لبنان بحاجة إلى استراتيجية قانونية لمواجهة العنف الإسرائيلي

منظر عام لبلدتي العدسية وكفر كلة جنوب لبنان، كما تُرى من مستوطنة مسغاف عام الإسرائيلية شمال إسرائيل، بتاريخ 4 ديسمبر/كانون الأول 2024. © شترستوك - مصطفى الخروف

في كل مرة تهاجم فيها إسرائيل لبنان، يتكرر النمط الغاشم نفسه: دمار شامل، وغضب، ومناشدات للقانون الدولي – ثم صمت. تمر اللحظة، تتناثر الأدلة، يسود الإفلات من العقاب، وبعد بضع سنوات يعود العنف.

تعلمت هذا الدرس المؤلم في عام 2006، حين كنت أحقق في الانتهاكات الإسرائيلية في لبنان لصالح منظمة هيومن رايتس ووتش. قمنا بتوثيق مقتل مدنيين، وقصف غير قانوني لأهداف مدنية، وهجمات على سيارات إسعاف محددة بوضوح، واستخدام مكثف للذخائر العنقودية في الجنوب. كانت الأدلة دامغة، وأُدرج الكثير منها في تقارير الأمم المتحدة اللاحقة. لكن لم ينتج عن ذلك سوى القليل. تركت لديّ هذه التجربة قناعة راسخة: التوثيق مهم، لكن بغياب استراتيجية قانونية حثيثة، يصبح مجرد أرشيف آخر للألم.

ما بات أوضح لي منذ ذلك الحين أن هذا الفشل في المساءلة جزء من نمط أقدم بكثير، إذ تتكرر أعمال العنف في الأماكن عينها وبالأساليب نفسها غالبًا عبر الأجيال. في أبريل/نيسان 1996، قتلت المدفعية الإسرائيلية 106 مدنيين كانوا يحتمون في مجمع للأمم المتحدة في قانا. بعد عقد من الزمن، أصبحت قانا مرة أخرى مرادفًا للانتهاكات الإسرائيلية خلال حرب 2006، بما في ذلك الهجوم على سيارتي إسعاف محددتي المكان بوضوح. هذا العنف ضد طواقم الإنقاذ لم يبقَ حادثة من حوادث الماضي: منذ بدء الحرب الأخيرة في 2 آذار/مارس، قصفت إسرائيل ما لا يقل عن 128 منشأة طبية وسيارة إسعاف في جنوب لبنان، فقتلت 40 عاملًا في مجال الرعاية الصحية وأصابت 107 آخرين. ويعود نمط دورات الانتهاكات إلى ما هو أبعد من ذلك. في الحولة عام 1948، قتلت القوات الإسرائيلية قرويين لبنانيين في واحدة من أقدم المذابح على الأراضي اللبنانية خلال الحرب المرافقة لتأسيس إسرائيل والنكبة الفلسطينية. في عام 2024، عاد الجنود الإسرائيليون إلى الحولة، وقتلوا المزيد من المدنيين، ودنسوا النصب التذكارية لضحايا المذبحة الأصلية. وبعد 76 عامًا، أُجبرت المنطقة الحدودية نفسها مرة أخرى على تجرع مرارة العنف نفسه.

يكتسي هذا التاريخ الطويل أهميةً لأن مشكلة لبنان ليست الإفلات من العقاب من الناحية النظرية، أو جرائم الماضي غير المحلولة. بل المشكلة في تكرار العنف الإسرائيلي وفشل الدولة المتكرر في بناء رد يوازيه. فلبنان يدين، ويوثق، ويناشد المجتمع الدولي. أما ما لم يفعله فهو بناء الاستراتيجية القانونية والبنية القضائية اللازمة لتحويل الانتهاكات المتكررة إلى ضغط مستمر.

وكان حريًا به أن يفعل ذلك منذ زمن بعيد، لكن أوان الشروع به لم يفت بعد. بل إن الوضع الحالي يجعل الحاجة إلى هكذا استراتيجية أشد وأرجح من الناحية السياسية . فقد أُضِعفَحزب الله عسكريًا وسياسيًا وهو الذي لطالما حاذر اللجوء إلى الآليات الدولية في الماضي، في حين ازدادت المطالب العامة للدولة باستعادة دورها. وفي الوقت نفسه، أصبحت الطبقة السياسية التقليدية في لبنان محاصرة بازدياد، إذ لم تعد قادرة على الاعتماد على مجرد التنديد أو الشلل أو التفويض المألوف لسيادتها لطرف خارجي. وإذا أرادت أن تثبت وجود بديل موثوق لنموذج حزب الله للمقاومة المسلحة، فعليها أن تبدأ في إثبات أن الدولة نفسها قادرة على الدفاع عن حقوق اللبنانيين وتكبيد إسرائيل ثمن انتهاكاتها. وستكون الاستراتيجية القانونية الجادة إحدى الطرائق الملموسة للقيام بذلك.

يجب على لبنان الانضمام للمحكمة الجنائية الدولية، أو أقله قبول ولايتها القضائية إزاء الجرائم المُقترفة فوق أراضيه. وينبغي له ربط مسار المساءلة الجنائية باستراتيجيةٍ أوسع لدى محكمة العدل الدولية، والمحاكم الوطنية المُمارسة للولاية القضائية العالمية. فضلًا عن التعاطي مع التحرك القانوني لا بوصفه مُلحقًا رمزيًا بالدبلوماسية، بل بوصفه ركيزةً أساسيةً ضمن استراتيجيةٍ وطنيةٍ أشمل تناهض الاحتلال والضم والإفلات من العقاب.

لن يوقف هذا سقوط القنابل الإسرائيلية، فالقانون لا يعمل بهذه الطريقة. لكنه سيضع لبنان في موقف أقوى: يصون الأدلة، ويضفي الطابع الرسمي على المطالبات، ويرفع التكاليف القانونية على الجناة، ويصعب من إرداء الهجمات والتوغلات والممارسات المتعلقة بالاحتلال مرة أخرى في غياهب النسيان السياسي. وأهمية هذا الأمر اليوم أكبر، إذ تتجه إسرائيل مرة أخرى نحو الاحتلال ويتحدث بعض قادتها علنًا بلغة الضم. كما أن أهميته تنبع من أن استعادة السيادة تعني أكثر من مجرد نزع سلاح حزب الله؛ فهي تعني بناء دولة تتمتع بالشرعية والأدوات الكفيلة بمواجهة الانتهاكات الإسرائيلية.

مشكلة لبنان غياب المتابعة القانونية

مشكلة لبنان ليست في نقص الأدلة. فلديه أدلة على الانتهاكات الإسرائيلية منذ سنوات. ما زلت أذكر إجابة مزارع من جنوب لبنان في عام 2006، حين سألته عما إذا كان هناك أي أثر متبقٍ للهجمات الإسرائيلية على منزله وأرضه. أشار إلى بستان الزيتون الخاص به، حيث كانت الذخائر العنقودية غير المنفجرة لا تزال معلقة على الأشجار، وقال: "كل شجرة من هذه الأشجار دليلك". وبقدر شاعرية هذه الإجابة، كان مغزاها واضحًا: لا يعاني لبنان من نقص في التوثيق. فهو بلد يتمتع بمجتمع مدني ووسائل إعلام حية قامت بتوثيق مكثف للانتهاكات الإسرائيلية وتأثيرها على مر السنين.

المشكلة الحقيقية أن لبنان من النادر أن ترجم هذه التوثيقات إلى استراتيجية قانونية حثيثة. ففي أعقاب كل هجوم كبير، تُقدَّم شكاوى إلى الأمم المتحدة، ويُستشهد بالقانون الدولي، ويُناشَد المجتمع الدولي للتحرك. لكن هذه الجهود تظل مجزأة وعرضية.

وتسرب النفط في الجية عام 2006 مثال واضح على ذلك. فقد تسببت الغارات الإسرائيلية على خزانات الوقود في محطة توليد الكهرباء في الجية في تسرب نفطي ضخم على طول الساحل اللبناني. وقد اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة مرارًا وتكرارًا قرارات تدعو إسرائيل إلى تحمل المسؤولية ودفع تعويضات تتجاوز 850 مليون دولار للبنان لقاء أضرار التسرب. وأفاد الأمين العام مرة أخرى في عام 2024 بأن التعويض لم يُدفع بعد. ولا يقتصر الدرس المستفاد من الجية على مجرد التعنت الإسرائيلي، بل يخبرنا عن عدم الاتساق اللبناني أيضًا. فحتى في الحالات التي فيها سجل دولي راسخ واعتراف متكرر من الأمم المتحدة بالأضرار، وإنْ لم تكن هذه الاعترافات ملزمة، لم يشرع  لبنان في حملة قانونية ودبلوماسية مستمرة قادرة على تحويل الانتصارات الجزئية إلى ضغط، وفي نهاية المطاف، إلى تعويض.

وهذا النمط يكتسي أهمية لأن      المساءلة عملية تراكمية. لا تحقق الدولة المساءلة من خلال قضية دراماتيكية يتيمة، بل تحققها من خلال التكرار، والذاكرة المؤسسية، وصون الأدلة، والاستخدام المنسق للمنتديات المختلفة. لقد تصرف لبنان في الغالب وكأن كل حرب أو هجوم جديد يبدأ من الصفر.

لماذا المحكمة الجنائية الدولية مهمة اليوم، خاصة في ضوء خطط إسرائيل للاحتلال

أكبر فرصة ضائعة أمام لبنان كانت فشله في ترسيخ مطالباته في المحكمة الجنائية الدولية. لا يزال لبنان دولة غير طرف في نظام روما الأساسي. وقد تركه ذلك خارج المؤسسة الدائمة الرئيسة المصممة للتحقيق في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية ومقاضاة مرتكبيها. لا يزال بإمكان لبنان تغيير ذلك بالانضمام إلى نظام روما الأساسي أو، كخطوة عاجلة، بتقديم إعلان بموجب المادة 12(3) يقبل فيه الولاية القضائية للمحكمة الجنائية الدولية على الجرائم المُقترفة على أراضيه.

اقترب لبنان من تحقيق ذلك في عام 2024. ففي نيسان/أبريل من ذلك العام، اتخذ مجلس الوزراء خطوة نحو قبول الولاية القضائية للمحكمة الجنائية الدولية من خلال تقديم إعلان بموجب المادة 12(3) بشأن الجرائم المزعومة المُقترفة على الأراضي اللبنانية منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023. وبعد شهر، تراجعت الحكومة عن قرارها، مشيرة إلى أنها ستتبع بدلًا من ذلك الإجراءات المعتادة لتقديم شكاوى إلى الأمم المتحدة، لتحرم عمليًا هذه الخطوة من أي ميزة ذات مغزى. ورغم أن الحكومة لم تصدر أبدًا تفسيرًا لتراجعها، فقد أفادت وكالة رويترز أن أحد أسباب التراجع كان القلق من أن المحكمة قد توسع نطاق تحقيقاتها إلى ما هو أبعد من النطاق المقصود.

كشفت تلك الحادثة جوهر المشكلة اللبنانية. كانت الدولة مستعدة للمطالبة بالمساءلة حين كانت ترى فيها أداة استعراضية ضد إسرائيل، لكنها كانت أقل استعدادًا بكثير لقبول محكمة قد تراقب أيضًا الجهات الفاعلة اللبنانية العاملة على الأراضي اللبنانية، ومن بينها حزب الله.

لم ينبثق هذا التردد في عام 2024 من العدم. بل هو متجذر في النظام اللبناني بعد الحرب وفي أمراء الحرب الذين تحولوا إلى زعماء وشكلوا هذا النظام وسيطروا عليه. أرسى قانون العفو لعام 1991 ثقافةً سياسية لا تستوعب العدالة إلا حين تكون خاضعة لرقابة صارمة، ومأطرة تأطيرًا ضيقًا، ومجردة من أي قدرة على زعزعة توازن القوى القائم. وكما جادل منذ فترة طويلة فقهاء القانون اللبنانيون من أمثال نزار صاغية، فقد تعامل لبنان ما بعد الحرب مع المساءلة على أنها استثناء يجب إدارته وليس مبدأ يجب التمسك به. وصاغ المنطق نفسه الجهود اللاحقة لتحقيق العدالة، بما في ذلك المحكمة الخاصة بلبنان التي ركزت على اغتيال رفيق الحريري ومجموعة ضيقة من الجرائم ذات الصلة، ولم تتطرق  للمشهد الأوسع المتمثل في فظائع الحرب والاختفاءات والقتل السياسي المحمي بالعفو والإهمال الرسمي.

ولهذا السبب بالذات غدت إحالة القضية إلى المحكمة الجنائية الدولية مصدر تهديد أخطر على الطبقة السياسية في لبنان. فعلى عكس الترتيبات المحلية أو المحاكم الاستثنائية التي يمكن تكييفها بدقة، لا يمكن توجيه إجراءات المحكمة الجنائية الدولية بسهولة نحو جريمة واحدة أو ضحية واحدة أو حتى معسكر سياسي واحد. ولهذا السبب، فإن إحالة القضية إلى المحكمة الجنائية الدولية ليست مجرد استراتيجية جيدة لمواجهة الجرائم الإسرائيلية المتكررة، بل هي أيضًا خطوة نحو إنهاء ثقافة الإفلات من العقاب التي طالما قوضت محاولات إرساء سيادة القانون في البلاد.

الانتقاد الآخر الموجه إلى الإحالة إلى المحكمة الجنائية الدولية مفاده أنها مؤسسة ضعيفة. فهي بالفعل تتعرض للضغط، وبطيئة، ومقيدة سياسيًا، وغير قادرة على الوقف الفوري للحروب. وقد أظهرت ليبيا وغزة ذلك بوضوح مرير. لكن هذا النقد يسيء فهم طبيعة دور المحكمة. فالمحكمة الجنائية الدولية ليست جيشًا. وتكمن قيمتها في الحفاظ على المطالبات القانونية، وتحديد المسؤولية الجنائية الفردية، وإحباط مساعي إخفاء الفظائع خلف المجاملات الدبلوماسية.

وتتضاعف أهمية هذا الأمر اليوم، لا سيما مع سعي إسرائيل إلى احتلال جنوب لبنان من جديد. وبموجب نظام روما الأساسي، لا تشمل جرائم الحرب القتل العمد أو الهجمات على المدنيين فحسب، بل تشمل أيضًا الترحيل أو النقل غير القانوني، والحبس غير القانوني، ونقل قوة الاحتلال لأجزاء من سكانها المدنيين إلى الأراضي المحتلة (المادة 8(2)(ب) من نظام روما الأساسي). بعبارة أخرى، لا تساعد ولاية المحكمة الجنائية الدولية في معالجة الهجمات غير القانونية فحسب، بل يمكنها المساعدة في تجريم بعض الأساليب إدامة الاحتلال وتنظيمه وتعميقه.

يجب أن تكون محكمة العدل الدولية الركيزة الثانية

لئن كانت المحكمة الجنائية الدولية المحفل الأوضح لملاحقة المسؤولية الجنائية الفردية، فإن محكمة العدل الدولية المحفل الأنسب لقضايا مسؤولية الدولة: الاستخدام غير القانوني للقوة، والاحتلال المطول، والممارسات التوسعية، والتعويضات، وواجبات الدول الأخرى بعدم الاعتراف بوضع غير قانوني أو المساعدة فيه. ولكن على عكس المحكمة الجنائية الدولية، لا يمكن ببساطة إحالة القضية إلى محكمة العدل الدولية بمبادرة من لبنان. في القضايا الخلافية، تعتمد ولاية المحكمة على موافقة الدولة. هذه النقطة أساسية لأنها تعني أن بيروت لا يمكنها ببساطة "رفع دعوى ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية" على أساس الهجمات غير القانونية أو الاحتلال أو الضم ما لم توافق إسرائيل أو يجد لبنان أساسًا اختصاصيًا آخر صالحًا للتقاضي.

لئن غاب المسوغ الواضح في هذه المرحلة لرفع قضية نزاع مباشرة أمام محكمة العدل الدولية، فإن هذا لا يعني عدم توفر استراتيجية للتقاضي أمام المحكمة. من الناحية النظرية، لا يزال بإمكان لبنان المضي قدمًا بموجب معاهدة تتضمن بندًا ملزمًا للدولتين ويغطي النزاع المعني. وأبرز مثال راهني اتفاقية منع الإبادة الجماعية التي تمنح المادة التاسعة منها المحكمة الاختصاص القضائي في النزاعات المتعلقة بتفسير الاتفاقية أو تطبيقها أو الوفاء بها. وهذا المسار سلكته جنوب أفريقيا في قضيتها ضد إسرائيل، ومسار أوكرانيا ضد روسيا. غير أن إمكانية انتهاج لبنان هذا المسار مرهون بما إذا كانت الوقائع والحدود القانونية تتوافق فعليًا مع الاتفاقية. وسيتطلب ذلك دراسة قانونية متأنية في ضوء السوابق القضائية الحديثة والأدلة التي يستطيع لبنان جمعها.

وإنْ تعذر على  لبنان رفع دعوى مباشرة ضد إسرائيل، فلا يعني ذلك نفاد خياراته أمام محكمة العدل الدولية. إذ يجدر به عدم تجاهل مسار الرأي الاستشاري. فبموجب المادة 96 من ميثاق الأمم المتحدة، يحق للجمعية العامة أو مجلس الأمن طلب الرأي الاستشاري من محكمة العدل الدولية بشأن أي مسألة قانونية، كذا يحق لأجهزة الأمم المتحدة الأخرى والوكالات المتخصصة أن تفعل ذلك في نطاق أنشطتها، شريطة تفويضها من الجمعية العامة بذلك. لا يمكن للبنان أن يطلب مثل هذا الرأي بنفسه مباشرةً، لكن يمكنه القيام بالجهود الدبلوماسية اللازمة لتشجيع الجمعية العامة على القيام بذلك. تبرز أهمية هذا المسار في الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية في تموز/يوليو 2024 بشأن سياسات إسرائيل وممارساتها في الأراضي الفلسطينية المحتلة. ففي ذلك الرأي، قضت المحكمة بعدم مشروعية استمرار الوجود الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة ، وانتفاء حق إسرائيل في السيادة على أي جزء منها، وإلزام الدول الأخرى بعدم الاعتراف بهذا الوضع غير القانوني أو المساعدة فيه. لذا، يمكن أن يوفر الرأي الاستشاري إطارًا قانونيًا قويًا في حال طال أمد السيطرة الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية، أو اتخذت شكل احتلال، أو اتسمت بطابع الضم.

وعليه، يتعين على لبنان النظر إلى محكمة العدل الدولية باعتبارها ركيزة أساسية ضمن استراتيجية قضائية متعددة المستويات. إذ بمقدورها توفير منتدى لتبيان عدم مشروعية الوجود الإسرائيلي المطول على الأراضي اللبنانية، وترسيخ التزامات الأطراف الثالثة بعدم الاعتراف بإسرائيل وعدم مساعدتها، وتأصيل مطالبات التعويض. وبطبيعة الحال، لن يفضي هذا المسار بمفرده إلى الانسحاب، لكنه سيقف حجر عثرة أمام تطبيع الاحتلال أو المناطق العازلة أو الممارسات الرامية إلى الضم لتكون حقائق على الأرض.

يجب أن تكمل الولاية القضائية العالمية كلا المحكمتين

لا ينبغي لأي استراتيجية قانونية لبنانية جادة قصرُ اعتمادها على المحكمتين الموجودتين في لاهاي. بل يجب أن تشمل أيضًا شكاوى جنائية معدة بعناية أمام المحاكم الوطنية التي تسمح بالولاية القضائية العالمية إزاء جرائم الحرب أو التعذيب أو الجرائم ضد الإنسانية.

وبحكم طبيعة المجتمعين اللبناني والإسرائيلي لناحية انتشار الجالية في بلاد الاغتراب تكتسب هذه الاستراتيجية آفاقًا واعدة. إذ يحمل أكثر من 50,000 جندي في الجيش الإسرائيلي جنسية أخرى على الأقل، بغالبيتها جوازات سفر أمريكية أو أوروبية، وفقًا للمنظمة غير الحكومية الإسرائيلية "هاتزلاخا" التي حصلت على هذه المعلومات من مصادر رسمية. ويشمل ذلك 12,135 مواطنًا أمريكيًا مزدوج الجنسية، و6,127 مواطنًا فرنسيًا مزدوج الجنسية، و3,901 مواطنًا ألمانيًا مزدوج الجنسية. والضحايا الهجمات الإسرائيلية من اللبنانيين هم في الغالب مواطنين مزدوجي الجنسية من هذه البلدان، ما يفتح الطريق أمام رفع قضايا محتملة بموجب الولاية القضائية العالمية.

أظهرت السنوات الأخيرة القيمة العملية للولاية القضائية العالمية حين تُعطل المحافل الدولية. وأثبتت القضايا السورية هذه النقطة، فقد ساعد الناجون ومنظمات المجتمع المدني في دفع عجلة محاكمات تاريخية في أوروبا، وأبرزها محاكمة كوبلنز في ألمانيا التي أسفرت عن إدانات بجرائم ضد الإنسانية ارتكبت في عهد نظام الأسد. وفي الآونة الأخيرة، بدأ استخدام أساليب مماثلة إزاء الجناة الإسرائيليين المزعومين. قدمت مؤسسة هند رجب شكاوى جنائية في ولايات قضائية متعددة، منها ألمانيا وكندا والبرازيل وإسبانيا، سعيًا إلى تحويل السفر والظهور العلني والوجود في الخارج إلى نقاط ضعف قانونية للمشتبه بهم الإسرائيليين. لا تزال هذه الجهود في مرحلة مبكرة وقد لا تسفر دائمًا عن محاكمات، لكنها تغير المشهد بالفعل، فهي تحافظ على الأدلة حية، وتجبر المدعين العامين على التدخل، وتجعل التنقل الدولي أخطر على الجناة المزعومين. وتلوح في الأفق بوادر مبشرة بإحداث هذه الجهود لبعض الآثار الفورية. في عام 2025، أفاد الادعاء العام البلجيكي أن الشرطة استجوبت 2 من أفراد الجيش الإسرائيلي كانا يحضران مهرجانًا موسيقيًا بشأن انتهاكات خطيرة مزعومة للقانون الإنساني الدولي في غزة. وفي الوقت نفسه، انتهت عطلة أحد جنود الاحتياط في الجيش الإسرائيلي في البرازيل بشكل مفاجئ في شباط/فبراير 2025 بعدما اضطر إلى الفرار من البلاد عقب شكوى قدمتها مؤسسة هند رجب باقترافه جرائم حرب في غزة.

لا تقتصر الغاية هنا على مجرد وجود هذه المسارات، بل تتجاوزها نحو ضرورة شروع لبنان في بناء البنية التحتية والعلاقات اللازمة لتوظيفها بفعالية. يعني هذا تطوير القدرات القانونية المتخصصة وبروتوكولات التوثيق وأرشفة الأدلة وإقامة شراكات مع المحامين والمنظمات الناشطة بالفعل في هذا المجال. وليس عليه البدء من الصفر. إذ بوسعه أن يتعلم من الجهود السورية والفلسطينية التي وظفت الولاية القضائية العالمية والآليات الدولية للحفاظ على المساءلة عبر الحدود. كما يسعه البناء على المحاولات الأحدث للمجتمع المدني اللبناني لمتابعة المساءلة المالية وتلك المتعلقة بالفساد، بما فيها القضايا المرتبطة برياض سلامة وآخرين التي تطلبت بالفعل تنسيقًا قانونيًا عابرًا للحدود. وعليه استكشاف إجراءات مشتركة مع المجموعات السورية والفلسطينية حيث تتداخل الأنماط. فالتكتيكات التي تطبقها إسرائيل في لبنان اليوم – التدمير الشامل، والتهجير، والهجمات على البنية التحتية المدنية، وتطبيع العنف الاستثنائي – صقلتها في غزة، واختبرتها بطرائق مختلفة في سوريا، حيث وسعت رقعة المناطق التي تحتلها خلال العام الماضي. يجب أن تعكس الاستراتيجية القانونية اللبنانية هذه الاستمرارية الإقليمية الأوسع.

أوكرانيا مثال بنّاء

تجربة أوكرانيا مفيدة ليس لأن ظروفها مطابقة لظروف لبنان، بل لأنها تظهر كيف يمكن لدولة أن تستخدم القانون استراتيجيًا حتى إبان مجابهة عدو أقوى بكثير وفي ظل ضبابية الإنفاذ الفوري.

قبل التصديق على نظام روما الأساسي، أقرت أوكرانيا ولاية المحكمة الجنائية الدولية من خلال إعلانين بموجب المادة 12(3)، ما سمح للمحكمة بالتحقيق في الجرائم المقترفة على أراضيها اعتبارًا من تشرين الثاني/نوفمبر 2013 فصاعدًا. بعد الغزو الروسي الشامل، سارع المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية لفتح تحقيق رسمي، وأصدرت المحكمة منذ ذلك الحين أوامر توقيف، بتهم منها الترحيل والنقل غير القانونيين للأطفال الأوكرانيين. لم تتوهم أوكرانيا أن المحكمة الجنائية الدولية ستنهي الحرب أو الاحتلال بمفردها. لكنها أدركت أن الموقف القانوني مهم، فهو يخلق سجلًا إثباتيًا منظمًا، ويدوّل المساءلة، ويحفظ المطالبات المستقبلية.

ولم تعتمد أوكرانيا على المحكمة الجنائية الدولية وحدها. فقد لجأت إلى محكمة العدل الدولية في غضون أيام من غزو عام 2022، ورفعت دعوى بموجب اتفاقية منع الإبادة الجماعية وحصلت على تدابير مؤقتة في 16 آذار/مارس 2022، آمرةً روسيا فيها بتعليق العمليات العسكرية. وعملت مع الشركاء الأوروبيين لدعم تحقيقات الولاية القضائية العالمية وفريق التحقيق المشترك من خلال يوروجست، ما ساعد المدعين العامين الوطنيين على جمع الأدلة وتبادلها عبر الحدود. كما دعمت هيكلية تعويضات موازية، من بينها سجل الأضرار الخاص بأوكرانيا التابع لمجلس أوروبا المؤسس لجمع وتنظيم المطالبات والأدلة الداعمة لآلية تعويض مستقبلية.

بعبارة أخرى، لم تعامل أوكرانيا القانون كبديل للدبلوماسية والمقاومة العسكرية، بل كجبهة موازية: جبهة صانت الأدلة، ووضعت سلوك روسيا في إطار قانوني، وصعّبَت الهروب من المساءلة في المستقبل. هذا هو الدرس الواجب على لبنان استخلاصه. لن تحل الاستراتيجية القضائية محل الدبلوماسية أو إعادة الإعمار أو الإصلاح السياسي. لكنها كفيلة بضمان ألا تظل الهجمات الإسرائيلية والممارسات المرتبطة بالاحتلال ومساعي الضم المحتملة مجرد قضايا مقصورة على التنديد السياسي.

لحظة سياسية فريدة أمام لبنان

لئن كان ثمة لحظة مواتية لشروع لبنان في إرساء مثل هذه الاستراتيجية، فهي اللحظة الراهنة. إذ تولى رئيس الوزراء نواف سلام منصبه بعدما شغل منصب رئيس محكمة العدل الدولية. لا يعني ذلك أن القانون الدولي سيصبح فجأة المبدأ الناظم لسياسة الدولة. لكنه يعني أن أعلى منصب تنفيذي في لبنان يشغله الآن شخصية تدرك، أكثرمن غيرها، إمكانيات التحكيم الدولي وحدوده.

وتتضاع أهمية هذا الأمر الآن لأن الدولة اللبنانية تخضع للاختبار لا من إسرائيل وحدها، بل من شرائح من شعبها أيضًا. لسنوات، تقبّل العديد من اللبنانيين – على مضض أو بخلاف ذلك – حجة ارتباط وجود المقاومة المسلحة بوهن الدولة، أو غيابها، أو ارتهانها لدرجة لا تسمح لها بالدفاع عن البلاد بمفردها. وإذا أرادت السلطات الآن إقناع الجمهور بأن المستقبل يكمن في إعادة بناء سيادة الدولة بدلًا من إعادة إنتاج هياكل عسكرية موازية، فعليها أن تثبت أن الدولة قادرة على أكثر من مجرد المطالبة بنزع السلاح. إذ عليها أيضًا أن تثبت قدرتها على العمل من خلال حماية الحقوق، وتوثيق الأضرار، والسعي إلى المساءلة عبر مؤسسات ذات مصداقية.

توفر استراتيجية قانونية جادة مسارًا ملموسة للبدء في ذلك. وبهذا المعنى، فإن المسألة ليست قانونية فحسب، بل سياسية أيضًا. فالدولة القادرة على إثبات كفاءتها لمواطنيها، ولا سيما في الجنوب، في الدفاع عن حقوقهم في المحاكم وبالطرق الدبلوماسية، تبدأ في استعادة شرعية قوضتها سنوات من الحرب والإهمال والانهيار المؤسسي.

لن يحل هذا محل إعادة الإعمار أو الإصلاح الأمني. لكنه وسيلة لإثبات أن السيادة تعني أكثر من مجرد المطالبة بنزع السلاح. وفي حين أن أي حكم قضائي لن يعيد بناء قرية مدمرة، فإن غياب استراتيجية قانونية يسهّل تطبيع الاحتلال وتنفيذ الضم ونسيان الفظائع. ولبنان لا يستطيع تحمل ذلك.

تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.