مقدمة
تعتري وضعية الفعل المدني بالمغرب بعد سنة 2011 العديد من المفارقات، حيث اعترف الدستور الجديد بالمجتمع المدني كشريك أساسي للسلطات العمومية والمحلية في وضع وتتبع السياسات والبرامج الحكومية، كما تم إصدار عدة تشريعات ولوائح لتقنين آليات الديمقراطية التشاركية، بما فيها الملتمسات التشريعية والعرائض (petitions) والآراء الاستشارية. لكن في المقابل، ما فتئت الناشطية (activism) تتراجع تحت تأثير عدة تحولات سياسية وسوسيوثقافية. وإذا كان عدد الجمعيات قد أصبح يناهز 280 ألف جمعية فإن هذا التطور يوازيه انكماش ملحوظ في القاعدة الاجتماعية للمجتمع المدني أمام تراجع أعداد المنخرطين والمؤيدين والمشاركين في الفعاليات المدنية. وهو ما يعني أن العزوف عن المشاركة قد انتقل من المجال السياسي إلى المجال المدني في ظل تفاقم أزمة الثقة وضعف القدرات التعبوية والترافعية والمؤسساتية للتنظيمات المدنية.
هذا الوضع، يتساوق إلى حد بعيد مع السياق العالمي الراهن المتسم باتساع الهوة بين الأنظمة السياسية والمجتمعات، وبتراجع التجاوب مع ديناميات الوساطة والمناصرة التي تقوم بها التنظيمات غير الدولتية (NGOs). وقد أصبح هذا الواقع يرخي بظلاله على الموقع التاريخي للمجتمع المدني كإطار لصد النزوعات السلطوية، ولتصعيد المطالب المجتمعية إلى الأجندة العمومية. وتمثل الاحتجاجات الأخيرة لشباب جيل زد (GenZ212) خير تعبير عن هذا المأزق، حيث أدى الإضعاف المنهجي لمنافذ الوساطة المدنية إلى تعميق الهوة بين المجتمع والدولة، التي وجدت نفسها أمام مدٍّ احتجاجي شبابي يعتمد على آليات غير تقليدية في التعبئة والتنظيم، وفاقد للثقة في آليات الوساطة الرسمية وغير الرسمية.
تسعى هذه الورقة إلى استقصاء مسببات وتأثيرات العزوف المدني وتراجع جاذبية الممارسة الجمعوية، مستثمرين في ذلك الملاحظة بالمشاركة والتحليل النقدي للمعطيات المرتبطة بفاعلية الحركة الجمعوية. يتألف هيكل الورقة من ثلاثة محاور؛ الأول يرصد تجليات وجذور ضعف الحاضنة الاجتماعية للمجتمع المدني، فيما يبرز المحور الثاني التبعات التنظيمية والسياسية والاجتماعية للعزوف المدني في ضوء ارتدادات حراك جيل زد. أما المبحث الأخير فنستشرف من خلاله متطلبات تجذير التمثيلية الاجتماعية لتنظيمات المجتمع المدني.
تقلص الحاضنة الاجتماعية للمنظمات المدنية: المظاهر والجذور
شهدت الأطر المرجعية للفعل المدني بالمغرب تحسنا ملحوظا منذ نهاية التسعينات تزامنا مع سياقات الانتقال الديمقراطي التي فرضت انفتاحا واسعا للمجال العام، وما تبع ذلك من تنامي الزخم الشعبي حول قضايا الترافع المدني، كما مكنت المبادرة الوطنية للتنمية البشرية (INDH) منذ 2005 من إطلاق دينامية غير مسبوقة حفزت آلاف النساء والشباب على ولوج النشاط المدني، مع تحسين عدالة التوزيع الجغرافي للتنظيمات المدنية لتمتد إلى الهوامش الحضرية والقروية ببروز جيل جديد من الجمعيات المحلية غير المُسيَّسة. أسهم هذا الأمر في تعزيز دور المجتمع المدني في إنتاج النخب المحلية وتوسيع المدى الاجتماعي للممارسة الجمعوية في ظل ما توفره من إمكانيات تمويل وتكوين ومواكبة.
ضمن استجابة المغرب لتحديات الربيع العربي وما كشفته من انسداد غير مسبوق في قنوات الوساطة، فقد منحت الوثيقة الدستورية لسنة 2011 موقعا متقدما للمواطنين والفاعلين المدنيين في خطاطة التدبير العمومي، بالتنصيص على الديمقراطية المواطِنة كمحدِّد أساسي للنظام السياسي، مع إقرار آليات جديدة لتعزيز الإنتاج المشترك (co-production) للسياسات العامة وبرامج التنمية، كالعرائض الموجَّهة للحكومة والبرلمان والبلديات، والملتمسات التشريعية، والهيئات الاستشارية والآليات التشاركية للحوار والتشاور، مع الحث على إحداث مجالس متخصصة لتمثيل الفاعلين المدنيين، على غرار هيئة المناصفة، والمجلس الاستشاري للشباب والمجتمع المدني.
في سياق تفعيل الأدوار الدستورية للمجتمع المدني أطلقت الحكومة في 2013 حوارا موسَّعا مع عدة شبكات مدنية ترتب عنه إنتاج نصوص تشريعية وتوجيهية شكلت دعامة جديدة للتأسيس لعلاقة جديدة بين الدولة والحركة الجمعوية. كما أن استحداث قطاع وزاري خاص بعلاقة الحكومة بالمجتمع المدني قد أعطى دفعة قوية لدينامية الشراكة بين المؤسسات التمثيلية والمنظمات المدنية، وهو ما تجلى في تكاثف حملات الدفاع والمناصرة وتحفيز الناشطية المدنية. غير أن هذا التوهج سرعان ما سيخفت تحت تأثير محدودية التهيئة التشريعية والمؤسساتية للآليات الجديدة، والتدهور المتواصل لمنافذ الوساطة مقابل تزايد جاذبية الاحتجاجات غير المنظمة في فرز المطالب والدفاع عنها.
في ظل هذا الوضع أصبح الفعل المدني مخترقا بمفارقات لا حصر لها، فعدديا أكثر من 54 في المئة من الجمعيات أُحدثت بعد سنة 2011، لكن وعاءها البشري عرف تآكلا تدريجيا يعكسه تراجع أعداد المنخرطين والمتطوعين. وفي مقابل تزايد الحاجة إلى دور المنظمات المدنية للترافع حول القضايا الحقوقية والتنموية فقد تقلصت قاعدتها الجماهيرية اللازمة لإسناد قدرتها على الحشد والتعبئة. يشهد على ذلك تقلص قاعدة المساندين لمبادراتها في ظل ضعف الحضور الجماهيري في مختلف التظاهرات والأنشطة الترافعية والتواصلية، والإحجام عن التوقيع على العرائض الموجهة للمؤسسات التمثيلية.
ترتبط معضلة العزوف المدني في المقام الأول بالإطار الماكروسياسي (Macro-political)؛ فبحسب دراسة ميدانية حديثة للمعهد المغربي لتحليل السياسات فإن 44 في المئة من الجمعيات ترى أن تقلص الحيز المدني يعد من أبرز المعيقات التي تعرقل جهودها. إضافة إلى ذلك، فقد تآكل الرأسمال الاجتماعي الذي يعد المحرك المعنوي للفعل المدني في ظل الضمور المتواصل لقيم المبادرة والتطوع والثقة، مقابل تنامي نزعات الوعي الفردي واللامبالاة تجاه قضايا الشأن العام، ناهيك عن ضعف الإطار التشريعي بحكم تقادم المرجعيات القانونية التي أصبحت غير متلائمة مع مقتضيات دستور 2011؛ فباستثناء التعديلات الجزئية لسنة 2002 ظلت الجمعيات محكومة بالقانون الصادر في سنة 1958. ونتاج ذلك فقد تعاظمت التحديات المرتبطة بحرية الجمعيات، كرفض التسليم الفوري للوصل المؤقت وتواترت حالات عدم الترخيص لتنظيم اللقاءات والتظاهرات بدون أي مبررات قانونية. يضاف إلى ذلك، حرمان العديد من الجمعيات من المشاركة في طلبات العروض المتعلقة بالمشاريع ومن الولوج الشفاف والمتساوي إلى الدعم المالي الذي تقدمه القطاعات الوزارية والمؤسسات العمومية والمجالس المنتخبة.
في هذا السياق، يبرز الأثر المهيكِل لعدم كفاية واستدامة مصادر التمويل في تكريس الهشاشة المؤسساتية للمنظمات المدنية وفي إضعاف قدرتها الاستقطابية والتدبيرية. وأمام ضعف الموارد الذاتية المتأتية من انخراطات الأعضاء، ومن الهبات والتبرعات، فقد دخل قطاع واسع من المجتمع المدني في تبعية مالية مزمنة للهيئات الحكومية أو المؤسسات الدولية، وما يطرح ذلك من مخاطر الارتهان لأولويات المانحين بدل الاحتياجات المجتمعية. وأنتج هذا الوضع تحولا منهجيا في موقع المؤسسة المدنية ووظائفها بتهميش العمل من أجل التغيير الاجتماعي، وبهيمنة المهنيين والبيروقراطيين على اختيارات المجتمع المدني على حساب النشطاء والأعضاء، الأمر الذي غذَّى من طابعها النخبوي وجعلها أكثر انفصالا عن الاحتياجات الفعلية للمواطنين.
على مستوى البنية التحتية للنشاط المدني، حصلت طفرة نوعية في المنشآت المخصصة لاحتضان مبادرات المواطنين في فضاءات مُهيَّأة من الناحية التقنية (دور الشباب والثقافة، قصور الفن، والمراكز السوسيوثقافية...)، غير أن مساطر الاستفادة منها أحيطت بتعقيدات لا حصر لها، بفرض رسوم مبالغ فيها على استغلال القاعات والفضاءات العمومية، وبإقرار مساطر بيروقراطية غالبا ما ينجم عنها إلغاء بعض الأنشطة أو تغيير توقيتها أو تنظيمها بفضاءات بديلة لا تتوفر على الجودة المطلوبة، خاصة بالنسبة للأنشطة المتعلقة بالورشات التدريبية واللقاءات الحوارية الموسعة، وغيرها من الممارسات التي تتنافى مع المواثيق الدولية والمقتضيات الدستورية والقانونية. وفضلا عن ذلك، فإن عدم توفر أكثر من نصف الجمعيات (54.7 في المئة) على مقرَّات (premises) يجعلها تمارس أنشطتها في ظروف غير ملائمة ويضعف من تحكمها في تنفيذ برامجها بالفعالية المطلوبة.
بالموازاة، ثمة عوامل ذاتية تتعلق بحالات التشرذم والاستقطاب التي تضعف من مصداقية المنظمات المدنية ومن قدرتها على المساءلة الاجتماعية، وأخرى مرتبطة بأزمة الديمقراطية الداخلية، التي تأخذ وضعيات متفاقمة، كضعف احترام الانعقاد الدوري للجموع العامة والمؤتمرات، وكذا محدودية تجديد النخب؛ فاستمرار نفس الأشخاص بالمكاتب المسيرة لعدد كبير من الجمعيات يضعف من دينامية التداول على المسؤوليات التنظيمية، وما يترتب عن ذلك من تبعات كانسحاب النشطاء المقصِيِّين من العمل المدني المؤسساتي وتنفير الفئات الشابة من الانخراط بالتنظيمات المدنية. نشير أيضا إلى محدودية الامتثال لمتطلبات الحكامة الجيدة، كعدم انتظام الاجتماعات، وضعف الشفافية المالية، حيث تشير المعطيات الرسمية إلى أن نسبة الجمعيات التي تتوفر على محاسبة وفق المعايير المعمول بها لا تتجاوز 5.3 في المئة.
تأثيرات العزوف المدني بين الأبعاد التنظيمية والسوسيوسياسية
من الناحية التنظيمية، ترتبط المشاركة المدنية بعلاقة جدلية بالممارسة الديمقراطية. فإذا كان ضعف التزام المنظمات المدنية بالمنهجية الديمقراطية أسهم في تغذية العزوف المدني، فقد فاقم هذا العزوف من معضلة الديمقراطية الداخلية في جل تنظيمات المجتمع المدني. كما أن تراجع قاعدة المنخرطين أسهم في إبطاء إيقاع دوران النخب وغذى من نزعة احتكار القرار الجمعوي، الذي يصبح في الكثير من الأحيان مرتهنا لمصالح القلة المتحكمة على حساب رهانات التنظيم. ونتج عن ذلك تغلغل النزعة السلطوية داخل معظم الجمعيات وأدى إلى إضعاف مصداقيتها وشرعيتها التنظيمية التي تؤهلها للتصدي لتجاوزات السلطة وللدفاع عن المطالب المجتمعية.
في ظل هذا التحول، تزايدت جاذبية نموذج الجمعيات الخدماتية والإحسانية بحكم توافر التمويلات وآليات الدعم المؤسسي؛ فشروط منح المنفعة العامة تضعف من فرص حصول معظم المنظمات المدنية على تمويلات رسمية منتظمة. كما أن دعم الوزارات والمؤسسات العمومية غالبا ما يمنح وفق منهجية تعطي الأولوية للجمعيات النشيطة في مجالات العمل الخيري والاجتماعي. وفي المقابل تراجعت أعداد جمعيات الدفاع عن الحقوق والقضايا التي لا تتجاوز 1.4 في المئة. وبسبب ذلك فقد انتقل قطاع واسع من النسيج الجمعوي من مساءلة السلطات العمومية إلى الاشتغال لحسابها، كالإشراف على وضع مخططات وتنفيذ مشاريع التنمية وخاصة تلك المرتبطة بإعادة هيكلة المناطق ناقصة التجهيز، وتسيير منشآت اجتماعية كمراكز رعاية المسنين والأشخاص في وضعية هشاشة أو إعاقة، وذلك بموجب صفقات جعلت العديد من الجمعيات عبارة عن آليات وظيفية تقوم بأدوار المناولة لفائدة الجهات الرسمية.
توزيع الجمعيات حسب مجال النشاط
| النسبة |
العدد |
مجال النشاط |
| 30,9% |
58.073 |
الثقافة والرياضة والترفيه |
| 14,4% |
27.080 |
التربية والبحث العلمي |
| 3,0% |
5.661 |
الصحة |
| 12,9% |
24.210 |
الخدمات الاجتماعية ووسطاء الإحسان وإنعاش التطوع |
| 4,2% |
7.844 |
البيئة |
| 27,6% |
51.873 |
التنمية والسكن |
| 1,4% |
2.606 |
الحقوق والدفاع عن حقوق المواطنين والمستهلكين والسياسة |
| 3,1% |
5.856 |
الدين |
| 2,4% |
4.508 |
الجمعيات الاقتصادية والمهنية والنقابات |
| 0,1% |
123 |
مجالات أخرى |
المصدر : المعطيات الإحصائية للمندوبية السامية للتخطيط، 2023.
يظهر الجدول أن جمعيات الدفاع والمناصرة أصبحت تتذيل قائمة النسيج الجمعوي بالمغرب مقابل هيمنة الجمعيات ذات الطابع الخدماتي. وكان لهذا التحول تأثيرات عكسية، فبدل أن يسهم في تقريب الفجوة بين السلطات والساكنة المحلية فقد تضاعف منسوب التوتر بينهما أمام توالي الاحتجاجات الجهوية المطلبية، وبدل أن يُعزِّز الشرعية الاجتماعية للفاعلين المدنيين طالما أنهم يتكفلون بخدمات القرب فقد قوض مصداقيتهم، حيث أصبح ينظر إليهم كشركاء للفاعلين الرسميين يتقاسمون معهم المسؤولية عن التراجعات الخدماتية والحقوقية. نشير بهذا الخصوص إلى تبعات تفويض تدبير التعليم الأولي إلى عدة جمعيات كالمؤسسة المغربية للتعليم الأولي ومؤسسة زاكورة والفيدرالية المغربية للتربية والتعليم، وما أثاره من احتجاجات متتالية للأطر التربوية بخصوص حقوقها المهنية.
سياسيا، أسهم تراجع المدى المجتمعي للفعل المدني في تغذية الشعور بالخصاص في التمثيل (underrepresentation)، الذي لم يعد مقتصرا على السلطات العمومية والمجالس المنتخبة، بل أصبح يشمل حتى أحزاب المعارضة والنقابات العمالية وتشكيلات المجتمع المدني. ضمن هذا السياق، برزت بعض إرهاصات تجاوز الأشكال التقليدية للتنظيم المدني لصالح أنماط مرنة، تنفلت من التعقيدات الإجرائية الرسمية التي تكتنف عمليات التأسيس والتسيير:
- الحِراكات الإقليمية: في ظل تراجع الثقة في مصداقية وكفاءة التنظيمات المدنية برز جيل جديد من الاحتجاجات المطلبية المدفوعة بتراكم الخصاص في المرافق والتجهيزات العمومية ببعض المناطق المهمشة، والمؤطرة من قبل لجان تتجاوز التنظيمات المدنية والسياسية، كلجان الحراك الشعبي بالريف في 2016، وجرادة في 2018، وفكيك منذ 2023. كما برزت بعض أنماط الاحتجاج "العفوي"، في شكل مَسِيرات على الأقدام بالمناطق المهمشة، لعل آخرها كان زحف الآلاف من ساكنة منطقة "آيت بوكماز" في أواخر يوليوز 2025 لمسافة 80 كيلومتر نحو مقر محافظة أزيلال للمطالبة بتحسين البنيات التحتية والخدمات الصحية والتعليمية. وكانت مثل هذه المطالب في السابق محل تعهّد وتأطير من طرف الجمعيات والشبكات المدنية المحلية.
- التنسيقيات الفئوية: كرد فعل على تراجع الشرعية الاجتماعية للنقابات والجمعيات المهنية والمدنية، فقد انبثقت تنظيمات موازية غير مرخصة تحمل صفة التنسيقيات، كأطر مرنة للتشبيك بين القطاعات المتضررة من سياسات وتدابير معينة، والتي أصبحت تدريجيا تحتوي على أعداد منتسبين يفوق ما لدى التنظيمات المعترف بها مستفيدة من تضاؤل الثقة في العمل النقابي التقليدي ومن طابعها التنظيمي اللامركزي، على غرار التنسيق الميداني للمجازين المعطلين، والتنسيقية الوطنية لضحايا زلزال الحوز، واللجنة الوطنية لطلبة الطب والصيدلة وطب الأسنان، ولجان التنسيق الخاصة بضحايا مافيا العقار، إضافة إلى التنسيقية الوطنية للأساتذة المفروض عليهم التعاقد التي خاضت منذ 2018 معارك طويلة لمواجهة مخطط التوظيف بالتعاقد في مجال التعليم وكرد فعل على النقابات التي لم تعد تحظ بالشعبية المطلوبة نتيجة تراخيها في الدفاع عن الشغيلة.
- التنظيمات الافتراضية: أصبحت الأجيال الشابة تستعيض عن الفضاءات المؤسسية بأشكال رقمية للمشاركة المدنية، التي بفضلها لم تعد تقاس المواطنة بالانتماء التنظيمي، بل بمجرد المساهمة في كتابة تعليقات وتقاسم منشورات والإدلاء بمقترحات. كما انبثقت موجة من مجموعات الدردشة بالشبكات الاجتماعية ك"تنظيمات افتراضية" للتنسيق بين أصحاب المصلحة للتأثير في الرأي والقرار العموميين، ولتأطير التعبيرات الاحتجاجية الناعمة، على غرار مبادرات المقاطعة الاقتصادية لبعض الشركات، كرد فعل على غلاء المواد الأساسية، وتنظيم حملات مناصرة، وتعبئة عرائض إلكترونية لإيصال رسائل سياسية واجتماعية.
ضمن هذا السياق، أسفر الربع الأخير من سنة 2025 عن طفرة في السلوك الاحتجاجي ببروز احتجاجات لامركزية تتصدرها فئات ديموغرافية طالما اُستبعدت من معادلات التغيير السياسي، فبعد الإنهاك المؤسساتي الذي تعرضت له الحركة المدنية والنقابية انبثق حراك جيل زد بالمغرب الذي طالما نظر إليه كجيل مهووس بالألعاب الإلكترونية وميؤوس من فاعليته السوسيوسياسية، فإذا به يدشن شكلا احتجاجيا غير مسبوق في التاريخ السياسي الحديث للبلاد. حيث كشف حراك جيل زد عن وعي شبابي متقدم بقضايا الشأن العام يتجاوز سقف الأحزاب والمنظمات المدنية. وما قد يتبع ذلك من إلهام باقي الفئات بطرق وتقنيات مبتكرة للاحتجاج والمطالبة بالحقوق خارج المسالك التقليدية التي من المفروض أنها أكثر أمانا ويقينية بالنسبة للسلطة السياسية من حيث ضبط إيقاعها، وكيفيات التجاوب معها بما أنها منبثقة عن فعاليات تتوفر على هياكل تنظيمية ورموز قيادية تسهل عمليات التفاوض والتسوية.
ارتباطا بذلك، أثبتت احتجاجات جيل زد عجز آليات الوساطة التقليدية عن صدِّ صدمات الشارع، حيث التأمت وتصاعدت ديناميات الحراك بشكل افتراضي ضمن منصة ديسكورد (Discord) بمعزل تام عن مختلف الأطر الوسيطة على نحو سيطرح مشكلات عويصة على كيفيات التعامل مع أنماط تنظيمية هلامية (adhocracy) وضعيفة الصلة بالهيئات السياسية والمدنية. كما أثبت حراك جيل زد عمق الفجوة الجيلية، فانفصال بعض تنظيمات المجتمع المدني عن اهتمامات الأجيال الجديدة ومحدودية استيعابها في بنياتها وبرامجها جعلها لا تحظى بالمصداقية المطلوبة لإنجاح مساعي الوساطة التي تقوم بها، حيث لم يتفاعل شباب زد مع مبادرات بعض التنظيمات المدنية التي قدمت نفسها كَجِسر لنقل مطالب الشباب إلى السلطات، بالرغم من كون هذه التنظيمات أيدت حراك جيل زد من خلال بيانات الدعم وعبر مساهمتها في عمليات المواكبة القانونية والمساعدة القضائية، كما هو الحال مع جمعية هيئات المحامين والجمعية المغربية لحقوق الإنسان.
متطلبات تجذير التمثيلية الاجتماعية لتنظيمات المجتمع المدني
بالنظر للدور المُحدِّد للبيئة السياسية في كبح الناشطية المدنية، فإن الرهان على استعادة أدوار الوساطة والمرافعة يفترض بالضرورة السماح بالفرز الطبيعي بين مهام السلطة وأدوار المجتمعين السياسي والمدني خارج نزعات التضييق والتوظيف، وذلك بالكف عن محاولات احتواء الجمعيات (co-optation) وجعلها أدوات وظيفية بيد البيروقراطية المركزية والمحلية، مع تعزيز التفاعل الإيجابي مع الدور السياسي للمجتمع المدني في مدلوله الديمقراطي كآلية بيد المجتمع لمساءلة السلطة السياسية عن إخلالها باستحقاقات العقد الاجتماعي، وكضمانة للدفاع عن حقوق الإنسان في وجه مخاطر النكوص نحو السلطوية.
ضمن هذا المسار تُطرح ترابطات المشاركة المواطنة باستقلالية الفعل المدني، حيث تثبت سياقات تطور المجتمع المدني بالمغرب أنه كلما كان أكثر استقلالية عن الدولة والأحزاب كلما حظي بزخم جماهيري أكبر لصالح الترافع حول قضايا الحقوق المدنية والاقتصادية والاجتماعية. وضمن نطاق أشمل، سيبقى موقع المجتمع المدني محدودا بدون فضاء مدني يُوفّر بيئة مُحفِّزة على التنظيم والمبادرة والحوار بين المواطنين، وبدون الحسم في طبيعة العلاقة بين الدولة والمنظمات المدنية الفاعلة، على أساس احترام استقلاليتها والتعامل معها كشريك فعلي في صنع السياسات العامة.
غير أن كل إرادة لدعم استقلالية الفعل المدني ستظل بدون جدوى إن لم يتم تحصينها بحزمة إصلاحات تشريعية ومؤسسية وتنظيمية من شأنها أن توسع من مساحات وأدوات تدخل النسيج الجمعوي وأن تعزز من نسبة المشاركة المواطنة ومن مداها المجتمعي:
- التحصين التشريعي لاستقلالية المجتمع المدني: تفرض ملاءمة النصوص المنظمة للفعل الجمعوي مع مقتضيات الدستور تهيئة إطار قانوني يحفظ حقوق وحريات المنظمات المدنية، بما في ذلك تيسير إجراءات التأسيس وعقد الاجتماعات وتنظيم التظاهرات، وتدقيق كيفيات إبرام وتنفيذ اتفاقيات الشراكة بين الجمعيات والسلطات العمومية والمجالس المنتخبة، وكذا تأطير مساطر التمويل العمومي وفق شروط واضحة تراعي التسيير الديمقراطي وعدد الأعضاء والفاعلية الميدانية، وعلى أساس دفاتر تحملات تأخذ بعين الاعتبار وضعية الجمعيات المحلية النشيطة. بالموازاة، يتعين أن يشمل الإصلاح التشريعات التي قد تبدو تقنية لكنها مؤثرة في مسار الفعل المدني، كتبسيط شروط التطوع التعاقدي، وتيسير حصول المواطنين على المعلومات العمومية بالسرعة والجودة المطلوبتين لتوظيفها في تتبع السياسات والبرامج العمومية.
- حوكمة الفعل المدني: ترتبط المشاركة المدنية بمستوى انضباط المنظمات لمعايير الحكامة الجيدة، وفي مقدمتها الشفافية المالية عبر الاشتغال بالأدوات المحاسباتية، والكشف عن مصادر وحجم التمويلات، وتقديم التقارير حول حصيلة الأنشطة. إضافة إلى التخطيط الاستراتيجي ببرمجة عمليات التواصل والتنظيم والمبادرة ضمن المدى المتوسط، وكذا الاهتمام بالتكوين المستمر من أجل تقوية القدرات في مجالات التدبير والتفاوض والمناصرة. كما تبرز أهمية التشبيك (networking) ضمن تحالفات منظمة قانونيا وشبكات محلية ووطنية يمكن أن تشكل بيئة تنظيمية مساعدة على تعضيد السند الجماهيري الكفيل بتوفير الحامل البشري لديناميات التغيير التي تقودها بين الجهات المدنية الفاعلة. يضاف إلى ذلك حسن استثمار الشبكات الاجتماعية والتقنيات الرقمية في حشد التأييد حول القضايا وتوسيع دائرة التحالفات.
- تعزيز جاذبية النشاط المدني: أمام محدودية المواكبة الإعلامية، يظل جزء لا يستهان به من الممارسات الجيدة للمجتمع المدني طي النسيان. في ضوء ذلك، يتعين تثمين التجارب الفضلى، كتنظيم فعاليات تواصلية مفتوحة للتعريف بأدوار الجمعيات الرائدة، وباستثمار الوسائط الإعلامية في تسويق الأنشطة المتميزة، وبتقديم نماذج ميدانية ناجحة للتحفيز على العمل التطوعي. كما ينبغي تخصيص دعم مستدام للجمعيات الأكثر نشاطا والكف عن تبخيس مبادرات المواطنين، كما حصل مع عريضة إحداث صندوق للتكفل بمرضى السرطان التي حصلت على ما يزيد عن 40 ألف توقيع؛ فبالرغم من تعهُّد رئيس الحكومة في بلاغ رسمي باتخاذ إجراءات عملية لتنفيذ مطالب المبادرة فإن الحكومة لم تلتزم بذلك، الأمر الذي يسهم في توسيع دائرة المشككين في جدوى آليات المشاركة المواطنة.
- تدعيم مسالك الديمقراطية التشاركية: من أجل مأسسة العلاقة بين المجتمع والدولة، يتعين إحداث هيئة متخصصة يمكن أن تأخذ شكل مجلس وطني للحياة الجمعوية، على أساس تمثيلية متوازنة تسمح بفرز ديموقراطي لممثلي تنظيمات المجتمع المدني الفاعلة. نفس الأمر بالنسبة للآليات التشاركية المحلية، بإقرار إلزامية إحداث مجالس موازية للهيئات المنتخبة تضم في تركيبتها ممثلي الجمعيات الفاعلة، مع تيسير ممارسة آليات الملتمسات والعرائض والآراء الاستشارية، عبر إزالة القيود التنظيمية التي تمنح السلطات سلطة تقديرية واسعة في التجاوب معها.
خاتمة
قابل التطور الكمي للنسيج الجمعوي بالمغرب تدهورا في العمق المجتمعي أمام تراجع أعداد المنخرطين، والمشاركين في الأنشطة التي تشرف على تنظيمها مختلف تعبيرات العمل الجمعوي. هذا الوضع أصبح يرخي بظلاله على الموقع التاريخي للمجتمع المدني كإطار لصد النزوعات السلطوية ولتمرير المطالب المجتمعية من خلال أدوار الوساطة والمناصرة. وقد شكلت الاحتجاجات الأخيرة لجيل "زد" أبرز تعبير عن هذا المأزق أمام تفاقم شعور الفئات الشعبية بالتهميش وعدم التمثيلية، حيث أدى الإضعاف المنهجي لمنافذ الوساطة المدنية إلى تعميق الهوة بين المجتمع والدولة التي وجدت نفسها عاجزة عن استيعاب انتظارات الشباب وكيفيات تصريفها.
لتحفيز المشاركة المدنية، يتعين توسيع إمكانات الولوج إلى الفضاء العمومي، من خلال التجسيد الفعلي للمقتضيات الدستورية المتعلقة بإشراك الفاعل المدني في مختلف مستويات تشخيص السياسات العمومية وتتبعها وتقييمها، وبإزالة القيود القانونية والتنظيمية التي تكبح ديناميات الحياة الجمعوية، ووضع ضمانات جدية تكفل تفاعل المدبرين بمسؤولية مع مبادرات المواطنين وتنظيمات المجتمع المدني، مع جعل هذه الأخيرة أكثر امتثالا لمعايير الحكامة الجيدة. فكلما كان التدبير الجمعوي أكثر ديمقراطية وشفافية كلما حظي بِزخمٍ شعبي أكبر. كما يجب الاستثمار أكثر في الرأسمال الاجتماعي عبر برامج تكوينية وتواصلية متناسقة لتحفيز قيم التطوع والمبادرة والثقة.
تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.