجل الهيمنة وبناء الدولة الوطنية الجامعة.

وفي 1967 تأسست أول جمعية أمازيغية تحت اسم عام غير موحي وهو الجمعية المغربية للبحث والتبادل الثقافي. وسعت هذه الجمعية في البداية للدفاع عن الخصوصية الأمازيغية بطريقة غير مباشرة، بصفتها تسعى للحفاظ على الثقافة الشعبية. وعانت الجمعية من نظرة التيار الوطني السلبية للأمازيغيين بسبب خبرتهم مع سياسات إدارة الحماية الفرنسية الاستعمارية التي سعت للتفريق بين المغاربة من أصول عربية والمغاربة من أصول أمازيغية. واستمر تفادي ذكر المسألة الأمازيغية علنًا في المغرب إلى نهاية السبعينيات، عندما تأسست الجمعية الجديدة للثقافة والفنون الشعبية في أكتوبر 1978 بالرباط، والتي ستعرف فيما بعد بجمعية "تاماينوت". واهتمت هذه الجمعية بالثقافة الشعبية عمومًا، والثقافة الأمازيغية على الخصوص. ثم تأسست الجمعية الثقافية أمازيغ بالربا سنة 1979 وجمعية سوس الثقافية بالدار البيضاء سنة 1980.

ووقعت جمعيات أمازيغية مذكرة حول الحقوق الثقافية الأمازيغية ووجهتها إلى المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان المنعقد في فيينا صيف 1993، إضافة إلى توقيع رسالة وتوجيهها إلى الأحزاب السياسية والحكومة والبرلمان في نفس التوقيت. ونشأ المجلس الوطني للتنسيق بين الجمعيات الأمازيغية بالمغرب في فبراير 1994، ليلعب دورًا كبيرًا في تعبئة الرأي العام الوطني والدولي من أجل التضامن مع معتقلي جمعية "تيليلي" الذين قبض عليهم بسبب رفعهم للافتات مكتوبة بالتيفناغ (الحرف الأمازيغي) في تظاهرة أول مايو سنة 1994.

وتزايد عدد الجمعيات المنضوية تحت لواء الحركة الأمازيغية، وبدأ التفكير في طريقة لتطوير التنسيق بينها، إلا أن المجهودات لم تنجح على صعيد قوم. ويوجد حاليا عدة مجالس تنسيقية تكشف عن الإختلافات بين جماعات الأمازيع المختلفة في المغرب وهي اختلافات جغرافية ولغوية (في اللهجات) بين الشمال/الريف ومناطق جبال الأطلس المتوسطة ومنطقة سهل سوس/ الجنوب، ونظرًا لاختلاف رؤى وحسابات الكيانات الجمعوية الإمازيغية والاختلافات الجهوية (بين الريف والحضر)، وأخيرا نظرا لاختلاف رؤية كل جماعة او مؤسسة أمازيغية لعلاقتها بالدولة وخاصة بعد التنازلات النسبية التي قدمها القصر في أوائل القرن الحالي. ويوجد حاليًا مجلسان تنسيقيان في شمال المغرب هما الفدرالية الوطنية للجمعيات الأمازيغية (تأسست سنة 1998) ولجنة قاضي قدور. وفي الجنوب توجد كونفدرالية الجمعيات المغربية بالجنوب والمشهورة أكثر باسم "تامونت نيفوس"، أما في وسط البلاد فقد قامت تنسيقية أميافا للجمعيات الامازيغية لوسط المغرب.

ويعود جز كبير من الفضل لنضال ونشاط الحركة الأمازيغية في تغيير موقف الدولة وقبولها التدريجي لاستعمال اللغة الامازيغية (التمازغت) في المدارس وانفتاحها النسبي ودعمها للجمعيات الثقافية الأمازيغية وإن لم يمتد هذا بالضرورة لانشطة الجماعات الأمازيغية الأكثر تسييسا والتي دافعت عن الحقوق في الأرض او وضع ضمانات دستورية للحقوق الثقافية). وبدأ تغيّر مؤسسات الدولة في عام 1994 في خطاب العرش الذي القاه الملك الحسن الثاني حيث أكد ان اللغة الأمازيغية جزء من تاريخ وثقافة المغرب مما انفتح معه باب غير رسمي لظهور صحف وجمعيات أمازيغية متعددة بحرية أكبر. وفي 2001 دعم الملك محمد السادس هذا التوجه رسميًا عندما أصدر مرسومًا ملكيًا (ظهير) أسس فيه المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية وفي 2004بدأ تعليم اللغة الأمازيغية (تمازيغت) في المدارس في المناطق ذات الأغلبية الأمازيغية (لا يقل عدد الناطقين بلهجات التمازغت في المغرب عن 26٪ في السكان وفقا لإحصاء 2014 ولكن ربما يصل عدد من هم من أصول أمازيغية الى 40٪ من السكان). وانتقد بعض الناشطين الأمازيغ هذه التحولات الرسمية بصفتها محاولة إستيعاب من جانب الدولة ومحاولة من اجل مقاومة تيارات الإسلام السياسي الصاعدة العابرة للحدود عن طريق تشجيع الهويات المحلية. وزعم هؤلاء النقاد ان المجلس الملكي للثقافة الأمازيغية بموازنته التي تقدر بعشرات الملايين من الدولارات سنويًا كان له تأثير مفسد على النشطاء والجمعيات حيث أنه أضعف المؤسسات الأمازيغية الجهوية والمحلية واستوعب نشطاء أمازيغ في هيئاته مما أبتعد بهم عن الخطاب الحقوقي وأدخلهم في لعبة الحلول السياسية الوسط.53David Crawfor and Paul Silverstien, “Amazigh Activisim and the Moroccan State”, MERIP, Vol. 34 Winter 2004, www.merip.org/mer/mer233/amazigh-activism-moroccan-state

سادسًا: الحركات الاحتجاجية واستراتيجية التفكيك/الامتصاص

واجهت الدولة حركات المجتمع المدني عمومًا، والحقوقية خصوصًا، عن طريق التضييق القانوني أحيانًا والتفكيك (أو الامتصاص) في أحيان أخرى سواء أدى هذا لتبديد المطالب الحقوقية أو نجم عنه تنازلات أقل مما كانت حركات المجتمع المدني تطمح إليه. والمقصود بالتفكيك في هذه الورقة هو السعي لامتصاص الأثر الذي يمكن أن تحدثه الحركات الحقوقية من أجل احتواء وتبديد مشاعر الغضب والاحتجاج. وقد استخدمت الدولة في المغرب هذه الأساليب مرارًا ومن أهم الأمثلة تنازلها المحسوب في مسلسل التناوب "الديمقراطي" الذي صُور على أنه نقلة نوعية نحو الديمقراطية رغم احتفاظ الملك بسلطات واسعة بحيث لم يتبق للوزير الأول سوى العمل على سياسات اجتماعية واقتصادية في حدود ضيقة.54Jean-Noël Ferrié, Baudouin Dupret, « La nouvelle architecture constitutionnelle et les trois désamorçages de la vie politique marocaine », Confluences Méditerranée 2011/3 (N° 78), p.27.

ولكن عادة ما يكون للأفعال السياسية نتائج غير متوقعة كما حدث مع الانفتاح السياسي في المغرب وآثاره على أوضاع حقوق الإنسان والحركة الحقوقية، فقد انتعشت الصحافة في المغرب بقوة في بداية أول عقد في القرن الحالي كما نشرت عدة كتب عن العقود المظلمة في البلاد وحقق بعضها نجاحًا واسعًا مثل مذكرات أحمد المرزوقي الصادرة سنة 2000، "تازمامرت، الزنزانة رقم 10"، والتي باعت نحو 25 ألف نسخة. وخرجت مظاهرة من الحقوقيين في أكتوبر 2000 إلى تازمامرت ووضعوا قائمة بأسماء "الجلادين في النظام السابق وبينهم بعض الضباط الذين كانوا لا يزالون في الخدمة." وسرعان ما أدرك القصر أنه يجب أن يتدخل. وتعرضت الصحافة والمعارضين الإسلاميين والمناضلين الحقوقيين لحملة اعتقالات في أواخر عام 2000 ومُنع الأمازيغ من تشكيل حزب سياسي في يونية 2001. لم تكن المعارضة السياسية والحقوق المدنية هي ما تزعج القصر فحسب لكن الأوضاع الاقتصادية كانت أيضًا تتردى بسبب الجفاف الماحق الذي زاد من وتيرة الاحتجاجات والضغوط الشعبية ومنها الوقفات شبه الدائمة أمام البرلمان في الرباط من جانب حملة الشهادات العاطلين عن العمل رغم تعرضهم للاعتداء المتكرر من جانب قوات الأمن.55فيرموريين، مرجع سبق ذكره، ص 201-204

على مستوى المؤسسات الرسمية

أولى الملك محمد السادس أهمية كبيرة لاحداث قطيعة رمزية وفعلية إلى حد ما مع تركة العنف الذي مارسته مؤسسات الدولة طوال عقود. وبعد نحو عام من توليه العرش تأسست لجنة ملكية لتعويض المعتقلين السياسيين السابقين في أغسطس تحت اسم "هيئة التحكيم المستقلة للتعويض عن الضرر المادي والمعنوي لضحايا أو أصحاب الحقوق ممن تعرضوا للاختفاء القسري والاعتقال التعسفي وعائلاتهم". وتلقت اللجنة التي بدأت عملها في اول سبتمبر 1999 كثر من 11 ألف طلب تعويض ولكنها استبعدت ستة آلاف منها لوصولها بعد الموعد النهائي القصير للغاية والذي حددته بنهاية نفس العام. وأصدرت اللجنة 5488 قرار تحكيم بحلول نهاية عملها في 2003 وقدمت نحو مليار درهم، حوالي مائة مليون دولار، ل 3681حالة. ويظل لعمل الهيئة قيمة رمزية هائلة بصفته إجراء فريد من نوعه في منطقة شمال أفريقيا والشرق الأوسط وبداية القطيعة مع السياسات والإساليب القمعية والانتهاكات المعتادة رغم أنها لم تسمح بتوجيه أي مسؤولية جنائية أو محاسبة فردية أو مؤسساتية. وواجهت الهيئة انتقادات عديدة  أخرى بسبب إنعدام الشفافية والعلانية، والغموض في إجراءاتها، وإعتباطية مواعيدها التي أدت لاستبعاد أكثر من نصف الطلبات، واقتصارها على التعويضات المالية دون النظر بالمفهوم الواسع لعملية جبر الضرر والمحاسبة والعمل على تفادي تكرار الإنتهاكات، كما أنها لم تسمح بوجود آلية للطعن في قراراتها وافتقرت معاييرها للوضوح مما نتج عنه فوارق كبيرة في المبالغ الممنوحة لضحايا الانتهاكات.56عبد الكريم عبد اللاوي، تجربة العدالة الانتقالية في المغرب، مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، سلسلة اطروحات جامعية (10)، 2013، ص 28. وانظر أيضا منظمة العفو الدولية، "الوعد الضائع: "هيئة الإنصاف والمصالحة" ومتابعة أعمالها"، لندن: منظمة العفو الدولية، 2010، متاح على www.amnesty.org/download/Documents/40000/mde290012010ara.pdf  ، وكذلك تقرير المركز الدولي للعدالة الإنتقالية، فيرلا اوبغنهافن ومارك فريمان، "العدالة الإنتقالية في المغرب: تقرير عن تقدم  العمل"، نوفمبر 2005،  ص. 20، ومتاح على www.ictj.org/sites/default/files/ICTJ-Morocco-Progress-Report-2005-Arabic.pdf

وجاءت الخطوة الأهم مع انشاء هيئة الإنصاف والمصالحة في 2004 عقب مصادقة الملك محمد السادس على توصية صادرة عن المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان وذلك من أجل تقصي انتهاكات الماضي الجسيمة ولا سيما ما تعلق منها بالاختفاء القسري والإعتقال التعسفي وضمان ألا تتكرر مثل هذه الانتهاكات، ومواصلة عمل هيئة التحكيم في جبر الضرر والتعويضات الفردية. وفي 30 نوفمبر 2005، وعلى إثر انتهاء فترة عمل  الهيئة، رفع رئيسها إدريس بنزكري تقريرًا ختاميًا للملك وبه مجموعة توصيات من أجل ضمان عدم تكرار الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان بالمغرب تشمل إصلاحات مؤسساتية وخلق استراتيجية وطنية لمناهضة الإفلات من العقاب ودعم التأصيل الدستوري لحقوق الإنسان. وشددت الهيئة على أن توطيد دولة القانون يتطلب إصلاحات في مؤسسات الأمن والعدالة وفي التشريعات.57عبد اللاوي، مرجع سابق، ص. 119، 218-219.

ورغم مرور سنوات عديدة على صدور توصيات الهيئة فلم يتم تنفيذ قسم كبير منها وخاصة ما يتعلق بجبر الضرر الجماعي أو الكشف عن مصير كل المختفين قسريًا أو وضع استراتيجية وطنية لمناهضة الأفلات من العقاب. وشكا حقوقيون مغربيون من أن الغرض الرئيسي لهيئة الإنصاف لم يتحقق وهو خلق ضمانات مؤسساتية وقانونية لعدم تكرار ما حدث خلال عقود القمع الممنهج من جانب الدولة. ولخص عبد الآله بن عبد السلام، عضو الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، مآلات توصيات الهيئة بعد مرور أكثر من عشر سنوات عليها قائلًا: "بدل أن تعمل الدولة على مراجعة سياساتها المتعلقة بحقوق الإنسان، ضيعت فرصة تاريخية للانتقال نحو مجتمع ديمقراطي، تسود فيه العدالة الاجتماعية، وحقوق المواطنين".58محمد الراجي، "هيئة الإنصاف والمصالحة: ماذا تحقق بعد مضي عشر سنوات؟"، موقع هسبريس، 6 فبراير 2016، متاح على www.hespress.com/societe/293722.html

واتفقت منظمة العفو الدولية مع هذا التقييم في تقريرها "الوعد الضائع" حيث أقرت بأن تشكيل الهيئة في حد ذاته كان إشارة "تعكس اراداة سياسية قوية لدى أعلى مستويات الحكم... للتصدي لتركة الماضي"، ولكن عملها ونتائجه "اعترته هنات خطيرة تفسر ولو جزئيًا عجزها عن الوفاء بجميع وعود الإنصاف والمصالحة التي قطعت. فاختصاصات الهيئة وصلاحياتها لم تشمل جميع انتهاكات حقوق الإنسان التي اقتفرت ما بين 1956 و1999 كما استثني من عمل الهيئة... مسألة تحديد مرتكبي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان".59منظمة العفو الدولية، "الوعد الضائع: ’هيئة الإنصاف والمصالحة‘ ومتابعة أعمالها"، مرجع سبق ذكره، ص 5-6.

ورغم أن الهيئة تصدت لقضايا أوسع من نطاق صلاحياتها إلا أنها لم تتمكن من معالجة قضيتين رئيسيتين في توصياتها، أو في الطريقة التي تولى بها المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان تنفيذ هذه التوصيات في السنوات التالية، وهما محاسبة مقترفي الانتهاكات وإصلاح الإطار القانوني والمؤسسي الذي سمح بوقوعها لمنع تكرارها. بيد أن هذه الانتقادات لا تمنع من القول بأن عمل الهيئة كان علامة فارقة أخرى في تطور العمل الحقوقي في المغرب وفي إعتراف الدولة به بل والإستعانة بنشطائه في القاء الضوء على أجزاء من التاريخ القمعي الدموي لمؤسسات الدولة.

وتأسس المجلس الوطني لحقوق الإنسان كمؤسسة وطنية في مارس سنة 2011 ليحل محل المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان.[61] وضمت اختصاصات المجلس إبداء الرأي فيما يستشيره فيه الملك من قضايا تتصل بحماية واحترام حقوق الإنسان وحريات المواطنين والجماعات والهيئات والدفاع عنها والنهوض بها. ويتولى المجلس الوطني إعداد تقارير سنوية حول وضعية حقوق الإنسان بالمغرب ويعرضها أمام البرلمان بمجلسيه، كما يقوم بإعداد تقارير موضوعاتية بشأن قضايا مرتبطة بحقوق الإنسان، وهو مؤسسة وطنية معتمدة من طرف لجنة التنسيق الدولية للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان منذ سنة 2002، وهو ما يعني امتثال هذه المؤسسة لمبادئ باريس الناظمة لهذا النوع من المؤسسات، التي اعتمدت من قبل الأمم المتحدة سنة 1993.60الموقع الرسمي للمجلس الوطني لحقوق الإنسان، bit.ly/2tY9NuP

ورغم الإنجازات التي حققها المجلس في مجال تعزيز الحقوق والحريات، فقد تعرض لانتقادات بدوره من طرف عدد من الحقوقيين بدعوى أنه لم يقم بالكشف عن عديد من الملفات المرتبطة بالاختفاء القسري والتي سبق وأن تناولتها هيئة الإنصاف والمصالحة، هذا إضافة إلى اتهامهم له بأنه لا يتجاوب بتاتًا مع التظلمات التي يرفعها المواطنون ضد السلطة الحكومية أو التظلمات التي تكون الدولة طرفًا فيها.[63]

الدولة والحركات الاجتماعية: التكيف السياسي المتبادل وحراك 20 فبراير كمثال

نقصد بالتكيف السياسي السلوك الذي تنهجه كل من الحركات الاحتجاجية (منظمة أو غير منظمة) والدولة، من أجل تجاوز وحل الأزمات عن طريق مساومات وحلول وسط. وفي سياق التكيف تكتفي الحركات الاحتجاجية بالإصلاحات المقدمة، على أمل مواصلة العمل عن طريق بقائها، مع شرعية إضافية، في ساحة العمل المجتمعي أو الحقوقي. ومن جانب الدولة فإنها تقدم تنازلات أو تجري إصلاحات ترى أن الظروف تتطلبها ويتعين الاستجابة لجزء منها. وهذا التفاعل هو ما يفسر توقف حركة 20 فبراير 2011 في المغرب عن الدفع بالأمور إلى حد أبعد مما حدث.

وشكلت حركة 20 فبراير تحديًا كبيرًا للمؤسسة الملكية وقامت على إثرها الأخيرة باجراء إصلاحات دستورية بدا أنها استجابة لعدد من مطالب هذه الحركة. ولكن في نفس الوقت لم ينفتح المجال السياسي لمناقشة وتبرير ونقد هذه الإصلاحات أو البحث عن الأسباب والظروف الأصلية التي نجمت عنها الحاجة لتلك الإصلاحات. جاءت الإصلاحات لتبدو بمثابة استجابة من المؤسسة الملكية لنبض الشارع، ومن ناحية استراتيجية ساهمت هذه التعديلات في تلافي الوضع الذي وصلت إليه دول عربية أخرى هبت عليها رياح الربيع العربي الساخنة.61Jean-Noël Ferrié, Baudouin Dupret, “La nouvelle architecture constitutionnelle et les trois désamorçages de la vie politique marocaine”, Confluences Méditerranée, 2011/3 (N° 78), p. 29.

حركة "20 فبراير"

ربما تتشابه دوافع الحركات الاحتجاجية التي أدت إلى ظاهرة الربيع العربي التي خرج فيها الملايين للشوارع في تونس ومصر والمغرب وغيرها، إلا أن ما ميز المغرب هو أن الحركة الاحتجاجية والمتمثلة في حركة 20 فبراير، لم تستهدف النظام الحاكم في شخص الملك، بل حملت مطالب إصلاحية حيال الدولة في مجالات مختلفة مثل الإصلاح الدستوري، والقضاء على البطالة، والتهميش والفقر.62Nadia Hajji, “Mobilisation et démorçage du mouvement du 20 février au Maroc : La théorie des cadres à l’épreuve d’un contexte autoritaire”, Mémoire présenté comme exigence partielle de la maîtrise en science politique, Université du Québec à Montréal, Février 2015, p. 18., www.archipel.uqam.ca/7331/1/M13801.pdf كان المطلب الأساسي الأول للحركة هو إحداث "ملكية برلمانية"، إلا أن تنوع الأطياف الأيديولوجية داخلها وتناقضها أحيانًا،63جمع حراك 20 فبراير مثلًا بين حزب "النهج الديمقراطي" ذو التوجه الماركسي-اللينيني، وحركة "العدل والإحسان" الإسلامية. منعها من ذلك بحيث تغير المطلب الرئيسي إلى "تأسيس دستور ديمقراطي" مبني على إرادة الشعب المغربي وليس دستورًا ممنوحًا كما هو الحال بالنسبة للدساتير السابقة.64قبل دستور سنة 2011 كانت هناك خمسة دساتير: دستور 1962، ودستور 1970، ودستور 1972، ودستور 1992، ودستور 1996.

شكل حراك 20 فبراير نقطة فارقة في التاريخ السياسي المغربي، إذ أنه صاغ مطالب مباشرة بما فيها المطالب السياسية، ونزل بها إلى الشارع بطالب بتحقيقها دون المرور بالمؤسسات الرسمية (السياسية والإدارية) والجمعيات، والتي اعتادت الدولة مخاطبة الشعب والتفاعل معه عن طريقها. ويعني هذا أن حراك 20 فبراير كحركة حقوقية (بالمعني الواسع تماما لمصطلح الحركة هنا بما يشمل المطالبات الجماهيرية غير المنظمة من أجل نيل حقوق سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية) قد تجاوزت المؤسسات الوسيطة في إطار علاقة الدولة بالمواطن وصارت توجه مطالبها من خلال إطار فوق مؤسساتي، يروم خلق حقل اجتماعي مضاد جديد، تجاوز الحقل الجمعوي التقليدي المراقب بدقة من طرف الدولة، مما يجعل منها جميعا تجربة فريدة في المغرب.

كانت 20 فبراير بهذا المعني حركة عصية على مساهمة النخب السياسية التقليدية، وعلى جمعيات المجتمع المدني الرسمية، ناهيك عن كونها تقوم على مشاركة واسعة من جيل من الشباب الذي أعاد النظر في الأسس الأخلاقية التقليدية المهيمنة في البلاد مرتكنًا على شرعية مستمدة من المبادئ العامة لحقوق الإنسان التي ليس لها علاقة بالقوى الوطنية أو مقاومة الاستعمار/التدخل الأجنبي التي شكلت المرجعية التاريخية لعديد من الأحزاب السياسية. ولعبت مواقع التواصل الاجتماعي وخاصة "فيسبوك" على الإنترنت دورًا مهمًا كقنوات إعلامية بديلة في التنسيق والإعداد لهذه الحركة التي نجحت بذلك في تجاوز وسائل الإعلام العادية والمراقبة من طرف الدولة.65Jean-Noël Ferrié et Baudouin Dupret, op. cit., p. 30.

وتمسكت الحركة لفترة ما بمطلبها الأساسي المتمثل في تعديل دستوري أساسي. ولم يلق إعلان الملك تعيين اللجنة التي سوف تضطلع بإجراء التعديل الدستوري قبولًا من طرف الحركة التي دعت إلى وقفة احتجاجية يوم الأحد 20 مارس 2011 بمدينة الرباط، وذلك لمواجهة ما اعتبرته تجاهلًا ملكيًا لمطالبها، وأن التعديل الدستوري بطريقته وشكله المقترح ما هو إلا وسيلة من وسائل إسكات الحركة، بل إنها اعتبرته محاولة لسحب شرعيتها السياسية.66Hajji, op. cit., p. 42. ولكن أمام عدم القدرة على اقتراح بديل يمكن أن يكون عبارة عن مشروع دستوري، في مواجهة المشروع الذي اقترحته الدولة ممثلة في اللجنة التي أعدته، صارت الحركة في موقع أضعف خاصة وأن الأحزاب السياسية وافقت على الانخراط في المشروع الملكي ودخول لجنة إعداد المشروع الدستوري عوضًا عن مواجهته، مما كان من شأنه عزل الحركة التي رفضت الدخول في اللجنة، وهو الشيء الذي أظهر أيضًا بأن الحركة غير قادرة على لعب الدور السياسي من خلال المشاركة الفعلية أما بالتعديل أو الإقتراح. عوض أن تكون قوة اقتراحية، باتت الحركة كما لو أنها معارضة فقط من أجل المعارضة، وهو أمر تسبب في أن يفقد مزيد من المواطنين الثقة في الحركة رغم استمرارها في التواجد الرمزي حيث أنها لم تملك هياكل منظمة او تراتبية تقليدية.67ibid., p. 45.

سابعًا: خاتمة عن آفاق وتحديات الحركة الحقوقية بالمغرب

رغم مرور الجمعيات الحقوقية بمرحلة جمود منذ تأسيسها في أواخر السبعينيات حتى أواخر الثمانينيات، إلا أنها نشطت وتطورت بسرعة منذ ذلك الوقت في طرق عملها وهياكلها وزاد تأثيرها وتوسعت مجالات عملها في العقود الثلاثة التالية.

وعلى سبيل المثال توسعت هياكل وأفرع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان لتضم نحو 14 ألف عضو موزعين على 100 فرع بحلول عام 2016. وبدأت الجمعية في رفع تقارير موازية للمؤسسات الأممية المعنية منذ 2004، حيث قدمت تقرير موازي للجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان عن الفترة من 1999 إلى 2004 أدرجت فيه ملاحظاتها وانتقاداتها للتقرير الحكومي الرسمي. وعملت الجمعية منذ مؤتمرها الوطني السابع في أبريل 2004 على تقوية فروع وهياكل الجمعية، وأولت ضرورة للعمل وسط النساء والشباب والعمال والمثقفين، والإقرار بأسبقية صياغة دستور ديمقراطي ينسجم في المضمون مع مبادئ وقيم ومعايير حقوق الإنسان الكونية ، يؤكد على أن الشعب هو أساس ومصدر كل السلطات وعلى الفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية وبين السلطة السياسية والسلطة الدينية  (ولم يحدث هذا الفصل حتى الآن بين السياسي والديني على صعيد المؤسسة الملكية حيث ما زال الحاكم هو أمير المؤمنين في نفس الوقت ويستمد قسطا من شرعيته من هذا الربط).68ويكن فايزة، " فاعلية المجتمع المدني في المغرب في مواجهة استراتيجية الدولة التدخلية، الجمعية المغربية لحقوق الإنسان نموذجًا"، في: المجتمع المدني والتطور السياسي بالمنطقة المغاربية، مجموعة من الباحثين، 2012، ص 172، 175. وعلى المستوى الحركي، حققت الجمعية خطوة واسعة في اتجاه تضمين الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في عملها، حيث وسعت نشاطها أكثر عندما انخرطت في المعارك العمالية. ورأست الجمعية في شخص رئيستها السابقة، خديجة رياضي، الائتلاف المغربي لهيئات حقوق الإنسان والذي ضم هيئات قريبة من حزب العدالة والتنمية وحركة العدل والإحسان، كما ترأست الجمعية التنسيقية المغاربية لمنظمات حقوق الإنسان (24 منظمة حقوقية من المغرب، الجزائر، موريتانيا، تونس، ليبيا وفرنسا).69سليمان الريسوني،" الجمعية المغربية لحقوق الإنسان"، هسبريس، 3 سبتمبر 2014، متاح على www.hespress.com/writers/239718.html

ويمكن القول بأن العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان تتبنى نفس مواقف الجمعية المغربية لحقوق الإنسان من خلال عملية التنسيق المستمر بينهما.70أنظر الموقع الرسمي للعصبة المغربية لحقوق الإنسان، متاح على www.lmddh.com وتنضوي المنظمة المغربية لحقوق الإنسان في الائتلاف الوطني لحقوق الإنسان، وتتخذ موقفًا إيجابيًا من المجلس الوطني لحقوق الإنسان منذ أن كان مجلسًا استشاريًا رافعة شعار الدفاع عن حقوق الإنسان من داخل المؤسسات الرسمية.71نور الدين علوش، المنظمات غير الحكومية ورهان حقوق الإنسان: نموذج المنظمة المغربية لحقوق الإنسان، دار ناشري للنشر الإلكتروني، 2011، ص. 31، ومتاح على goo.gl/Lfxhnt

ولكن حركة حقوق الإنسان في المغرب صارت أكبر وأكثر تنوعًا وأقوى تأثيرًا في السنوات العشر الأخيرة رغم أهمية هذه المنظمات الثلاث التاريخية ودورها المستمر. وقد حاولت هذه الورقة عرض هذا التنوع في بعض أشكاله وخاصة الجمعيات أو المنظمات أو الشبكات المعنية بالحقوق الفردية أو الجنسية أو العاملة في مجال العدالة أو حرية العقيدة.

وعلى تنوع وغنى حركة حقوق الإنسان في المغرب فإنها تواجه كلها عددًا من التحديات لعل أهمها الحاجة إلى تنسيق أكبر فيما بينها وضمان استدامة تمويلها بوسائل شفافة وقابلة للمراجعة، والوصول إلى علاقة عمل بناءة حقيقية (رغم طبيعتها الصراعية) مع الدولة تتوقف معها إجراءات التضييق ونظرة التشكك الحكومية، وتطوير العلاقات بين الفاعلين الحقوقيين المستندين إلى الشرعة الدولية لحقوق الإنسان من جهة والفاعلين الحقوقيين (الأحدث والأقل تأثيرًا) والمحسوبين على التيارات الإسلامية، وتوسيع القاعدة المجتمعية المؤيدة للمبادئ الحقوقية.

ورغم الجهود التي تبذلها الجمعيات والمنظمات للحصول على تمويل تسير به أعمالها سواء عن طريق التقدم بمجموعة من المشروعات التي تقترحها على الجهات المانحة أو تنظيم أنشطة تتماشى مع الأهداف العامة للجهات المانحة أو الدولة، فإن ذلك يبقى محدودًا في فترات معينة ومرتبطًا بأهداف الجهات المانحة، وهو ما يمكن أن يتناقض مع طبيعة العمل الحقوقي الذي يحتاج إلى الإستدامة والاستقلال. وللدولة دور مهم في هذا المضمار لا من ناحية توفير قسم من التمويل اللازم فحسب بل للتوقف عن التضييق على عمل المنظمات الحقوقية عن طريق توفير إطار قانوني سلس يسمح بالعمل بحرية تتماشى وطبيعة العمل المدني بصفة عامة والعمل الحقوقي بوجه خاص، وذلك في إطار ضوابط واضحة وشفافة تسمح بعمل المنظمات وتمويلها بحرية مع محاسبة ومساءلة المخالفين. وستساهم أطر قانونية واضحة وتفعيل محايد لها في إضفاء مصداقية على عمل منظمات المجتمع المدني وخلق علاقة صحية بينها وبين الدولة.

ولعل التحدي الأوسع هو توسيع القواعد المجتمعية لحركة حقوق الإنسان وفي هذا تواجه الحركة عمومًا تحديًا خاصًا في علاقتها مع الخطاب والممارسات القادمة من الجماعات الإسلامية وخاصة الفاعلة منها على الصعيد السياسي والاجتماعي. ويواجه الإسلاميون تحديًا في "الموائمة" بين مبادئ حقوق الإنسان بكونيتها وشموليتها كما تتبناها معظم المنظمات الحقوقية في المغرب وتعارض بعض هذه المبادئ مع فهم معين للإسلام أو تبني تفسيرات فقهية محددة وخاصة في قضايا حرية العقيدة وحقوق المرأة والحقوق الجنسية. ورغم هذا الخلاف الجوهري حول قضايا وحقوق مهمة فقد مكن العمل المشترك فاعلين من الجانبين من خلق أرضيات مشتركة بل واستمرار جهود المنظمات الحقوقية، وخاصة الجمعية المغربية، في فضح الانتهاكات التي تعرض لها إسلاميون (سواء لأسباب سياسية أو لاتهامهم في قضايا إرهاب) والدفاع عن حقوقهم. ويقر إسلاميون بنزاهة هذا الموقف حتى أن وزير العدل والحريات السابق مصطفى الرميد والمنتمي لحزب العدالة والتنمية (الإسلامي التوجه) وصف عبد الرحمن بن عمرو وهو رئيس سابق وأحد أبرز مؤسسي الجمعية المغربية بأنه "إمام الحقوقيين المغاربة والرجل العظيم"،72تولى بن عمرو الدفاع عن الشيخ الراحل عبد السلام ياسين، الزعيم الروحي لجماعة العدل والإحسان، عندما كان معتقلا وبعد أن وُضع قيد الإقامة الجبرية. وسُجن الإثنان سويا وناقشا القضايا الخلافية بينهما بصراحة ودون إتهامات متبادلة. ودافع بن عمرو أيضًا عن جماعة العدل والإحسان وأعضائها بصفة عامة، وعن حزب البديل الحضاري قبل الترخيص له وبعد حله، وأيضًا حزب الأمة الذي لم يرخّص له، وعن معتقلين سلفيين وإسلاميين آخرين. أنظر أمثلة من شهادات مجموعة من النشطاء والفاعلين الاسلاميين في: حسن الأشرف، "عبد الرحمن بن عمرو.. شيخ الحقوقيين في المغرب"، 20 نوفمبر 2015، العربي الجديد، متاح على   goo.gl/a3eQ8M وأيضًا عبد الله لعماري، "عبد الرحمان بنعمرو، جوهرة النضال، وأيقونة العدالة ومفخرة المغاربة الأحرار"، 20 مايو 2014، ومتاح على www.aljamaa.net/ar/2014/05/20/عبد-الرحمان-بنعمرو،-جوهرة-النضال،-وأي/ . كما أرسلت الهيئة الحقوقية لجماعة العدل والإحسان رسالة تهنئة إلى خديجة الرياضي بمناسبة حصولها على جائزة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان.73ومن نص الرسالة: "لقد عرفناك في الميدان مناضلة شامخة ثابتة، واشتغلنا سويا حول قضايا حقوقية متنوعة، فكنت نموذجًا للالتزام والوفاء والإنجاز الراقي. كنت رئيسة للجمعية المغربية لحقوق الإنسان، فخطوت بالعمل الحقوقي بالمغرب خطوات هامة ليصبح دفاعًا عن حرية وحقوق وكرامة الإنسان المغربي مهمًا كان انتماؤه السياسي وخياراته الفكرية والتنظيمية... ناضلت من أجل هذا وتناضلين لتخليص العمل الحقوقي من أي تشويش سياسوي أو أيديولوجي ضيق.. أملنا ونحن نعبر بكل صدق عن مشاعر الاعتزاز بهذا الفوز، أن ننهي بنجاح كل المشروعات الحقوقية العادلة التي نشتغل سويًا من أجلها." انظر نص التهنئة على الرابط: www.aljamaa.net/ar/document/74471.shtml

ولكن الطريق ما زال طويلًا وهناك عمل كبير يتعين أن تقوم به كل مكونات الحركة الحقوقية في المغرب من أجل الوصول لأرضية مشتركة فاعلة والعمل بصراحة ووضوح على القضايا المختلف عليها سياسيًا أو لدوافع ثقافية أو دينية بين الحركة الحقوقية والحركة الإسلامية ولعل العبء الأكبر يقع في هذا الصدد على الطرف الأخير الأكثر قوة مجتمعيًا. ومن ناحية أخرى فهناك عمل كثير يتعين القيام به من أجل توطيد وتفعيل المؤسسات والسياسات الحقوقية الرسمية والتعامل بجدية وصورة بناءة مع التنازلات، الحقيقية والشكلية، التي قدمتها الدولة ودفعها نحو تعميق هذه السياسات وتمكين هذه المؤسسات، مثل المجلس الوطني، وبسطها في اتجاه الحقوق الاجتماعية والإقتصادية.

ولن تتحقق معظم هذه الأمال والأحلام دون تعاون أكثر صلابة وأقل زبائنية بين منظمات حقوق الانسان وفاعليه وبين الأحزاب السياسة والتكوينات النقابية على قاعدة حقوقية مشتركة. وإذا لم يتطور تعاون كهذا فقد تتحول حركة حقوق الإنسان في المغرب، أو في أي بلد في واقع الأمر، إلى مراكز أبحاث محترفة معنية بتوثيق وتحليل الإنتهاكات بينما تُترك مهام الإصلاح والتغيير في يد الساسة بمفردهم تحت رحمة النظم والمؤسسات السياسية والإجتماعية المسيطرة.

 [29]أحمد الريسوني، "الريسوني: أنا مع 'حركة مالي' في الغاء الفصل 222 من القانون الجنائي"، موقع قناة العمق المغربي، 20 يونيو 2016، ومتاح على www.youtube.com/watch?v=lYV5Q8R8l7I

Habib Belkouch, “Droit de l’homme et démocratisation au Maroc, bilan et perspective”, 2005, p. 35. habibbelkouch.wordpress.com/2014/08/31/droits-de-lhomme-et-democratisation-au-maroc-bilan-et-perspectives/

 [61]تأسس المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان في سنة 1990 بمثابة استجابة جزئية من الملك الحسن الثاني للانتقادات المتصاعدة لسجل انتهاكات نظامه لحقوق المعارضين السياسيين خصوصًا وحقوق الإنسان عمومًا وذلك في سياق دولي أكتسبت فيه مقولات وقضايا حقوق الإنسان أهمية مضاعفة مع سقوط حائط برلين في أواخر 1989 ونهاية حقبة الحرب الباردة، وهي تغيرات بات المغرب معها آنذاك يجد نفسه في وضع المدافع عن سجل حقوقي مزري. ولكن المجلس لم يؤسس لقطيعة حقيقية مع ممارسات الدولة لانتهاكات حقوق الإنسان ووجهت له المنظمات الحقوقية المغربية والدولية انتقادات عديدة بشأن صلاحياته وتكوينه وانجازاته، ولكنه على الرغم من هذا كله كان خطوة رمزية مهمة. لمزيد من التفصيل انظر عبد اللاوي، مرجع سابق، ص. 71-115.

 [63]المغرب اليوم، "ندوة حقوقية في المغرب تهاجم رئيس ’المجلس الوطني‘ محمد الصبار"، 15 ديسمبر 2014، متاح على  www.almaghribtoday.net/326/ندوة-حقوقية-في-المغرب-تهاجم-رئيس-المجلس-الوطني-محمد-الصبار

Footnotes   [ + ]

1. Paola Gandofli, “La société civile au Maroc, signification et issues des processus de changement sociale et politique”, 4th Mediterranean Social and Political Research Meeting, 19-23 March 2003, p. 8, ويمكن مراجعة هذه الورقة بالانجليزية في الرابط التالي goo.gl/BrMibG
2. (المخزن هو تعبير يمثل النخبة الحاكمة في المغرب منذ عدة قرون وهي النخبة التي تسيطر على الجهازين الإداري والسياسي الخاضعين للسلطان (أو للملك فيما بعد) بصفته أمير المؤمنين ورئيس البلاد. أنظر: José M. González Riera, “Des années de plomb au 20 février. Le rôle désorganisations des droits humains dans la transition politique au Maroc”, Confluences Méditerranée, 2011/3 No78,  p. 45.
3. حزب الاستقلال هو أحد أقدم أحزاب المغرب. وبعد أن ترسخ وجوده وانتشر عبر المملكة تحول من مطالبة إدارة الحماية الفرنسية بإجراء إصلاحات إلى المناداة باستقلال البلاد في يناير 1954. وشارك الحزب ذي الأيديولوجية الاستقلالية الإسلامية المحافظة بعد استقلال المغرب في عدة حكومات، وفي مرحلة "الانتقال الديمقراطي" شارك في الكتلة الوطنية التي تشكلت سنة 1992 جنبًا إلى جنب مع حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والاتحاد الوطني للقوات الشعبية وحزب التقدم والاشتراكية ومنظمة العمل الديمقراطي، ثم شارك في حكومة "التناوب التوافقي" سنة 1998. أنظر الموقع الرسمي للحزب:  http://istiqlal.info/a/تاريخ%20الحزب/  وكذلك انظر محمد ضريف، "الأحزاب السياسية المغربية"، منشورات المجلة المغربية لعلم الاجتماع السياسي، 1993، ص. 200
4. Marguerite Rollinde, “Les associations des droits de l’homme au Maroc : entre adhésion nationale, appartenance politique et engagement citoyen”, les cahiers du CRASC, n°5-2002, p. 128.
5. ينص الفصل الثالث من قوانين العصبة على أنها تسعى إلى نشر وتعميم مفاهيم مبادئ حقوق الإنسان وحرياته الأساسية في جميع أصولها ومصادرها كما نص عليها الإسلام وأكدها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمعاهدات الدولية والعربية.
6. González Riera, op. cit., p. 36.
7. تأسس حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في يناير 1975، متبنيًا أيديولوجية "الاشتراكية العلمية" وداعيًا لاعتماد استراتيجية شاملة من "أجل تشييد مجتمع وحضارة اشتراكية مطابقة لخصوصية شعبنا". أنظر: محمد ضريف، مرجع سبق ذكره، ص. 263. وكانت أهم المحطات السياسية التي شارك فيها الحزب تقلده لمنصب الوزير الأول في حكومة "التناوب التوافقي" سنة 1998 في شخص الكاتب الأول عبد الرحمان اليوسفي. وتضاءل تأثير الحزب في السنوات الأخيرة حتى أنه لم يحصل في الانتخابات التشريعية الأخيرة عام 2016 سوى على 20 من 395 مقعدًا.
8. Gandofli, op. cit., p. 10.
9. بيير فيرموريين، تاريخ المغرب منذ الاستقلال، ترجمة: عبد الرحيم زحل، الرباط: أفريقيا الشرق (2014) ص 173-174
10. Rollinde, op.cit. p. 127, 167.
11.   Ibid., p. 174.
12. ياسر أروين، "شبكة أندلس تنفرد بنشر نص مشروع الميثاق الوطني لحقوق الإنسان المحين"، مغرس، 20 أكتوبر 2013، متاح على is.gd/ctzbZx
13. خديجة رياض، "قراءة في مشروع الميثاق الوطني لحقوق الإنسان"، طنجة 24 نوفمبر 2013، متاح على is.gd/ps0H2R ومن المطالب التي تحققت جزئيًا إطلاق سراح بعض المعتقلين، والمصادقة على عدد من الاتفاقيات الدولية كاتفاقية مناهضة التعذيب، اتفاقية مناهضة كل أشكال التمييز ضد المرأة، واتفاقية حقوق المهاجرين، إضافة إلى إدراج الدولة لمفهوم حقوق الإنسان في التعديل الدستوري لسنة 1992.
14. González Riera, op. cit., p. 37.
15. تشير "سنوات الرصاص" إلى الفترة التاريخية التي امتدت من بداية الستينيات مرورًا بالسبعينيات وحتى التسعينيات. وقد شهدت هذه المرحلة من تاريخ المغرب ارتكاب أجهزة الأمن لانتهاكات منهجية جسيمة للحقوق المدنية والسياسية واستعمال أساليب تعذيب وحشية والإخفاء القسري للمعارضين والمشتبه بهم، والسجن دون محاكمة، وغياب ضمانات المحاكمات العادلة.
16. فيرموريين، مرجع سابق، ص 179-180.
17. في هذه الفترة كان خطاب حقوق الإنسان مهيمنًا على صعيد دولي وتنامي دور المنظمات الدولية غير الحكومية مثل هيومان رايتس ووتش والعفو الدولية في الضغط على الدول. وتبنى الملك الحسن الثاني سياسة أكثر انفتاحًا من ذي قبل، قام معها بإطلاق سراح السجناء، وخلق آليات لمراقبة حقوق الإنسان كالمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، وإنشاء وزارة حقوق الإنسان، وتأسيس حكومة التناوب، وهي الحكومة التي تأسست سنة 1998 بعد أن ضمن الملك قيام هذه التجربة السياسية القائمة على التداول على السلطة بين كتلتين سياسيتين، بحيث تم ترأسها أولًا من قبل زعيم الاتحاد الاشتراكي الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي، مع احتفاظ القصر بسلطة فوق السلطات تشمل رئاسة المجلس الوزاري والموافقة على الوزراء وتعيين الوزراء السياديين إلى جانب سلطات أخرى تقوض تمامًا مبدأ الفصل بين السلطات وتجعل الملك فوق السلطات فعليًا. انظر كريم المرزوقي، "هل سلطان ملك المغرب فوق كل السلطات؟" الترا صوت، 4 نوفمبر 2016، متاح على is.gd/N9jS2k
18. González Riera, op. cit., p. 38.
19. مجلس النواب هو الغرفة الأولى من البرلمان المغربي المعتمد على نظام الغرفتين، وتعتمد على الانتخاب المباشر من طرف المواطنين المغاربة.
20. González Riera, op. cit., p. 38
21. Rollinde, op. cit., p. 130.
22. حوار للسيد أحمد الهايج مع السيد حميد مهداوي على اليوتيوب، بدون تاريخ، متاح على www.youtube.com/watch?v=srmfS7ZvPTc
23. Malika Hadda, “Lecture le mouvement marocain pour les droits de l’homme entre consensus national et engagement citoyen”, Confluences Méditerranée, 2004/4 (N°51), p. 87.
24. González Riera, op.cit., p 39.
25. وترجع جندولفي Gandolfi تأخر تأثير المجتمع المدني المغربي عمومًا حتى بداية التسعينيات إلى الاستراتيجيات التي كان المخزن يستغلها من أجل تدجين المجتمع المدني وفشل فاعلي في المجتمع المدني في انتزاع مساحة حركة كافية ومسافة نقدية من "المخزن" يتحقق بها استقلاله، حتى لو نسبيًا. بينما يعتبر عبد الله حمودي أن المجتمع المغربي تطور بسرعة تفوق سرعة تطور النخب مما نشأ عنه حالة من نضوج مجتمعي لا يرافقها اكتمال مؤسسي أو كما أطلق عليها "المأسسة غير المكتملة". (Gandolfi في مرجع سبق ذكره، ص 5
26. Hadda, op.cit., p. 84.
27. كلمة "مالي" العربية هي ترجمة حرفية للكلمة (MALI) وهي الاختصار الفرنسي لاسم الحركة بالفرنسية "LeMouvement alternatif pour les libertés individuelles". ساندت "مالي" حقوق المثليين التي نادت بها حركات أخرى مثل "كيف كيف" وذلك بنشر صورة لكل من زينب الغزوي وابتسام لشكر المؤسستين للحركة، وقد كتب على الصورة "لسنا مثليات لكننا ندعم المثليين"، مشاركة في الحملة التي انطلقت في شهر مايو من سنة 2014 والتي تستهدف إلغاء الفصل 489 من القانون الجنائي والذي يجرم العلاقات المثلية. ولم تلق قبولًا حتى من بعض المثليين أنفسهم على اعتبار أنهم رفضوا أن يتم التشبه بهم أو تكريس صورة نمطية لهم من أجل الدفاع عنهم. أنظر شبكة أندلس الإخبارية،"حركة مالي تتضامن مع المثليين بالمغرب"، 17 مايو 2017، ومتاح على  is.gd/CHzsUt
28. مقطع منشور بدون تاريخ على موقع يوتيوب بعنوان "شاهد ما قالت إبتسام لشكر عن رمضان والإسلام والحرية الجنسية والإجهاض – عاجل وخطير"، بدون تاريخ، متاح على  www.youtube.com/watch?v=DJdJNkRnHc
29. يتحدث محللون عن انفتاح سياسي مُراقب.  أنظر:
30. وقد امتدت هذه الإنجازات عمومًا على مدى مرحلتين: الأولى في عهد الملك محمد الخامس، وتتعلق ببناء الدولة من الناحية المؤسساتية مباشرة بعد الاستقلال من قبيل تأسيس القوات المسلحة الملكية وجهاز الأمن الوطني سنة 1956 إضافة إلى مجموعة من القوانين كقانون المسطرة الجنائية سنة 1959، قانون الحريات العامة 1958، والقانون الانتخابي سنة 1959. والثانية في عهد الملك الحسن الثاني حيث تأسس المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان سنة 1990، وصدر عفو ملكي سنة 1991عن حوالي 300 من المختطفين والسجناء السياسيين، وجرت مراجعة للدستور سنة 1992 تم فيها النص على أن المغرب يتبنى حقوق الإنسان كما هو متعارف عليها دوليا، والمصادقة على إتفاقيات دولية أساسية خاصة بحقوق الإنسان سنة 1993، وخلق وزارة لحقوق الإنسان سنة 1993، وخلق المحاكم الإدارية سنة 1994، ثم إطلاق حوار سياسي من أجل تأسيس حكومة ديمقراطية منتصف التسعينيات.
31. Gandolfi, op.cit., p 4.
32. كانت هناك تحولات حقوقية إيجابية على الصعيدين القانوني والمؤسسي في السنوات الأولى من عهد الملك محمد السادس مثل التعديلات بين سنوات 1999 و2002 في قانون الحريات العامة، وقانون المسطرة الجنائية، وقانون الشغل، إضافة إلى المصادقة على أربع اتفاقيات دولية سنة 2000 منها اتفاقية حقوق الطفل، وخلق ديوان المظالم والمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، وتأسيس هيئة الإنصاف والمصالحة في السنوات الأولى من العقد الماضي. أنظر: Belkouch, op. cit., p. 42.
33. Gandolfi, op.cit., p. 8.
34. Mohamed El Hachimi, “Société civile et démocratisation au Maroc. Le grand malentendu”, Institut européen de la Méditerranée, Juin 2014, p. 15.
35. ibid., p. 11.
36. يوسف سونة، المغرب وحقوق الإنسان والمواطن، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 2002، ص 264.
37. الشخص الذي يعاني من الهشاشة يمكن ان يتحول وضعه الاجتماعي إلى الفقر أو التهميش الاجتماعي بسهولة مع أي اضطراب بسيط نسبيًا في ظروفه الحياتية.
38. Myriam Catusse, “Le « social » : une affaire d'Etat dans le Maroc de Mohammed VI “, Confluences Méditerranée, 2011/3 (N° 78), p. 64.
39. Hadda, op. cit., p. 84.
40. مؤسسة يطو- المغرب، "تاريخ الحركة النسائية المغربية في علاقتها بمدونة الأسرة"، الحوار المتمدن، عدد 1131/2005. is.gd/bQVokv
41. راشد ززاوي، "التطور التاريخي لمدونة الأسرة المغربية"،  14 يناير  2016، متاح على goo.gl/aPXb4j
42. مؤسسة يطو- المغرب، مرجع سبق ذكره.
43. المرجع السابق.
44. أنس سعدون "رابطة القضاة (1): عندما انتصر القضاة في معركة إقرار أول دستور بالمغرب"، المفكرة القانونية، 2 يوليو 2015، متاح على  www.legal-agenda.com/article.php?id=1165  ولنفس المؤلف، "رابطة القضاة في المغرب"، المفكرة القانونية، 21 يوليو 2015، متاح على  www.legal-agenda.com/article.php?id=1175&folder=articles&lang=ar
45. عمر بنعيش، "من رابطة القضاة إلى نادي قضاة المغرب""، هسبريس، 21 أغسطس 2012، متاح على www.hespress.com/writers/60923.html
46. محمد سامي "القضاة المغاربة بين تبعية الودادية واستقلال النادي"، دنيا الوطن، 31 أغسطس 2011، pulpit.alwatanvoice.com/articles/2011/08/31/236358.html
47. بنعيش، مرجع سبق ذكره.
48. المرجع السابق.
49. كريمة مصلي،"400 قاض أسسوا جمعية مهنية بالهواء الطلق"، الصباح، 24 أغسطس 2011، متاح على assabah.ma/20531.html
50. المرجع السابق.
51. انظر موقع جمعية عدالة على موقع فيس بوك www.facebook.com/adala.justice/
52. Hadda, op. cit., p. 82.
53. David Crawfor and Paul Silverstien, “Amazigh Activisim and the Moroccan State”, MERIP, Vol. 34 Winter 2004, www.merip.org/mer/mer233/amazigh-activism-moroccan-state
54. Jean-Noël Ferrié, Baudouin Dupret, « La nouvelle architecture constitutionnelle et les trois désamorçages de la vie politique marocaine », Confluences Méditerranée 2011/3 (N° 78), p.27.
55. فيرموريين، مرجع سبق ذكره، ص 201-204
56. عبد الكريم عبد اللاوي، تجربة العدالة الانتقالية في المغرب، مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، سلسلة اطروحات جامعية (10)، 2013، ص 28. وانظر أيضا منظمة العفو الدولية، "الوعد الضائع: "هيئة الإنصاف والمصالحة" ومتابعة أعمالها"، لندن: منظمة العفو الدولية، 2010، متاح على www.amnesty.org/download/Documents/40000/mde290012010ara.pdf  ، وكذلك تقرير المركز الدولي للعدالة الإنتقالية، فيرلا اوبغنهافن ومارك فريمان، "العدالة الإنتقالية في المغرب: تقرير عن تقدم  العمل"، نوفمبر 2005،  ص. 20، ومتاح على www.ictj.org/sites/default/files/ICTJ-Morocco-Progress-Report-2005-Arabic.pdf
57. عبد اللاوي، مرجع سابق، ص. 119، 218-219.
58. محمد الراجي، "هيئة الإنصاف والمصالحة: ماذا تحقق بعد مضي عشر سنوات؟"، موقع هسبريس، 6 فبراير 2016، متاح على www.hespress.com/societe/293722.html
59. منظمة العفو الدولية، "الوعد الضائع: ’هيئة الإنصاف والمصالحة‘ ومتابعة أعمالها"، مرجع سبق ذكره، ص 5-6.
60. الموقع الرسمي للمجلس الوطني لحقوق الإنسان، bit.ly/2tY9NuP
61. Jean-Noël Ferrié, Baudouin Dupret, “La nouvelle architecture constitutionnelle et les trois désamorçages de la vie politique marocaine”, Confluences Méditerranée, 2011/3 (N° 78), p. 29.
62. Nadia Hajji, “Mobilisation et démorçage du mouvement du 20 février au Maroc : La théorie des cadres à l’épreuve d’un contexte autoritaire”, Mémoire présenté comme exigence partielle de la maîtrise en science politique, Université du Québec à Montréal, Février 2015, p. 18., www.archipel.uqam.ca/7331/1/M13801.pdf
63. جمع حراك 20 فبراير مثلًا بين حزب "النهج الديمقراطي" ذو التوجه الماركسي-اللينيني، وحركة "العدل والإحسان" الإسلامية.
64. قبل دستور سنة 2011 كانت هناك خمسة دساتير: دستور 1962، ودستور 1970، ودستور 1972، ودستور 1992، ودستور 1996.
65. Jean-Noël Ferrié et Baudouin Dupret, op. cit., p. 30.
66. Hajji, op. cit., p. 42.
67. ibid., p. 45.
68. ويكن فايزة، " فاعلية المجتمع المدني في المغرب في مواجهة استراتيجية الدولة التدخلية، الجمعية المغربية لحقوق الإنسان نموذجًا"، في: المجتمع المدني والتطور السياسي بالمنطقة المغاربية، مجموعة من الباحثين، 2012، ص 172، 175.
69. سليمان الريسوني،" الجمعية المغربية لحقوق الإنسان"، هسبريس، 3 سبتمبر 2014، متاح على www.hespress.com/writers/239718.html
70. أنظر الموقع الرسمي للعصبة المغربية لحقوق الإنسان، متاح على www.lmddh.com
71. نور الدين علوش، المنظمات غير الحكومية ورهان حقوق الإنسان: نموذج المنظمة المغربية لحقوق الإنسان، دار ناشري للنشر الإلكتروني، 2011، ص. 31، ومتاح على goo.gl/Lfxhnt
72. تولى بن عمرو الدفاع عن الشيخ الراحل عبد السلام ياسين، الزعيم الروحي لجماعة العدل والإحسان، عندما كان معتقلا وبعد أن وُضع قيد الإقامة الجبرية. وسُجن الإثنان سويا وناقشا القضايا الخلافية بينهما بصراحة ودون إتهامات متبادلة. ودافع بن عمرو أيضًا عن جماعة العدل والإحسان وأعضائها بصفة عامة، وعن حزب البديل الحضاري قبل الترخيص له وبعد حله، وأيضًا حزب الأمة الذي لم يرخّص له، وعن معتقلين سلفيين وإسلاميين آخرين. أنظر أمثلة من شهادات مجموعة من النشطاء والفاعلين الاسلاميين في: حسن الأشرف، "عبد الرحمن بن عمرو.. شيخ الحقوقيين في المغرب"، 20 نوفمبر 2015، العربي الجديد، متاح على   goo.gl/a3eQ8M وأيضًا عبد الله لعماري، "عبد الرحمان بنعمرو، جوهرة النضال، وأيقونة العدالة ومفخرة المغاربة الأحرار"، 20 مايو 2014، ومتاح على www.aljamaa.net/ar/2014/05/20/عبد-الرحمان-بنعمرو،-جوهرة-النضال،-وأي/ .
73. ومن نص الرسالة: "لقد عرفناك في الميدان مناضلة شامخة ثابتة، واشتغلنا سويا حول قضايا حقوقية متنوعة، فكنت نموذجًا للالتزام والوفاء والإنجاز الراقي. كنت رئيسة للجمعية المغربية لحقوق الإنسان، فخطوت بالعمل الحقوقي بالمغرب خطوات هامة ليصبح دفاعًا عن حرية وحقوق وكرامة الإنسان المغربي مهمًا كان انتماؤه السياسي وخياراته الفكرية والتنظيمية... ناضلت من أجل هذا وتناضلين لتخليص العمل الحقوقي من أي تشويش سياسوي أو أيديولوجي ضيق.. أملنا ونحن نعبر بكل صدق عن مشاعر الاعتزاز بهذا الفوز، أن ننهي بنجاح كل المشروعات الحقوقية العادلة التي نشتغل سويًا من أجلها." انظر نص التهنئة على الرابط: www.aljamaa.net/ar/document/74471.shtml