ملخص تنفيذي
تتناول هذه الورقة حرب السودان باعتبارها اقتصادًا سياسيًا ذاتي الاستدامة ومندمجًا في سلاسل إمداد إقليمية وعالمية. وتنطلق الورقة من أن الصراع يستمر مع مواصلة الأطراف المسلحة تمويل عملياتها والحفاظ على قدرتها على خوض الحرب، من خلال الاتجار بالموارد الطبيعية عالية القيمة مقابل الأسلحة والتمويل والدعم الخارجي.
وتحلل الورقة كيفية تداول هذه الموارد عبر شبكات تجارية إقليمية وأخرى مرتبطة بالدول الخليجية، ما يخلق دورة تمويل تغذي الصراع وتطيل أمده. وبذلك، أصبح استخراج الموارد والتهريب عبر الحدود وتوفير الدعم اللوجستي ركائز أساسية في الاقتصاد السياسي الذي يديم الحرب.
وتخلص الورقة إلى أن أي تسوية مستدامة تتوقف على معالجة الاقتصاد السياسي القائم على الموارد في السودان، وتحديدًا من خلال تعطيل شبكات التجارة والتهريب والأسواق التي تغذي استمرار الحرب.
مقدمة
دخلت الحرب في السودان عامها الرابع، وأدت إلى أكبر أزمة إنسانية في العالم، إذ تسببت في نزوح نحو 14 مليون شخص ومقتل مئات الآلاف. ووفقًا للأمم المتحدة، سيحتاج قرابة 34 مليون شخص، أي أكثر من ثلثي سكان السودان، إلى مساعدات إنسانية في عام 2026. ومع ذلك، لا يمكن تفسير استمرار الصراع بالديناميات العسكرية وحدها. فهو متجذر أيضًا في اقتصاد حرب يمكّن الأطراف المسلحة من مواصلة عملياتها عبر استغلال الموارد، والتجارة غير المشروعة، والشبكات التجارية العابرة للحدود.
اندلع الصراع في نيسان/أبريل 2023 نتيجة نزاعٍ على السلطة داخل المجلس العسكري الحاكم في السودان، بين القوات المسلحة السودانية بقيادة الجنرال عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع بقيادة الجنرال محمد حمدان دقلو (حميدتي).
وفشلت مرارًا جهود وقف إطلاق النار ومحاولات التوصل إلى تسوية سياسية، في ظل تضارب المصالح، وضعف الضغط الدولي، واستمرار الدعم الخارجي للطرفين. وتحلل هذه الورقة اقتصاد الحرب المربح الذي يمول تدفقات الأسلحة واستمرار القتال، فيما توفر أطراف خارجية الأسلحة والتمويل والشبكات التجارية لكل من القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع.
وعلى الرغم من أن الحرب اندلعت على خلفية انهيار عملية الانتقال، التي قادها الجيش نحو حكمٍ مدني، فضلًا عن التنافس الممتد بين القادة العسكريين، فإنها في جوهرها صراع للسيطرة على الدولة ومواردها، ما يمثل امتدادًا لنمط أوسع في تاريخ السودان يقوم على الاستيلاء على السلطة بالقوة. ويواصل الطرفان جني الأرباح من موارد السودان من خلال شبكات التجارة الإقليمية، التي ترتبط إلى حدٍ كبير بشركاتٍ تنشط في أسواق الخليج والدول المجاورة، وسط رقابة تنظيمية محدودة وغياب ضغوط دولية مضادة تُذكر.
السلع الأساسية والأرباح والصراع الممتد
ينبع الصراع المستمر في السودان من تنافس طويل الأمد بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع على الهيمنة السياسية والاقتصادية، لا سيما على الموارد الطبيعية الهائلة للبلاد. وحتى قبل اندلاع الحرب عام 2023، عندما كان الطرفان شريكين في السلطة، كانا يتنافسان بالفعل على السيطرة على القطاعات المربحة ومصادر الإيرادات وأصول الدولة.
في عهد الحاكم الاستبدادي السابق عمر البشير، أُنشئت قوات الدعم السريع كقوة شبه عسكرية تدعم الجيش في عمليات مكافحة التمرد. ومُنحت، إلى جانب القوات المسلحة السودانية، نفوذًا واسعًا في قطاعات رئيسية من الاقتصاد، من بينها القطاع المصرفي والاتصالات والتجارة وتعدين الذهب، ضمن منظومة صُممت لضمان بقاء النظام.
ومن خلال إدماج القوتين في شبكات تجارية متوازية عبر قطاعات اقتصادية رئيسية، هيّأ البشير عمليًا الظروف لنشوء تنافسٍ اقتصادي بينهما، تحوّل في نهاية المطاف إلى مواجهة سياسية. وكما يصفها أحد المحللين، فإن المواجهة بين الجيش والدعم السريع هي «حرب خلافة» على الدولة العسكرية التي أسسها البشير، وتتنافس فيها «أسواق عسكرية» ترسم لكلّ طرف مجالًا اقتصاديًا منفصلًا، وتدفع الجماعات المسلحة المحلية إلى تبديل تحالفاتها بين المعسكرين. ومع ذلك، يبقى الطرفان جزءًا من منظومة اقتصادية أوسع ويعتمدان على أطراف خارجية متداخلة.
لذلك، أدت السلع الأساسية دورًا محوريًّا في حرب السودان منذ البداية، إذ بنى كل طرف «هياكل اقتصادية موازية» حول الموارد التي تتيح له مواصلة عملياته العسكرية. وتوصلت دراسة للمعهد الدولي لبحوث سياسات الأغذية إلى أن الصراع مدفوع إلى حدٍ كبير بتصاعد المنافسة بين الجيش وقوات الدعم السريع على الموارد الاستراتيجية.
ويعتمد الطرفان على السلع الأساسية المدرة للإيرادات مثل الذهب والثروة الحيوانية والصمغ العربي والنفط، إلى جانب سلاسل إمداد توفر التمويل اللازم لمجهودهما الحربي. ومع مرور الوقت، طوّر كل منهما أيضًا شبكة من التحالفات الإقليمية والدولية التي تؤثر، إلى جانب قواعدهما المالية والاقتصادية، في المسار السياسي للسودان.
الذهب
يُعد الذهب، الذي يمثل ما لا يقل عن 70 في المئة من عائدات الصادرات السودانية، الأصل الاستراتيجي الأهم للبلاد ومصدرها الرئيسي للعملات الأجنبية. ولا يؤدي عمليًا دور عملة حرب تمكّن الأطراف المسلحة من تجاوز الأنظمة المصرفية الرسمية عبر شبكات التجارة غير المشروعة.
تسيطر قوات الدعم السريع على مناطق رئيسية لتعدين الذهب في دارفور وكردفان، بينما يشرف الجيش السوداني على جزءٍ كبير من عمليات الاستخراج في شرق السودان. ويُهرَّب الذهب من مناطق سيطرة الطرفين عبر مسارات إقليمية تمرّ بتشاد وليبيا وجنوب السودان، وفي حالة المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش، عبر مصر، قبل أن يصل إلى الإمارات العربية المتحدة، ولا سيما دبي، التي تُعد مركز التداول الرئيسي للذهب السوداني.
وبعد تكريره، يدخل هذا المعدن الثمين في سلاسل التوريد العالمية، فيما تصبح أصوله الفعلية أكثر غموضًا. وخلص تحقيق أجراه مركز الدراسات البيئية والاجتماعية إلى أن الذهب المرتبط بمصفاة الذهب السودانية في الخرطوم، ورد ذكرها في تقرير فولكسفاغن للمواد الخام المسؤولة لعام 2024، يُرجَّح ارتباطه بمواد نُهبت بعد سيطرة قوات الدعم السريع على المنشأة عام 2023. وقد وفرت هذه الدائرة التجارية الموازية لكل من الجيش السوداني وقوات الدعم السريع سيولة مالية مكّنتهما من شراء الوقود والأسلحة والذخائر والتقنيات المتطورة مثل الطائرات المسيّرة.
الصمغ العربي
أصبح الصمغ العربي، الذي كان السودان تاريخيًا يلبي نحو 70–80 في المئة من الطلب العالمي عليه، مصدرًا مهمًا لتمويل الصراع أيضًا.
وعلى الرغم من الحرب، تواصل الأسواق الأوروبية والأسواق الدولية الأخرى استيراد هذه السلعة، المستخدمة في صناعة الحلويات والمشروبات والأدوية ومستحضرات التجميل، عبر سلاسل إمداد مرتبطة، في كثير من الأحيان، بشكل مباشرٍ أو غير مباشر بأطراف الصراع في السودان. ومع تركّز جزء كبير من الإنتاج والتجارة في المناطق الخاضعة لسيطرة «قوات الدعم السريع»، تدرّ شبكات التهريب عائدات كبيرة لتمويل عملياتها الحربية.
يُبرز بحث أجرته منظمة السلام الهولندية «باكس» كيف أتاحت سلاسل التوريد غير الشفافة ترسّخ ممارسات غير مشروعة، من ضمنها سيطرة «قوات الدعم السريع» على طرق التهريب، وفرض ضرائب غير رسمية على التجار في المناطق الخاضعة لسيطرتها، ونهب الصمغ العربي وإعادة بيعه في دولٍ مجاورة. وكثيرًا ما يُهرَّب الصمغ العربي عبر الحدود سهلة الاختراق إلى تشاد وجنوب السودان، قبل إعادة تصديره ووضع ملصقات منشأ جديدة عليه لطرحه في الأسواق العالمية، غالبًا من دون شهادات اعتماد أو إمكانية تتبع مصدره.
الثروة الحيوانية
أصبح قطاع الثروة الحيوانية في السودان، وهو أحد أهم قطاعات التصدير في البلاد ومورّد رئيسي للمملكة العربية السعودية ومصر، متشابكًا بعمق مع اقتصاد الحرب. تتزايد حركة الماشية من دارفور ووسط السودان باتجاه بورتسودان عبر مسارات غير رسمية، يسيطر عليها الجيش السوداني وقوات الدعم السريع أو تتنازعان السيطرة عليها. وفي مناطق الرعي الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع في دارفور وكردفان، تفرض القوات ضرائب غير قانونية ورسوم حماية، كما تستولي على قطعان من الماشية، ما حول هذه التجارة إلى مصدرٍ رئيسي للإيرادات.
ويؤكد تقرير صادر عن برنامج تتبع الشفافية والسياسة في السودان هشاشة هذا القطاع أمام عمليات الابتزاز التي تمارسها الجماعات المسلحة، لا سيما قوات الدعم السريع، في حين لا يزال قطاع الثروة الحيوانية يسهم في تمويل طرفي النزاع. كما جادل نيكولاس ستوكتون، المستشار الإنساني السابق للأمم المتحدة، بأن صادرات الماشية إلى أسواق دول الخليج تشكّل «محركًا رئيسيًا» للحرب في السودان.
النفط
لا يزال النفط يتمتع بأهمية استراتيجية، لكن دوره في اقتصاد الحرب يختلف عن دور الذهب وغيره من السلع التي يسهل تداولها.
بعد استقلال جنوب السودان عام 2011، خسرت البلاد نحو ثلاثة أرباع احتياطياتها النفطية، لكنها احتفظت بمعظم البنية التحتية اللازمة لتصدير نفط جنوب السودان الخام.
وبذلك، أصبحت البنية التحتية النفطية أكثر أهميةً من الناحية الاستراتيجية من حقول النفط وحدها. ونتيجة لذلك، منذ اندلاع الحرب، تركز التنافس بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع على السيطرة على البنية التحتية الاستراتيجية للطاقة أكثر من الاستحواذ على الاحتياطيات النفطية. ولا تكمن قيمة هذه المنشآت في عائدات عبور النفط فحسب، بل أيضًا في إتاحة الوصول إلى الوقود الضروري للعمليات العسكرية.
بالنسبة إلى قوات الدعم السريع، شكّلت البنية التحتية النفطية ورقة عسكرية أكثر منها مصدرًا للإيرادات. وطوال معظم فترة الحرب، سيطرت القوات أو تنازعت السيطرة على أجزاء من خطوط أنابيب رئيسية، ومحطات ضخ ومصفاة الجيلي شمال الخرطوم، إلى أن استعاد الجيش السوداني السيطرة عليها عام 2025. وأتاح ذلك لهذه القوات تقييد وصول الجيش إلى الوقود، وتهديد طرق الإمداد الحيوية، وامتلاك ورقة ضغط عبر السيطرة على البنية التحتية الضرورية لإمدادات الوقود في السودان وصادرات جنوب السودان النفطية.
لذلك، حافظت البنية التحتية النفطية على أهميتها الاستراتيجية، لكنها لم تكن المصدر الرئيسي لتمويل الحرب.
بدلًا من ذلك، استمر تمويل الصراع بشكل أساسي من خلال السيطرة على إنتاج الذهب، وفرض الرسوم على التدفقات التجارية، وشبكات المحسوبية، والدعم الخارجي. أما الأصول النفطية، فاستُخدِمت بمثابة أدوات للضغط العسكري والمساومة السياسية، أكثر من كونها مصدرًا رئيسيًا للإيرادات.
شبكات الأعمال العابرة للحدود: شرايين الحرب الخارجية
أصبح الحلفاء الإقليميون من أبرز عوامل تمكين استمرار الحرب في السودان، إذ يعتمد طرفا الصراع على جهات خارجية للحصول مباشرةً على الأسلحة والتمويل، والدعم السياسي، والعلاقات التجارية، والوصول إلى الأسواق الدولية.
ومن المرجح أن اقتصادَي الحرب لدى الجيش السوداني وقوات الدعم السريع لا يمكن أن يستمرا من دون الدعم المالي والوصول إلى الأسواق المرتبطين بدول الخليج، التي تواصل تسهيل تجارة السلع المرتبطة بالنزاع، ما يوفر شرايين اقتصادية حيوية للأطراف المتحاربة، ويساعد على ترسيخ اقتصاد حرب يحقق أرباحًا من العنف، وفي الوقت عينه، يساعد على إدامته.
وخلافًا لنزاعاتٍ سابقة شهدها السودان، تتسم الحرب الحالية بقدرٍ لافت من التكافؤ بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، سواء في السيطرة على الأراضي أو في القدرات. وتعمل قوات الدعم السريع، وهي أقوى قوة شبه عسكرية أفرزها عهد عمر البشير، بوصفها فاعلًا عابرًا للحدود، وقد تطورت إلى قوة اقتصادية راسخة قادرة على الوصول إلى مصادر التمويل والأسلحة والقنوات الدبلوماسية في الخارج، بطرق نادرًا ما تشهدها الجماعات المسلحة غير الحكومية في المنطقة.
ويستخدم الطرفان تدفقات الموارد لبناء علاقات ثنائية مع شركاء خارجيين. إذ يمكن تحويل السلع والموارد إلى عملات صعبة تُستخدم لشراء الوقود والأسلحة والذخيرة والطائرات المسيّرة، أو مقايضتها بصورة أكثر مباشرة مقابل دعمٍ سياسي وعسكري. وبالتالي، ترتبط اقتصادات الحرب لدى الطرفين بشكلٍ وثيق بالمصالح الاستراتيجية والتجارية للقوى الإقليمية. ويخلق ذلك حوافز لا تدفع الأطراف المتحاربة السودانية إلى مواصلة القتال فحسب، بل تدفع أيضًا جهات خارجية إلى الحفاظ على النفوذ وإمكانات الوصول والفرص الاقتصادية التي يتيحها استمرار الصراع.
الداعمون الدوليون للجيش السوداني
يعتمد الجيش السوداني على مجموعة من الداعمين الخارجيين، ما أسهم في تعزيز نفوذ التيارات المتشددة داخل قيادته، وترسيخ استراتيجية المواجهة العسكرية المستمرة.
تعد مصر أحد أبرز داعمي قوات عبد الفتاح البرهان، إذ تربطها بها علاقات سياسية وعسكرية واقتصادية وثيقة تحكمها مصالح استراتيجية، من ضمنها تأمين حدودها الجنوبية، وحماية منفذها إلى البحر الأحمر، وضمان أمن مياه النيل، واحتواء إثيوبيا عبر التنسيق مع السودان. كما تستفيد مصر من تدفقات الذهب والصمغ العربي السوداني إلى أسواقها لتعزيز احتياطاتها المستنزفة، في حين توفر هذه التدفقات للجيش السوداني شريانًا ماليًا حيويًا. وكما يشير أحد الخبراء، فإن لمصر مصلحة في الإبقاء على السودان كمخزن يمدّها بالموارد. ويتلقى الجيش السوداني أيضًا دعمًا من إيران وتركيا، خصوصًا عبر عمليات نقل مبلّغ عنها لتكنولوجيا الطائرات المسيّرة ومساعدات عسكرية أخرى. وتزود شركة «سارسيلماز» التركية المصنعة للأسلحة الجيش السوداني بالمعدات، فيما أفادت تقارير بأن الطائرات المسيّرة الإيرانية ساعدت الجيش على تغيير ميزان القوى في الصراع، ما أدى إلى إبطاء تقدم قوات الدعم السريع، على الرغم من أن طهران والخرطوم نفتا رسميًا وجود علاقات عسكرية مباشرة بينهما.
وتدعم السعودية الحكومة المعترف بها دوليًا بقيادة القوات المسلحة السودانية، وتستضيف جهود وساطة فشلت حتى الآن في إنهاء الصراع. ويستند دعمها إلى مصالح استراتيجية تشمل الأمن الغذائي، واستقرار التجارة في البحر الأحمر، ومنع امتداد العنف إلى دول المنطقة. وقد زار وفد سعودي ميناء بورتسودان في آذار/مارس 2025، متعهدًا بدعم جهود إعادة الإعمار. وتركزت المناقشات على مساندة قطاعات الطاقة والصحة والمياه التي دمرتها الحرب. كما عززت السعودية انخراطها في السودان من خلال دبلوماسية إعادة الإعمار، والمساعدات الإنسانية، ودعم البنية التحتية الأساسية.
كما طورت روسيا علاقاتها مع الجيش السوداني في سعيها إلى الحصول على منفذٍ بحري على البحر الأحمر، مع تزويد الجيش بالوقود والأسلحة والمعدات العسكرية. وفي أيار/مايو 2024، أعلن البرهان أن السودان توصّل إلى اتفاق مع روسيا يسمح لها بإنشاء منشأة بحرية على ساحل البحر الأحمر مقابل الحصول على أسلحة وذخائر، ما أسهم في إضفاء مزيدٍ من الطابع الدولي على الصراع وتعزيز المجهود الحربي للجيش السوداني.
الداعمون الدوليون لقوات الدعم السريع
تُعتبر الإمارات العربية المتحدة على نطاقٍ واسعٍ الداعم الرئيسي لقوات الدعم السريع، في ظلّ توفّر أدلة واسعة تربطها بتقديم الدعم المالي واللوجستي والعسكري، على الرغم من نفي أبو ظبي المتكرر أي ضلوع لها في الصراع. وأشارت تقارير للأمم المتحدة إلى تزويد إماراتي بالأسلحة والطائرات المسيرة، بشكل مباشر أو غير مباشر. كما كشف تقرير صادر عن منظمة «ذا سينتري» عن أن قوات خليفة حفتر في شرق ليبيا زوّدت قوات الدعم السريع بالوقود مقابل دعم إماراتي، ما أسهم عمليًا في تمكين استمرار الحرب في دارفور.
بالنسبة إلى الإمارات، يحتلّ السودان موقعًا ضمن مشهد استراتيجي أوسع تحكمه مصالح مرتبطة بالوصول إلى البحر الأحمر، والأمن الغذائي، والسيطرة على شبكات الذهب والتجارة. وباعتباره بوابة تصل بين البحر الأحمر وعمق القارة الأفريقية، يعكس السودان أيضًا مساعي أبو ظبي الأوسع لتوسيع نفوذها في منطقة الساحل والقرن الأفريقي، بما يشمل إريتريا وإثيوبيا وجيبوتي وتشاد وجمهورية أفريقيا الوسطى. كما أسهم امتداد النفوذ الإماراتي إقليميًا في تشكيل الاصطفافات، إذ تميل بعض الأطراف الساعية إلى توثيق علاقاتها مع أبو ظبي نحو قوات الدعم السريع، بما في ذلك تشاد وإثيوبيا وفصائل في شرق ليبيا مرتبطة بخليفة حفتر.
كما أفادت تقارير بأن إثيوبيا تدعم قوات الدعم السريع. وقد وثّق تقرير صادر عن مختبر جامعة ييل للبحوث الإنسانية أنشطة في موقع عسكري في مدينة أسوسا، غربي إثيوبيا وقرب الحدود السودانية، شمل تعديل مركبات مدنية وتسليحها لصالح الدعم السريع. وكشفت تقارير لاحقة لوكالة رويترز أن إثيوبيا استضافت معسكرات لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لقوات الدعم السريع.
وتشكّل تشاد وليبيا ممرين رئيسيين لسلاسل الإمداد المرتبطة بقوات الدعم السريع، تمرّ عبرهما الأسلحة والطائرات المسيّرة وغيرها من المعدات العسكرية.
وقد وثّق تقرير لخبراء تابعين للأمم المتحدة مسارات شحن مرتبطة بالإمارات تمرّ عبر تشاد وصولًا إلى السودان، من ضمنها تدفقات مرتبطة بأنشطة قوات الدعم السريع في دارفور. وبالمثل، برز جنوب السودان كمركز عبور لشبكات تهريب الذهب المرتبطة بقوات الدعم السريع، بما يشمل الذهب الناتج من التعدين الحرفي.
ولا يخضع اقتصاد الحرب لدى أي من الطرفين لسيطرة مركزية كاملة. فعلى الرغم من هيمنة الجيش السوداني وقوات الدعم السريع على نقاط رئيسية في سلاسل إمداد السلع والموارد، تنشط عبر هذه الشبكات ميليشيات وأطراف متحالفة متعددة، تسيطر على تدفقات الموارد وقطاعات اقتصادية رئيسية، فيما تعتمد على شبكات الرعاية والدعم من أحد الطرفين للحفاظ على مواقعها واستمرار اقتصاد الحرب الأوسع.
بيئة إقليمية متغيرة
إن تصعيد الحرب مع إيران يعيد تشكيل التنافس الإقليمي على السودان. ووفقًا لبيانات ، قد يؤدي هذا التصعيد إلى تغيير ميزان القوى، من خلال الحدّ من قدرة الإمارات على مواصلة دعم قوات الدعم السريع، في حين يُرجّح أن يستمر الجيش السوداني في تلقي الدعم من مصر وتركيا، حتى في حال تراجع الدعم المقدم من السعودية وإيران.
ويرى «المعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية» أن الحرب تجعل دعم الإمارات لقوات الدعم السريع أكثر كلفةً وصعوبةً في الاستمرار، فيما قد تؤدي الالتزامات العسكرية الإيرانية المتزايدة أيضًا إلى تقليص دعم طهران للجيش السوداني بالطائرات المسيّرة. ومع ذلك، يبدو الجيش السوداني في وضعٍ أفضل يمكنه من تحمّل تداعيات هذه التحولات، بفضل استمرار الدعم من مصر والسعودية، انطلاقًا من مصالحهما الاستراتيجية في السودان والبحر الأحمر.
لكن هذه التقديرات تبقى مشروطة وقابلة للتغيّر، في ظلّ اشتداد التنافس على النفوذ في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي. والمؤكد أن السودان أصبح جزءًا من ساحة تنافس إقليمية أوسع تضمّ مصر والسعودية والإمارات وتركيا وإيران. وبالتالي، يمكن لأيّ تحوّل في إحدى ساحات الصراع الإقليمية أن ينعكس على الموارد والأولويات والتحالفات التي تؤثر في مسار الصراع السوداني.
الخلاصة
أصبح الصراع في السودان راسخًا بفعل اقتصاد حرب تدعمه بدوره شبكة عالمية من المصالح.
ومع استمرار الحرب، تزداد صعوبة تتبّع سلاسل الإمداد، في ظلّ ازدياد هشاشة الحدود وتنامي مرونة تدفقات السلع والأسلحة والأموال عبرها. وغالبًا ما تُدمج الموارد المهرّبة في قنوات التجارة الرسمية، ما يحجب مصادرها ومساراتها غير المشروعة، ويعقّد جهود تتبّع الجهات الفاعلة على امتداد هذه السلاسل ومساءلتها.
كما يزيد انخراط دول متعددة من صعوبة جمع الأطراف المعنية إلى طاولة المفاوضات وخلق حوافز حقيقية لخفض التصعيد، إذ إن هذه الأطراف نفسها تسيطر، في كثير من الأحيان، على سلع أساسية وطرق تجارية رئيسية تغذي اقتصاد الصراع. ومن خلال تسليح الأطراف المتحاربة في السودان أو تمويلها أو دعمها بوسائل أخرى، تحافظ الأطراف الخارجية على قدرة الأطراف المتحاربة على مواصلة القتال، وتسهم في تدمير موارد البلاد وبنيتها التحتية، فضلًا عن الكارثة الإنسانية الناجمة عن ذلك.
ونتيجة لذلك، اكتسب التنافس على موارد السودان طابع صراعٍ بالوكالة، مع تقديم الإمارات ومصر وروسيا وتركيا أسلحة، بينما تؤدي الدول المجاورة دور ممرات رئيسية لتدفقات السلاح وتهريب السلع. وكلما تعمّق انخراط الأطراف الخارجية، تراجعت فرص التوصل إلى تسوية تقودها القوى الوطنية السودانية.
وقد تعثرت الجهود الدبلوماسية التي تقودها «المجموعة الرباعية» – الولايات المتحدة والسعودية والإمارات ومصر – في ظلّ عجز أي من طرفي الحرب عن تحقيق اختراق عسكري حاسم، وتشدّد مواقف كليهما. ومع اعتماد الطرفين على عائدات اقتصاد الحرب لتمويل شراء الأسلحة والطائرات المسيّرة، تتوافر لديهما حوافز قوية لإطالة أمد الصراع بدلًا من تقديم تنازلات.
ويفاقم ضعف آليات الإنفاذ الدولية هذه المشكلة. إذ تواصل الدول والشركات التعامل التجاري مع كياناتٍ مرتبطة بالأطراف المتحاربة، في ظلّ مساءلة محدودة أو معدومة. كما تبقى المؤسسات القضائية الدولية، ومن ضمنها محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية، مقيدةً بفعل عدم اتساق آليات الإنفاذ والتجاذبات السياسية. وفي السودان، تتفاقم هذه المشكلة بفعل ثقافة الإفلات من العقاب المتجذرة داخليًا، ما يترك فرصًا ضئيلة للمساءلة، فيما تواصل الحرب تدمير حياة المدنيين وتحويل موارد البلاد من تأمين سبل العيش إلى تمويل صراع مستدام.
لذلك، يجب أن تكون معالجة اقتصاد الحرب في صميم أي جهود وساطة ذات مصداقية. وستفشل المبادرات الدبلوماسية التي تقتصر على تقاسم السلطة السياسية إذا بقيت شبكات التجارة والتمويل والتسليح التي تغذي الصراع قائمة. ويتطلب النهج الأكثر فاعلية الجمع بين الضغط على الأطراف المتحاربة والتحرك المنسق تجاه داعميها الخارجيين والجهات التجارية التي تسهّل استمرار الحرب.
ترى «مجموعة الأزمات الدولية» أن على الولايات المتحدة وغيرها من الأطراف الدولية استخدام نفوذها لحشد مصر والسعودية والإمارات خلف إطارٍ مشترك لإنهاء الصراع، انطلاقًا من إدراك أن أيًا منها لا يستطيع تحقيق أهدافه في السودان بصورة منفردة.
وينبغي الضغط على الرياض وأبو ظبي لتقليص الدعم المقدم لحلفائهما، فيما يتعيّن على مصر والسعودية استخدام نفوذهما لدى الجيش السوداني لتشجيع بروز قيادة عسكرية مستعدة للنأي بنفسها عن الشبكات المسلحة الإسلامية والقبول بانتقال مدني شامل. كما سيكون من الضروري التنسيق مع أطراف أخرى ذات نفوذ، من ضمنها قطر وتركيا.
ويجب ربط الدعم الخارجي السياسي والمالي ودعم إعادة الإعمار باتخاذ خطوات ملموسة نحو وقف إطلاق النار والانتقال السياسي. ومن شأن إنشاء إطار وساطة موحد يضم الولايات المتحدة والاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية «إيغاد»، إلى جانب الأطراف الخليجية وتركيا، أن يساعد في الحدّ من التنافس بالوكالة وبلورة مسار تفاوضي أكثر اتساقًا. كما ينبغي للأطراف الدولية، ومن ضمنها مجموعة السبع والاتحاد الأوروبي، تجاوز الدعوات العامة إلى فرض حظرٍ على الأسلحة، والتحرك لتعطيل عمليات إيصالها، وتشديد آليات الإنفاذ، وممارسة ضغوط دبلوماسية مستمرة على الدول التي تسلح وتموّل الأطراف المتحاربة.
ويجب أن يكون الضغط المالي والتجاري موجهًا بالقدر عينه. إذ ينبغي أن تستهدف العقوبات الأفراد والشركات والشبكات التي لديها مصلحة تجارية مباشرة في استمرار الحرب، من بينها الكيانات العاملة في تجارة الذهب وشركات النقل والوسطاء الماليون. ونظرًا لأن كلًا من الجيش السوداني وقوات الدعم السريع طوّر آليات للالتفاف على العقوبات القائمة، يصبح تحديد ثغرات الإنفاذ وإغلاقها أمرًا ضروريًّا. وينبغي إخضاع الشركات العاملة في الخارج – والدول التي تتعامل تجاريًا مع أطراف متورطة في انتهاكات – لمزيدٍ من التدقيق، وعند الاقتضاء، كشف ممارساتها للرأي العام وترتيب تبعات قانونية عليها. وتكتسب الآليات الصارمة لتتبّع السلع، ومتطلبات العناية الواجبة، والتعاون الجمركي أهميةً خاصةً في ما يتعلق بالذهب والصمغ العربي والثروة الحيوانية.
ويجب أن تدعم هذه التدابير عمليةً سياسيةً بقيادة سودانية، لا أن تحل محلها. فمن شأن أيّ اتفاقٍ جديد لتقاسم السلطة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع أن يعيد إنتاج الهياكل التي أدت إلى الحرب. وينبغي لأيّ عملية سياسية ذات صدقية أن تضع القوى المدنية في مركزها، بما يشمل القوى الديمقراطية، ولجان المقاومة، والمجموعات النسائية، والنقابات العمالية، والجمعيات المهنية، والمجتمعات النازحة، وممثلي مختلف مناطق السودان.
وفي نهاية المطاف، وحده اتفاق سلام قابل للاستمرار، ترافقه مؤسسات مدنية خاضعة للمساءلة، يمكنه إخضاع تدفقات الإيرادات وشبكات التهريب لرقابة عامة مشروعة.
ومن دون مثل هذه التسوية – ومن دون جهودٍ مستدامة لتفكيك الشبكات التي تجعل الحرب نشاطًا مربحًا – ستبقى هذه المنظومات قنوات مهيمنة على صادرات السودان، وستواصل إعادة إنتاج حلقة صراع تغذي نفسها بنفسها.
تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.