مقدمة
يدخل تعافي سوريا بعد الأسد مرحلة حاسمة. فقد أتاح تخفيف العقوبات الاقتصادية الكبرى، وعودة المؤسسات المالية الدولية، وتسارع عودة اللاجئين والنازحين داخليًا، وتدفّق موجة من مقترحات الاستثمار الأجنبي في الطاقة والنقل والاتصالات والمطارات والعقارات، فرصةً لاستعادة الخدمات الأساسية وإعادة بناء البنية التحتية والمساكن المتضررة. لكنها طرحت أيضًا سؤالًا أكثر أهمية: أيّ نوع من التعافي يجري التخطيط له وتنفيذه، ومن يقف وراءه، وعلى حساب من؟
لن يتحدد تعافي سوريا بحجم التمويل الذي يُحشد أو بعدد مشاريع البنية التحتية المنجزة فحسب، بل بنوع مسار التعافي الذي يقع عليه الاختيار، والمعايير التي توجّهه، ومدى قدرته على الحدّ من الهشاشة بدلًا من إعادة إنتاجها. إنها مسألة حوكمة تتعلق بكيفية اتخاذ قرارات التعافي في بلد يخرج من نزاع طويل وتآكل مؤسسي وضغوط اجتماعية واقتصادية عميقة.
تحاجّ هذه الورقة بأن مسار التعافي في سوريا يتسم بفجوة كبيرة بين الخطاب الرسمي والممارسة. فمع أن الاعتبارات البيئية والاجتماعية اكتسبت بعض الحضور في الخطاب الرسمي، لا يزال الاتجاه الغالب للتعافي تهيمن عليه استثمارات بارزة يجري التفاوض عليها مركزيًا في قطاعات الطاقة والنقل والاتصالات والمطارات والسياحة والعقارات. ولا تخضع مشاريع إعادة الإعمار والتعافي حتى الآن لضمانات بيئية واجتماعية ملزمة، ولا لمشتريات شفافة، ولا لتشاور محلي فعلي، ولا لحماية قابلة للتنفيذ لحقوق السكن والأرض والملكية.
لا يكمن الخطر الأساسي في أن إعادة الإعمار ستتجاهل البيئة فحسب، بل في أن التكاليف البيئية ومخاطر التهجير والضغوط على الموارد ستتوزع بصورة غير متكافئة: فقد تعود المنافع على السلطات المركزية والمستثمرين والمقاولين والمناطق الحضرية الأفضل ارتباطًا، في حين تتحمل الأحياء الأفقر والمزارعون والنازحون داخليًا وسكان المناطق العشوائية نصيبًا غير متناسب من التكاليف.
لا تزال أمام سوريا فرصة لتغيير هذا المسار. ولتحقيق ذلك، يجب أن تصبح الاستدامة البيئية إطارًا ملزمًا للاستثمار وصنع القرار العام، لا لغة سياساتية موازية لاستقطاب التمويل الأخضر الدولي. ويتطلب ذلك اختيار المشاريع والتعاقد عليها بشفافية؛ وتقييم الأثر البيئي والاجتماعي؛ وضمانات لحقوق السكن والأرض والملكية؛ وتخطيطًا محليًا تشاركيًا؛ وتعزيز قدرات البلديات؛ وزيادة الاستثمار في الاحتياجات الأساسية كالمياه والزراعة والطاقة المتجددة وإدارة النفايات وترميم المساكن وسبل العيش القادرة على الصمود في وجه تغيّر المناخ.
لماذا يهمّ مسار التعافي في سوريا
تتناول هذه الورقة سؤالًا سياساتيًا عمليًا: «ما مسار التعافي الذي يجري اعتماده في سوريا، وإلى أيّ مدى يدفع نحو تعافٍ مستدام بيئيًا أو يقوّضه؟»
ثمة ثلاثة اعتبارات تجعل هذا السؤال ملحًّا بشكل خاص. الأول هو الحجم. فقد قدّر تقييم سريع أجراه البنك الدولي مؤخرًا تكاليف إعادة الإعمار بمبلغ 216 مليار دولار وفق تقدير متحفظ، فيما قُدّرت الأضرار المادية المباشرة التي لحقت بالبنية التحتية والمباني السكنية وغير السكنية بنحو 108 مليارات دولار. وستحدد قرارات التعافي التي تُتخذ اليوم ما إذا كانت الأنظمة التي يُعاد بناؤها أكثر قدرة على الصمود وأكثر كفاءة وعدالة اجتماعية، أم أنها ستقيّد البلاد بتكاليف أعلى على المدى الطويل، وضغوط أعمق على الموارد، وخدمات عامة هشة.
الاعتبار الثاني هو التعقيد البنيوي. فتعافي سوريا لا تصوغه سلطة عامة واحدة أو خطة وطنية خطية، بل حقل مزدحم بفاعلين ذوي ولايات وموارد ونفوذ غير متكافئة. ويشمل هؤلاء مؤسسات الدولة الانتقالية، والوزارات القطاعية، والبلديات، والمؤسسات المالية الدولية، ووكالات الأمم المتحدة، والجهات المانحة الثنائية، والمستثمرين الإقليميين، والمقاولين من القطاع الخاص، والمجتمع المدني المحلي، والعائدين، والنازحين داخليًا، والمجتمعات المتأثرة مباشرة بقرارات إعادة الإعمار. ويولّد ذلك بيئة حوكمة معقدة تكون فيها خيارات التعافي التقنية خيارات سياسية أيضًا: من يحدد الأولويات، ومن يتحكم في الموارد، ومن يستفيد من الاستثمار، ومن تتأثر أرضه أو سبل عيشه، وأيّ المعايير البيئية تُطبَّق وأيّها يُتجاهل. ومن دون ضمانات عامة قوية، وصنع قرار شفاف، ومعايير بيئية مراعية لحساسيات النزاع، قد يزيد هذا التعقيد من خطر استحواذ النخب، والتنمية الإقليمية غير المتوازنة، وضعف المساءلة، والمشاريع التي تقدّم السرعة أو الظهور أو العائد الخاص على القدرة الاجتماعية والبيئية على الصمود على المدى الطويل.
أما الاعتبار الثالث فهو خطر الانتكاس إلى النزاع وعدم الاستقرار الاجتماعي. فقد أبرز برنامج الأمم المتحدة للبيئة منذ مدة طويلة الصلة بين الوصول العادل إلى الموارد الطبيعية والنزاعات، إذ خلص إلى أن 40 بالمئة على الأقل من النزاعات الداخلية خلال السنوات الستين الماضية ارتبطت بصراع على الموارد الطبيعية، وأن مسألة الوصول العادل إلى الموارد الطبيعية والضغوط البيئية تضاعف خطر الانتكاس إلى النزاع خلال السنوات الخمس الأولى. ويكتسي ذلك أهمية خاصة في سياق كالسياق السوري الذي يتسم بالظلم البيئي وسوء حوكمة الموارد. إذ تواجه البلاد تلوث المياه والتربة والهواء، وشحّ المياه، وتدهور الأراضي، وإزالة الغابات، وفقدان التنوع البيولوجي، وتراجع القدرة على التكيّف. ومن المتوقع أن يفاقم تغيّر المناخ هذه المشكلات في السنوات المقبلة. ووصفت منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) الموسم الزراعي لعام 2025 في سوريا بأنه من أسوأ المواسم منذ عقود. كما يشير معهد التنمية الخارجية (ODI)، وهو مركز أبحاث رائد في مجال التنمية، إلى أن العجز المائي الذي كانت سوريا تعانيه قبل الحرب قد تفاقم بفعل تضرر البنية التحتية، وتراجع الإمدادات، وحركات العودة، والتعافي الاقتصادي، وارتفاع درجات الحرارة، والجفاف. ومن دون تعافٍ مستدام، تهدد هذه الضغوط بتعميق انعدام المساواة، وتأجيج التنافس على الموارد، وإذكاء مظالم جديدة.
الإطار التحليلي ومسارات التعافي
للإجابة عن السؤال السياساتي، تعتمد الورقة الإيكولوجيا السياسية إطارًا تحليليًا رئيسيًا. وتبحث الإيكولوجيا السياسية في الطريقة التي تشكّل بها السلطة وانعدام المساواة توزيعَ الموارد الطبيعية والمخاطر البيئية. وهي تساعد على تناول تعافي سوريا لا بوصفه عملية إعادة إعمار تقنية بحتة، بل بوصفه مجموعة من الخيارات السياسية التي تشكّلها السلطة والموارد والتاريخ وانعدام المساواة. وتستند الورقة أيضًا إلى مقاربة «إعادة البناء بشكل أفضل» بوصفها معيارًا مكمّلًا. إذ يعرّف مكتب الأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث «إعادة البناء بشكل أفضل» بأنها استخدام مراحل التعافي وإعادة التأهيل وإعادة الإعمار لتعزيز قدرة الدول والمجتمعات على الصمود، أي إن التعافي لا ينبغي أن يقتصر على استعادة الأوضاع السابقة للأزمة، بل يجب أن يحدّ من الهشاشة مستقبلًا ويتجنب توليد مخاطر جديدة.
وعلى هذا الأساس، تميّز الورقة بين مسارين محتملين للتعافي: مسار أكثر استدامة يدمج المخاطر المناخية والبيئية، والحوكمة الخاضعة للمساءلة، وحقوق الأرض والسكن، والإدارة الآمنة للأنقاض والتلوث، وسبل العيش القادرة على الصمود؛ ومسار أقل استدامة تحرّكه إعادة البناء السريعة الظاهرة للعيان، وصنع القرار المركزي غير الشفاف، والتخصيص المنحاز للنخب، والاستثمار المضاربي، والارتهان للمحروقات، وضعف الضمانات البيئية.
التعافي الذي يتشكّل حاليًا
الخطاب الرسمي والبنية الخضراء الأولية
ثمة بعض المؤشرات على أن السلطات الانتقالية السورية تحاول إضافة طبقة من السياسات البيئية إلى التعافي، على المستوى الخطابي على الأقل. ففي اليوم العالمي للبيئة في حزيران/يونيو 2026، شدّد الرئيس أحمد الشرع على ضرورة حماية الأرض والموارد الطبيعية، ودعا إلى بناء «وطن أخضر» ومستقبل أكثر صحة. ولهذا الأمر أهمية رمزية لأنه يضع اللغة البيئية في صلب الخطاب السياسي الوطني بدلًا من حصرها في الوزارات التقنية. وردّد وزير الإدارة المحلية والبيئة الطرح نفسه، إذ وصف حماية البيئة بأنها مكوّن أساسي في التعافي وإعادة الإعمار، وربطها بشحّ المياه والتصحر وحرائق الغابات والتنوع البيولوجي وغيرها من التحديات التي تواجهها البلاد.
وقد بدأ هذا الخطاب ذو التوجه البيئي يكتسب أيضًا طابعًا مؤسسيًا. فقد أطلقت وزارة الإدارة المحلية والبيئة تقييمًا وطنيًا للمخاطر المناخية بالتعاون مع منظمة الفاو ومؤسسات وطنية، بهدف تحديد التهديدات الرئيسية التي تواجه مختلف القطاعات، وتقييم آثارها المرجّحة، والاسترشاد بها في سياسات التكيّف وإدارة المخاطر البيئية مستقبلًا. كما أعلنت الوزارة أنها تعدّ استراتيجية وطنية لإدارة النفايات الصلبة بالتعاون مع شركاء دوليين. وتهدف الاستراتيجية المقترحة إلى تجاوز تدابير الجمع والتخلص المؤقتة نحو منظومة متكاملة تشمل الفرز والمعالجة والتخلص الآمن وإعادة التدوير، مع تعزيز قدرات السلطات المحلية. وتشير هذه المبادرات إلى مسعى للربط بين التشخيص البيئي وإعداد المشاريع وتقديم الخدمات البلدية، وإن ظلّ تمويلها وترتيبات تنفيذها وقابليتها للإنفاذ غير واضحة.
وتعمل الوزارة نفسها أيضًا على مواءمة المشاريع ذات الأولوية مع متطلبات آليات تمويل المناخ الدولية. ففي أيار/مايو 2026، أقرّت الوزارة برنامجًا وطنيًا للمشاريع المناخية ذات الأولوية بهدف تعزيز وصول سوريا إلى التمويل المناخي العالمي ودعم جهود التكيّف والصمود. ووفقًا للوزارة، فحص المسؤولون المشاريع وفق معايير الأهلية المعتمدة لدى صندوق التكيّف والصندوق الأخضر للمناخ ومرفق البيئة العالمية. وكانت الوزارة قد عقدت في نيسان/أبريل 2026 ورشة عمل وطنية قيّمت 50 مقترح مشروع قدّمتها وزارات عدة في مجالات الطاقة والنقل والصناعة والزراعة والغابات والتنمية الحضرية والمياه وإدارة المخاطر البيئية والصحية.
وتشير خطوات إضافية داخل وزارة المالية إلى أن الاعتبارات المناخية بدأت تدخل نقاشات السياسة الاقتصادية بدلًا من أن تبقى محصورة في الوزارة المعنية بالبيئة. ففي نيسان/أبريل 2026، بحثت وزارة المالية مع مؤسسة ODI Global، وهي مركز أبحاث مقره المملكة المتحدة، دمج المخاطر المناخية في القرارات الاقتصادية والمالية والاستثمارية في إطار استراتيجية مالية أوسع طويلة الأمد. وتضمنت مقترحات الوزارة إنشاء وحدة متخصصة بالتمويل المناخي، والتنسيق مع وزارة الإدارة المحلية والبيئة، وبناء القدرات التقنية الوطنية، وتطبيق المعايير البيئية والاجتماعية ومعايير الحوكمة في إدارة المالية العامة. كما تناولت النقاشات إمكانية تطوير أسواق لشهادات الكربون. وبالتوازي مع ذلك، بدأت وزارة الطاقة التحضير لورشة عمل وطنية حول المخاطر المناخية في إطار التعاون مع ODI Global. ولا تزال هذه مقترحات وتدابير تحضيرية لا سياسات راسخة، لكنها تدل على محاولة ناشئة لربط المخاطر المناخية بإعداد الموازنة والاستثمار العام وتخطيط الطاقة على مستوى الحكومة ككل.
الخيارات المادية التي تشكّل إعادة الإعمار
غير أن السؤال الأعمق هو ما إذا كان هذا الخطاب الأخضر الموجّه نحو القدرة على الصمود يشكّل الأولويات ومشاريع إعادة الإعمار أيضًا: أيّ القطاعات تحظى بالاستثمار، وأيّ بنية تحتية يُعاد بناؤها أولًا، وأيّ الموارد تتحول إلى مصادر للإيرادات، وأيّ المخاطر تُنقل إلى المجتمعات المحلية. وفي هذه النقطة، تبدو الصورة أكثر سلبية.
وتكشف القرارات المتعلقة بالطاقة الكثير في هذا الصدد. فاستعادة الكهرباء أمر أساسي للأسر والخدمات العامة والصناعة والعودة، لكن المؤشرات الحالية توحي بأن تعافي قطاع الطاقة في سوريا لا يقتصر على توفير الخدمات، بل يتعلق أيضًا باستعادة المحروقات بوصفها قاعدة للإيرادات وإعادة تموضع البلاد كممر إقليمي للطاقة. وتكتسب الاتفاقية البالغة قيمتها 7 مليارات دولار، التي تقودها شركة UCC القابضة القطرية وتشمل أربع محطات تعمل بالغاز بقدرة 4,000 ميغاواط ومحطة للطاقة الشمسية بقدرة 1,000 ميغاواط، أهمية كبيرة لأنها قد تلبّي أكثر من نصف احتياجات سوريا من الكهرباء في حال تنفيذها. غير أن بنية الاتفاقية تُظهر أن الوقود الأحفوري يبقى الركيزة الأساسية لإعادة إعمار قطاع الطاقة، فيما تُدرج الطاقة الشمسية مكوّنًا ثانويًا. وليس هذا سلبيًا بالضرورة نظرًا إلى إلحاح استعادة الكهرباء، لكنه ينطوي على خطر ارتهان التعافي للغاز ما لم تواكبه أهداف واضحة للطاقة المتجددة، وإصلاح للشبكة، وتدابير لكفاءة الطاقة، وضوابط للتلوث.
وقد ازداد هذا المسار المتمحور حول الوقود الأحفوري وضوحًا من خلال سعي سوريا إلى التنقيب البحري عن النفط والغاز مع شركة شيفرون وشركة UCC القطرية، وتشكيل تحالف مرتبط بالسعودية والولايات المتحدة للتنقيب عن النفط والغاز وإنتاج الطاقة في شمال شرق سوريا، والتداعيات الإقليمية لاضطراب الملاحة في مضيق هرمز. فقد أعاد بحث العراق عن طرق تصدير بديلة تموضعَ سوريا، ولا سيما بانياس، بوصفها ممرًا متوسطيًا استراتيجيًا للفيول والنفط الخام والنافثا. ومن الناحية السياسية، يمنح ذلك سوريا شكلًا جديدًا من النفوذ الإقليمي. فالبلاد لا تعيد بناء إمداداتها المحلية من الطاقة فحسب، بل تعمل على تموضعها مركزًا لنقل الطاقة بين العراق والخليج والبحر المتوسط. ومن الناحية الاقتصادية، يمكن أن يدرّ ذلك رسوم عبور، ويعيد ربط سوريا بالتجارة الإقليمية، ويجذب الاستثمار في البنية التحتية. غير أن المخاطر البيئية ليست مجردة. فقد تكتسب سوريا قيمة استراتيجية من تحولها إلى ممر للطاقة، لكنها في الوقت نفسه تربط تعافيها باعتماد كبير على البنية التحتية الأحفورية. كما يُرجّح جدًا أن تتحمل المجتمعات المحلية التكاليف من خلال تضرر الطرق، ومخاطر التلوث، والمخاطر على السلامة، والضغوط على أسعار الوقود، والتعرض غير المتكافئ للأضرار البيئية.
ويتجلى النمط نفسه في التدفق الأوسع للاستثمارات – أو بالأحرى «إعلانات الاستثمار»، إذ لم يتحقق منها إلا القليل حتى الآن. ففي آب/أغسطس 2025، وقّعت سوريا 12 اتفاقية استثمار بقيمة 14 مليار دولار، من بينها مطار دمشق الجديد بقيمة 4 مليارات دولار، ومترو دمشق بقيمة ملياري مليار دولار، ومشروع «أبراج دمشق» العقاري بقيمة 2 مليار دولار. وكانت قد وقّعت قبل ذلك استثمارات سعودية بقيمة 6.4 مليارات دولار، ثم أعلنت المملكة العربية السعودية في شباط/فبراير 2026 حزمة إضافية تشمل صندوقًا بقيمة 2.8 مليار دولار لمطارين في حلب، وشركة طيران جديدة، واستثمارًا في الاتصالات بقيمة 800 مليون دولار، ومحطة مقترحة لتحلية المياه على الساحل. وتعزز هذه الإعلانات مجتمعةً هيمنةَ المشاريع الكبرى البارزة التي يجري التفاوض عليها مركزيًا على أجندة التعافي الناشئة، حتى وإن ظلّ تنفيذها غير مؤكد.
وتمثّل الزراعة تباينًا جزئيًا مع هذا النمط. فهي محورية لتعافي سوريا، إذ يرتكز عليها الأمن الغذائي وسبل العيش في الأرياف، فيما تبقى شديدة التأثر بالجفاف وشحّ المياه وتضرر شبكات الري وتدهور الأراضي. ومع ذلك، لم يستقطب هذا القطاع استثمارات تضاهي في حجمها أو نضجها تلك المعلنة في قطاعات الطاقة والنقل والاتصالات والعقارات. ويتمثل أقوى مؤشر على وجود مقاربة طويلة الأمد في الاستراتيجية الوطنية للزراعة 2026–2030 التي أطلقتها وزارة الزراعة. وتقدّم الاستراتيجية الزراعة بوصفها قطاعًا استراتيجيًا للتعافي، وتهدف إلى استعادة سبل العيش، وتعزيز القدرة على الصمود، وتحويل النظام الزراعي الغذائي. وتشمل أولوياتها المعلنة إعادة تأهيل شبكات الري، وكفاءة استخدام المياه، والزراعة الذكية مناخيًا، واستعادة منظومة البذور، والإدارة المستدامة للموارد الطبيعية، ودعم صغار المزارعين. غير أن التزامات التمويل والأهداف القابلة للقياس وترتيبات التنفيذ لا تزال غير واضحة.
ويبرز أيضًا اهتمام من القطاع الخاص، ولا سيما من شركات خليجية مثل بلدنا، وسلال، وMair Group، وNVSSoft، والمهيدب. وتشمل أنشطتها المعلنة إنتاج الألبان والثروة الحيوانية، والزراعة التعاقدية، والتمويل الزراعي الرقمي، والمساعدة التقنية، والتخزين المبرّد، والمعالجة، والتعبئة والتغليف، والتصدير. ومع أن هذه الإعلانات تشير إلى الأمن الغذائي ودخل المزارعين ونقل التكنولوجيا والإنتاج المستدام، فإن معظمها لا يزال في إطار مذكرات تفاهم أو دراسات جدوى أو ترتيبات أولية للخدمات والمشتريات، مع إفصاح محدود عن قيم الاستثمار أو جداوله الزمنية أو ضخ رؤوس الأموال. لذا يبدو أنها موجهة في المقام الأول نحو سلاسل القيمة المجدية تجاريًا والنفاذ إلى الأسواق، لا نحو نموذج شامل للتعافي المستدام. وقد تحظى الزراعة باهتمام متزايد على صعيد السياسات، لكن ذلك لم يُترجم إلى استثمار أو تنفيذ يضاهي ما شهدته القطاعات الأخرى ذات الأولوية، أو على الأقل ما أُعلن فيها.
وتتجلى فجوة مماثلة بين الممارسات الواعدة بيئيًا والإطار الوطني المتكامل للتعافي في إدارة الأنقاض. فإدارة الأنقاض في سوريا أساسية لتعافي البلاد، إذ لا تزال عشرات ملايين الأطنان من الركام تعيق الوصول وتنطوي على مخاطر بيئية ومخاطر ذخائر غير منفجرة. والجهة الوطنية الرئيسية في هذا المجال هي وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث، التي أفادت في حزيران/يونيو 2026 بأنها أزالت نحو 2.2 مليون متر مكعب من الأنقاض، أي ما يعادل نحو 4 ملايين طن، من محافظات مختلفة، أُعيد تدوير مليون طن منها إلى مواد بناء أو أُعيد استخدامها في الطرق الزراعية. أما الجهة الرئيسية الأخرى فهي برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، إذ يخطط مشروعه الحالي REVIVE لإزالة 570,000 طن في حلب ودير الزور وحمص وريف دمشق، وقد أعاد بالفعل تدوير أكثر من 15,000 متر مكعب إلى ما يزيد على 123,000 عنصر بناء. وتمثّل هذه المبادرات تقدمًا قيّمًا، ولا سيما التحول من التخلص من الأنقاض إلى إعادة تدويرها وإعادة استخدامها بشكل منتج. غير أن إدارة الأنقاض لا تزال منظّمة إلى حد كبير عبر مشاريع منفردة. وفي حين تعمل وزارة الإدارة المحلية والبيئة على إعداد استراتيجية وطنية لإدارة النفايات الصلبة بالتعاون مع البنك الدولي، لم تُعلن أيّ استراتيجية وطنية شاملة لأنقاض النزاع، ما يترك قضايا مهمة، مثل تحديد الأولويات، وفحص المواد الخطرة، ومعايير إعادة التدوير، والضمانات البيئية، وحقوق الملكية، من دون إطار وطني متكامل.
إجمالًا، تشير الأدلة المتاحة إلى أن الخطاب الأخضر الموجّه نحو القدرة على الصمود لا يحدد بعدُ أولويات إعادة الإعمار في سوريا. فالاعتبارات البيئية حاضرة في التخطيط الزراعي وفي جهود إعادة تدوير أنقاض النزاع، لكنها تظل أضعف وأقل تمويلًا وأقل رسوخًا مؤسسيًا من مسار الاستثمارات المتمحور حول المحروقات وممرات النقل ومشاريع البنية التحتية الكبرى.
السلطة والجهات المعنية والمخاطر غير المتكافئة
يتألف تحالف التعافي الناشئ في سوريا من خمس طبقات رئيسية. الأولى هي الدولة المركزية، ولا سيما الرئاسة، والمجلس الأعلى للتنمية الاقتصادية، وهيئة الاستثمار السورية، ومختلف الوزارات. والثانية هي الحكم المحلي: المحافظون والبلديات والوحدات الإدارية. والثالثة هي طبقة المانحين والجهات المتعددة الأطراف: الاتحاد الأوروبي والبنك الدولي والأمم المتحدة (برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ومنظمة الفاو، وموئل الأمم المتحدة، والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وغيرها من الوكالات). والرابعة هي رأس المال الإقليمي، ولا سيما الحكومات والشركات الخليجية والتركية. أما الخامسة فهي المجتمع السوري نفسه: العائدون، والنازحون داخليًا، والمجتمعات المحلية، ومنظمات المجتمع المدني، والعاملون في القطاع غير النظامي، والمزارعون، وشبكات الأعمال، وهي أطراف تتفاوت قدراتها تفاوتًا كبيرًا على التأثير في صنع القرار.
تقدّم الحكومة السورية رسميًا التعافي على أنه مركزي بالقدر الكافي لاستعادة التماسك المؤسسي، مع جعله في الوقت ذاته أكثر كفاءة وشفافية واستجابة للمواطنين. غير أن الالتزام باللامركزية لا يزال منحصرًا إلى حد كبير في وزارة الإدارة المحلية والبيئة. وقد رأى الوزير محمد عنجراني أن إصلاح قانون الإدارة المحلية ينبغي أن يوسّع صلاحيات الوحدات الإدارية، ويعزز مشاركة المجتمع المدني، ويقرّب الخدمات وصنع القرار من المواطنين. لكن السلطة، في الممارسة العملية، يُرجّح أن تتبع التمويل والأمن والوصول إلى الشرعية الخارجية أكثر من المشاركة المحلية. فالحوار السياسي ومنتدى إعادة الإعمار اللذان يرعاهما الاتحاد الأوروبي، والدعم المالي الخليجي، وتسديد السعودية وقطر متأخرات سوريا لدى البنك الدولي، ونفوذ تركيا في التجارة والبنية التحتية والأمن، كلها تمنح الأطراف الخارجية قدرة كبيرة على تحديد الأجندة. ويعني ذلك أن القطاعات القابلة للتمويل والقائمة على صفقات سياسية، كالكهرباء والنقل والممرات التجارية والمطارات والموانئ والاتصالات والمحروقات والمشاريع الحضرية الكبرى، يُرجّح أن تتقدم أسرع من المشاريع الأقل بروزًا التي تُعنى بمسائل مثل التكيّف البيئي أو تعافي المجتمعات المحلية.
تعكس الآثار التوزيعية لتعافي سوريا ديناميات السلطة القائمة، إذ تحدد سلطات الدولة والمانحون الخارجيون والمستثمرون الإقليميون الأولويات، فيما تتحمل المجتمعات المحلية مخاطر غير متناسبة. ويمكن ملاحظة مثال ملموس على هذه الدينامية في حي الحيدرية في حلب، حيث أثار مشروع مثير للجدل لإعادة التنظيم العمراني نقاشًا عامًا. ويتضمن المشروع إعادة تطوير أجزاء واسعة من الحي، غير أن السكان، ولا سيما الأسر ذات الدخل المنخفض ومن لا يملكون وثائق رسمية، أبدوا مخاوف إزاء غموض آليات التعويض، وغياب الشفافية، واحتمال فقدان حقوق الملكية. وتعرّض المشروع لانتقادات بسبب قصور التشاور مع المجتمعات المتأثرة، وتقديمه أهداف الاستثمار والتخطيط العمراني على حقوق السكان وسبل عيشهم. وخلاصة القول، يجسّد مشروع الحيدرية مخاوف أوسع في مسار التعافي السوري: فإعادة التطوير التي تحركها أولويات التخطيط والاستثمار المفروضة من الأعلى، إلى جانب ضعف تمثيل المجتمعات المحلية، قد تنقل الأعباء الاجتماعية والاقتصادية إلى الفئات الهشة وتحدّ في الوقت نفسه من مشاركتها في صنع القرار.
تقييم مسار سوريا حتى الآن
من المهم الإشارة إلى أن سوريا، على الرغم من العناوين الرائجة، لا تشهد بعدُ طفرة كاملة في إعادة الإعمار، وقد يكون من المبكر الحكم بشكل قاطع على المسار العام. ومع ذلك، تقدّم الأدلة التي استعرضتها هذه الورقة، بما فيها خيارات السياسات والتطورات المؤسسية وإعلانات الاستثمار والتنفيذ الأولي، مؤشرًا مبكرًا على الاتجاه الذي تسلكه الأمور. وتوحي هذه الأدلة بأن تعافي سوريا لا يسلك بعدُ مسارًا مستدامًا بشكل واضح. بل يتسم بفجوة كبيرة بين الوعي البيئي المتنامي في الخطاب الرسمي والتصميم المؤسسي الأولي (ولا سيما حين تكون الجهات الدولية منخرطة) من جهة، ومقاربة تقليدية إلى حد كبير يقودها المستثمرون وتتمحور حول البنية التحتية في الممارسة العملية من جهة أخرى.
على صعيد المناخ والاستدامة البيئية، لا يزال مسار سوريا مترددًا، مع مبادرات ناشئة على الهامش. فالخطاب الرسمي، والجهود المبذولة لتطوير أطر وطنية للوصول إلى صناديق المناخ الدولية، والاستراتيجية الوطنية للزراعة، ورصد تلوث الهواء في دمشق، وإعادة تدوير أنقاض النزاع، كلها تشير إلى أن الاستدامة البيئية تكتسب حضورًا مؤسسيًا أكبر مما كان لها في خطاب إعادة الإعمار في المرحلة الأخيرة من الحرب. غير أن معظم هذه المبادرات حديثة العهد أو تعاني نقص التمويل أو تقتصر على مشاريع منفردة، مع أدلة محدودة على تنفيذها. والأهم من ذلك أن المعايير المناخية والإيكولوجية لا يبدو أنها تؤثر بعدُ في أكبر قرارات الاستثمار، التي تظل متركزة في الطاقة الأحفورية والممرات الإقليمية ومشاريع البنية التحتية الكبرى. وبالتالي، تبرز الاستدامة البيئية بوصفها طبقة من طبقات السياسات، لا مبدأً حاكمًا لإعادة الإعمار بعد.
وعلى صعيد سرعة التعافي، وهي بُعد أساسي في إطار «إعادة البناء بشكل أفضل»، تعطي الحكومة الأولوية لإعادة إعمار سريعة وظاهرة للعيان. وهذا أمر إيجابي ومفهوم بالنظر إلى حجم انهيار الخدمات ونقص الكهرباء وتضرر البنية التحتية وضغوط العودة. غير أن السرعة قد تتحول بدورها إلى خطر إذا تجاوزت الفحص البيئي والتشاور المحلي وحماية حقوق الأرض والمشتريات الشفافة. فقد يعيد التعافي السريع الخدمات بسرعة، لكنه قد يكرّس أيضًا خيارات سيئة في البنية التحتية ويولّد مظالم جديدة إذا لم تُستشر المجتمعات المتأثرة أو لم تُحمَ.
وعلى صعيد القطاعات ذات الأولوية، يميل المسار الحالي بقوة نحو القطاعات الجاذبة للمستثمرين الدوليين والإقليميين. إذ تتركز المشاريع المعلنة في معظمها في الطاقة والنقل والاتصالات والسياحة، فيما تبقى الزراعة والصناعة في مرتبة متأخرة من الأولويات رغم قدرتهما الأكبر على توليد فرص عمل مستدامة ودعم تنمية وطنية متوازنة. ويدل ذلك على أن إعادة الإعمار تتشكل بفعل شهية المستثمرين والمشاريع البارزة أكثر مما تتشكل وفق استراتيجية تعافٍ شاملة قائمة على الاحتياجات.
ويقدّم قطاع الطاقة مثالًا واضحًا بشكل خاص على النموذج الاقتصادي المتّبع. فسوريا لا تعيد بناء مزيج الطاقة لديها مع تركيز أساسي على الوقود الأحفوري فحسب، بل تعمل أيضًا على تموضعها مركزًا إقليميًا لعبور الوقود والطاقة في أعقاب الاضطرابات في مضيق هرمز. ومع أن هذه الاستراتيجية قد تدرّ إيرادات وتعزز النفوذ الإقليمي على المدى القصير، فإنها تنطوي أيضًا على خطر إرساء نموذج اقتصادي شديد الاعتماد على الوقود الأحفوري.
وعلى صعيد العدالة والشمول، فإن المخاطر كبيرة. فالتعافي الذي يقوده المستثمرون قد يفيد الحسابات القومية والمقاولين والمراكز الحضرية ذات الصلات السياسية قبل أن يصل – إن وصل أصلًا – إلى المجتمعات الأفقر والمزارعين وسكان المناطق العشوائية والعائدين والنازحين داخليًا. وبات السوريون يصفون هذا الانقسام بسخرية بأنه نشوء «سوريتين»: الأولى «Syria» المصقولة النخبوية الظاهرة على صفحات المؤثرين، حيث تبدو الحياة مستقرة ومزدهرة، والثانية «سوريا» (بالعربية) التي تمثّل الفقر والمعاناة والمخيمات والمأساة المستمرة. ولا تُعدّ حالات مثل الحيدرية في حلب معزولة، بل تتكرر في مناطق أخرى مثل مشروع «بوليفارد النصر» في حمص والمناطق المخصصة لإعادة الإعمار بموجب المرسوم التشريعي رقم 66 في دمشق. وتسلّط هذه الأمثلة الضوء على قضايا أعمق تتعلق بالعدالة والتمثيل، إذ كثيرًا ما تؤدي عمليات إعادة التطوير إلى تهميش مجتمعات هشة أصلًا. وحين يُستبعد السكان من صنع القرار، يمكن أن تعزز إعادة الإعمار أوجه انعدام المساواة القائمة، فتتركز المنافع في أيدي النخب، فيما يُهجَّر السكان الأفقر وتتآكل حقوقهم في الأرض والسكن والمشاركة في رسم مستقبلهم.
وأخيرًا، على صعيد الحوكمة والشفافية، لا يزال المسار ضعيفًا. فمعظم المشاريع الكبرى المعلنة منذ كانون الأول/ديسمبر 2024 قُدّمت بمعلومات عامة محدودة عن الشركاء وآليات الاختيار وهياكل الملكية ونماذج التشغيل وآليات التشاور أو الامتيازات طويلة الأمد. ويبدو صنع القرار شديد المركزية، ومحصورًا إلى حد كبير في الرئاسة والصندوق السيادي السوري والمجلس الأعلى للتنمية الاقتصادية، وهما جهتان وثيقتا الصلة بالرئاسة نفسها. ويحدّ هذا التركيز للسلطة من الرقابة والمساءلة، ويثير مخاوف بشأن كيفية تحديد الأولويات ومن يستفيد في نهاية المطاف من إعادة الإعمار. ولا تقتصر هذه المسألة على الاستثمارات الخارجية الكبرى، بل تظهر أيضًا في حملات التبرع العامة التي أعلنتها الدولة ورعتها. فقد رُوّج لهذه الحملات لحشد التضامن الوطني ومساهمات المغتربين في إعادة الإعمار، لكنها كثيرًا ما تفتقر إلى تقارير واضحة عن كيفية جمع الأموال وتخصيصها وإنفاقها. ونتيجة لذلك، سرعان ما واجهت ردود فعل عامة سلبية، إذ نُظر إليها على نطاق واسع بوصفها مبادرات رمزية لا آليات فعالة لإعادة الإعمار. وعلى الرغم من التعهدات التي بلغت مئات ملايين الدولارات الأمريكية، تفيد التقارير بأن جزءًا كبيرًا من الأموال المتعهَّد بها لم يُسدَّد. وقد زادت هذه الفجوة بين الإعلانات والمساهمات الفعلية من تقويض الثقة العامة، وأثارت مخاوف بشأن المصداقية والمساءلة والأثر الحقيقي لمثل هذه المبادرات على عملية التعافي.
خاتمة
لا يزال تعافي سوريا في مرحلة مبكرة ومتحركة، ومن السابق لأوانه وصف مسار إعادة الإعمار في البلاد بأنه قد استقر نهائيًا. ومع ذلك، تكشف الأدلة التي استعرضتها هذه الورقة عن فجوة واضحة بين الخطاب البيئي الناشئ والاتجاه المادي للتعافي. فمن جهة، بدأت السلطات الانتقالية بناء طبقة من السياسات البيئية في عملية التعافي، من خلال إدراج الاعتبارات البيئية والمناخية في الخطاب الرسمي والتخطيط الاستراتيجي المؤسسي ومبادرات تعافٍ مختارة. ومن جهة أخرى، لا يزال المسار الغالب تشكّله استثمارات بارزة يجري التفاوض عليها مركزيًا في الطاقة والنقل والاتصالات والمطارات والسياحة والعقارات. وبالتالي، لا يزال التعافي، من الناحية المادية، تقليديًا إلى حد كبير، يقوده المستثمرون ويتمحور حول البنية التحتية. ومن منظور الإيكولوجيا السياسية، قد تكون الاستدامة البيئية حاضرة في تعافي سوريا بوصفها خطابًا عامًا أو لغة سياساتية، لكنها لم تصبح بعدُ مبدأً ناظمًا للسلطة وتوزيع الموارد وإدارة المخاطر.
ولهذا التمييز أهميته، لأن الاستدامة لا تتحدد بوجود مبادرات بيئية منفردة، بل بمدى خضوع عملية التعافي بأكملها لمعايير بيئية واجتماعية. ففي الوقت الراهن، لا تخضع مشاريع إعادة الإعمار باستمرار لضمانات ملزمة، أو لمشتريات شفافة، أو لتشاور محلي فعلي، أو لحماية قابلة للتنفيذ لحقوق السكن والأرض والملكية. ونتيجة لذلك، قد تتركز منافع التعافي في أيدي السلطات المركزية والمستثمرين والمقاولين والمناطق الأفضل ارتباطًا، فيما تتحمل المجتمعات الأفقر والمزارعون والعائدون والنازحون نصيبًا غير متناسب من المخاطر البيئية والاجتماعية. وبالتالي، لا تسلك سوريا بعدُ مسارًا مستدامًا بشكل واضح، حتى وإن كان لا يمكن وصف المسار الحالي بأنه غافل تمامًا عن البيئة.
ولا يزال المسار قابلًا للتغيير. ويتطلب الانتقال نحو نموذج «إعادة البناء بشكل أفضل» ترجمة الاستدامة البيئية من خطاب عام إلى سياسة عامة قابلة للتنفيذ، وإضفاء الطابع المؤسسي عليها بوصفها إطارًا للحوكمة البيئية يُلزم جميع قرارات إعادة الإعمار، بدلًا من أن تبقى لغة سياساتية موازية أو أداة للحصول على التمويل الأخضر. ويعني ذلك قرارات استثمارية شفافة، ونماذج واضحة للشراكة بين القطاعين العام والخاص، وضمانات بيئية واجتماعية، وتشاورًا محليًا فعليًا، وتقارير علنية عن كيفية تخصيص الأموال وإنفاقها. كما يتطلب إعادة موازنة أولويات التعافي بما يتجاوز المشاريع الكبرى نحو الزراعة والمياه والخدمات المحلية والطاقة المتجددة وإدارة النفايات وسبل العيش القادرة على الصمود في وجه تغيّر المناخ.
يتمثل الخطر الأساسي في أن تمضي إعادة الإعمار في سوريا بسرعة ولكن بصورة غير متكافئة، فتعيد بناء البنية التحتية الظاهرة للعيان فيما تعيد إنتاج مواطن الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية والبيئية الكامنة، بل وتضخّمها. ومع ذلك، تتيح المرحلة الانتقالية الحالية فرصة لدمج القدرة على الصمود والعدالة وحماية البيئة في أطر التعافي قبل أن تترسخ خيارات الاستثمار والتخطيط السائدة مؤسسيًا. ومن ثمّ، يتمثل التحدي الأساسي في إصلاح المعايير والمؤسسات وعلاقات القوة التي تحدد كيفية توزيع التعافي وتنفيذه. ولا يمكن اعتبار إعادة الإعمار في سوريا مستدامة إلا بقدر ما تحدّ من مواطن الهشاشة البنيوية، وتوزع المنافع بإنصاف، وتمنع قرارات التعافي الحالية من توليد مخاطر بيئية واجتماعية في المستقبل.
تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.