الاتحاد العام التونسي للشغل والانتقال الديمقراطي

تهتّم  دراسات الدمقرطة بتحوّل الأنظمة السياسية من أنظمة سلطوية إلى نوع آخر من الأنظمة لا يمكن تحديده مسبقا. و ظهرت هذه الدراسات في سياق دراسة ما سميّ بالموجة الثالثة من الدمقرطة التي انطلقت مع التجربتين البرتغالية ثم الاسبانية في سبعينات القرن الماضي، و انتشرت بعد ذلك في دول امريكا اللاتينية في الثمانينات، لتجتاج اوروبا الشرقية في التسعينات. فقد أدى نجاح التجربة الاسبانية في التحول الديمقراطي إلى نمذجته لدراسة بقية الحالات. و تحولت هذه البلدان التي عرفت تجارب الانتقال الديمقراطي الى مختبر لدراسة التحولات الديمقراطية.  إذ ينطلق علم الانتقال الديمقراطي، كعلم تجريبي، من دراسة التجارب التاريخية من أجل وضع إطار نظري لمحاولة فهم وضعيات الشك التي تصاحب العملية الانتقالية. و هو يحاول أن يقدم نهجا عمليا وإجرائيا لفهم ظاهرة غير مستقرة ومتقلبة. و رغم ما قدمه أهل هذا الاختصاص من نتائج ساعدت الى حد كبير في فهم الانتقال الديمقراطي و تفسيره، فقد تعرض هذا العلم للنقد. كما عرف مفهوم التحول نفسه أزمة نظرية.

و نشأ هذا العلم بعيدا عن العالم العربي. فلم يُولِ اهتماما كبيرا بهذه المنطقة في ظل الموجة الثالثة للدمقرطة. إذ لم تكن منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا مهيئة للديمقراطية. و هي تبدو منيعة أمام هذه موجة الدمقرطة مثلما حدث في اوروبا و امريكا اللاتينية. و إن صمد العالم العربي أمام هذه الموجة لسنين طويلة، فإن سلسلة التحولات التي عرفتها المنطقة العربية منذ 2010 أعادت مفهوم "التحول" إلى مركز الإهتمام. ما دعا الباحثين من أهل هذا الإختصاص و غيرهم من علماء السياسة للتنقل بين مختلف بلدان الربيع العربي لدراستها عن كثب و مراقبة عملية الانتقال الديمقراطي بها عبر استعمال الادوات النظرية و المنهجية لهذه العلم و مقارنتها بالتجارب السابقة.

 ودخلت المنطقة العربية مرحلة تاريخية جديدة إثر سقوط عدد من الأنظمة السلطوية بداية من تونس ثم مصر و ليبيا و اليمن. و انطلقت مسارات التحول في هذه البلدان في نفس الوقت تقريبا و تشابهت أحيانا، إلا أنها اختلفت و ذهبت في اتجاهات مختلفة بعد ذلك. و تميّز المسار الانتقالي بتونس عن غيره من المسارات التي عرفتها البلدان الأخرى. فكان الأقرب إلى النموذج الاسباني القائم على فكرة الاتفاق بين الفاعلين في المسار الانتقالي. و لعب المجتمع المدني دورا هاما في تحقيق هذا الاتفاق بين الفرقاء السياسيين و خصوصا الاتحاد العام التونسي للشغل الذي لعب دورا مهما منذ انطلاق الثورة و بداية المسار الانتقالي مرورا بالحور الوطني. و يقدم النموذج التونسي أيضا دليلا على إمكانية التوفيق بين المنهج البنيوي الذي يفسّر التحول الديمقراطي عبر توفر شروط هيكلية مسبقة ترتبط بالتنمية و الازدهار الاقتصادي و التحديث، من جهة، و بين المقاربة التي تعتمد على دراسة دور الفاعلين في الدمقرطة.

لقد أصبحت دول الربيع العربي اليوم مخبرا جديدا لعلماء التحول الديمقراطي. و هي توفر مادة للبحث العلمي و الاكاديمي. و تطرح هذه المسارات إشكاليات عديدة تتعلق أساسا بالفاعلين سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي كالجيش و النخب و الاسلاميين و المجتمع المدني. و تتعلق أيضا بالتأثيرات الخارجية على هذه السياقات سواء على المستوى الاقليمي او الدولي  و مدى تأثيرها على نجاح هذه التجارب أو فشلها.

مقدمة أسماء نويرة - مؤطرة في برنامج دعم البحث العربي، الدورة الثانية

ملاحظة: هذا المنشور متاح فقط باللغة العربية