مقدمة
خلال لقائه بوزيرة الصناعة والمناجم والطاقة التونسيّة، في الرابع من آذار/مارس2025، تدخّل الرئيس التونسيّ قيس سعيد مباشرةً مشددًا على ضرورة "إيجاد حل نهائي لمعضلة الفوسفوجيبس" في قابس، معتبرًا أن "العلم كفيل بإثبات عدم خطورة هذه المادة ". ولم يمض يوم واحد على تلقي هذه التوجيهات حتى عُقِد مجلس وزاري مضيق تقرر خلاله "شطب مادة الفوسفوجيبس من قائمة النفايات الخطرة" وإدراجها كمادة منتجة وقابلة للاستعمال في مجالات متعددة وفق "شروط مضبوطة".
يتعلق المشكل بإعادة تصنيف نفاية صناعية ناتجة عن معالجة الفوسفات الطبيعي، تحتوي في تركيبتها الكيميائية على العناصر التالية :
- مكون رئيسي : يتمثل أساسا في الجبس (CaSO₄2H₂O) وبقايا الحمض الفوسفوري.
- ملوثات معدنية : وتشمل المعادن الثقيلة على غرار الكادميوم (Cd)، الزنك (Zn)، الرصاص(Pb)، الكروم (Cr) وكذلك الزرنيخ (As).
- عناصر مشعة : قد يتفاوت تركيزها حسب الخام الفوسفاتي وتشمل اليورانيوم (U-238 ) والراديوم (Ra- (226.
وعلى مدار عقود، مثلت هذه المادة دليلا صارخا على الظلم البيئي في المنطقة بالنسبة للمجتمعات المتضررة نتيجة السكب المتواصل في البحر الذي تحول هو الآخر إلى مزبلة للمصانع؛ مما أدى إلى بروز إشكاليات بيئية وصحية واقتصادية عديدة، لعل أبرزها القضاء على الثروة السمكية والأعشاب البحرية النادرة التي أسهمت سابقا في إعتبار قابس كحاضنة لأكبر مراعي البوسيدونيا في البحر الأبيض المتوسط. فضلا عن تضرر الأنشطة التجارية والحرفية واستفحال الأمراض السرطانية والتنفسية، وتزايد حالات الإصابة بالإلتهابات لدى السكان المحليين. فقد أشارت نتائج تقرير التدقيق البيئي والاجتماعي للمجمع الكيميائي بقابس،الصادر في شهر يوليو 2025، إلى وجود العديد من الإخلالات التي تؤكد عدم التزام المؤسسة بمبادئ التنمية الصناعية المستدامة و غياب الامتثال في مستويات الكادميوم في الفوسفوجيبس التونسي حيث تتجاوز الحد التنظيمي المحدد ب (106,02NT). )وهو ما يثير تساؤلات جدية حول هذه المادة التي أصبحت محور نزاع محلي.
على هذا الأساس، يتجاوز القرار المعلن طابعه التقني ليتحول إلى حدث رمزي له دلالاته ومعانيه، يجعل من قرار إعادة تصنيف النفاية "السامة" ضربا من الجرأة السياسية غير المألوفة في سياق صنع السياسات البيئية التونسية. فالسرديات التي روج لها النظام لا تقل أهمية عن القرارات التي أُقِرَّت، كسردية سياسية تكشف عن عمليات أشمل لها علاقة بكيفية تأطير السلطة للمشاكل، وبالتبعية طرح حلول لها ضمن أطر علمية وسياسية.
تندرج هذه الورقة ضمن مدخل الإطار السردي للسياسات (Narrative Policy Framework)الذي يسعى إلى تفكيك البنية السردية والوقائع المرتبطة بها، باعتبارها بناءات اجتماعية للمعنى. فضلا عن فهم مكوناتها ودلالاتها على مستوى المايكرو، الميزو والماكرو. وتزداد أهمية التحليل السردي للسياسات في اللحظة التي نجد فيها أنفسنا كباحثين في منطقتنا العربية أمام أنظمة سُلطوية متوجسة تعمد إلى التعتيم والحجب المستمر للمعلومات والمعطيات الرسمية والتحالفات والشبكات المحيطة بعملية صنع السياسات. في الحالة التونسية، يميل النظام إلى الترويج لسياساته في بلاغات"فيسبوكيّة" ومراسيم وخطابات مشحونة لغويا وعاطفيا. وهو ما يجعل الإطار السردي للسياسات المدخل التحليلي الأمثل لتفكيك سردية إعادة تصنيف الفوسفوجيبس وأهدافها الأداتية من داخل النص السلطوي نفسه.
ومن هذا المنطلق، تسعى الورقة الحالية إلى الإجابة عن سؤال أساسي وهو: كيف بنى النظام التونسي سرديته لإزالة صفة الخطر عن الفوسفوجيبس؟ وما الدور الذي لعبته هذه السرديات في التأثير على واقع السياسات البيئية في تونس؟
وللإجابة عن هذا السؤال تنقسم الورقة إلى ستة محاور رئيسية، يستعرض المحور الأول جملة الإجراءات المعلنة التي أحاطت بقرار إعادة التصنيف. في القسم الثاني نتناول القرار بصفته إجراء تصحيحي يستجيب للمطلبية المحلية. أما المحور الثالث، فقد خُصِّص لتفكيك البنية السردية للقرار. بينما يحلل المحور الرابع التحالفات الخطابية الداعمة للسردية الرسمية. في حين، يطرح المحور الخامس الآليات الخطابية والرمزية التي ابتكرتها السلطة لقمع السرديات البديلة. أما المحور السادس والأخير فيركز على البعد النيوليرالي لقرار حذف الفوسفوجيبس من قائمة المواد السامة.
تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.