مقدمة:
«ليتني كنت واحدة منهم... طيلة حياتي، كان يراودني شعورٌ بالحنين إلى عام 2011، على الرغم من أنني لم أعشه بنفسي». بهذه الكلمات وصفت طالبة جامعية تبلغ من العمر 22 عامًا مشاعرها تجاه ثورة 25 كانون الثاني/يناير، التي عايشتها وهي طفلة في الثامنة من عمرها. يُبدي أبناء جيل "زد" (الذين كانوا أطفالًا أثناء الثورة) شعوراً لافتاً بالحنين إليها والتماهي معها، إذ يتحدثون عن ميدان التحرير بإعجاب، ويتابعون الأغاني والأفلام والمحتوى الرقمي المتعلق بالثورة، وغالبًا ما يصفونها بأنها لحظة اتسمت بالشجاعة والأمل الجماعي. ولا يستند فهمهم لهذه الأحداث إلى تجارب شخصية عاشوها؛ بل يعيدون بناء ذاكرتهم عنها من منظور نضالاتهم الحالية. ويثير هذا الإعجاب بالثورة لدى جيل "زد" سؤالاً مهماً: كيف يمكن لجيل أن يشعر بالحنين إلى حدثٍ لم يعشه بشكلٍ مباشر؟
ولا يمثل جيل "زد" في هذا السياق مجرد الأشخاص الذين وُلدوا بين أواخر تسعينيات القرن الماضي وأوائل الألفية الجديدة. بل، يُفهم استناداً إلى الإطار النظري لعمل كارل مانهايم، بوصفه مجموعة لا يجمع أفرادها مجرد التزامن الزمني في الميلاد، إنما التعرض المشترك لـ«الأعراض الاجتماعية والفكرية لعملية ديناميكية من زعزعة الاستقرار». في مصر، تنبع ديناميكية عدم الاستقرار هذه من ثورة عام 2011 وما أعقبها من إخفاق في التحول الديمقراطي. فبينما عاشت الأجيال الأكبر سناً هذا الحدث باعتباره قطيعةً أحدثت تحولاً جذرياً، عاشه جيل "زد" بوصفه الخلفية التي نشأوا ونضجوا في ظلها. وعلى هذا النحو، فإن تعرض أفراده المشترك لظروف القيود السياسية والمصاعب الاقتصادية هو ما يمنحهم وعيهم الجيلي المشترك.
لا تدعي هذه الورقة البحثية تمثيل الجيل "زد" في مصر بأكمله. فهي تقدّم تحليلاً على المستوى الجزئي لستة أفراد ينتمون إلى بيئة اجتماعية محددة، تتّسم بالتعليم والإقامة في المناطق الحضرية والاتصال بالعالم الرقمي، وينتمي أفرادها إلى الطبقتين الوسطى والوسطى العليا. وتكتسب هذه الشريحة أهمية خاصة لأنها الأكثر تعرضًا للسرديات الرقمية البديلة المتعلقة بالذاكرة، ولأن أفرادها التحقوا بالجامعات، حيث يمكن أن تتطور لديهم أطر فكرية نقدية. كما أنها الشريحة التي تشعر بصورةٍ أشدّ بالفجوة بين وعود ثورة عام 2011 وواقع ما بعد عام 2013، إذ بلغ أفرادها سن الرشد وهم يتوقعون تحقيق الحراك الاجتماعي الصاعد والمشاركة السياسية، لكنهم اصطدموا بعوائق اقتصادية وسياسية. وعلى الرغم من أنه لا يمكن تعميم هذه النتائج على جميع أفراد جيل «زد» المصري، فإنها تقدّم رؤى حول الآليات التي يتشكّل من خلالها الحنين إلى أحداث لم تُعش بصورةٍ مباشرة، وكيف يمكن للصراعات السياسية والاقتصادية الحالية أن تؤثر في إعادة بناء الماضي.
تستند هذه الورقة إلى ست مقابلات شبه منظمة أُجريت مع أفراد من جيل "زد". وتراوحت أعمار المشاركين وقت إجراء المقابلات بين 20 و28 عامًا، وكانوا جميعاً من سكان القاهرة الكبرى. غير أن اثنين منهم كانا يقيمان في دلتا النيل أثناء الثورة، بينما كان أحدهم يقيم في إحدى محافظات قناة السويس. تضمنت العينة أربعة ذكور وأنثيين من طلاب الجامعات وخريجيها، ينتمون عمومًا إلى الطبقات الوسطى والوسطى العليا. أُجريت المقابلات باللغة العربية، حضورياً أو عبر الإنترنت (من خلال المكالمات الهاتفية ومكالمات الفيديو).
تنقسم الورقة إلى خمسة أقسام. يعرض القسم الأول ملامح المشاركين في المقابلات الستة، ويضعهم في سياق مواقعهم الاجتماعية، ويتتبع مساراتهم التعليمية وتنشئتهم السياسية ومواقفهم السياسية ومشاركتهم المدنية. ويستعرض القسم الثاني السياق التاريخي والسياسي لثورة عام 2011 والجهود التي بذلتها الدولة لاحقاً لبناء ذاكرتها الرسمية. أما القسم الثالث فيبحث في كيفية إعادة بناء الذكريات المجزأة التي يحملها المشاركون عن الثورة، ما ينتج عنه نشوء شعور بالحنين إليها والتماهي معها. ويحلّل القسم الرابع كيفية لجوء المشاركين في المقابلات إلى مصادر معلومات بديلة مشحونة عاطفيًّا، مثل الأغاني والأفلام ووسائل التواصل الاجتماعي. ويتناول القسم الخامس الآثار المترتبة على هذا التماهي القائم على الحنين. من خلال هذه الشهادات الست، تكشف الورقة أن ذكريات المشاركين المشبعة بالحنين إلى ثورة كانون الثاني/يناير تتشكل بفعل نضالاتهم السياسية والاقتصادية المستمرة. وعلى خلاف الأجيال الأكبر سناً، التي قيّمت الثورة من خلال تجاربها المباشرة مع أحداثها، يتعامل المشاركون في المقابلات مع 25 كانون الثاني/يناير كمورد رمزي يتقاطع مع نضالاتهم الخاصة، وكمرآة تعكس ما فقدوه، لا درساً تاريخياً يتعلمون منه. وبالنسبة إلى المشاركين في المقابلات، يؤدي هذا التماهي القائم على الحنين إلى نتائج سياسية متباينة، تتراوح بين النشاط السياسي والانخراط النقدي، وصولاً إلى السخرية والانسحاب المتعمد.
ملامح المشاركين في المقابلات
على الرغم من أن انتماء المشاركين الستة في المقابلات (الذين استُخدمت أسماء مستعارة لهم هنا) إلى خلفيات اجتماعية واقتصادية متشابهة، فإن ملفاتهم الشخصية تُظهر اختلافات في تاريخ عائلاتهم وعلاقاتهم بثورة عام 2011، فضلاً عن تباين مواقفهم تجاه السياسة اليوم.
كانت سلمى تبلغ من العمر 9 أعوام في عام 2011، وتعيش في إحدى محافظات قناة السويس. وكان والداها يتخذان موقفاً متشككاً إلى حدٍ كبير من الثورة، بينما أيّدها شقيقاها الأكبر سناً. عايشت سلمى تجربة الثورة بشكلٍ أساسي عبر التلفزيون. والتحقت بمدرسة عامة في السويس، ثم انتقلت لاحقاً إلى القاهرة لدراسة العلوم السياسية، ما غيّر فهمها للثورة، وأعاد بالتالي تشكيل ذكريات طفولتها عنها، وجعلها تتعاطف بشدة مع الحركة الاحتجاجية.
كانت دينا في السابعة من عمرها عام 2011، وتعيش في دلتا النيل. وكان أول احتكاك لها بالثورة من خلال شقيقتها، التي غادرت المنزل متجهةً إلى ميدان التحرير، ما تسبب في حالة من الذعر داخل الأسرة. تطور وعي دينا السياسي لاحقًا، لا سيما خلال احتجاجات أيلول/سبتمبر 2019، التي تابعتها بكثافة عبر تويتر. وأثار هذا الحدث تحديداً حنينها إلى عام 2011، ورغبتها في المشاركة في حدثٍ مماثل، كما أثّر لاحقًا في قرارها دراسة العلوم الاجتماعية.
كان خالد يبلغ من العمر 11 عامًا في عام 2011؛ وكان حينها في المرحلة الإعدادية، ويتذكر تلك الفترة بوصفها مرحلة اتسمت بالارتباك وتنامي الوعي. وأوضح أنه كان صعباً عليه وعلى زملائه في المدرسة فهم الثورة. درس لاحقًا الكيمياء في الجامعة. ويتحدث بإيجابية عن تأثير تلك المرحلة في تشكيل شخصيته وفتح عينيه على السياسة، ويصف نفسه بأنه شخص مهتم بالسياسة ويرغب في معرفة ما يحدث من حوله.
كان طارق يبلغ من العمر 7 أعوام عام 2011، ويعيش في دلتا النيل. وهو الآن طالب هندسة. يتذكر مشاهدته الاحتجاجات في الشوارع وشعوره بالحماسة تجاهها، على الرغم من أنه لم يكن يفهم فعلياً أهدافها. يصف الثورة بأنها لحظة أمل، لكنه يتجنب اليوم مناقشة موضوع الثورة بسبب خيبة أمله من المسار الذي اتخذته.
كان يوسف يبلغ من العمر 8 أعوام عام 2011، ونشأ في أسرةٍ من الطبقة الوسطى العليا، وصفها بأنها ميسورة الحال ومعتدلة سياسيًا. وكانت أولى ذكرياته عن الثورة مرتبطة بقلق أسرته عندما كان شقيقه الأكبر في الشوارع يشارك في الاحتجاجات. كانت عائلته متفائلة بحذر تجاه أحداث عام 2011، لكنها أصبحت أكثر انتقادًا خلال فترة حكم محمد مرسي. درس يوسف لاحقاً العلوم الاجتماعية، وينظر اليوم إلى ثورة عام 2011 بوصفها لحظة طموح وأمل. ومع ذلك، يرى أن أحداث 30 حزيران/يونيو كانت خطوة ضرورية على الصعيد الأمني، على الرغم من اعترافه بأن لها تداعيات سلبية.
كان فادي في السابعة من عمره عام 2011، وينتمي إلى أسرة مسيحية. وتغلب الذكريات الإيجابية على تجربته في ذلك العام، إذ يصف الأجواء بأنها كانت سعيدة على الرغم من الفوضى وعدم اليقين. لكن تجربته في عام 2013 كانت مختلفة بشكلٍ ملحوظ، إذ يتذكر، بوصفه مسيحيًا، الخوف من حكومة مرسي وجماعة الإخوان المسلمين، ويروي أنه تابع إعلان عزل مرسي بارتياح. درس فادي البرمجة، وتركّز اهتمامه على شؤونه الاقتصادية الشخصية. وهو يعبر اليوم عن ابتعاده عن السياسة، لاعتقاده أنها لن تؤدي إلى تحسن اقتصادي حقيقي.
سياسات الذاكرة والسرديات الرسمية في مصر ما بعد عام 2013
بنى الخطاب الرسمي بعد عام 2013 ذاكرة رسمية للّحظة الثورية بعناية، ليس لمجرد إحياء ذكراها، بل في محاولة لتشكيل فهم الجمهور للتاريخ الحديث، من خلال الدمج الانتقائي وإعادة تفسير أحداث الربيع العربي. في عام 2016، صوّر النظام في البداية أحداث 25 كانون الثاني/يناير 2011 باعتبارها انتفاضة نبيلة انطلقت من مظالم مشروعة، لكنه سرعان ما أخضعها لفكرة الـ«تصحيح» الذي مثلته أحداث 30 حزيران/يونيو 2013، التي تُعدّ على نطاقٍ واسعٍ نقطة تحول في المرحلة الانتقالية التي شهدتها مصر بعد عام 2011. إذ تميزت باحتجاجات شعبية حاشدة في جميع أنحاء البلاد طالبت باستقالة الرئيس محمد مرسي. عزل الجيش مرسي من السلطة في 3 تموز/يوليو 2013، وعلّق العمل بالدستور، وعين رئيسًا مؤقتًا. ثم انتُخب عبد الفتاح السيسي، الذي كان وزيرًا للدفاع آنذاك، رئيسًا في عام 2014.
وبحلول عام 2020، كادت الذكرى الرسمية للثورة أن تُدمج بالكامل في الاحتفال بـ«يوم الشرطة»، الذي يحيي ذكرى معركة عام 1952 ضد القوات الاستعمارية البريطانية، بما جعل الاحتفاء بقوات الأمن يحلّ محلّ الاحتفاء بالاحتجاجات الشعبية، واستبدال التاريخ الثوري بذاكرة وطنية أكثر رسوخًا. بحلول عام 2026، شهد الخطاب تحولاً إضافياً، إذ بات يصوّر 25 كانون الثاني/يناير 2011 باعتبارها لحظة «تفكك أمة متماسكة»، مبتعدًا عن السردية السابقة التي قدمت الثورة بوصفها حركة انطلقت من نوايا حسنة، ليعيد تصويرها باعتبارها لحظة كادت تفضي إلى انهيار الوحدة الوطنية، ويجب ألا تتكرّر أبدًا.
وقد أولى النظام اهتمامًا خاصًا بكيفية نقل ذكرى 25 كانون الثاني/يناير إلى الأجيال الشابة، إدراكًا منه أن الثورة تبقى ذكرى حية لمن عاشوها، لكنها أقل حضوراً بالنسبة إلى الجيل الأصغر سنًّا، الذي كان أفراده أطفالًا آنذاك. وبناءً على ذلك، أصبحت السردية التي تصل إلى هذا الجيل موضع اهتمامٍ صريح، ما يؤكد الحاجة إلى حماية الشباب المصري من السرديات البديلة التي قد يصادفونها عبر التكنولوجيا الحديثة. وقد أُضفي طابع مؤسسي على هذا المسعى إلى تشكيل ذاكرة الأجيال من خلال الكتب المدرسية، التي تُعد وسيلة أساسية لنقل السردية الرسمية إلى جيل "زد". فبعد فترة وجيزة من ثورة عام 2011، شرعت وزارة التربية والتعليم في إدراج أحداثها ضمن المناهج الدراسية، وقدّمت كتب التاريخ المدرسية للعام الدراسي 2012-2013 سردًا تفصيليًّا للثورة ودوافعها. لكن بعد أحداث 30 حزيران/يونيو 2013، بدأت المناهج تشهد تغييراتٍ جوهرية، إذ بدأت النصوص تساوي بين 25 كانون الثاني/يناير و30 حزيران/يونيو على صعيد الأهمية، وتقدمهما بوصفهما «ثورتين» إيجابيتين وضروريتين.
وبحلول عام 2017، كشفت الكتب المدرسية عن مراجعة واضحة لطريقة تناول أحداث «25 كانون الثاني/يناير» و«30 حزيران/يونيو»، عبر حذف معلومات واختزال أبرز الأحداث السياسية بطريقة تعكس العناصر الرئيسية للسردية الرسمية. اليوم، تقلّص حضور الثورة في الكتب المدرسية الرسمية بشكلٍ ملحوظ، وهو تحول في السياسة التعليمية يكتسب أهميته من تأثيره في مدى انتقال ذاكرة الثورة إلى جيل "زد" عبر نظام التعليم الوطني. في المناهج الحالية، لا تحظى الثورة سوى بإشارات مقتضبة، تُقدَّم فيها باعتبارها سلسلة من المقدمات والدوافع، مع إبراز حالة عدم الاستقرار التي اجتاحت البلاد بوصفها النتيجة الأساسية الوحيدة لها.
وفقًا لمفهوم يان أسمان، يعكس التعليم المدرسي ووسائل الإعلام رسالة الذاكرة المؤسسية الثابتة للدولة. ومع ذلك، يرفض كثيرٌ من المشاركين في المقابلات هذه السرديات ويدركون الدوافع الكامنة وراءها. على سبيل المثال، يتعامل فادي مع الخطاب الرسمي باعتباره دعاية روتينية، فلا يصدقه ولا يعارضه، قائلاً إن «النظام لا بد أن تكون لديه أسبابه، لكن ما يهم المواطنين هو العيش في أمان». ورفض مشاركون آخرون هذه السردية في أحاديثهم الخاصة، مع تجنب المواجهة العلنية. وتتهم كل من سلمى ودينا وسائل الإعلام بالتلاعب بذاكرة الناس، لا سيما من خلال الاحتفال بيوم 25 كانون الثاني/يناير باعتباره «عيداً للشرطة» بدلاً من ذكرى الثورة. كذلك، يلاحظ طارق أن التعليم العام يقدم السردية عينها قائلاً إن «ما يُعرض على التلفزيون موجود أيضًا في الكتب المدرسية»، بينما يعرب يوسف عن قلقه إزاء طريقة تناول هذه المرحلة في المدارس، مشيرًا إلى أنها تتسم بالحذر الشديد في ذكر الأسباب الكامنة وراء الثورة.
كما يفسر التعليم الجامعي ردود فعل المشاركين في المقابلات تجاه السردية الرسمية. فقد درست سلمى ودينا ويوسف العلوم الاجتماعية في الجامعة، ما جعلهم أكثر نقدًا للسرديات السائدة، ووفّر لهم أدوات تحليلية لفهم الخطاب الرسمي. ومع ذلك، فإن تشكّك سلمى ودينا في السرديات الرسمية تبلور قبل التحاقهما بالجامعة. فقد كانت سلمى تقرأ بالفعل عن خالد سعيد، وتتساءل عن كيفية تصوير أحداث 30 حزيران/يونيو في كتبها المدرسية، بينما كانت مواقف دينا السياسية قد تشكلت مسبقاً من خلال نشاطها على الإنترنت واحتجاجات أيلول/سبتمبر 2019. وبالتالي، لم يكن التعليم الجامعي هو ما جعلهما تتبنيان موقفاً نقدياً، بل إن خياراتهما التعليمية تأثرت بمواقفهما السياسية. من ناحية أخرى، فإن فادي وطارق، اللذين درسا البرمجة والهندسة، لا يؤيدان السردية الرسمية أيضًا، ويتعاملان معها باعتبارها دعاية روتينية؛ لكنهما لم يتلقيا خلال دراستهما الجامعية أي إطار تحليلي لفهم هذه السرديات. وفي غياب تلك الأدوات، لم يجدا سبباً يدفعهما إلى الاعتراض على السردية أو الانخراط في العمل السياسي.
إعادة بناء الذكريات المجزأة وتشكّل الحنين إلى الماضي
لا تشكل ثورة 25 كانون الثاني/يناير حدثًا تأسيسياً للمشاركين في المقابلات، كما كانت بالنسبة إلى جيل الألفية، الذي عاش الثورة باعتبارها قطيعة أحدثت تحولاً جذرياً. ونظرًا إلى أنهم كانوا أطفالًا وقت اندلاعها، فإن ذكريات الجيل "زد" عن أحداثها محدودة ومجزأة، وتُختزل غالبًا في انطباعات حسية محددة، لكنها لم تتلاشَ مع مرور الوقت. ومن خلال إعادة بناء هذه الذكريات لاحقاً، كوّنوا ارتباطاً عاطفياً بماضٍ لم يعيشوه بالكامل، وتماهوا مع الثورة بحنين إلى الماضي، وأضفوا عليها طابعاً رومانسياً بوصفها لحظة ضائعة من الشجاعة الثورية والوحدة والأمل. وفي هذا السياق، يشير الحنين إلى الماضي إلى «توجّه الرغبة نحو شيء مفقود أو زمن ضائع، ينطوي على مشاعر متعددة، وأحيانًا متناقضة».
بالنسبة إلى المُستطلعين، على الرغم من تعبيرهم عن تماهٍ مشوب بالحنين مع الثورة، فإن ذكرياتهم عنها تبقى غير مكتملة. فهم لا يتذكرون من الرئيس حسني مبارك سوى أنه الشخص الذي تُعلَّق صوره في الشوارع، و«رجل بدا مهمًا»، وكان الغضب موجهاً نحوه. لقد شعروا بأن الناس كانوا غاضبين، لكنهم لم يتمكنوا من استيعاب الأسباب أو الغرض الكامن وراء ذلك الغضب بشكل كامل، كما لم يفهموا مسار الثورة بأنفسهم. على سبيل المثال، وصف طارق الفهم العام السائد بين أبناء جيله قائلاً: «ما سمعته هو أن الناس خرجوا من أجل الحرية والعدالة الاجتماعية، لكننا لم نفهم بالضبط لماذا كانوا يطالبون بهذه الأمور، وحتى الآن لا أفهم كل شيء تمامًا». وبالمثل، تتذكر سلمى حيرتها وهي تشاهد أحداث الثورة على شاشة التلفزيون، قائلةً: «لم أفهم لماذا كان هناك جمل يركض في وسط الشارع». ومع ذلك، تحمل هذه الذكريات المجزأة ثقلًا عاطفيًّا، إذ تستحضر صورًا من الشجاعة والتضامن. على سبيل المثال، يتذكر فادي كيف اصطحبه أحدهم، وهو طفل، إلى إحدى اللجان الشعبية (وهي مجموعات الأحياء التي تشكلت تلقائيًّا أثناء الثورة لحماية المناطق المحلية)، واصفًا إياها بأنها مساحة للفرح الجماعي والتكافل المتبادل.
على الرغم من تجزؤ ذكرياتهم، تكشف شهادات المُستطلعين أنهم تماهوا لاحقًا مع الثورة وأضفوا عليها طابعاً رومانسياً. وأعرب الكثيرون عن توقٍ عميق لأن يكونوا جزءًا من تلك الأحداث. وعبرت دينا عن هذا الشعور قائلةً: «لطالما تمنيت أن أكون واحدة منهم… إذا حدث شيء يوماً ما، فسأرغب في أن أكون جزءًا منه»، بينما أعرب طارق عن أمنيته بأن يكون أكبر سنًا حتى يتمكن من المشاركة في الثورة، واصفًا أيامها بأنها «لا يمكن نسيانها أبدًا». ومن خلال الحديث معهم، يتضح أن هذا التوق لا يقتصر على تفويت فرصة المشاركة في الأحداث في حد ذاتها، بل يتعلق بالحنين إلى لحظةٍ كانت فيها الإمكانات الجماعية مفتوحةً، قبل أن تُسلب منهم.
غالبًا ما تُوصف الثورة بلغة الأحلام والأمل. على سبيل المثال، شبّهتها سلمى بأن يسرق أحدهم الأمل منك ويحطمه إلى أشلاء، بينما وصفها خالد بأنها «حلم لم يتحقق أبدًا»، وبأنها تجربة وسّعت آفاق تفكيره إلى ما يتجاوز اهتماماته الشخصية. ويتجذّر هذا التماهي المشوب بالحنين في تجاربهم الحياتية مع القيود السياسية المستمرة، التي بدورها تشكل المنظور الذي يقيّمون الثورة من خلاله. وعلى هذا النحو، لا يحكمون على الثورة على أساس ما حققته فعليًّا، بل بوصفها حركة مناهضة للقمع تتقاطع مع نضالاتهم. تعبّر دينا، على سبيل المثال، عن رؤيتها للظروف الراهنة بوصفها نتاجاً لمسار الثورة، الذي يؤثر في جيلها على وجه الخصوص، وترى في الحركة الثورية محاولة لمعالجة الصعوبات عينها التي يواجهونها اليوم. بالنسبة إلى المستطلعين، تُضفى على الثورة صورة رومانسية لأنها تمثل عالماً لم تكن فيه القيود التي يعيشونها اليوم أمراً حتمياً. وبالتالي، لا تُعامل الثورة بوصفها كمجرد حدثٍ من الماضي، بل باعتبارها مساحةً للتأمل الأخلاقي وتكوين الذات.
أدوات الحنين إلى الماضي: الأغاني والأفلام والوسائط الرقمية
كما تبيّن أعلاه، لا تتسم علاقة المشاركين في المقابلات بالذاكرة الرسمية لثورة «25 كانون الثاني/يناير» بمجرد الاختلاف معها، بل أيضًا بقدرٍ واضحٍ من عدم الاهتمام بها. فعلى الرغم من إدراكهم محاولات السيطرة على ذاكرتهم، تتمثل استجابتهم غالبًا في الابتعاد العملي عنها بدلًا من معارضتها بصورةٍ نشطة. وفي هذا السياق، يروي المشاركون في المقابلات لجوءهم إلى مصادر بديلة لإعادة بناء الماضي، ولا سيما الأغاني المرتبطة بالثورة التي تحمل ثقلًا عاطفيًّا لا تستطيع وسائل الإعلام الرسمية أو الكتب المدرسية أو السجلات التاريخية محاكاته. تُشكل هذه الأغاني الثورية مجموعة متنوعة ومتطورة من الأعمال الفنية. وهي نادرة في القنوات التلفزيونية والإذاعية التي ترخصها الدولة، لكنها أصبحت مصدرًا أساسياً للذاكرة بالنسبة إلى المُستطلعين. وعلى خلاف وسائل الإعلام التقليدية، لا تُستهلك هذه الأغاني بشكل سلبي، بل يسعى الأفراد بنشاط إلى البحث عنها عبر المنصات الرقمية، مثل يوتيوب وفيسبوك وخدمات البث الموسيقي.
تتراوح الموضوعات التي تتناولها الأغاني التي ذكرها المشاركون في المقابلات باعتبارها أساسية لفهمهم للثورة بين موضوعات الأمل والتعبير عن خيبة الأمل، ما يعكس مسار الثورة. وتعدّ فرقة «كايروكي» الأكثر استماعاً بينهم، وقد اكتسبت شهرتها مع أغنيتها «صوت الحرية» عام 2011، التي أُلفت خلال الأيام الثمانية عشر الأولى من الثورة. ومنذ ذلك الحين، اشتهرت الفرقة بإنتاج موسيقى تعبر عن المشهد السياسي السائد في كل مرحلة. ومن بين هذه الأغاني «اثبت مكانك»، التي تعبر عن الصمود والتحدي في مواجهة القمع؛ و«يا الميدان»، التي تحتفي بالاحتجاج الجماعي والتضامن في ميدان التحرير؛ و«مطلوب زعيم»، التي تعبر عن الحاجة إلى رئيس في خضم الانتخابات الرئاسية عام 2012. وإلى جانب «كايروكي»، ذكر المشاركون في المقابلات فنانين آخرين أقل شهرةً قدموا أغانيَ تتناول اللحظة الثورية. ومن ضمنها أغنية «بندعيلكوا»، وهي أغنية ثورية كتبها الشاعر مصطفى إبراهيم وغناها محمد محسن، وتكرّم شهداء ثورة 25 كانون الثاني/يناير والتضحيات التي قدموها ليحظى الآخرون بحياةٍ أفضل. كما أشاروا إلى أغنية احتجاجية أخرى بعنوان «آه يا مجلس يا ابن الحرام»، ارتبطت بالغضب تجاه المجلس الأعلى للقوات المسلحة بعد مذبحة استاد بورسعيد عام 2012، التي قُتل فيها أكثر من 70 مشجعاً لكرة القدم، معظمهم من مشجعي النادي الأهلي، وسط اتهاماتٍ بإهمال الدولة وتواطئها.
بالنسبة إلى من شهدوا الثورة وهم بالغون، تعكس هذه الأغاني التحولات في مشاعر المتظاهرين ومواقفهم العاطفية، من النشوة التي سادت في بداية الثورة، إلى خيبة الأمل والحنين إلى الماضي في مراحل لاحقة. أما بالنسبة إلى الذين لم تتح لهم فرصة المشاركة في الثورة، تؤدي الثقافة الشعبية دور أرشيفٍ مضاد للهيمنة. فحتى من دون فهم الأبعاد السياسية، تنقل الأغاني ارتباطًا عاطفيًّا بالثورة، وتتيح صلةً مشبعةً بالحنين إلى لحظةٍ بعيدة في الماضي. على سبيل المثال، تؤكد سلمى أن الأغاني تمثل جزءًا أساسيًا من ذاكرتها عن ثورة 25 كانون الثاني/يناير، خصوصاً أنها لم تشهد الأحداث بنفسها، معتقدةً أن هذه هي الطريقة الأساسية التي يتفاعل من خلالها جيلها مع ذاكرة الثورة. وبالمثل، أوضحت دينا أنها تتذكر شهداء الثورة خصوصاً من خلال الأغاني التي تتناولهم.
كذلك، تؤدي الأفلام ووسائل التواصل الاجتماعي دورًا مهمًا في إعادة بناء الماضي. وكثيرًا ما أشار المشاركون في المقابلات إلى مشاهدة أفلام مثل «18 يومًا» و«اشتباك» وأفلام وثائقية أخرى، باعتبارها مصدرًا رئيسيًّا للمعلومات. وأعرب البعض، مثل يوسف وسلمى، عن تجاهلهم للتلفزيون، وبالتالي للسردية الرسمية، واعتمادهم بدلاً من ذلك على وسائل التواصل الاجتماعي، لا سيما يوتيوب وفيسبوك، أو حتى برامج السخرية السياسية القديمة، مثل برنامج «البرنامج» لباسم يوسف، للحصول على معلومات عن الثورة. تعمل هذه المواد الرقمية المتفرقة بوصفها أرشيفات حية تستحضر الماضي إلى الحاضر عبر وضع النضالات القديمة في مواجهة النضالات المعاصرة. وكما كشفت المقابلات، أصبحت هذه الأغاني والأفلام والمحتويات الرقمية الوسائل الرئيسية التي يعيد من خلالها أفراد جيل "زد" بناء الماضي الثوري، إذ تُصوَّر نضالاتهم فيها. وينقل ذلك ارتباطًا عاطفيًّا بأحداثٍ لم يعيشوها بأنفسهم، على الرغم من شعورهم بالحنين إليها.
تداعيات الحنين إلى الماضي
يؤكد الباحثون في الحركات الاجتماعية دور الذاكرة في بناء هويات الحركات الاجتماعية وتحفيز النشاط السياسي. بالنسبة إلى المُستطلعين هنا، مثّلت الثورة لحظة تأسيسية لانخراطهم السياسي. على سبيل المثال، تصف دينا كيف شكل حنينها إلى الثورة نشاطها على تويتر ورغبتها في المشاركة في دعوة أيلول/سبتمبر 2019 للتظاهرات، محوّلةً حنينها إلى استعدادٍ للعمل السياسي، ومستمدةً منه نموذجًا عاطفياً تطمح إلى إعادة تجسيده في المستقبل. يصف خالد الانتفاضة بأنها حدث اتسم بالانفتاح الفكري، ودفعه إلى متابعة التطورات السياسية بانتظام، بينما تربط سلمى عدم قدرتها على التصوير بالكاميرا في القاهرة بمسار الثورة، إذ تُعيد جذور مظالمها إلى الثورة وما تلاها من تغوّل أمني للدولة.
ومع ذلك، يمكن لذكريات الحنين إلى الماضي أن تؤدي أيضًا دوراً في تثبيط التعبئة السياسية. يلاحظ نورمان أن الحنين إلى الماضي ينطوي على طابعٍ صوفي يجعل استعادة الماضي تبدو بعيدة المنال، لا سيما في ظلّ القيود السياسية الراهنة. وعلى هذا النحو، أسهم الارتباط العاطفي القائم على الحنين بثورة «25 كانون الثاني/يناير» في تهدئة الإحباطات السياسية للأفراد، وكبح اندفاعهم نحو التعبير عن المعارضة أو الانخراط في النشاط السياسي. أعرب العديد من المُستطلعين هنا ممن ارتبطوا بشدة بثورة عام 2011، عن خيبة أملهم في مسارها، واصفين جيلهم بأنه الجيل الذي ورث «الفاتورة»، لا «الميدان»، ما دفعهم إلى الابتعاد عن السياسة تمامًا. على سبيل المثال، يعبر يوسف عن أن فشل الثورة جعله متشككاً في فعالية الاحتجاجات الجماهيرية، بينما يؤكد طارق وفادي أنهما لم يعودا مهتمين بمعرفة المزيد عن السياسة، بل يتعمدان تجاهلها، ويعزوان ذلك إلى خيبة أملهما في مسار الثورة وتركيزهما على تأمين بقائهما الاقتصادي على المستوى الشخصي.
ما يتضح من الروايات التي يسردها المُستطلعون هو أن ذكريات الحنين لثورة عام 2011 تؤدي دوراً تأسيسياً في تشكيل مواقفهم السياسية وأساليب مشاركتهم. بالنسبة إلى دينا، ينتج الحنين إلى الماضي أطراً ذهنية ترى في النشاط السياسي والاحتجاجات الجماهيرية الحلّ الوحيد القابل للتطبيق في مواجهة الاستبداد. أما بالنسبة إلى آخرين، مثل خالد وسلمى، فتمثل ذكرى الثورة تجربة تأسيسية في التثقيف السياسي، تعزز الوعي السياسي والانخراط النقدي في الشؤون الراهنة. من ناحية أخرى، أنتجت ذكريات الحنين عينها إلى الثورة شعوراً بالاستسلام وانسحاباً متعمداً من السياسة، ما أدى إلى تراجع التسييس والتشكيك في جدوى العمل الجماعي، كما في حالة طارق. وبهذه الطريقة، حتى ضمن عينة صغيرة مكونة من ستة مُستطلعين ينتمون إلى خلفيات متجانسة نسبيًا، يتضح أن ذكريات الحنين إلى الماضي عينها تؤدي إلى نتائج متباينة، تبعاً لكيفية تفسير المشاركين لفشل الثورة وربطهم إياه بنضالاتهم الراهنة.
الخلاصة
لاحظ دورسي أن حنين المناضلين الثوريين الأتراك يشكّل ممارسة عاطفية تشكّل ذواتهم السياسية وآفاقهم الأخلاقية، ما يعزز الروابط الجيلية بينهم، بينما تُسهم، في الوقت عينه، في «عزلتهم الأخلاقية» عن المجتمع الأوسع، وتحدّ من إمكانيات ابتكار أساليب جديدة للعمل. وتظهر ديناميكية مماثلة بين المشاركين في المقابلات هنا. على الرغم من اختلاف تأثير ذكرى الثورة في المواقف السياسية، فإن العاطفة المشتركة التي يتقاسمها المشاركون الستة في المقابلات هي حنين جماعي يولد توقًا رومانسيًّا إلى 25 كانون الثاني/يناير. وأدت هذه النظرة الرومانسية إلى الثورة لتجاهل المُستطلعين السردية الرسمية التي تساوي بين الثورة والفوضى وعدم الاستقرار، ودفعتهم بدلاً من ذلك إلى اللجوء لمصادر بديلة للمعلومات تحمل وزنًا عاطفيًّا أكبر، لكنها تفتقر إلى العمق التاريخي. أعرب عددٌ من المُستطلعين عن أن تلك الأفلام والأغاني جعلتهم يشعرون بالارتباط بالثورة كما لو أنهم شاركوا فيها شخصيًا. وعلى هذا النحو، فإن تجنب السجلات التاريخية والتحليلات السياسية والكتب المُعمّقة، والاعتماد بدلاً منها على الأغاني والأفلام، يتيح لهم الشعور بالارتباط بالثورة، ما يمنحهم إحساسًا بالانتماء إلى جماعة تجمعها ذاكرة مشتركة، من دون الحاجة إلى الالتزام الذي يستلزمه فهم أكثر شمولاً. على الرغم من أن رمزي أظهر كيف يمكن توظيف ماضٍ لا يُعرف عنه سوى القليل كمورد للتعبئة، فإن الأشخاص الستة الذين قابلناهم هنا يعاملون ذكرى 25 كانون الثاني/يناير بوصفها مرآة لما فقدوه، لا مورداً رمزياً للتعبئة أو درساً تاريخياً يمكن التعلم منه.
تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.