معالجة الهشاشة والأزمات من خلال الضمان الاجتماعي الشامل

فيما يلي الملخص التنفيذي فقط. لقراءة التقرير الكامل باللغة الإنجليزية، يرجى النقر هنا

Addressing Vulnerability and Crisis Through Inclusive Social Security
القاهرة، مصر، يناير 2026. © فاسيليسا دفويتشينكوفا/شاترستوك

ملخص تنفيذي

  1. السياق الاقتصادي والسياسي

على مدى العقد الماضي، واجهت بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا سلسلة من الأزمات التي تداخلت وتعزّزت بشكل متزايد. لا تزال النزاعات المسلحة المطوّلة في سوريا واليمن وليبيا والسودان والأراضي الفلسطينية المحتلة تعطّل سبل العيش وتؤدّي إلى تآكل البنية التحتية، في حين تفاقمت التداعيات الاقتصادية لوباء كوفيد-19 بسبب تقلبات أسعار الغذاء والطاقة العالمية، وانخفاض قيمة العملات، وارتفاع أعباء الديون. تتكشّف هذه الضغوط في منطقة تتّسم بالفعل بضعف هيكلي في سوق العمل، ومستويات عالية من العمل غير الرسمي، وحيّز مالي محدود. ما يميّز الوضع الحالي، ليس وجود الأزمة في حد ذاتها — التي طالما شكلت المنطقة — بل الدرجة التي أصبحت بها الهشاشة الاقتصادية، وعدم المساواة، والتوتّر السياسي تعزز بعضها بعضاً.

وتعكس المؤشرات الاقتصادية الكلية هذا الضغط المتراكم. وعلى الرغم من تراجع معدّلات التضخم في بعض البلدان المستوردة للنفط، لا تزال مستويات الأسعار مرتفعة مقارنة بخطوط الأساس التي كانت سائدة قبل الجائحة، لا سيما في السياقات التي أدّى فيها تقلّب أسعار الصرف إلى زيادة التضخم المستورد (صندوق النقد الدولي، 2025). في عام 2024، سجّل كل من لبنان وسوريا تضخمًا في أسعار الغذاء ثلاثي الأرقام بلغ 138% و106% على التوالي (برنامج الأغذية العالمي، 2024)، مما يؤكّد شدّة عدم استقرار الأسعار في المناطق المتضرّرة من النزاعات. وتخفي توقعات النمو الإقليمي البالغة 2.3% في عام 2024، والتي من المتوقّع أن ترتفع بشكل طفيف إلى 2.8% في عام 2025 (البنك الدولي، 2025)، تبايناً كبيراً بين البلدان. بين عامي 2022 و2024، انكمش الاقتصاد السوداني بنسبة تقارب 40%، والاقتصاد في الأراضي الفلسطينية المحتلة بنسبة 30%، وفي لبنان بنسبة 8%، واليمن بنسبة 3% (صندوق النقد الدولي، 2025).

وقد اشتدّت الضغوط المالية بالتزامن مع تباطؤ نمو الناتج المحلي الإجمالي. وبالفعل، ارتفعت نسب الدين العام بشكل ملحوظ منذ الأزمة المالية العالمية والربيع العربي، وفي العديد من البلدان، تستحوذ خدمة الدين على حصة متزايدة من الإنفاق العام (صندوق النقد الدولي، 2025). ومع تقلب الإيرادات وارتفاع تكاليف الاقتراض، غالبًا ما يقع عبء الضبط المالي بشكل غير متناسب على القطاعات الاجتماعية. وقد أدّى تدهور قيمة العملة في بلدان مثل مصر وإيران ولبنان إلى مزيد من تآكل الدخل الحقيقي (Bennet et al.، 2023). في حين أن الاعتماد على استيراد الأغذية وندرة المياه يزيدان من التعرض للصدمات العالمية (FAO AQUASTAT، 2024). وفي هذا السياق، لا يقتصر الضعف الاقتصادي على شريحة هامشية من السكان، بل يمتد ليشمل قطاعات واسعة من المجتمع، بما في ذلك الأسر التي لا تُصنّف عادةً على أنها فقيرة.

تتجلّى هذه الديناميات الاقتصادية في منطقة تتّسم بأعلى مستويات تركّز الدخل على الصعيد العالمي. يستحوذ أغنى 10% على أكثر من 63% من الدخل القومي (Alvaredo et al، 2019؛ WID) وتفاقمت عدم المساواة في الثروة خلال فترة جائحة كوفيد-19 (Kentikelenis et al.، 2023). وفي الوقت نفسه، يعيش ما يقرب من نصف سكان الاقتصادات النامية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على أقل من 8.30 دولارات في اليوم (PPP، 2021)، في حين ارتفع معدّل الفقر المدقع في السنوات الأخيرة (البنك الدولي، 2025). ويعد التلازم بين تركّز الثروة واتساع نطاق الهشاشة الاقتصادية ذا دلالة سياسية بالغة. تشير أدلة الاستطلاعات إلى استمرار عدم الرضا عن قدرة الحكومات على معالجة عدم المساواة والمصاعب الاقتصادية (Ceyhun، 2019؛ البارومتر العربي، 2024)، وظلّت حركات الاحتجاج متكرّرة في العديد من البلدان، وغالباً ما تنتج بفعل إصلاحات متعلّقة بالدعم، أو ارتفاع الأسعار، أو إخفاقات في تقديم الخدمات (Robbins، 2020).

كما يؤدّي النزاع والنزوح إلى زيادة حدة هذه الضغوط. فقد ظلّ العنف السياسي مرتفعاً بشكل مستمر منذ عام 2011 (بيانات مجمّعة من ACLED)، وحتى أواخر عام 2024، كان هناك 59.2 مليون شخص في جميع أنحاء المنطقة بحاجة إلى المساعدة الإنسانية، منهم 16.2 مليون نازح داخلياً (GHO، 2025). في السياقات الهشّة والمتأثّرة بالنزاعات، غالبًا ما تكون أنظمة الحماية الاجتماعية غير متطوّرة أو مجزّأة، وغالبًا ما تحلّ الاستجابات والمساعدات الإنسانية مكان الأنظمة الوطنية بدلاً من تعزيزها (IDS، 2025). ومع ذلك، حتى في البلدان المستقرّة نسبيًا، أصبحت الهشاشة الاقتصادية أكثر انتشارًا. إذ تتسم أسواق العمل بارتفاع معدلات العمل غير النظامي، ومحدودية الحماية من البطالة، وانخفاض مشاركة النساء، ممّا يترك الأسر عرضةً لتقلبات الدخل (ILOSTAT، 2025).

  1. حالة الضمان الاجتماعي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

وفي ظل هذا المشهد السياسي والاقتصادي الأوسع نطاقاً، تكتسب بنية أنظمة الضمان الاجتماعي أهمية مركزية.

تطبّق معظم دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أنظمةً ثنائية، حيث يوفّر التأمين الاجتماعي القائم على الاشتراكات الحماية لأقلية من العاملين في القطاع الرسمي، بينما تقدّم البرامج المموّلة من الضرائب مساعدات موجّهة بشكل ضيّق إلى أسر فقيرة محدّدة. تبلغ نسبة التغطية الفعلية لخدمة واحدة على الأقل من خدمات الحماية الاجتماعية 35.8% في شمال أفريقيا و30% في الدول العربية (منظمة العمل الدولية، 2021)، مع تدنٍ ملحوظ في مستويات التغطية للأطفال، والأشخاص ذوي الإعاقة، والعاطلين عن العمل (منظمة العمل الدولية، بدون تاريخ). وتحجب هذه المؤشرات الإجمالية إشكالية أكثر جوهرية: إذ يفترض تصميم النظم الحالية أن الفقر والضعف هما حالتان هامشيتان يمكن عزلهما واستهدافهما. غير أن واقع الحال يُظهر أن انعدام الأمن في الدخل في معظم أنحاء المنطقة واسع الانتشار ومتسم بالديناميكية والتغيّر المستمر.

وتعني هذه السمات الهيكلية أن انعدام الأمن الدخلي لا يقتصر على شريحة صغيرة من السكان، بل يؤثر على مجموعة واسعة ومتنوعة. ومع ذلك، لا تزال هياكل الضمان الاجتماعي الحالية تعكس نموذجاً يقوم على فرضية الفقر الهامشي. وعادةً ما تُصمّم البرامج المموّلة من الضرائب لتكون شبكات أمان موجّهة، تهدف إلى تكميل خدمات الضمان الاجتماعي بدلاً من أن تكون ركيزة أساسية لها. وفي الوقت نفسه، تركّز أنظمة الاشتراكات على منح المزايا للعاملين في القطاع الرسمي، الذين غالباً ما يشكلون أقلية من القوى العاملة. وينتج عن ذلك نظام مجزّأ، مع تنسيق محدود بين البرامج وثغرات كبيرة في التغطية.

ويعكس الاعتماد على اختبار الموارد التقريبية (PMT) كآلية أساسية لتحديد المستفيدين إطار الفقر الهامشي هذا. وتحاول نماذج اختبار الموارد التقريبية استنتاج استهلاك الأسرة أو دخلها باستخدام خصائص قابلة للملاحظة — مثل ملكية الأصول، أو جودة السكن، أو البنية الديموغرافية — بدلاً من القياس المباشر للدخل. ورغم أن هذه النماذج ملائمة من الناحية الإدارية في السياقات التي تتوفّر فيها بيانات محدودة عن الدخل، فإنها غير دقيقة بطبيعتها في البيئات التي تتسّم بتقلب الدخل وانتشار الاقتصاد غير الرسمي (Kidd & Athias، 2020). وتؤكد الأدلة التجريبية من المنطقة هذه القيود. ففي تونس، يُستبعد 83% من الأسر في الخُمس الأدنى من السكان من البرنامج الرئيسي الموجّه لمكافحة الفقر (Ben Braham et al.، 2022). في الأردن، تصل أخطاء الاستبعاد إلى 67.5% (Anderson & Pop، 2022). وفي مصر، يُستبعد أكثر من نصف الخُمس الأكثر فقراً من برنامجي «تكافل» و«كرامة» (Kidd، 2022). هذه الأنماط ليست شذوذات إحصائية؛ بل تعكس عدم توافق هيكلي بين آليات الاستهداف وانتشار الهشاشة.

إلى جانب عدم الكفاءة الإحصائية، يمكن أن يكون للاستهداف تداعيات سياسية. فعندما تبدو معايير تحديد الأهليّة غامضة أو غير متسقة، فإنها تخاطر بإثارة انطباعات بالتعسف أو التفضيل. في السياقات التي ينتشر فيها انعدام الأمن الاقتصادي، قد لا يُنظر إلى الاستبعاد من برنامج موجّه على أنّه مجرّد نتيجة إدارية، بل كحرمان من حق. تشير الأدلة إلى أن أنظمة الاستهداف ضعيفة الأداء يمكن أن تقوّض الثقة في المؤسسات العامة (Sibun، 2022)، لا سيما عندما تكون العقود الاجتماعية الأوسع نطاقاً واقعة أصلاً تحت الضغط. في لبنان، على سبيل المثال، حيث يؤثّر الفقر متعدّد الأبعاد على نسبة كبيرة من السكان (اللّجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا، 2021)، أصبحت المناقشات حول اختيار المستفيدين مشحونة سياسياً.

وقد كشفت الأزمات الأخيرة بشكل أكبر عن محدودية الأنظمة ذات الاستهداف الضيّق. خلال جائحة كوفيد-19، وسّعت معظم دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا نطاق تغطية الحماية الاجتماعية من خلال برامج طوارئ جديدة بدلاً من توسيع نطاق الأنظمة القائمة (IPC-IG، بدون تاريخ). وعكس هذا الاعتماد على التدخّلات المخصصة محدودية القدرات المؤسسية والتغطية الضيّقة للأنظمة الموجودة مسبقاً. وكانت التحويلات في كثير من الأحيان متواضعة من حيث القيمة وقصيرة المدة (Sibun، 2021)، ممّا وفر إغاثة مؤقتة، ولكنه لم يؤد إلى استقرار كافٍ للدخل. وفي السياقات الهشّة، غالبًا ما قدمت الجهات الفاعلة الإنسانية المساعدة من خلال آليات موازية، مما عزّز التجزئة (IDS، 2025؛ BASIC Research، 2025). ورغم أن الاستجابات الطارئة كانت ضرورية، إلا أنها سلّطت الضوء على غياب أنظمة وطنية قويّة وقادرة على الاستجابة للصدمات ومستعدّة لاستيعاب الصدمات المتعددة المتزامنة على نطاق واسع.

في ظل هذه الخلفية، لا يقتصر السؤال على كيفية تحسين كفاءة الاستهداف أو تحسين السجلات الاجتماعية، بل يتعلّق الأمر بما إذا كان النموذج السائد للمساعدة ذات الاستهداف الضيّق غير متوافق هيكلياً مع حجم وتوزّع الهشاشة في المنطقة. وحيثما تؤثّر الدخول المنخفضة وغير المستقرة على شرائح واسعة من المجتمع، من غير المرجح أن تحقّق أنظمة الحماية الاجتماعية المصمّمة لاستهداف الفقر الهامشي نتائج تحويلية. تشير الأدلّة المقدمة في هذه الورقة إلى أن الانتقال نحو أنظمة ضمان اجتماعي شاملة وقائمة على دورة الحياة — تجمع بين المزايا الشاملة أو شبه الشاملة المموّلة من الضرائب والتأمين القائم على الاشتراكات — يوفّر استجابة أكثر تماسكاً للتحديات الهيكلية في المنطقة.

  1. الحجج الداعمة لاعتماد نظم الضمان الاجتماعي القائمة على دورة الحياة

لذلك، ترى هذه الورقة أن الانتقال نحو أنظمة ضمان اجتماعي شاملة وقائمة على دورة الحياة يوفّر استجابة أكثر تماسكاً للظروف الهيكلية في المنطقة. وتستند أنظمة دورة الحياة إلى الاعتراف بأن مخاطر تقلّب الدخل تنشأ بشكل متوقع عبر مراحل الحياة — خلال الطفولة، وفترات البطالة أو المرض، والإعاقة، والشيخوخة — وأن هذه المخاطر لا تقتصر على فئة هامشية. وبدلاً من محاولة تحديد "الأفقر" من خلال آليات معقّدة وغالباً ما تكون إقصائية، تضع أنظمة دورة الحياة ضمانات دخل يمكن التنبؤ بها مرتبطة بحالات طارئة محدّدة بوضوح.

وعادة ما تجمع هذه الأنظمة بين المزايا الشاملة أو شبه الشاملة المموّلة من الضرائب — مثل إعانات الأطفال والمعاشات التقاعدية غير القائمة على الاشتراكات — والتأمين الاجتماعي القائم على الاشتراكات للعاملين في القطاع الرسمي. ومن خلال توسيع قاعدة المستفيدين، تقلّل هذه الأنظمة من أخطاء الاستبعاد وتبسّط الإدارة. وتُعد معايير الأهلية الشاملة أو الفئوية (على سبيل المثال، العمر أو حالة الإعاقة) أكثر شفافيّة من نماذج التقييم القائمة على الأصول وأقل حساسية لتقلبات الدخل قصيرة الأجل.

الشكل 1 - نظام الضمان الاجتماعي متعدّد المستويات على مدار دورة الحياة

Addressing Vulnerability and Crisis Through Inclusive Social Security

المصدر: تصميم مؤسسة مسارات التنمية (Development Pathways)

  1. التكاليف والحيّز المالي

هناك قلق سائد بين البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط بشأن القدرة على تحمل تكاليف البرامج الشاملة. تواجه العديد من بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا حالياً أزمة حادّة في الديون والاقتصاد، مما يحدّ من الخيارات المتاحة على المدى القصير لتوسيع الحيز المالي للاستثمار في نظام الحماية الاجتماعية قائم على دورة الحياة. والأهم من ذلك، أن النزاعات المسلحة، وعدم الاستقرار السياسي، والنزوح على نطاق واسع، تحدّ بشكل أكبر من قدرة الحكومات على جمع الإيرادات أو التخطيط على المدى الطويل أو تقديم الخدمات بشكل منصف. ولا تؤدي هذه الأزمات إلى تقليص الحيّز المالي فحسب، بل تزيد أيضاً من الطلب على الحماية الاجتماعية — لا سيما في المناطق الحدودية والمناطق التي تستضيف السكان النازحين. وفي ظل هذه الظروف، يمكن للحكومات تحقيق الشمولية من خلال تصميم أنظمة ضمان اجتماعي يتم تنفيذها تدريجياً مع مرور الوقت، وذلك من خلال قصر التغطية في المرحلة الأولى على فئة محدّدة بوضوح ضمن أحذ مخاطر دورة الحياة، أو من خلال تحقيق تغطية شاملة منذ البداية، ولكن بمستويات منخفضة من المنافع، على أن تُزاد قيمة المنافع تدريجياً بمرور الوقت.

تُظهر هذه المقترحات الخاصّة بكل من الجزائر ومصر وإيران والكويت والمملكة العربية السعودية والمغرب، حجم الاستثمار المطلوب لإنشاء نظام شامل للضمان الاجتماعي القائم على دورة الحياة في سياقات مختلفة. ويشمل هذا النظام: مخصّصاً أساسياً شاملاً للأطفال، واستحقاقات شاملة للإعاقة للأطفال والبالغين، ومعاش شيخوخة شاملاً في كل بلد. وتُشير التقديرات إلى أن التكاليف المتوقّعة للتنفيذ الفوري لهذه المكوّنات الأساسية للضمان الاجتماعي ستتطلّب استثمارًا إجماليًا يتراوح بين 1.94% و2.72% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2026، كما هو موضح في الشكل 2. والجدير بالذكر أن هذه النفقات من المُتوقع أن تنخفض تدريجيًا بمرور الوقت، لتصل إلى ما يقدر بـ 1.5 إلى 2.44% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2042.

الشكل ‎2 - المستوى الإجمالي للاستثمار المطلوب لإنشاء نظام ضمان اجتماعي شامل قائم على دورة الحياة كنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي في بلدان مختارة (2026-2042)

المصدر: أداة حساب التكاليف التابعة للمنتدى الدولي للضمان الاجتماعي (ISSPF). يوضح الشكل مخططات إرشادية لمزايا الحماية الاجتماعية القائمة على دورة الحياة، بما في ذلك مزايا الأطفال (من سن 0 إلى 17 عامًا) المحدّدة بنسبة 4% من الناتج المحلي الإجمالي للفرد؛ ومزايا الأطفال ذوي الإعاقة ومزايا الإعاقة المحدّدة بنسبة 12% من الناتج المحلي الإجمالي للفرد؛ ومزايا الشيخوخة (65+) المحددة بنسبة 12% من الناتج المحلي الإجمالي للفرد. تمثّل هذه القيم مستويات تحويلات توضيحية تُستخدم لحساب التكاليف والتحليل المقارن.

في الظروف التي تواجه فيها الحكومات أزمة مديونية و أزمة اقتصادية حادّة، بما يحدّ، على المدى القصير، من الخيارات المتاحة لتوسيع الحيّز المالي للاستثمار في نظام حماية اجتماعية قائم على دورة الحياة، يمكنها تحقيق الشمولية من خلال تصميم أنظمة ضمان اجتماعي يتم تنفيذها تدريجياً بمرور الوقت. يوضح الشكل 3 تكلفة التوسّع التدريجي في تطبيق برنامج شامل لإعانة الأطفال في كل من الجزائر ومصر وإيران والكويت والمملكة العربية السعودية والمغرب. في هذا الشكل، تبدأ الحكومات بتغطية شاملة لجميع الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 0 و4 سنوات، ثم ترفع الحد الأقصى للعمر تدريجياً بمقدار سنة واحدة سنوياً إلى أن تصل التغطية إلى سن 18 عاماً. ويتطلب ذلك استثماراً أولياً يتراوح بين 0.23 و0.47% من الناتج المحلي الإجمالي، وفيما تزيد الحكومات إنفاقها سنوياً بنسبة تتراوح بين 0.01% و0.07%، مما يسمح بالتوسع التدريجي في البرنامج. في بعض البلدان، بقيت هذه النسب من دون تغيير لعدة سنوات. وبذلك، يمكن للحكومات توسيع الحيّز المالي المتاح اللازم لتمويل هذه الاستحقاقات تدريجياً كل عام.

الشكل‎ 3 - تكلفة الإعانة الشاملة للأطفال كنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي، مع التوسع التدريجي (بدءًا من 0-4 سنوات وزيادة الحد الأعلى للسن بمقدار سنة واحدة سنويًا حتى سن 18 عامًا) بين عامي 2026 و2042

المصدر: أداة حساب التكاليف التابعة للمنتدى الدولي للضمان الاجتماعي (2023)

هناك عدة استراتيجيات يمكن للحكومات اعتمادها لتعبئة الموارد اللازمة للاستثمار في نظام وطني شامل للضمان الاجتماعي يكون مستداماً مالياً واقتصادياً. ويشمل ذلك: زيادة الإيرادات الضريبية؛ وإعادة تخصيص الإنفاق العام؛ والاستفادة من المساعدة الإنمائية الرسمية؛ ومكافحة التدفقات المالية غير المشروعة؛ والاستفادة من الاحتياطيات؛ والاقتراض و/أو إعادة هيكلة الديون؛ وتكييف إطار الاقتصاد الكلي (ITUC، 2022).

في هذه المنطقة، يمثّل الإلغاء التدريجي لسياسات الدعم الرجعية مصدرًا رئيسياً جديداً للإيرادات يمكن توجيهه لتمويل الضمان الاجتماعي الشامل. ومع ذلك، لم يُعاد استثمار سوى جزء محدود من الوفورات المالية المحقّقة من إصلاحات الدعم في تعزيز الضمان الاجتماعي الشامل. ففي مصر، على سبيل المثال، أدّت التخفيضات في دعم الطاقة بين عامي 2014 و2021 إلى تحقيق وفورات بلغت 4.3% من الناتج المحلي الإجمالي، غير أنّ الإنفاق على الضمان الاجتماعي لم يزد خلال الفترة عينها إلا بنسبة 0.07% من الناتج المحلي الإجمالي، ليصل إجمالاً إلى 0.3% من الناتج المحلي الإجمالي (مؤسسة فريدريش إيبرت، 2023). وبما أن إنشاء نظام ضمان اجتماعي شامل للجميع يتطلب استثماراً بنسبة 2.6% من الناتج المحلي الإجمالي، فإن الوفورات التي حققتها مصر يمكن أن تموّل هذا التوسع بالكامل. وبالمثل، في الأردن، انخفض الاستثمار في المساعدة الاجتماعية بين عامي 2011 و2017 على الرغم من قيام الحكومة بإلغاء دعم الوقود والخبز، مما أدى إلى توفير 788 مليون دينار أردني (1.1 مليار دولار أمريكي) خلال الفترة نفسها (حكومة الأردن، 2019).

تتوفّر مصادر أخرى محتملة للإيرادات، من ضمنها زيادة معدّلات الضرائب التصاعدية بأشكالها المختلفة، مثل الضريبة التصاعدية على الدخل، وضريبة الشركات، والضرائب على رأس المال (ITUC، 2022). غير أن عدداً قليلاً من بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يوظّف الهياكل الضريبية القائمة بشكل فعال لتمويل الاستثمار في الضمان الاجتماعي الشامل (ITUC، 2022). فعلى سبيل المثال، تتمتع أنظمة ضريبة الدخل في المنطقة بقدرة محدودة على إعادة توزيع الثروة، رغم أنها تُعدّ تصاعدية عمومًا من الناحية القانونية. ووفقاً لدراسة حديثة صادرة عن صندوق النقد الدولي، لا تدرّ ضرائب الدخل في بلدان المنطقة سوى حوالي 2% من الناتج المحلي الإجمالي، مع تفاوت كبير في الإيرادات، إذ تتراوح من 7% من إجمالي الإيرادات في لبنان إلى 47% في اليمن (Mansour and Zolt، 2023). ويعود ضعف توليد الضئيل الإيرادات جزئياً إلى عدم الكفاءة الإدارية وآليات الإنفاذ، ولكن أيضاً إلى أن أنظمة ضريبة الدخل الشخصي تكون تصاعدية في الغالب فقط بالنسبة إلى أصحاب الدخل المنخفض. ويعود ذلك إلى انخفاض شطور ضريبة الدخل الشخصي على أصحاب الدخل المرتفع؛ والضرائب الضئيلة على أرباح رأس المال ودخل الأعمال؛ وارتفاع اشتراكات الضمان الاجتماعي (المرجع نفسه). وقد أدت هذه العوامل مجتمعة إلى خلق أنظمة ضريبية تفشل في تحويل العبء الضريبي إلى أصحاب الدخل المرتفع وبالتالي، الفشل في توليد إيرادات كبيرة. ولجعل ضريبة الدخل الشخصي أكثر تصاعدية وأكثر فعالية في توليد الإيرادات في دول المنطقة، هناك حاجة إلى إصلاحات تستهدف دافعي الضرائب ذوي الدخل المرتفع ومصادر دخل رأس المال، مثل أرباح رأس المال. وهذان مجرد خياران يمكن للحكومات استخدامهما لخلق حيّز مالي أوسع لتمويل الضمان الاجتماعي الشامل. يقدم روين (2023) عدة خيارات أخرى للحيّز المالي لتمويل الضمان الاجتماعي الشامل في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، موضحاً أن هناك حيّز مالي كافية لسد الفجوة المالية اللازمة لتمويل الضمان الاجتماعي الشامل. لذلك، فإن المبلغ الذي تستثمره الدول في الضمان الاجتماعي لا علاقة له بالقيود المالية: بل هو مسألة إرادة سياسية.

  1. آثار الاستثمار في الضمان الاجتماعي القائم على دورة الحياة

تشير الأدلة من داخل المنطقة وخارجها إلى أن المنافع الشاملة أو واسعة النطاق يمكن أن تحقق آثاراً ملموسة على صعيد إعادة توزيع الثروة. فقد أدى برنامج التحويلات النقدية الشامل في إيران إلى خفض معامل جيني بمقدار 2.75 نقطة بعد تطبيقه (صندوق النقد الدولي، 2017). وفي تونس، تشير نماذج المحاكاة الدقيقة إلى أن استبدال البرامج الموجّهة المجزّأة بنظام شامل قائم على دورة الحياة يمكن أن يخفّض الفقر بنسبة 22% (Aboushady & Silva-Leander، 2022). وفي الأردن، تشير النماذج إلى أن إصلاحاً قائماً على نظام دورة الحياة يمكن أن يزيد الاستهلاك لدى العشر الأكثر فقراً بنسبة 10.6% بحلول عام 2031 (Anderson & Pop، 2022). تُظهر هذه النتائج إلى أن الأنظمة الشاملة ليست أبسط من الناحية الإدارية فحسب، بل يمكنها تحقيق انخفاضات كبيرة في معدلات الفقر وعدم المساواة.

إلى جانب إعادة التوزيع، يمكن أن تسهم الأنظمة القائمة على دورة الحياة في تحقيق الاستقرار على مستوى الاقتصاد الكلي. فوجود تحويلات دخل منتظمة وقابلة للتنبؤ تدعم استقرار الاستهلاك، لا سيما خلال فترات الركود، بما يخفف من الآثار الانكماشية للصدمات. كما أن الاستثمار في مخصّصات الطفولة المبكرة يحقّق، وفقاً للأبحاث، عوائد طويلة الأجل من خلال تحسين نتائج رأس المال البشري (Richter et al.، 2017). ويمكن للمعاشات التقاعدية غير القائمة على الاشتراكات أن تحدّ من الاعتماد على التحويلات بين الأجيال وأن تدعم النشاط الاقتصادي المحلّي في المجتمعات ذات الدخل المنخفض. وبشكل إجمالي، يمكن لهذه الآثار أن تولّد تأثيرات مضاعفة على الطلب المحلي، وأن تعززّ، بمرور الوقت، تعبئة الإيرادات.

  1. تصوّر مساراً للمضي قدماً

مع تزايد تواتر الأزمات وترابطها، بدءاً من النزاعات العنيفة وصولاً إلى الصدمات المرتبطة بالمناخ، أصبحت الحاجة إلى ضمان أن تكون أنظمة الحماية الاجتماعية ملائمة وفعّالة في مثل هذه السياقات أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. ومع ذلك، لا يزال النموذج السائد لدى العديد من الجهات الفاعلة الدولية يميل بشكل كبير إلى برامج قصيرة الأجل وموجّهة من الخارج، والتي غالباً ما تتجاوز المؤسسات الوطنية أو حتى تضعفها. ورغم أنّ العمل عبر الأنظمة الوطنية أثناء حالات الطوارئ، ولا سيّما النزاعات، قد يكون معقداً وبطيئاً، إلا أنه أمر أساسي أيضاً. فلا ينبغي التعامل مع الحماية الاجتماعية على بوصفها عنصراً تكميلياً في الاستجابة للأزمات، بل باعتبارها ركيزة أساسية لتمكين التعافي، والحفاظ على الكرامة، والحد من الهشاشة على المدى الطويل. ومن المهم أيضاً، ي أن يعطي تمويل المانحين الأولوية للتكامل مع الأنظمة الوطنية، بما يضمن الاستدامة ويفضي في نهاية المطاف إلى تولّي الحكومات الملكية والمسؤولية. وبدلاً من إنشاء هياكل موازية، يجب أن تعزّز تدخلات الأزمات المؤسسات العامة التي سيستمر دور ها بعد انتهاء البرامج الإنسانية أو حالات الطوارئ والأزمات. إن بناء القدرة على الصمود يقتضي تغيير نقطة الانطلاق: أي دعم الأنظمة الوطنية منذ بداية الأزمة، ولا الاكتفاء بذلك في أعقابها. وهذا يتطلب المواءمة مع أطر الحماية الاجتماعية القائمة، حتى وإن كانت غير مكتملة في بعض الأحيان، وفهم السياق المحلي، والاعتراف بأن بعض عناصر هذه الأنظمة غالباً ما تستمر في العمل حتى في خضم النزاع وعدم الاستقرار.. . 1انظر على سبيل المثال تقرير منظمة الأغذية والزراعة (FAO) لعام 2025، الذي يناقش كيف أن «برنامج التحويلات النقدية الوطني الفلسطيني» (PNCTP) وآليات المساعدة الاجتماعية الأوسع نطاقاً كانت تتعرض بالفعل لضغوط قبل بدء الإبادة الجماعية في أكتوبر 2023، إلا أن بعض جوانب النظام ظلت تعمل حتى عام 2025. تسلّط منظمة الأغذية والزراعة (2025) الضوء على كيفية استمرار المساعدة النقدية للأسر المستضعفة، على الرغم من الأضرار الجسيمة التي لحقت بالبنية التحتية والنزوح، وذلك بفضل الشراكات مع الوكالات الدولية والجهات الفاعلة المحلية. وعلى الرغم من أن هذه المساعدة كانت ذات طابع إنساني إلى حد كبير، إلا أنها غالبًا ما كانت تعمل من خلال أو جنبًا إلى جنب مع أنظمة الاستهداف والتوصيل القائمة — بما في ذلك السجلات الاجتماعية والشبكات الإدارية — لا سيما في الأشهر الأولى من الأزمة. ويوضح هذا المثال أنه يمكن الحفاظ على عناصر الحماية الاجتماعية، حتى في خضم صراع واسع النطاق. ومع ذلك، فإن الاستجابة في غزة تؤكد أيضًا على حدود هذه المرونة: فقد كانت عمليات التوزيع والتغطية مقيدة، وكان التمويل يعتمد بشكل كبير على الشركاء الدوليين. وعلى الرغم من عدم كمالها، فإن استمرارية الدعم تظهر القيمة المحتملة للاستثمار في بنية حماية اجتماعية قابلة للتكيف ومستجيبة للصدمات قبل وقوع الأزمات.

في حين أن المشهد الاجتماعي والاقتصادي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا قد تغيّر بشكل كبير في السنوات الأخيرة، فإن الاستثمار في أنظمة الحماية الاجتماعية الشاملة والقائمة على دورة الحياة يوفّر مكاسب تنموية واقتصادية طويلة الأجل. ويكمن المنطق الأساسي للنظم الشاملة والقائمة على دورة الحياة في أنها أكثر إنصافاً وكفاءة واستدامة على الصعيد السياسي من البرامج ذات الأهداف الضيقة. وتدعم هذه النظم المرونة الاقتصادية من خلال تمكين تسوية الاستهلاك، وحماية الأسر خلال الأزمات، وتعزيز العقد الاجتماعي من خلال استثمارات عامة واضحة ومنتظمة. كما أنها تساهم في التماسك الاجتماعي في السياقات التي غالباً ما يؤدي فيها الإقصاء والتهميش إلى تأجيج عدم الاستقرار.

Endnotes

Endnotes
1 انظر على سبيل المثال تقرير منظمة الأغذية والزراعة (FAO) لعام 2025، الذي يناقش كيف أن «برنامج التحويلات النقدية الوطني الفلسطيني» (PNCTP) وآليات المساعدة الاجتماعية الأوسع نطاقاً كانت تتعرض بالفعل لضغوط قبل بدء الإبادة الجماعية في أكتوبر 2023، إلا أن بعض جوانب النظام ظلت تعمل حتى عام 2025. تسلّط منظمة الأغذية والزراعة (2025) الضوء على كيفية استمرار المساعدة النقدية للأسر المستضعفة، على الرغم من الأضرار الجسيمة التي لحقت بالبنية التحتية والنزوح، وذلك بفضل الشراكات مع الوكالات الدولية والجهات الفاعلة المحلية. وعلى الرغم من أن هذه المساعدة كانت ذات طابع إنساني إلى حد كبير، إلا أنها غالبًا ما كانت تعمل من خلال أو جنبًا إلى جنب مع أنظمة الاستهداف والتوصيل القائمة — بما في ذلك السجلات الاجتماعية والشبكات الإدارية — لا سيما في الأشهر الأولى من الأزمة. ويوضح هذا المثال أنه يمكن الحفاظ على عناصر الحماية الاجتماعية، حتى في خضم صراع واسع النطاق. ومع ذلك، فإن الاستجابة في غزة تؤكد أيضًا على حدود هذه المرونة: فقد كانت عمليات التوزيع والتغطية مقيدة، وكان التمويل يعتمد بشكل كبير على الشركاء الدوليين. وعلى الرغم من عدم كمالها، فإن استمرارية الدعم تظهر القيمة المحتملة للاستثمار في بنية حماية اجتماعية قابلة للتكيف ومستجيبة للصدمات قبل وقوع الأزمات.

تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.