ما بعد المناصرة والخدمات: المنظمات غير الحكومية في تيسير قوة الناس

تُعد هذه الورقة الجزء الأول من سلسلة جديدة من المنشورات الصادرة عن «مبادرة الإصلاح العربي» حول مستقبل حركة حقوق الإنسان في المنطقة. تتناول هذه السلسلة التحديات العديدة التي تواجه الحركة، بدءًا من التحديات الداخلية المرتبطة بالشرعية والتمويل، وصولاً إلى التحديات الخارجية المرتبطة ببيئة تتسم بالتغير المستمر. وسيتم إصدار هذه الأوراق بالتتابع، ثم تجميعها في ملف موحد.

نابلس، فلسطين - 27 أغسطس/آب: جانب من فعالية اليوم الوطني لاسترداد جثامين الشهداء في مدينة نابلس، في 27  أغسطس/آب 2026. © حملة "لنا أسماء، لنا وطن" - فيسبوك 

"هذه الحملة هي أكثر ما أفتخر به في مسيرتي مع هذا المركز. أتحدث عنها بشغف، وأكنّ لها محبةً كبيرة. في مراحل معينة، كانت هذه الحملة أهم ما في حياتي بعد عائلتي." عصام العاروري، المدير التنفيذي لمركز القدس للمساعدة القانونية.

مقدمة

يتزايد الجدل حول مستقبل المنظمات غير الحكومية على الصعيد العالمي وفي المنطقة العربية على حدٍ سواء، في ظل تراجع مصادر التّمويل واستمرار تقلص الحيّز المدني.1OECD, Cuts in Official Development Assistance OECD Projections for 2025 and the Near Term, Policy Brief 26 June 2025. ولا تقتصر التساؤلات المطروحة على قدرة هذه المنظمات على البقاء والتطور، بل تمتد لتشمل تقييم إسهاماتها السابقة والحالية في حركتي حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية.2Sarah Bush and Jennifer Hadden, “The End of the Age of NGOs?”, Foreign Affairs, 3 July 2025 فهل نجحت المنظمات غير الحكومية في تعزيز القضايا التي تدّعي دعمها؟ أم أنها، بفعل قيودٍ مختلفة، أسهمت في إضعاف الحركات عينها التي كان يُفترض أن تقوّيها؟

على مدى السنوات الماضية، أصبحت العديد من المنظمات غير الحكومية في المنطقة تعمل بدرجة أقل كفاعل سياسي أو حقوقي، وبدرجة أكبر كمدير للمشاريع التنموية، مقدمةً نفسها كجهة خبيرة تقنيًا ومتخصصة في التدريب، تعمل غالبًا ضمن منطق المخرجات والمؤشرات والأطر المنطقية للمشاريع. وفي هذا الدور، ركزت هذه المنظمات على تطوير مهارات المجتمعات التي تخدمها، وسد الثغرات في الخدمات العامة، أو تعزيز التغيير في الثقافة والأعراف والسلوكيّات. وغالبًا ما تُشير إلى الفئات التي تعمل معها على أنهم "مستفيدون"، فيما تتعامل الحكومات معهم بشكل متزايد كمتعاقدين فرعيين ينفذون برامج ممولة من المانحين الدوليين. ومع أن هذا النموذج أصبح يطبع عمل عدد كبير من المنظمات غير الحكومية، إلا أنه ليس النموذج الوحيد.

وتواصل منظمات أخرى توثيق الانتهاكات والسياسات التعسفية، إلى جانب المناصرة والدفاع عن قضايا وسياسات على المستويين الوطني والدولي، بما في ذلك أمام الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية. غير أن هذه الجهود تواجه تحديات متزايدة مع تشديد الحكومات القيود على الفضاء المدني، ما يحد من قدرة المنظمات على التوثيق والمناصرة. وفي الوقت عينه، تبقى المحافل الدولية خاضعة بدرجةٍ كبيرة للاعتبارات الجيوسياسية ومصالح القوى الكبرى، ما يقلّص فعالية الحجج القانونية والمذكرات المقدمة إليها. وقد ازداد التشكيك في جدوى هذا النوع من المناصرة في كل أنحاء المنطقة العربية، خصوصًا في أعقاب الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل في غزة واستمرار حصانة القادة الإسرائيليين. وبالتالي، تعرّض هذا الدور الذي تضطلع به بعض المنظمات غير الحكومية إلى مزيدٍ من التآكل.

ويقول بعض المنتقدين إن المنظمات غير الحكومية أسهمت على مرّ السنين، عن قصد أو من دونه، في إزاحة الشبكات الشعبية وأشكال الحراك غير الرسمي، فخففت من حدة المقاومة ومنحت شرعيةً لسرديات الحكومة، لا سيما عندما رضخ بعضها للقيود المفروضة على الفضاء المدني أو تكيفت معها بدلًا من تحديها. في المقابل، يوضح آخرون أن هذه المنظمات تعمل في ظل قيودٍ شديدة: سواء من جانب المانحين الذين يربطون التمويل بشروط جامدة أو من جانب الدول، التي تفرض عوائق قانونية وسياسية أمام العمل المستقل. ومن منظورهم، لا تكمن المشكلة في عدم رغبة المنظمات في بناء قوة الناس وحماية مساحة المقاومة، بل في استحالة تنفيذ ذلك والنجاة في الوقت عينه ضمن الحدود المفروضة عليها.

يقدم هذا المقال طرحًا مختلفًا. فمع الإقرار بوجود هذه القيود، أجادل بأن هناك منظمات غير حكومية في المنطقة العربية نجحت بالفعل في تجاوز القيود الخارجية والداخلية، وبذلك، نجحت في استعادة إمكاناتها السياسية عبر مساعدة المجتمعات على بناء قيادتها، وتنظيم العمل الجماعي الاحتجاجي، واستعادة القوة، ومقاومة الاستبداد.

في هذه اللحظة المفصلية، أرى أن استمرارية دور المنظمات وشرعيتها في المستقبل ستعتمدان على قدرتها على إعادة توجيه عملها نحو هذا النوع من التنظيم المجتمعي المتجذر والقائم على بناء قواعد شعبية. ولا يعني ذلك التخلي عن الأدوار التقليدية، مثل التوثيق أو المناصرة الدولية. لكنه يستدعي تغييرًا في التموضع: من العمل نيابة عن الناس إلى العمل معهم، وهم يمارسون قيادتهم ويستخدمون قوتهم الذاتية.

ولتوضيح ذلك، أستعرض دراستَي حالة: الأولى من فلسطين والثانية من لبنان. واستنادًا إلى أبحاث قائمة ومقابلات معمقة مع منظمتين غير حكوميتين، أُظهر كيف تجاوزتا القيود والعوائق التي تحصر دور المنظمات المدنية غالبًا في أعمال غير احتجاجية أو غير سياسية.

ولا تمثل هاتان الحالتان المثالين الوحيدين في المنطقة العربية، لكن مساحة هذا المقال تسمح بتحليل مركّز لهما فقط. لذلك أدعو إلى إجراء مزيد من الأبحاث، سواء لتوثيق تجارب مماثلة لمنظمات غير حكومية أعطت الأولوية لبناء قوة الناس، أو لدراسة احتياجات وتوقعات الشبكات غير الرسمية واللجان الأهلية والحملات الشعبية من المنظمات غير الحكومية في هذه المرحلة الدقيقة.

الخلفية: قوة الناس والمنظمات المدنية

لكي نُقيّم ما إذا كانت المنظمات غير الحكومية تُعزز أو تُقيّد قوة الناس وإلى أي مدى، علينا وضع إطار مفاهيمي واضح لمعنى "قوة الناس". فيضم المجتمع المدني منظمات متنوعة تتفاعل مع السلطة بطرق مختلفة جذريًا. إذ ينشط بعضها في مواجهة السلطة الرسمية، بينما يتعاون بعضها الآخر معها. وينطوي إغفال هذه الفوارق على خطر التعامل مع هذه المنظمات بوصفها فئة متجانسة، والاعتماد على افتراضات تبسيطية تُخفي أثرها السياسي الحقيقي والآليات التي تمارس من خلالها السلطة.

تُعرّف قوة الناس على أنها القدرة الديناميكية للأفراد العاديين على تحدي أنظمة الهيمنة، التي تعتمد أساسًا على قبول الجمهور بها، سواء عبر الصمت أو الطاعة أو التعاون.3 John Gaventa, Power and Powerlessness, University of Illinois Press, 1980. ويؤدي سحب هذا القبول عبر العصيان المدني إلى إضعاف تلك الأنظمة، لأن الأنظمة الاستبدادية تعتمد على الانصياع الطوعي الذي يمكن التراجع عنه عبر العمل الاستراتيجي.4 Gene Sharp, From Dictatorship to Democracy: A Conceptual Framework for Liberation, The Albert Einstein Institution, 1993. ويمكن أن تستهدف أعمال العصيان مستويات متعددة من السلطة: صناع القرار، أو محددي الأجندات العامة، أو الأسس الثقافية أو الأيديولوجية التي تقوم عليها السلطة. ويؤكد التصور ثلاثي الأبعاد للسلطة (المرئية، الخفية، وغير المرئية) أنه يجب أن تستهدف المقاومة البنى المؤسسية والمعايير السائدة معًا.5Steven Lukes, Power: A Radical View, Macmillan, 1974. وعبر رفض الامتثال، سواء من خلال التساؤل، أو الاحتجاج، أو عدم التعاون، أو العصيان، يستطيع الأفراد تعطيل آليات السيطرة على أي من هذه المستويات.

يمكن لمنظمات المجتمع المدني أن تؤثر في قوة الناس، لكن هذا التأثير يعتمد جزئيًا على شكل هذه المنظمات، أي هل هي شبكة مواطنين، أم نقابة، أم لجنة مجتمعية أم منظمة غير حكومية مسجلة، وعلى طريقة تدخّلها. وأصبحت المنظمات الشكل المؤسسي الأكثر انتشارًا في المنطقة العربية، وتملك القدرة على رعاية وتسهيل هذه الأفعال المقاومة. وبذلك، تساهم في بناء القوة الشعبية.6 Chantal Mouffe, The Democratic Paradox, Verso, 2000. غير أن هذه المنظمات تواجه تناقضًا جوهريًا: فهي، لكي تعمل بشكل قانوني وتؤمن التمويل وتوظّف العاملين وتدير الأموال، تضطر غالبًا إلى العمل ضمن الأنظمة عينها التي قد تسعى إلى تحديها. ولذلك، نادرًا ما تدعم علنًا العصيان المدني أو أشكال العمل التصادمي.

ولكن حتى في غياب تأييد احتجاجات جماهيرية واسعة النطاق،7 Frances Fox Piven and Richard Cloward, Poor People’s Movements: Why They Succeed, How They Fail, Vintage, 1977. تستطيع هذه المنظمات تبني أشكال مقاومة أكثر هدوءًا وأقل ظهورًا والتي قد تكون أكثر قوة.8 Asef Bayat, Life as Politics: How Ordinary People Change the Middle East, Stanford University Press, 2013. فالمقاومة الهادئة، القائمة على تعزيز الهوية الجماعية والوعي السياسي والتضامن، يمكن أن تسهم في بناء القوة إذا كانت ذات طابعٍ تحويلي لا مجرد أداة لتحقيق أهداف محددة.9 Srilatha Batliwala, “Grassroots Movements as Transformatory Politics”, Gender and Development, 2007. ويُهيّئ هذا العمل التمهيدي الأرضية لأشكال مستقبلية من العصيان المدني. وتختلف الأنشطة التحويلية لهذه المنظمات مثل إيقاظ الوعي وبناء القدرات التنظيمية، عن "المشاركة" الشكلية أو تقديم الخدمات والمناصرة غير التصادمية، التي تعزز الوضع القائم بدلًا من تغييره.10 Islah Jad, “NGOization: Palestinian Women’s Movements”, IDS Bulletin, 2004. قد يُفضي تقديم الخدمات بصورة روتينية في ظلّ فشل الدولة، أو الاكتفاء بالمناصرة غير التصادمية، أو إطلاق مبادرات مشاركة سطحية، فعليًا، إلى حرمان الناس من قوتهم.11 Dana El Kurd, Polarized and Demobilized: Legacies of Authoritarianism in Palestine, Oxford University Press, 2020

تُظهر الأدبيات المتعلقة بالحياة المدنية في المنطقة العربية أن المنظمات التقليدية مثل لجان الحركات الاجتماعية، والأوقاف الدينية، والنقابات، والاتحادات المهنية والعمالية، أدّت أدوارًا مهمة في تحدي السلطة تاريخيًا. لكن القوى الاستعمارية قمعت غالبًا هذه الأشكال التنظيمية، فتركزت السلطة بيد الدولة وعززت الشك في البنى المدنية الرسمية.12 Iliya Harik, “Rethinking Civil Society in the Arab World: The Modernizing Mission,” Journal of Democracy 5, No.3, 1994. كما تُظهر الدراسات أن الشكل الحديث للمنظمات غير الحكومية برز بقوة في أواخر القرن العشرين. أسهمت الإصلاحات النيوليبرالية خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، القائمة على تقليص دور الدولة، وتعزيز اقتصاد السوق، في انتشار المنظمات غير الحكومية، لكنها جعلتها أكثر تماشيًا مع أجندات المانحين. وأدت هذه العملية، التي يشار إليها أحيانًا بـ"أنجزة العمل المدني" (NGOization)، إلى تحويل النشاط السياسي إلى عمل مهني قائم على المشاريع، ما ساهم في إفراغ الحركات من العمل السياسي.13 Joe Stork and Julie Peteet, “The NGO Phenomenon in the Arab World,” Middle East Report, No. 183, 1993. كما قلّص الاعتماد على التمويل الخارجي الانخراط في السياسات التصادمية. في فلسطين مثلًا، ركز التمويل الدولي بعد اتفاق أوسلو على دعم المنظمات غير الحكومية المحترفة، ما أدى إلى تهميش أشكال المقاومة الشعبية والتعبئة السياسية.14 Tariq Dana, “The NGOisation of Palestinian Civil Society: Dependency, Professionalism and the Networked Bureaucracy,” Middle East Critique 24, No. 2, 2015. وأفرز ذلك ما يصفه بعض الباحثين بـ"بناء السلام الليبرالي"، إذ يدعم المجتمع الدولي المجتمع المدني نظريًا، لكن فقط بقدر ما يتوافق مع أهداف تنموية محددة وغير مهددة للنظام القائم.15 Alaa Tartir, “The Role and Impact of International Donors on the NGOization of Palestinian Politics,” Social Sciences 7, No. 4, 2018. وبالمثل، شهدت مصر في مطلع الألفية الجديدة تدفقًا كبيرًا للتمويل الدولي، ما ساهم في نمو المنظمات وتوسّعها، لكنه ترافق أيضًا مع زيادة الرقابة الحكومية وسنّ قوانين حدّت من الطابع السياسي للقطاع عبر تقييد الأنشطة السياسية والتحكم بالتمويل الأجنبي. على الصعيد الإقليمي،16 Sarah Ben Néfissa, “NGOs and Governance in the Arab World: Between Patronage and Empowerment,” in NGOs and Governance in the Arab World, Cairo Press, 2005. انتقل العديد من الفاعلين في الحركات النسوية العربية إلى العمل ضمن منظمات غير حكومية خلال تسعينيات القرن الماضي. وفي حين وسّع هذا التحول المؤسسي نطاق عمل المنظمات ووفّر لها مصادر تمويل أكبر، إلا أنه حمل خطر ابتعاد هذه المنظمات عن قواعدها الشعبية الأصلية.17Islah Jad, “NGOization: Palestinian Women’s Movements.” IDS Bulletin, 2004

علاوة على ذلك، اتسمت الأطر القانونية والسياسية الناظمة لعمل المجتمع المدني في معظم الدول العربية تاريخيًا بطابع تقييدي. غالبًا ما تُلزم القوانين هذه المنظمات بالتسجيل لدى الوزارات الحكومية، والإفصاح عن مصادر تمويلها، وفي بعض الدول الحصول على موافقات مسبقة، وفرض قيود على أنشطتها السياسية.18 Kareem Elbayar, “NGO Laws in Selected Arab States,” International Journal of Not-for-Profit Law 7, No. 4 (2005). وقد أوجد ذلك بيئة تضطر فيها المنظمات إلى الموازنة باستمرار بين النشاط المدني والحفاظ على قبول الدولة لها. ونتيجة لذلك، برز ما يمكن وصفه بـ"المجتمع المدني المُدَار"، بما يسمح فقط للمنظمات غير المؤذية سياسيًا أو المتماهية مع السلطة بالازدهار.19 Mohamed Abdelaziz, “The Hard Reality of Civil Society in the Arab World,” Washington Institute for Near East Policy, 2020. كما أنشأت بعض الحكومات العربية أو دعمت منظمات غير حكومية مرتبطة بالدولة أو بالمؤسسة الحاكمة، بهدف إظهار صورة من المشاركة المدنية مع ضمان بقائها موالية للنظام الحاكم. وتسهم هذه المنظمات غالبًا في تهميش أو نزع الشرعية عن الفاعلين المدنيين المستقلين والمنبثقين عن القواعد الشعبية.20 Shadi Hamid and Tamara Cofman Wittes, “A Flawed Nexus: Civil Society and Democratization in the Middle East,” Middle East Institute, 2016.

خلال فترة الربيع العربي، اغتنمت بعض المنظمات الفرصة للانخراط في أشكال أكثر تصادمية من العمل السياسي، عبر تعبئة شبكاتها والمستفيدين من برامجها لتحدي السلطة ودعم العمل الجماعي. لكن معظم هذه المنظمات، في مرحلة ما بعد عام 2011، خصوصًا بعد موجة إعادة ترسيخ الأنظمة الاستبدادية التي بدأت عام 2013، عادت إلى التركيز على تقديم الخدمات والمناصرة مع صناع القرار، على المستويين الوطني والدولي. وتجنبت إلى حد كبير حتى النهج الأكثر هدوءًا لبناء قوة الناس كما عُرّف هنا، أي تشجيع سحب القبول وعدم التعاون مع السلطة. وعلى الرغم من أن عددًا محدودًا من المنظمات جرّب استراتيجيات مبتكرة لبناء قوة الناس، فإن الغالبية فضّلت السلامة المؤسسية على الابتكار السياسي. ويمكن تفهّم هذا الحذر في ظلّ المخاطر الكبيرة التي تواجهها، لكنه يمثل في الوقت عينه فرصة ضائعة: إذ كان بإمكان هذه المنظمات استكشاف أساليب استراتيجية ومبطنة لتعزيز المشاركة المدنية وإرباك آليات الحكم الاستبدادي. ولا شك في أن مساهماتها بقيت مهمة، لكن إمكاناتها لإحداث أثر تحويلي أعمق بقيت غالبًا غير مستثمرة بالشكل الكافي.

 

سبل المنظمات المدنية في رعاية قوة الناس: أمثلة من المنطقة

"في سوريا، كان كل ما هو اجتماعي وثقافي وسياسي في يد الدولة، أي نظام الأسد. عندما اندلعت الثورة، انتقلت القدرة على الفعل الاجتماعي وإمكانية الوصول إلى التمويل من الدولة إلى المنظمات. وعندما كنا ندافع [...] عن نهج يتيح للناس اتخاذ القرارات ووضع خططهم بأنفسهم، كان الأمر أشبه بنقل هذه القدرة من يد الدولة إلى يد المنظمات ثم إلى أيدي أصحاب القضية أنفسهم. بهذه الطريقة بنينا قوة الناس."

 أنس تلو، مستشار التنظيم المجتمعي، منظمة "النساء الآن ".

سعت العديد من المنظمات في المنطقة العربية إلى مواجهة القيود ومقاومة ظاهرتي "الأنجزة" و"نزع الطابع السياسي" عن العمل المدني. وحققت بعض المنظمات ذلك عبر تكثيف المناصرة في مواجهة حكوماتها. بينما تولت منظمات أخرى دور المحرض أو الدافع إلى التغيير، عبر العمل مع المنظمات المدنية في ذات المنظومة لبناء صوت أكثر توحّدًا وجرأةً في مواجهة السلطات أو المانحين. وعلى الرغم من اكتساب بعض هذه المنظمات قدرًا من النفوذ وممارسته، إلا أنها لم تنجح بالضرورة في بناء قوة الناس، أي القدرة الجماعية للأفراد العاديين على تحدي أنظمة الهيمنة عبر سحب موافقتهم وامتثالهم لها من خلال أشكال العصيان المدني.

في المقابل، تجاوزت بعض المنظمات غير الحكومية حدود المشاركة المجتمعية الشكلية، واتجهت نحو تنظيم المجتمعات وتمكينها من قيادة نفسها بنفسها في العمل الجماعي بهدف تحقيق التغيير الذي تطمح إليه. ركزت هذه المنظمات على اكتشاف القيادات المحلية وتنظيمها، وأعادت تعريف دورها ليصبح تيسير هذا التنظيم ودعمه. كما أدت دور الوسيط في حلّ التوترات بين القادة أنفسهم أو بينهم وبين المنظمة، وتولّت عند الحاجة توفير الغطاء المؤسسي للمجتمع. وتكتسب هذه التجارب أهميةً خاصة لأنها تكشف عن ممارسات تتحدى النموذج التقليدي السائد للمنظمات، وتُفنّد السردية المهيمنة التي تفترض أن المنظمات عاجزة عن إعادة القوة إلى الشعب.

في ما يأتي، أستعرض تجربتين من هذا النوع، الأولى في لبنان والثانية في فلسطين. وأوضّح الأساليب التي اعتمدتها هاتان المنظمتان في بناء قوة الناس، وكيف تعاملتا مع القيود التي دفعت كثيرًا من المنظمات الأخرى نحو إفراغ العمل المدني من مضمونه السياسي وتحويله إلى عمل بيروقراطي قائم على المشاريع والتمويل. وفي حين أن هاتين المنظمتين ليستا الوحيدتين في هذا المجال، وأن منظمات أخرى نجحت في بناء قوة شعبية منظمة في مواجهة السلطات القمعية، فإن هذه النماذج لا تزال تمثل الاستثناء أكثر مما تمثل القاعدة داخل القطاع المدني.

القصة 1: حملة "لا تكبرونا" الشعبية – منظمة "النساء الآن من أجل التنمية"

في أعقاب الثورة السورية، وجدت مجموعة من الناشطات النسويات أنفسهن في المنفى، يعانين ليس فقط من تبعات النزوح، بل أيضًا من الفراغ التنظيمي الذي أعقب الثورة. وفي هذا السياق، أسست الكاتبة والصحافية السورية سمر يزبك عام 2012 منظمة «النساء الآن من أجل التنمية».21 المزيد عن منظمة "النساء الآن" هنا: https://women-now.org/about-us/. للاطلاع على ملفات تعريفية مستقلة، انظر: Devex (منظمة تأسست في 23 حزيران/يونيو 2012، وتقدم خدماتها حاليًا لآلاف الأشخاص في جميع أنحاء سوريا والدول المجاورة) https://www.devex.com/organizations/women-now-for-development-154298 ؛ PeaceWomen (وصف تفصيلي لمراكزها النسائية الشعبية ونهجها متعدد المحاور: الحماية، والتمكين، والمشاركة، والمناصرة) https://www.peacewomen.org/civil-society-organisation/women-now-development وMADRE (صفحة الشركاء التي تسلط الضوء على حجمها – إذ تم الوصول إلى أكثر من 10,000 امرأة وفتاة في جميع أنحاء سوريا ولبنان وتركيا) https://www.madre.org/partner/women-now-for-development . لم تكن المبادرة مجرد امتداد لأنشطة تطوعية غير رسمية، بل سُجّلت كمنظمة غير حكومية تتمتع بصفة قانونية تخوّلها تنفيذ البرامج وتوظيف العاملين وجمع التمويل. غير أن هذا المسار حمل معه توترًا ظهر لاحقًا، تمثل في الصدام بين النشاط الحقوقي الجذري والمرن من جهة، والبنية المؤسسية والإجراءات الرسمية للمنظمات غير الحكومية من جهةٍ أخرى.

برز هذا التوتر خلال عمل المنظمة مع اللاجئات السوريات في منطقة البقاع اللبنانية، إذ نفّذت برامج حماية للنساء، شملت ورش عمل حول تزويج الطفلات والقيادة.22Maria Al-Abdeh and Champa Patel “Localising’ humanitarian action: reflections on delivering women’s rights-based and feminist services in an ongoing crisis”, Journal of Gender and Development, Vol. 27, No. 2, Humanitarian Action and Crisis Response (July 2019), pp. 237-252. وعلى الرغم من تقدير النساء هذه الأنشطة، أعربت كثيرات منهن عن إحباطهنّ، إذ كن يدركن أضرار تزويج الطفلات لكنهنّ افتقدن القدرة الفعلية على تغيير واقعهنّ.

في الوقت عينه، كانت المديرة التنفيذية السابقة للمنظمة، ماريا العابدة، داعمة لحملة سورية شعبية تدعى "عائلات من أجل الحرية"، كانت تتلقى تدريبًا في التنظيم المجتمعي من منظمة "أهل". وهي منظمة غير ربحية ترافق القادة الشعبيين في المنطقة العربية في تنظيم مجتمعهم لتنفيذ عمل جماعي من أجل قضية محددة.23اعتمدت منظمة أهل وكيّفت نهجًا لتنظيم القيادة والموارد والعمل الجماعي طوره مارشال غانز، المحاضر الأقدم في كلية كينيدي في جامعة هارفارد والمنظم المخضرم في حركة العمال الثقافيين المهاجرين، من بين أمور أخرى. ولفتت هذه المنهجية اهتمام ماريا لأنها، بخلاف المقاربات التقليدية للمنظمات غير الحكومية، تركز على بناء القوة الجماعية بدل الاكتفاء بتقديم الخدمات. وبناءً على ذلك، قررت منظمة "النساء الآن" تجربة نهج التنظيم المجتمعي في منطقة البقاع في لبنان، وكلفت الموظف أنس تلو بتعلم هذا النهج وقيادته، ليس عبر توجيه المتضررين، بل من خلال تمكينهم من قيادة التغيير بأنفسهم.24 Jumana Abu Jbara, Afnan Abu Yahia, Rama Sabanekh, “Let Me Keep My Childhood: Community Organizing Against Child Marriage, Case Study”, Ahel Website, 2023.

في أيلول/سبتمبر 2019، بدأ أنس العمل بتأسيس العلاقات عبر عشرات اللقاءات الفردية مع نساء سوريات تزوجن وهن طفلات. لم تكن هذه المحادثات مقابلات تقليدية، بل مساحات لاستكشاف القصص الشخصية والقيم والقدرات والموارد الكامنة، إضافة إلى دعوات للقيادة. تلت ذلك مرحلة بناء القيادة: أُنشئت مساحة آمنة ومستدامة لهؤلاء النساء، ليس لتلقي المساعدات أو التدريب، بل لتنظيم أنفسهن استنادًا إلى قصصهن الشخصية، التي شكلت مجتمعةً الهوية الجماعية للمجموعة. وعبر هذا المسار، صاغت النساء رواية مشتركة، وسمّت الضرر الناتج عن تزويج الطفلات، وحددت التغيير الذي تسعى إليه، ثم وضعت أهدافًا واستراتيجية لتحقيقه. لاحقًا، توسعت القيادة من فريق واحد إلى خمسة فرق تضم أعضاء من الفئة المتأثرة مباشرة من تزويج الطفلات (أهل القضية). وطورت هذه الفرق أساليب عمل مستندةً إلى خبراتها الحياتية. وبحلول حزيران/يونيو 2020، تجاوزت الحملة هدفها الاستراتيجي الأول، حين حصلت على تعهدات من 1826 أسرة بعدم تزويج بناتها وهن قاصرات. كما شجعت هذه الأسر على طباعة شعار الحملة على منازلها وخيامها إعلانًا عن التزامها.25 Alica Medini, “In Lebanon, Syrians Fight Child Marriage Tent by Tent”, Syria Direct https://syriadirect.org/in-lebanon-syrians-fight-child-marriage-tent-by-tent/

في أيار/مايو 2021، أطلقت النساء، بدعم من منظمة "النساء الآن"، المرحلة الثانية من الحملة، مستهلات إياها بتكتيك تنظيمي قائم على الاستماع أُطلق عليه اسم "جولة الاستماع". وخلال هذه المرحلة، عقدن لقاءات فردية مع نحو مائة شخص من المجتمع المحلي لتحديد الاتجاه المستقبلي للحملة واستقطاب قيادات جديدة. بعد ذلك، قررن إشراك الرجال في الجهود الرامية إلى إقناع الآباء الذين خطّبوا بناتهم القاصرات بالعدول عن الزواج أو تأجيله. وعلى الرغم من التحديات، نجح 90 مناصرًا من الرجال في المساهمة في إلغاء 61 خطوبة لطفلات وتأجيل 50 أخرى. ثم عادت الحملة إلى اعتماد جولات الاستماع لتحديد أولويات المرحلة التالية.

فاتُفِقَ على إشراك مزيد من الفتيات والفتيان بوصفهم فاعلين في التغيير، إضافة إلى استهداف بعض المشايخ غير المسجلين الذين كانوا يجرون عقود زواج لفتيات دون الثامنة عشرة من العمر، على الرغم من عدم امتلاكهم أي صفة قانونية أو تفويض رسمي من المحاكم الشرعية.26 Jumana Abu Jbara, Afnan Abu Yahia, and Rama Sabanekh, “Let Me Keep My Childhood: Community Organizing Against Child Marriage, Case Study”, Ahel Website, 2023, page 23. في آب/أغسطس 2022، استقطبت الحملة 390 فتاة (تتراوح أعمارهن بين 14 و17 عامًا)، ودربتهنّ على التفاوض مع أسرهن بشأن مستقبلهنّ، وعلى إقناع فتيات أخريات بعدم الموافقة على التزويج المبكر. ولم يتدخل الأعضاء الأكبر سنًا إلا عند الضرورة. ونجحت هؤلاء الفتيات لاحقًا في إقناع 479 فتاة وفتى إضافيين بالانضمام إلى الجهود عينها. وأسفرت الحملة عن إلغاء 109 خطوبات لقاصرات وتأجيل 90 خطوبة أخرى، والحصول على تعهدات من 662 ولي أمر بعدم تزويج أطفالهم وطفلاتهم قبل سن الثامنة عشرة.

بالتوازي مع مراحل الحملة المختلفة، عملت الحملة بهدوء مع عدد من القيادات الدينية لحثّهم على التحدث علنًا ضد تزويج الطفلات، وإبراز تعارض هذه الممارسة مع القيم الدينية والثقافة الإسلامية. كما ساعد هؤلاء الحلفاء الدينيون في فتح قنوات تواصل مع المحاكم الشرعية. في المرحلة الأخيرة، عقد قادة الحملة وأعضاء المجتمع المحلي سلسلة اجتماعاتٍ مع قضاة المحاكم الشرعية، مستندين إلى قصصهم الشخصية وقاعدتهم الاجتماعية الواسعة ومعرفتهم القانونية. وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2022، أصدرت محكمة الشريعة توجيهًا يؤكد أن صلاحية منح الإذن بالزواج تعود حصريًا إلى القاضي الشرعي أو من يفوّضه رسميًا. كما أعلنت أن المشايخ غير المسجلين الذين يعقدون زيجات للقاصرات لا يتمتعون بأي صفة قانونية معترف بها ضمن نطاق اختصاصها. وفتح هذا القرار الباب أمام أعضاء الحملة وقيادتها للإبلاغ عن هؤلاء المشايخ واتخاذ إجراءات تأديبية بحقهم.

وخلال مختلف مراحل الحملة، نظم القادة ثلاثة أنشطة بصورة دورية:

  • فعاليات للاحتفال بالإنجازات أو تكريم الداعمين والآباء والفتيات اللواتي قاومن التزويج المبكر.
  • لقاءات تقييم وتعلم جمعت قيادات جميع الفرق لمراجعة النجاحات والإخفاقات ولتطوير الاستراتيجية للمرحلة التالية.
  • جولات استماع مجتمعية لفهم الاحتياجات وتحديد أولويات المرحلة التالية.

ومع انتهاء الحملة الأولى، أصبحت المرأتان اللتان بدأتا العمل مع أنس تلو منسقتين للحملة، ما عزز استمرار الحركة. كما توسع عدد الفرق القيادية من فريقين إلى 12 فريقًا، ضمت 89 منظِّمةً وقائدةً مجتمعية من أبناء وبنات البقاع أنفسهم. وتطورت آليات اختيار القيادات لتصبح أكثر ديمقراطية وتجذرًا في المجتمع المحلي: إذ باتت المجموعة الأوسع تنتخب منسقي الحملة وفق معايير واضحة، بينما ترشح الفرق الأساسية منسقيها استنادًا إلى قواعد متفق عليها. وأسهم هذا النموذج في توسيع وتوزيع القيادة في إنتاج أجيال متعاقبة من القيادات المجتمعية القادرة على مواصلة العمل الجماعي على الرغم من الظروف الصعبة، في مجتمعٍ يعيش كثير من أفراده على أمل الهجرة إلى أوروبا. كما تمكن قادة الحملة من مواجهة التشكيك داخل مجتمعهم، ودحض الاتهامات التي ربطت أنشطتهم بمخالفة الإسلام أو تنفيذ أجندات خارجية.

وفي الوقت عينه، نجحوا في تجاوز تحديات هائلة تمثلت في ثورة في لبنان، وجائحة كورونا، والانهيار الاقتصادي، وانفجار مرفأ بيروت، فضلًا عن تنقل بعض القادة، وتغير الظروف المحيطة. لكن ما بقي ثابتًا كان القوة الجماعية المبنية على القيم المشتركة، والعمل المنظم والتعلم المستمر. ولتحقيق ذلك، اضطرت منظمة "النساء الآن" إلى إعادة تعريف دورها، فانتقلت من موقع المنفذ البرامجي إلى موقع الداعم للحركة المجتمعية، عبر توفير التوجيه التنظيمي والأمن النفسي والمساحة اللازمة للتجربة والتعلم والتكيف.

في عام 2023، وبعد انتهاء الحملة الأخيرة، بدأ قادتها ومنظمة "النساء الآن" نقاشًا حول المستقبل. وشمل ذلك عملية تقييم شاملة للمسيرة بأكملها. وطرحت خيارات عدة، منها إطلاق جولة جديدة في المنطقة نفسها، الأمر الذي رآه البعض غير ضروري، حيث بات تزويج الطفلات مستهجنًا ثقافيًا، أو نقل التجربة إلى مناطق أخرى عبر تدريب قيادات محلية هناك، أو توظيف الخبرات المتراكمة لمعالجة قضايا ملحة أكثر. وفي الوقت عينه، كانت المنظمة تفكر في كيفية منح مزيد من الاستقلالية لقيادات الحملة، وفي دمج منهجية التنظيم المجتمعي والعمل الجماعي القائم على قيادة الفئات المتأثرة مباشرة في مجالات أخرى من عملها. استمرت هذه النقاشات عام 2024، لكنها سرعان ما اصطدمت بتحولات أكبر بكثير بعد سقوط نظام بشار الأسد، إذ انتقل التركيز نحو احتمالات العودة إلى سوريا وإعادة تعريف دور المنظمة وعملها داخل البلاد.

القصة 2: الحملة الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء - مركز القدس للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان

لم يكن عصام العاروري ومشهور العاروري مجرد أبناء عم، بل كانا أيضًا رفيقين في صفوف المقاومة الفلسطينية. وبعد انكشاف مجموعتهما عام 1975، فرّ مشهور إلى خارج البلاد، بينما اعتُقل عصام وسُجِن.27صام العاروري، مركز القدس للمساعدة القانونية، مقابلة 6 تموز/يوليو 2025. في أيار/مايو 1976، شارك مشهور في عملية عسكرية ضد أهداف إسرائيلية في فلسطين المحتلة، فقُتل على يد القوات الإسرائيلية التي احتجزت جثمانه ودفنته في ما يطلق عليه الفلسطينيون اسم "مقابر الأرقام".

تعدّ سياسة احتجاز جثامين الفلسطينيين من الممارسات القديمة التي تنتهجها إسرائيل. فمنذ عام 1967، احتجزت إسرائيل مئات الجثامين الفلسطينية، واستخدمتها كورقة تفاوض أو في صفقات تبادل الأسرى. ودُفن بعض أصحاب هؤلاء الجثامين، ومن ضمنهم مشهور، في قبور مرقمة داخل ما يُسمى بـ"مقابر قتلى العدو" أو "مقابر الأرقام"، من دون أسماء أو أي معلومات تعريفية. وتستند هذه السياسة إلى المادة 133 (3) من أنظمة الطوارئ التي أصدرتها سلطات الانتداب البريطاني عام 1945 وتبنّتها إسرائيل عام 1948. إلا أن هذه الممارسة تعدّ مخالفة للقانون الدولي، بما في ذلك المادة الثالثة المشتركة من اتفاقيات جنيف، والمادة 34 من البروتوكول الإضافي الأول، والمادة 16 من اتفاقية مناهضة التعذيب، التي تحظر المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، وتُلزم باحترام الموتى وتحديد هوياتهم ودفنهم بطريقةٍ لائقة.28 Rand Wahbeh, “The politics of Karameh: Palestinian Burial Rites Under the Gun”, https://www.academia.edu/43469192/The_politics_of_karameh_Palestinian_burial_rites_under_the_gun وعلى الرغم من أن تطبيق هذه السياسة شهد فترات مدٍ وجزر، فإنها أصبحت أكثر منهجية بعد عملية استشهادية عام 1994،29 Captive Corpses, Information Sheet, March 1999, Hamoked, https://www.btselem.org/download/199903_captive_corpses_eng.pdf? ثم قُنِّنَت رسميًا عقب انتفاضة القدس عام 2015. ففي تشرين الأول/أكتوبر 2015، أقرّ المجلس الوزاري الأمني الإسرائيلي سياسة احتجاز جثامين الفلسطينيين كورقة مساومة.30 معلومات ميدانية من منظمة الحق، تشرين الأول/أكتوبر 2015 https://www.alhaq.org/monitoring-documentation/6491.html#:~:text=On%20Wednesday%2C%2014%20تشرين الأول/أكتوبر%202015,exchanges%20of%20Israeli%20soldiers%20bodies. والإشارة إليها في حكم المحكمة المؤرخ 14 كانون الثاني/يناير 2017 في قضية عليان ضد قائد قوات جيش الدفاع الإسرائيلي في الضفة الغربية: https://versa.cardozo.yu.edu/topics/international-law#:~:text=(3)%20بغض النظر عن أي شيء وارد في، الغرض من القانون. ثم حوّل الكنيست هذه السياسة إلى قانون عام 2018، قبل أن تصادق عليها المحكمة العليا الإسرائيلية عام 2019، موسّعةً نطاقها ليشمل جميع من يُشتَبَه بتنفيذهم هجمات، تحت ذريعة الأمن القومي والردع.31 Noura Erekat and Rabea Eghbarieh, “The Jurisprudence of Death: Palestinian Corpses & the Israeli Legal Process“ 2023, https://www.jadaliyya.com/Details/44797

بعد خروجه من السجن عام 1979، أكمل عصام دراسته في جامعة بيرزيت. ومنذ عام 1984، انخرط في العمل الصحافي عبر صحيفة «الطليعة» الأسبوعية المرتبطة بالحزب الشيوعي الفلسطيني. كما شارك في الانتفاضة الفلسطينية الأولى التي اندلعت عام 1987، واعتُقل مرات أخرى لفتراتٍ قصيرة متكررة. في عام 1993، انضم عصام إلى لجان الإغاثة الزراعية الفلسطينية، ثم تولى عام 2002 منصب المدير التنفيذي لمركز القدس للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان.32صام العاروري، مركز القدس للمساعدة القانونية، مقابلة 6 تموز/يوليو 2025. ويعدّ هذا المركز منظمة فلسطينية غير حكومية تقدم خدمات قانونية مجانية للفئات المهمشة، لا سيما في القدس الشرقية والضفة الغربية وقطاع غزة. وتركز على الدفاع عن حقوق الإنسان ومواجهة الانتهاكات قانونيًا وإداريًا ودعم ضحايا هذه الانتهاكات المرتبطة بالاحتلال.

في عام 2007، زار عصام والدَي مشهور، عمه وعمته، في منزلهما، عارضًا عليهما متابعة قضية استعادة رفات ابنهما عبر المركز ومحاميه. لكنه كان مترددًا، خشية أن يُعيد ذلك فتح جراح الأسرة، خصوصًا إذا فشلت المساعي.33  المرجع نفسه في ذلك الوقت، وعلى الرغم من محاولات منظمات حقوقية إسرائيلية مختلفة، لم تكن إسرائيل قد أعادت جثمان أي مقاتل فلسطيني منذ تسليمها 15 جثمانًا عام 2005 كبادرة حسن نية مع تولي محمود عباس منصب الرئاسة.34 تقرير قناة الجزيرة عن إعادة 15 جثة https://short-url.org/1p5u5

بعد نحو أسبوع، حضر والدا مشهور إلى المركز ووقّعا وكالة قانونية تخوّل محامي المركز متابعة القضية. وعلى الرغم من تشكيك المحامين في إمكانية النجاح بسبب حساسية الملف وتعقيداته السياسية، شدد عصام على أن النتيجة غير مضمونة، لكنه تعهّد بأمرين: بذل أقصى الجهود والاستعداد للتعلم حتى من الفشل. وبعدها قدّم المحامون مذكرة قانونية إلى السلطات الإسرائيلية، ومن هنا بدأت الرحلة. في الوقت عينه، أطلق المركز نداءً عامًا للعائلات الفلسطينية التي تحتجز إسرائيل جثامين أبنائها، داعيًا إياها إلى تسجيل بيانات أبنائها. كان الهدف استعادة أكبر عدد ممكن من الجثامين، لا رفات مشهور وحده. ووُزّعت استمارات وإعلانات تحمل أرقام هواتف المركز في مدن الضفة الغربية وقطاع غزة المختلفة. وخلال أسبوعين فقط، سجلت 70 عائلة أسماء أقاربهم الراحلين وروت قصصهم.

في آذار/مارس 2008، نظم مركز القدس أول اجتماع للعائلات المسجلة، وحضره ما بين 25 و30 عائلة. وبينما كان الهدف هو مناقشة استراتيجية العمل، تحوّل الاجتماع إلى مساحة لسرد القصص الشخصية ومشاركة الحزن. وفي ختام الاجتماع، طلب المركز من الأهالي البحث عن عائلات أخرى تعيش التجربة عينها. بعد ذلك الاجتماع، أدرك عصام العاروري أن الحملة بحاجة إلى منسّق متفرّغ يملك خبرة تنظيمية وروحًا نضالية. وفي نيسان/أبريل، عيّن سالم نخلة، المعروف باسم أبو زياد، لهذا الدور. وأوضح الرجلان لموظفي المركز ثم للعائلات المنضوية في الحملة أن هذا الجهد ليس مشروعًا تابعًا لمنظمة غير حكومية، بل قضية شعبية لا ينبغي تحويلها إلى مبادرة مرتبطة بتمويل المانحين أو متطلبات التقارير. وكان هذا الموقف أساسيًا لبناء الثقة مع العائلات التي ازدادت حذرًا من المنظمات غير الحكومية لشعورها سابقًا بأن معاناتها استُخدمت من قبل بعضها.

في غضون أسابيع قليلة، تضاعف عدد الحالات المسجلة ليصل إلى 140، فأنشأ أبو زياد لجانًا قيادية للعائلات في المدن المختلفة، لتختار كل مجموعة ممثلًا عنها في لجنة تنسيق وطنية. وكان هذا النموذج التنظيمي مألوفًا لكل من عصام وأبي زياد، بحكم خبرتهما في العمل التنظيمي خلال الانتفاضة الأولى.

وفي 28 أيار/مايو 2008، أُطلقت الحملة رسميًا تحت اسم "الحملة الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء" (وباللغة الإنجليزية - The National Campaign to Retrieve War Victims and Unravel the Fate of those Missing). وأُنشئ موقع إلكتروني بسيط للحملة، ونُظم حفل الإطلاق بالتعاون مع شركاء35 بما في ذلك تجمع أسر الشهداء وشبكة أمين الإعلام. مختلفين، بحضور ممثلين عن السلطة الفلسطينية والمجلس التشريعي الفلسطيني ومنظمات حقوقية ووسائل إعلام. ومع توسّع قاعدة الأهالي المشاركين، بدأت الحملة تحظى باعتراف سياسي متزايد. في أيار/مايو 2009، التقى رئيس الوزراء الفلسطيني آنذاك سلام فياض بـ"عائلات الشهداء" وأعلن دعمه العلني للحملة، متعهدًا بجعل القضية أولوية وطنية. ولاحقًا ناقش مجلس الوزراء الملف رسميًا، وأصدر توجيهات للوزارات بدعم مطالب الحملة، كما أُعلن تاريخ 27 آب/أغسطس يومًا وطنيًا لاسترداد جثامين الشهداء.36 "لنا أسماء ولنا وطن" الصفحة 10، https://www.jlac.ps/public/files/file/Publications/We_Have_Names_En.pdf بعد أشهر قليلة، نشرت الحملة الطبعة الأولى من كتابها "لنا أسماء ولنا وطن".37 متوفر على موقع الحملة (المسمى makaberalarqam) تحت بند المنشورات: https://www.makaberalarqam.ps/public/files/Publications/asmaa%201.pdf وضم أسماء وصور 302 فلسطيني وعدد من العرب الذين احتجزت إسرائيل جثامينهم، إلى جانب بعض قصصهم كما روتها عائلاتهم. وبالنسبة إلى الأهالي، كانت هذه الخطوة بالغة الأهمية، إذ لم يُحرم أبناؤهم من الدفن اللائق فحسب، بل كادوا أن يُمحوا من الذاكرة العامة أيضًا. وقد أدخل ذلك الزخم إلى الحملة، وشجع العائلات على تنظيم فعاليات عامة والتواصل مع السفراء الأجانب ومسؤولي الأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر. في الوقت عينه، كان محامو مركز القدس يتابعون قضية مشهور العاروري أمام المحاكم.

وفي أواخر عام 2009 حدث اختراق أكبر عندما قضت المحكمة العليا الإسرائيلية بإعادة جثمان مشهور إلى عائلته بعد 34 عامًا من مقتله. إلا أن تنفيذ القرار تأخر، واضطرت العائلة إلى دفع أكثر من 5000 دولار لتغطية تكاليف اختبار الحمض النووي، خصوصًا بعدما تبين أن الجثامين الأولى التي خضعت للفحص لا تعود إليه.38عصام العاروري، مركز القدس للمساعدة القانونية، مقابلة 18 شباط/فبراير 2026. وفي 12 آب/أغسطس 2010، نُقل جثمان مشهور إلى رام الله حيث شُيّع في جنازة حاشدة عطّلت الحركة في المدينة، قبل أن يوارى الثرى في قريته عارورة، إذ كان والداه، وقد تجاوزا التسعين من العمر، ينتظران هذه اللحظة منذ عقود.39 تغطية قناة الجزيرة العربية للجنازة https://www.youtube.com/watch?v=XWJZ-cRrjwg أعطت هذه العودة دفعة معنوية كبيرة للحملة، وجذبت مزيدًا من العائلات، من ضمنها عائلات فلسطينية مقيمة في الأردن. كما أدت إلى تشكيل لجان محلية جديدة في مناطق مثل الخليل. وبعد ذلك، رفع مركز القدس دعوى جديدة لاستعادة جثمان حافظ أبو زنط، رفيق مشهور في العملية العسكرية عام 1976، فحكمت المحكمة الإسرائيلية في تشرين الأول/أكتوبر 2011 بإعادته أيضًا.

وبعد أشهر، نجح سلام فياض في ترجمة تعهده السياسي إلى خطوة عملية. وفي إطار ترتيبات حسن نية لإحياء المفاوضات بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، توصل فياض إلى اتفاق يقضي بإعادة الجثامين المحتجزة. وفي 31 أيار/مايو 2012، أعادت إسرائيل 91 جثمانًا إلى السلطة الفلسطينية، التي أعادتها بدورها إلى عائلاتها في قطاع غزة والضفة الغربية. لكن 18 من هذه الجثامين بقيت مجهولة الهوية. وتمكنت الحملة لاحقًا من التعرف على هوية تسعة منها وإعادتها إلى عائلاتها. فيما لا تزال أجزاء من الجثامين التسعة الأخرى مدفونة في رام الله في قبر جماعي في انتظار التعرف إليها.40 https://www.kuna.net.kw/ArticleDetails.aspx?id=2337758&Language=ar

واصلت الحملة نموها وترسيخ حضورها، مطالبة بمحاسبة المسؤولين وإعادة الجثامين المتبقية. في عام 2013، أصدرت المحكمة العليا الإسرائيلية قرارًا بإعادة 36 جثمانًا إضافيًا، لكن بحلول أوائل عام 2014، لم يُسلّم سوى 27 جثمانًا، فيما لا تزال البقية محتجزة من دون تفسير.41عصام العاروري، مركز القدس للمساعدة القانونية، مقابلة 18 شباط/فبراير 2026.

غير أن المشهد تغيّر مجددًا في تشرين الأول/أكتوبر 2015، حين أقرّ المجلس الوزاري الأمني الإسرائيلي رسميًا سياسة احتجاز الجثامين كورقة مساومة، لا سيما لمن يُشتبه بانتمائهم إلى حركة حماس والجهاد الإسلامي أو بمشاركتهم في هجمات كبيرة.42 معلومات ميدانية لمنظمة الحق، تشرين الأول/أكتوبر 2015 https://www.alhaq.org/monitoring-documentation/6491.html#:~:text=On%20Wednesday%2C%2014%20تشرين الأول/أكتوبر%202015,exchanges%20of%20Israeli%20soldiers%20bodies. وإشارة إليها في حكم المحكمة المؤرخ 14 كانون الثاني/يناير 2017، قضية عليان ضد قائد قوات جيش الدفاع الإسرائيلي في الضفة الغربية https://versa.cardozo.yu.edu/topics/international-law#:~:text=(3)%20بغض النظر عن أي شيء وارد في، الغرض من القانون. وفي عام 2018، أضفى الكنيست طابعًا قانونيًا على هذه السياسة، قبل أن تصادق عليها المحكمة العليا في أيلول/سبتمبر 2019 (مراجعةً لحكم سابق مخالف في عام 2017)، ووسعت نطاقها ليشمل جميع المشتبه بتنفيذهم هجمات.43 Noura Erekat and Rabea Eghbarieh, “The Jurisprudence of Death: Palestinian Corpses & the Israeli Legal Process“ 2023, https://www.jadaliyya.com/Details/44797

على الرغم من هذا التحول القانوني والسياسي، لم تتوقف الحملة ولم تفقد زخمها بالكامل، بل شهد نشاطها فترات صعود وهبوط، ويبلغ ذروته غالبًا في اليوم الوطني لاسترداد جثامين الشهداء. ولا تزال العائلات، خصوصًا الآباء والأمهات، تدعم بعضها نفسيًا وتتبادل الخبرات في التعامل مع السلطات، كما تستمر في تنظيم التحركات العامة والتواصل مع الدبلوماسيين. وأصبح من المعتاد أن تزور أمهات الحملة والدة أي فلسطيني جديد تحتجز إسرائيل جثمانه، لتقديم الدعم المعنوي لها والترحيب بها ضمن الحملة. وكما قال أحد الآباء المشاركين: "يختلف مستوى الأمل بين الأهالي. لكن كثيرين يقولون، إذا كانت بعض الجثامين قد عادت بعد عشرات السنين، فإن أبناءنا سيعودون أيضًا، حتى لو استغرق الأمر 10 سنوات أخرى."[44]

 

 

رؤى مستخلصة من الحملتين: كيف يمكن للمنظمات المدنية بناء قوة الناس في المجتمعات التي تعمل معها

في الحملتين المذكورتين، لعبت منظمتا "النساء الآن من أجل التنمية" في لبنان و"مركز القدس للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان" في فلسطين دورًا محوريًا في إعادة القوة للناس للمقاومة عبر تسهيل حملات قاعدية شعبية تتحدى هياكل القوة المهيمنة بطريقة خصامية.

ولتنفيذ ذلك، كان عليهما إعادة التفكير في بعض المقاربات التقليدية والمهنية والتخلي عنها. وهي مقاربات أصبحت سمة مميزة لعمل المنظمات غير الحكومية. ولكي تحافظا على التزامهما بمفهوم قوة الناس، كان عليهما أيضًا اعتماد طرق جديدة في التعامل مع التمويل وتوفير الموارد. من خلال البحث المكتبي والمقابلات مع المنظمتين، لاحظتُ سماتٍ محددة في تموضعهما وبنيتهما وثقافتهما التنظيمية، سمحت لهما بتسييس عملهما، وبناء قوة شعبية قادرة على تحدي أنظمة الهيمنة.

الهوية السياسية والقيم

على الرغم من عملهما في سياقات وطنية وسياسية مختلفة، ولدت كلتا المنظمتين من لحظات انكسارٍ سياسي. نشأت منظمة «النساء الآن» في ذروة الثورة السورية، وأسستها مجموعة من القيادات النسوية اللواتي اعتبرن أنفسهن ناشطات ومناضلات. احتجن إلى إطارٍ يجمع نضالهن الجماعي، فكان ذلك السبب الجوهري لتأسيسها.

أما "مركز القدس للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان" فتأسس في الأصل على يد لجنة خدمة الأصدقاء الأمريكية (American Friends Service Committee) عام 1974 لتوفير الدفاع القانوني لأهالي القدس. في عام 1997، بعد إنشاء السلطة الفلسطينية، قررت لجنة خدمة الأصدقاء الأمريكية إغلاقها. غير أن مجموعة من النشطاء الفلسطينيين والمدافعين عن حقوق الإنسان اعتقدوا أن الاتفاق المرحلي، المعروف باسم اتفاقيات أوسلو، لن يوقف الانتهاكات الإسرائيلية بحق الفلسطينيين، وأن الدفاع عن الفلسطينيين في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة سيبقى ضرورةً ملحة حتى مع وجود السلطة الفلسطينية. لذلك شكّل هؤلاء مجلس إدارة وتولوا قيادة المنظمة وأعادوا تسميتها لتصبح "مركز القدس للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان".

شكلت هذه القصص التأسيسية روح كلتا المنظمتين؛ إذ تشكلت كل منهما بهدف سياسي واضح متجذر في المقاومة السياسية. ولم تقتصر روايات التأسيس على تقديم الخدمات، بل تمحورت حول المشاركة الفاعلة في حركات تحرر أوسع: حركة حقوق المرأة ما بعد الثورة في حالة منظمة "النساء الآن"، وحركة التحرير الفلسطينية بعد أوسلو في حالة مركز القدس للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان.

علاوة على ذلك، تبنت كلتا المنظمتين فلسفة سياسية تقوم على احترام قوة الناس والالتزام بالقيادة المشتركة. تنعكس هذه الفلسفة في عملهما وفي ثقافتهما الداخلية. فتستند المنظمة إلى مبادئ نسوية، من بينها الإيمان بأن الشخصي هو سياسي، وقيمة النقاش الجماعي، والتعلم عبر التأمل والخطأ. على سبيل المثال، قبل إطلاق الحملة التي تتناولها هذه الدراسة، نفذت المنظمة عملية مساءلة داخلية في لبنان، مما أدى إلى إصلاح بعض الإجراءات والسياسات – في انعكاسٍ عملي لقيمها. ويعكس مركز القدس قيمًا مشابهة مستمدة من تقاليد التنظيم الشعبي، لا سيما تلك التي تشكلت خلال الانتفاضة الأولى، مثل الإيمان العميق بقوة الشعب، والتشديد على الاستقلالية عن الممولين أو الأطراف الخارجية. داخليًا، تعتمد القيادة الجماعية «حتى في لحظات الأزمات وحتى إذا استغرق الاجتماع أربع ساعات.44 المرجع نفسه. كما تصون كرامة كل عضو في الفريق وتتجنب عمدًا السيطرة الهرمية.

تشترك هذه الهوية السياسية في إيمان أساسي بـ" قوة وقدرة الناس" – ليسوا متلقين أو مستفيدين، بل فاعلين ونشطاء وصناع تغيير. وليس أي مجموعة ناس بشكلٍ عام، بل تركز المنظمتان على الناس الأكثر تأثرًا بالقضايا – أصحاب الحقوق أو "أهل القضية". كما قال أنس تلو، منسق منظمة "النساء الآن"، في بودكاست:

"وسعنا فهمنا وتعريفنا لـ«أهل القضية»: فهم الذين تزوجوا وهم أطفال، أو الذين وُلدوا في أسرة تزوّج فيها الأب أو الأم وهما أطفال، والشابات اللواتي يواجهن الآن ضغوطًا اجتماعية للزواج المبكر. وهذه الفئات الثلاث هي الأكثر قدرة على حمل هذه القضية والإيمان بها والسعي إلى تغييرها. إذا لم يكن من يعاني يوميًا من المشكلة هو من يقودها، فلن نصل إلى تغيير يدوم عامين أو ثلاثة أعوام أو أكثر. وإذا جعلنا الداعمين يقودون القضية، فلن تدوم القضية طويلًا. نحن نعلم أن التغيير الاجتماعي يستغرق أعوامًا طويلة، لذلك إذا لم يكن القادة من أهل القضية، فإنها ستخبو بعد حين".[46]

عقدت منظمة "النساء الآن" لقاءات فردية وحددت نساء زُوّجن في سن مُبكر ودعتهن لقيادة جهد جماعي لإنهاء هذه الممارسة. أما مركز القدس فتواصل مع أهالي فلسطينيين احتجزت إسرائيل جثامين أبنائهم، والذين عاشوا مع ألمٍ عميق – ليس لتغيير الماضي، بل لتشكيل المستقبل. وفي الحالتين، بدأت المنظمتان بخلق مساحة لهؤلاء الأفراد لسرد قصصهم والتعبير عما يحركهم وبناء التضامن. لاحقًا، ناقشوا موضوع "ماذا سنفعل معًا؟". وفي كلتا المنظمتين، لم يُطلق على هؤلاء اسم "مستفيدين" أو "الضحايا"، بل "قادة الحملة".45 المرجع نفسه.

التخلي عن القيادة والسيطرة، وإعادة تعريف دور المنظمات غير الحكومية

رحبت كلتا المنظمتين بطبيعة الحال بفكرة تشكيل قيادة الحملة من داخل القاعدة الشعبية نفسها. احترمتا قدرة الأشخاص المتأثرين مباشرة بالقضايا – سواء النساء اللواتي يقاومن تزويج الطفلات في لبنان أو عائلات "الشهداء المحتجزة جثامين أبنائهم" في فلسطين – على قيادة النضال. كذلك، وربما الأهم، لم تكن أي من المنظمتين راضية بوجود فريق قيادة واحد من القاعدة الشعبية. فعملتا على توسيع القيادة القاعدية الشعبية إلى عدة فرق. كان لدى كلتا المنظمتين وكلتا الحملتين أكثر من 10 فرق قيادية تتولى مسؤولية مناطق جغرافية مختلفة (حسب الأحياء في لبنان وحسب المدن في فلسطين)، وتتولى تنظيم القواعد الشعبية في تلك المناطق. كما أنشأتا فريقًا يضم ممثلين عن كل فريق جغرافي لتنسيق القرارات والهياكل والأنشطة. ولم يسمَّ هذا الفريق "الفريق المركزي" ولا "فريق القيادة"، بل سمي فريق التنسيق. وفي الحالتين، كان ممثلو أهل القضية في فريق التنسيق يُرشَّحون ويُنتخَبون من القاعدة نفسها، وليس من منظمة النساء الآن أو مركز القدس للمساعدة القانونية. ففي حملة «إعادة جثامين الشهداء»، رشحت الفرق المحلية فريقًا تنسيقيًا للمدينة يمثلها في لجنة التنسيق الوطنية. وفي حملة «لا تكبرونا»، أصبح المنظمون الأوائل أعضاء مؤسسين في فريق التنسيق، ثم توسّع الفريق تدريجيًا مع انضمام عضو من كل فريق حي جديد يُشَكَّلُ وفق معايير متفق عليها.

في حين أن الثقة في قيادة أهل القضية كانت أساسية في كلتا المنظمتين، لم تتخل أي من المنظمتين تمامًا عن سلطة اتخاذ القرار، ولم تتمسك بها بالكامل. كانت المعضلة في تحديد أين يُرسم هذا الخط؟ – وهو توتر كان عليهما التعايش معه، والعودة إليه دوريًا داخل المنظمة ومع القاعدة الشعبية كلما ظهر من جديد. واتسمت كلتا المنظمتين بالانفتاح والحزم في آنٍ معًا.

عندما طلبت قاعدة حملة "إعادة جثامين الشهداء" – أي ذوو المقاتلين الذين سقطوا – من مركز القدس أن يؤدي دورًا في مساعدتهم على تسوية بعض القضايا مع السلطة الفلسطينية، كان رد فعلهم الأولي ألا ينخرطوا في نواحٍ تُبعدهم عن جهودهم الأساسية المتمثلة في الضغط على الاحتلال لإعادة الجثامين. لكن بعد نقاش وتفكير، أدركوا أن احتياجات القاعدة اليومية أساسية. فمعالجتها ضرورية لاستمرار الثقة وضمان استمرار دعم العائلات للحملة.

كانت بعض هذه الاحتياجات شديدة الأهمية. على سبيل المثال، قد تبقى قضايا الإرث معلقة لعقود من دون توزيع، لأنه لا يمكن إصدار "شهادة وفاة" في غياب الجثمان. وفي حالة أخرى، بقيت امرأة قُتل زوجها ولم يُسلّم جثمانه متزوجة قانونيًا، وبالتالي لم تتمكن من الزواج مجددًا. وبعد التداول، قرر مركز القدس للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان دعم أهل القضية وقاعدة الحملة في معالجة هذه القضايا الإدارية والاجتماعية ضمن إطار الحملة.46 عصام العاروري، مركز القدس للمساعدة القانونية، مقابلة 18 شباط/فبراير 2026.

لكن عندما أرادت بعض العائلات إضافة مطلب التعويض – أي المطالبة ليس فقط بإعادة الجثامين، بل أيضًا بتعويضات مالية عن احتجازها لسنوات – رأى مركز القدس أن ذلك قد يضر بالقضايا القانونية وباستراتيجية المناصرة الأوسع. وبعد نقاش، وافق قادة الحملة من الأهالي على عدم إدراج مطلب التعويض ضمن الحملة.

وبالمثل، انخرط فريق "النساء الآن" في نقاشات معمقة حول خيارات جدلية في الحملة. ففي السنة الأولى، واجهت الحملة مقاومة من داخل المجتمع أثناء تنفيذ أنشطتهم. إذ كان البعض يزعم أن الإسلام يجيز تزويج الطفلات. فقررت النساء قائدات الحملة التواصل مع رجال دين (شيوخ) وطلب تسجيل فيديوهات منهم ضد تزويج القاصرات وبيان أن تزويج الطفلات يتعارض مع الإسلام. كان الهدف تفنيد حجة المجتمع القائلة: "الإسلام يسمح به، فلماذا تريدون منعه؟". لكن منظمة "النساء الآن" – وهي منظمة نسوية – لم تشعر بالارتياح لفكرة تعزيز سلطة دينية في حملةٍ قامت هي برعايتها، لكنها قررت عدم عرقلة عملية اتخاذ القرار في الحملة أو التلاعب لتوجيه قرار القيادة من أهل القضية. ودفعتها هذه التجربة إلى إعادة التفكير في فهمها للنسوية، وضرورة جعلها أكثر محلية وقربًا من الواقع، وعدم تعطيل القيادة القاعدية التي تبنيها. قبلت بذلك، وعندما واجهت انتقادات من منظمات نسوية أخرى في لبنان تعارض منح رجال الدين دورًا أكبر، قالت إن للحملة استقلاليتها وإن قراراتها تُتخذ من قبل قيادتها: "ساعد أن الحملة تحمل اسمًا وشعارًا وقيادة خاصة بها".47 Anas Tello, Women Now, Community Organizing Advisor, Interview 24 June 2025.

كما برزت أهمية الاستقلالية في نقاشات مركز القدس أيضًا. «لم يكن للحملة اسم وشعار وهيكل قيادة داخلي فحسب، بل حرصنا أيضًا على أن يكون المركز (مركز القدس للمساعدة القانونية) المرتبط بالحملة مستقلًا في نظر الناس.'48صام العاروري، مركز القدس للمساعدة القانونية، مقابلة 6 تموز/يوليو 2025. عمل مركز القدس باستقلالية عن أي حزب سياسي، على الرغم من السياق الفلسطيني المشحون سياسيًا. كما ضمّت هيئة إدارته أعضاء من توجهات سياسية مختلفة، وضمت قيادة الحملة عائلات من خلفيات سياسية متنوعة، ما عزز مصداقيتها ووسّع دعمها.

ولإكمال الصورة، وبالنظر إلى ما سبق حول صنع القرار وتوزيع السلطة بين المركز والحملة، من المهم فهم شخصية ودور الشخص الذي تولى قيادة الحملة في كلتا المنظمتين.

كان سالم نخلة، المعروف بأبو زياد، أول منسق للحملة في مركز القدس.[51] كان فاعلًا سياسيًا، و"هذا هو الشكل الذي تعاملنا به داخل المركز"، كما قال عصام العاروري، المدير التنفيذي للمركز. وأضاف:

"كان يمكن أن يكون جزءًا من القاعدة الشعبية نظرًا لنشاطه السياسي. قلت له: أنت لست موظفًا. ستقود هذه الحملة مع عائلات الشهداء. لم أطلب منه أبدًا سيرة ذاتية، ولم أكن أعرف حتى ما إذا كان قد أنهى دراسته الثانوية".[52]

لم يُعامل المنسق كموظف تقليدي في منظمة غير حكومية يخضع لجداول تسجيل الحضور والانصراف ومخرجات المشاريع، بل كشريك في العملية السياسية. «كانت قوته تكمن في الاستماع إلى الأهالي، واحتوائهم، وفهم مشاعرهم، وتسهيل تقدّم الحملة. وحين كانت تبرز تحديات وخلافات بين الأهالي، كان ينجح في بناء الجسور والتفاهم بينهم».[53]

أما بالنسبة إلى منظمة "النساء الآن"، فقد أصبح أنس تلو، وهو منسق المناصرة والتواصل في المنظمة، منسق الحملة خلال العامين الأولين. ثم، عندما أصبح للحملة منسق من داخلها، أصبح دوره "مستشار تنظيم مجتمعي"، يعمل كمدرب لقيادة الحملة. عُرف أنس بأنه ليس مديرًا بيروقراطيًا، بل شخص متعاطف، حازم، قريب، وسهل الوصول إليه من الناس في المنطقة."49 ريم الحسواني، مديرة البرنامج، النساء الآن، مقابلة، 22 تموز/يوليو 2025 كان يعمل في المنظمة منذ فترةٍ طويلةٍ، وفي لحظات غياب القيادة في داخل المنظمة، تولى دور القائد المؤقت. لم يكن بحاجة إلى طلب الموافقات المستمرة من المدير، بل عمل بثقة واستقلالية. كما منح الثقة والاستقلالية للقاعدة الشعبية. "كان يعمل كميسّر – شخص يربط بين المنظمة والمجتمع، ويعالج التوترات داخل قيادة الحملة، ويخلق مساحة لظهور قادة جدد."50 المرجع نفسه.

في كلا المثالين، كانت هذه الأدوار علاقاتية بعمق. لم يكونوا مديري مشاريع؛ بل بناة حركة يسهّلون القيادة الجماعية وتنظيم القاعدة الشعبية. استمعوا إلى القصص، واستقطبوا البذور الأولى للقيادة، وتابعوا صحة الفرق، واحتووا التوترات، وبنوا جسرًا بين الخلافات. ومع تعريفهم وتطور أدوارهم داخل الحملات، أعادوا أيضًا تعريف دور منظماتهم في علاقتها مع قوة الشعب.

توفير الموارد من أجل القوة، لا من أجل المشاريع

في الحالتين، لم يُنظر إلى التمويل على أنه وسيلة لتنفيذ مخرجات محددة مسبقًا، بل كأداة لتعزيز القوة الجماعية، وحماية الاستقلالية، واستدامة التنظيم على المدى الطويل. كان بإمكان منظمة «النساء الآن» صياغة مقترح، وتحديد بعض الأهداف المرحلية، والحصول على التمويل، والتكيف مع الممولين. لكن كان ذلك سيحول الحملة إلى مشروع – ما يقوض استقلاليتها ويخضعها لمنطق يكافئ المخرجات على حساب التملك والتجريب. بدلًا من ذلك، حصلت المنظمة على تمويل مرن من ممولين نسويين يدركون أن الهدف الأساسي للحملة هو بناء قيادة جماعية لدى أهل القضية وإعادة القوة للناس إلى الناس. احترم الممولون استقلالية كل من منظمة "النساء الآن" وحملة "لا تكبرونا" ولم يتدخلوا في التكتيكات أو الجداول الزمنية أو الرسائل. لكنهم احتاجوا إلى نوع من خارطة الطريق. ولذلك، قبلوا وثيقة من منظمة النساء الآن تنص على وجود أربع مراحل عامة:

1) السرد وبناء الثقة وتحديد القيادات وتشكيلها؛ 2) اختيار القيادات لهدف تغييري محدد واستراتيجية واعتماد بنية لتوسيع القيادة؛ 3) تنفيذ التكتيكات والعمل الميداني؛ و4) التقييم والتعلم، والتحضير للدورة التالية.

وعليه لم تحدد الوثيقة هدفًا نهائيًا أو استراتيجية جاهزة أو مجموعة مسبقة من التكتيكات والأنشطة. وافقت مسؤولة البرامج في بيروت على النموذج وطلبت من النساء الآن المساعدة في إقناع العاملين في مقر الممول الرئيسي بأن التمويل سيُدار وفق هذه المراحل – بشكل مرن، مبدئي، ومتناغم مع احتياجات الحركة.

أما مركز القدس للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان، فرفض تمامًا تمويل المانحين لحملته. لم تُؤمّن أي منح لهذا العمل. وأوضح المدير للفريق صراحةً أن هذا العمل لن يُدرج في أي تقرير أو يُعرض على أي جهة مانحة:

" كان ممنوعًا علينا تحويل هذا إلى مشروع. لا نريد أن يسألنا أحد: "لماذا تستخدمون كلمة شهداء؟ ولماذا تعتبرون دلال المغربي إرهابية". لا نريد أن يتدخل أحد في شؤوننا. كما لا نريد أن تشعر عائلات الشهداء بأننا نستغل دماء أبنائهم لمصلحتنا في المركز. أحيانًا تكون هناك نظرة سلبية تجاه عمل المنظمات في بعض المجالات؛ إذ يُتهمون بأنهم يتاجرون بالقضايا. إنها مسألة شديدة الحساسية... بصراحة، كان المال أقل ما يشغلنا، على الرغم من أننا لو توفّر لخفف الكثير من الأعباء".[56]

كانت تكاليف النقل والطباعة ومواد الحملة تُغطّى بطرقٍ مبتكرة – عبر دعم من منظمات مدنية أخرى مثل غرفة التجارة، أو من مساهمات شخصية. كما كان المحامون المشاركون في القضايا موظفين بدوامٍ كاملٍ بالفعل. وسمح هذا الرفض لنماذج التمويل، التي يقودها المانحون، للحملة بأن تبقى مرنة وذات مصداقية وخاضعة للمساءلة أمام قاعدتها فقط.

كانت ميزانيات كلتا المبادرتين متواضعة. دفع مركز القدس راتب المنسق من تمويله الأساسي واعتمد بشكل كبير على موارد المجتمع. فيما غطّت "النساء الآن" راتب المنسق، ورسوم التدريب الذي قدمته منظمة أهل (وهي منظمة مختصة ببناء الحركات مقرها في الأردن)، إضافة إلى نفقات تشغيلية صغيرة، من بينها مكافآت رمزية لمنسقي الفريق.

هذه الميزانيات المحدودة لم تكن تفصيلًا ثانويًا، بل كانت عنصرًا أساسيًا – إذ سمحت بأن يبقى التنظيم متجذرًا غير محوّل إلى عمل احترافي بيروقراطي، وأن تستمر الحملات عامًا بعد عام بحسب الحاجة.

مقاومة النظام والمرونة التكتيكية

بالإضافة إلى التحديات الداخلية المذكورة أعلاه، واجه الطرفان أيضًا مقاومة من قوى خارجية ومنظومات سلطة. وتمكنا من المناورة حول هذه الضغوط والتغلب عليها. لكنهما لم يتمكنا من إيقافها أو هزيمتها تمامًا، ولم يكن ذلك هدفهما أصلًا.

في حالة النساء الآن، لم تقم حملة لا تكبرونا بتهديد الحكومة اللبنانية أو تقويضها، لذلك لم تمارس الحكومة ضغوطًا عليها أو تتخذ خطوات لإيقاف عملها. وكلما احتاجت قيادات الحملة إلى إشعار الحكومة بشأن نشاط عام، كانت المنظمة تتولى الإجراءات البيروقراطية نيابة عنهم وتوفر لهم الغطاء الإداري. خلال فترة الحملة، كان الفضاء العام في لبنان يضيق لأسباب خارجية – مثل جائحة كوفيد-19 والانهيار الاقتصادي – لكن قياديات الحملة وجدت طرقًا على المستوى المحلي للاستمرار في التنظيم بالابتعاد عن التكتيكات الجماعية المخططة وعقد لقاءات فردية بدل الاجتماعات المنزلية الكبيرة أو الانتقال من الاحتفال بالإنجازات إلى أشكال أكثر هدوءًا من تقدير الآباء الذين كانوا حلفاء رئيسيين.

لكن ذلك لا يعني أن الحملة لم تصطدم بالسلطة، وفقًا لفاطمة العتر، إحدى منسقات الحملة:

"السلطة التي تحديناها كانت القيادة الدينية التقليدية. حاول أحد القضاة في محكمة الشريعة مثلًا تقويض الحملة، عبر تعزيز معتقدات اجتماعية سائدة تصور القيادات النسائية كأدوات لأجندات خارجية، وأنها تهدف إلى تقويض القيم الاجتماعية وتشجيع العلاقات الجنسية على حساب الزواج. كان ذلك يُضعف الحملة وقياداتها، وكانت القيادات تسمعن تلك الاتهامات في مناسبات مختلفة وتجيب: نحن لا نأتي من الخارج، لسنا أصحاب أجندات أجنبية، ولسنا حاملي أفكار غربية، نحن أبناء هذا المجتمع."[57]

وأضافت:

"نحن لسنا مثل المنظمات الأخرى التي تنظّم حملة توعية وتقدم المعلومات ثم تغادر، لا، حملتنا هي حملة تنظيم مجتمعي، نحن ننظم الناس ليصبحوا قوة على الأرض."[58]

كما شاركت النساء قصصهن، وكيف زُوِّجن وهن طفلات، وتفاصيل عن الصعوبات التي واجهنها، والأضرار التي يخلّفها تزويج القاصرات على أطفالهن. ومع مشاركتهن دوافعهن عبر قصصهن، لاحظن تغيرًا تدريجيًا في مواقف الرجال والنساء الذين كانوا في البداية يقلّلون من قدرهن. ومع الوقت، تلاشت تلك الاتهامات. وعلى الرغم من أن هذا التحدي لم يكن موجهًا مباشرة ضد النساء الآن، إلا أنه شكّل تقويضًا لشرعيتها، وقد واجهته القياديات مباشرةً ودافعت عنه عبر سردياتهن.

أما مركز القدس، فلم يدخل في مواجهة مع السلطة الفلسطينية ولم يسعَ إلى تقويضها في ما يتعلق بحملة إعادة الجثامين. قال عصام العاروري: "أدركت السلطة الفلسطينية مبكرًا أن هذا الملف يحظى بدعمٍ شعبي وأن عليها أن تكون في الجانب الصحيح منه".51 عصام العاروري، مركز القدس للمساعدة القانونية، مقابلة 6 تموز/يوليو 2025. رحب رئيس الوزراء آنذاك، سلام فياض، بقيادات القاعدة الشعبية وبالحملة، وأخذ إجراءات للاستجابة لمطالبهم. لكن التحدي الذي واجهه مركز القدس تمثّل في الحفاظ على توازنٍ دقيق بين علاقة عمل قوية مع السلطة الفلسطينية من جهة، دون الارتباط الوثيق بها. ففي حين دعمت السلطة الفلسطينية الحملة، كان على الحملة نفسها أن تبقى مستقلة عنها وعن وزارة شؤون الأسرى،52 أعيد تنظيم هذه الوزارة في عام 2014 وأصبحت لجنة شؤون الأسرى الفلسطينيين. لأن أهل القضية وقاعدة الحملة كانوا يتبنون مواقف سياسية مختلفة وانتماءات سياسية متباينة.

في المقابل، كانت الحملة في مواجهة إسرائيل. ومع ذلك، لم يكن مصدر المقاومة الأساسي من السلطات الإسرائيلية بشكل مباشر، إذ إن مركز القدس كان، منذ سنوات، يتعامل مع النظام القضائي الإسرائيلي والبنى العسكرية في الضفة الغربية. وكان محامو المركز يتحدثون العبرية ويفهمون الإجراءات القانونية داخل ذلك النظام. لكن مجموعات المستوطنين الموجودة في المحاكم والساحات الإسرائيلية بدأت تستهدف محامي المركز، وتصفهم بأنهم مدافعون عن "إرهابيين" تلطخت أيديهم بالدم الإسرائيلي. كما بدأوا بشتمهم ومضايقتهم ونشر صورهم على وسائل التواصل الاجتماعي لتحويلهم إلى أهداف لخطاب الكراهية وربما الاعتداء. ومع استمرار هذا الأسلوب، قرر المركز تعيين أكثر من محامٍ واحد في القضايا، وأحيانًا الاستعانة بمحامين خاصين متعاقدين لا يُعرف ارتباطهم بالمركز.53عصام العاروري، مركز القدس للمساعدة القانونية، مقابلة 18 شباط/فبراير 2026.

الخلاصة

تشير هذه النتائج إلى أن المنظمات غير الحكومية قادرة على تعزيز حركات حقوق الإنسان عبر تأدية دور أكثر فاعلية في تمكين الناس من التنظيم، وتطوير قيادتهم الذاتية، والتعبئة حول قضاياهم. ولا يقلل ذلك من أهمية الإسهامات الحيوية التي يقدمها العديد من المنظمات غير الحكومية في توثيق الانتهاكات، والضغط على الأنظمة القمعية على المستوى الوطني، والمناصرة على الصعيد الدولي. غير أن تعزيز قوة الناس لتحدي أنظمة القمع أمر بالغ الأهمية، خصوصًا في وقتٍ تؤدي فيه بعض المنظمات غير الحكومية، من دون قصد، إلى إضعاف هذه القوة، في حين تواجه تراجعًا متزايدًا في شرعيتها وفي حين تعمل ضمن مساحات مدنية تزيد ضيقًا.

تبرز النتائج المعروضة هنا الاستراتيجيات المتنوعة التي اعتمدتها منظمتان للتعامل مع القيود الداخلية والخارجية. ويكمن في صميم هذه الجهود ثلاثة مبادئ أساسية: الاستعداد لتحمل المخاطر والثقة في قدرة الناس على قيادة أنفسهم، حتى وإن بدوا سلبيين أو اعتماديين؛ والاستعداد للتخلي عن السيطرة على عملية اتخاذ القرار في الأعمال المشتركة؛ وقبول حالة عدم اليقين في الاتجاهات والمخرجات والنتائج. بالإضافة إلى ذلك، هناك تحول في فهم الموارد باعتبارها تتجاوز مجرد التمويل، مع الاعتراف بإمكانية تعبئة أشكال متعددة من الدعم من أجل القضية. وإذا اعتُمد هذا التوجه على نطاق أوسع، فإنه ينطوي على إمكانية تنشيط حركة حقوق الإنسان والمجتمع المدني في جميع أنحاء المنطقة العربية.

لا يزال هناك الكثير لاستكشافه حول هذا الموضوع، إذ يمكن لأبحاث مستقبلية أن تتناول تجارب منظمات غير حكومية أخرى تعطي الأولوية لقوة الناس، عبر دراسة ما تعلمته وكيف تجاوزت التحديات والقيود. كما أن العديد من الحملات القاعدية واللجان المدنية والشبكات غير الرسمية تمتلك أصلًا خبرات مهمة في التعامل مع المنظمات غير الحكومية. وسيؤدي استكشاف هذه التفاعلات إلى توسيع فهمنا لكيفية بناء المنظمات غير الحكومية لقوة الناس – ليس فقط عبر تأسيس ورعاية حركات قاعدية، كما في هذه الدراسة، بل أيضًا من خلال دعم وتعزيز أشكال العمل الجماعي الشعبي القائمة بطرق تتجاوز المناصرة التقليدية.

Endnotes

Endnotes
↑1 OECD, Cuts in Official Development Assistance OECD Projections for 2025 and the Near Term, Policy Brief 26 June 2025.
↑2 Sarah Bush and Jennifer Hadden, “The End of the Age of NGOs?”, Foreign Affairs, 3 July 2025
↑3  John Gaventa, Power and Powerlessness, University of Illinois Press, 1980.
↑4  Gene Sharp, From Dictatorship to Democracy: A Conceptual Framework for Liberation, The Albert Einstein Institution, 1993.
↑5 Steven Lukes, Power: A Radical View, Macmillan, 1974.
↑6  Chantal Mouffe, The Democratic Paradox, Verso, 2000.
↑7  Frances Fox Piven and Richard Cloward, Poor People’s Movements: Why They Succeed, How They Fail, Vintage, 1977.
↑8  Asef Bayat, Life as Politics: How Ordinary People Change the Middle East, Stanford University Press, 2013.
↑9  Srilatha Batliwala, “Grassroots Movements as Transformatory Politics”, Gender and Development, 2007.
↑10  Islah Jad, “NGOization: Palestinian Women’s Movements”, IDS Bulletin, 2004.
↑11  Dana El Kurd, Polarized and Demobilized: Legacies of Authoritarianism in Palestine, Oxford University Press, 2020
↑12  Iliya Harik, “Rethinking Civil Society in the Arab World: The Modernizing Mission,” Journal of Democracy 5, No.3, 1994.
↑13  Joe Stork and Julie Peteet, “The NGO Phenomenon in the Arab World,” Middle East Report, No. 183, 1993.
↑14  Tariq Dana, “The NGOisation of Palestinian Civil Society: Dependency, Professionalism and the Networked Bureaucracy,” Middle East Critique 24, No. 2, 2015.
↑15  Alaa Tartir, “The Role and Impact of International Donors on the NGOization of Palestinian Politics,” Social Sciences 7, No. 4, 2018.
↑16  Sarah Ben Néfissa, “NGOs and Governance in the Arab World: Between Patronage and Empowerment,” in NGOs and Governance in the Arab World, Cairo Press, 2005.
↑17 Islah Jad, “NGOization: Palestinian Women’s Movements.” IDS Bulletin, 2004
↑18  Kareem Elbayar, “NGO Laws in Selected Arab States,” International Journal of Not-for-Profit Law 7, No. 4 (2005).
↑19  Mohamed Abdelaziz, “The Hard Reality of Civil Society in the Arab World,” Washington Institute for Near East Policy, 2020.
↑20  Shadi Hamid and Tamara Cofman Wittes, “A Flawed Nexus: Civil Society and Democratization in the Middle East,” Middle East Institute, 2016.
↑21  المزيد عن منظمة "النساء الآن" هنا: https://women-now.org/about-us/. للاطلاع على ملفات تعريفية مستقلة، انظر: Devex (منظمة تأسست في 23 حزيران/يونيو 2012، وتقدم خدماتها حاليًا لآلاف الأشخاص في جميع أنحاء سوريا والدول المجاورة) https://www.devex.com/organizations/women-now-for-development-154298 ؛ PeaceWomen (وصف تفصيلي لمراكزها النسائية الشعبية ونهجها متعدد المحاور: الحماية، والتمكين، والمشاركة، والمناصرة) https://www.peacewomen.org/civil-society-organisation/women-now-development وMADRE (صفحة الشركاء التي تسلط الضوء على حجمها – إذ تم الوصول إلى أكثر من 10,000 امرأة وفتاة في جميع أنحاء سوريا ولبنان وتركيا) https://www.madre.org/partner/women-now-for-development .
↑22 Maria Al-Abdeh and Champa Patel “Localising’ humanitarian action: reflections on delivering women’s rights-based and feminist services in an ongoing crisis”, Journal of Gender and Development, Vol. 27, No. 2, Humanitarian Action and Crisis Response (July 2019), pp. 237-252.
↑23 اعتمدت منظمة أهل وكيّفت نهجًا لتنظيم القيادة والموارد والعمل الجماعي طوره مارشال غانز، المحاضر الأقدم في كلية كينيدي في جامعة هارفارد والمنظم المخضرم في حركة العمال الثقافيين المهاجرين، من بين أمور أخرى.
↑24  Jumana Abu Jbara, Afnan Abu Yahia, Rama Sabanekh, “Let Me Keep My Childhood: Community Organizing Against Child Marriage, Case Study”, Ahel Website, 2023.
↑25  Alica Medini, “In Lebanon, Syrians Fight Child Marriage Tent by Tent”, Syria Direct https://syriadirect.org/in-lebanon-syrians-fight-child-marriage-tent-by-tent/
↑26  Jumana Abu Jbara, Afnan Abu Yahia, and Rama Sabanekh, “Let Me Keep My Childhood: Community Organizing Against Child Marriage, Case Study”, Ahel Website, 2023, page 23.
↑27 صام العاروري، مركز القدس للمساعدة القانونية، مقابلة 6 تموز/يوليو 2025.
↑28  Rand Wahbeh, “The politics of Karameh: Palestinian Burial Rites Under the Gun”, https://www.academia.edu/43469192/The_politics_of_karameh_Palestinian_burial_rites_under_the_gun
↑29  Captive Corpses, Information Sheet, March 1999, Hamoked, https://www.btselem.org/download/199903_captive_corpses_eng.pdf?
↑30  معلومات ميدانية من منظمة الحق، تشرين الأول/أكتوبر 2015 https://www.alhaq.org/monitoring-documentation/6491.html#:~:text=On%20Wednesday%2C%2014%20تشرين الأول/أكتوبر%202015,exchanges%20of%20Israeli%20soldiers%20bodies. والإشارة إليها في حكم المحكمة المؤرخ 14 كانون الثاني/يناير 2017 في قضية عليان ضد قائد قوات جيش الدفاع الإسرائيلي في الضفة الغربية: https://versa.cardozo.yu.edu/topics/international-law#:~:text=(3)%20بغض النظر عن أي شيء وارد في، الغرض من القانون.
↑31  Noura Erekat and Rabea Eghbarieh, “The Jurisprudence of Death: Palestinian Corpses & the Israeli Legal Process“ 2023, https://www.jadaliyya.com/Details/44797
↑32 صام العاروري، مركز القدس للمساعدة القانونية، مقابلة 6 تموز/يوليو 2025.
↑33   المرجع نفسه
↑34  تقرير قناة الجزيرة عن إعادة 15 جثة https://short-url.org/1p5u5
↑35  بما في ذلك تجمع أسر الشهداء وشبكة أمين الإعلام.
↑36  "لنا أسماء ولنا وطن" الصفحة 10، https://www.jlac.ps/public/files/file/Publications/We_Have_Names_En.pdf
↑37  متوفر على موقع الحملة (المسمى makaberalarqam) تحت بند المنشورات: https://www.makaberalarqam.ps/public/files/Publications/asmaa%201.pdf
↑38 عصام العاروري، مركز القدس للمساعدة القانونية، مقابلة 18 شباط/فبراير 2026.
↑39  تغطية قناة الجزيرة العربية للجنازة https://www.youtube.com/watch?v=XWJZ-cRrjwg
↑40  https://www.kuna.net.kw/ArticleDetails.aspx?id=2337758&Language=ar
↑41 عصام العاروري، مركز القدس للمساعدة القانونية، مقابلة 18 شباط/فبراير 2026.
↑42  معلومات ميدانية لمنظمة الحق، تشرين الأول/أكتوبر 2015 https://www.alhaq.org/monitoring-documentation/6491.html#:~:text=On%20Wednesday%2C%2014%20تشرين الأول/أكتوبر%202015,exchanges%20of%20Israeli%20soldiers%20bodies. وإشارة إليها في حكم المحكمة المؤرخ 14 كانون الثاني/يناير 2017، قضية عليان ضد قائد قوات جيش الدفاع الإسرائيلي في الضفة الغربية https://versa.cardozo.yu.edu/topics/international-law#:~:text=(3)%20بغض النظر عن أي شيء وارد في، الغرض من القانون.
↑43  Noura Erekat and Rabea Eghbarieh, “The Jurisprudence of Death: Palestinian Corpses & the Israeli Legal Process“ 2023, https://www.jadaliyya.com/Details/44797
↑44  المرجع نفسه.
↑45  المرجع نفسه.
↑46  عصام العاروري، مركز القدس للمساعدة القانونية، مقابلة 18 شباط/فبراير 2026.
↑47  Anas Tello, Women Now, Community Organizing Advisor, Interview 24 June 2025.
↑48 صام العاروري، مركز القدس للمساعدة القانونية، مقابلة 6 تموز/يوليو 2025.
↑49  ريم الحسواني، مديرة البرنامج، النساء الآن، مقابلة، 22 تموز/يوليو 2025
↑50  المرجع نفسه.
↑51  عصام العاروري، مركز القدس للمساعدة القانونية، مقابلة 6 تموز/يوليو 2025.
↑52  أعيد تنظيم هذه الوزارة في عام 2014 وأصبحت لجنة شؤون الأسرى الفلسطينيين.
↑53 عصام العاروري، مركز القدس للمساعدة القانونية، مقابلة 18 شباط/فبراير 2026.

تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.