هل سيؤرّخ كوفيد-19 لنهاية لعبة المحاصصة الطائفية في العراق؟

منذ عام 2003 اعتمد نظام المحاصصة الطائفية في العراق على عائدات النفط لضمان شرعيته وشراء الولاء. بدأ هذا النظام يفقد قوته وانتُقد بشدة خلال الحراكات الاحتجاجية الأخيرة، وهو الآن يواجه اختباراً جديداً بسبب انخفاض أسعار النفط الناجم عن أزمة كوفيد-19. في غياب أي إصلاح سياسي حقيقي، يبدو أن أيام المحاصصة الطائفية سائرة في النفاد إذا فشلت في الحفاظ على نظام المحسوبية الباهظ التكلفة.

arab-reform-initiative-will-covid-19-mark-the-endgame-for-iraqs-muhasasa-taifia
طلاب الجامعات العراقية يحملون العلم الوطني العراقي خلال مظاهرات في بغداد، شباط/فبراير 2020. © EPA-EFE/مرتجى لطيف

* تنشر مبادرة الإصلاح العربي هذه المقالة بالتعاون مع تشاتام هاوس، وهي جزء من سلسلة تتناول مستقبل الحوكمة والأمن في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وتأثيرهما على دور الدولة في المنطقة.

كانت سيطرة الدولة على إيرادات النفط هي الأساس الذي استند إليه النظام السياسي للعراق بعد عام 2003، والذي اتسم بالمحاصصة الطائفية. وقد مكّنت هذ السيطرةُ النظام السياسي من الاستمرار والاستقرار الباديَين للعيان خلال أزمات متعددة، بما في ذلك الأزمة المالية لعام 2008 والحرب مع تنظيم الدولة الإسلامية. إلاَّ أنّ الانهيار في عائدات النفط، الناجم عن الخلل الذي أحدثته جائحة كوفيد-19 للاقتصاد العالمي، يكشف عن التناقضات الهيكلية والمتأصلة في نظام المحاصصة الطائفية واعتماده الحصري على مورد متقلّب. وتُماثِل استجابة النظام السياسي للأزمة الحالية - من خلال التركيز على الحفاظ على الإنفاق العام على حساب الإنفاق الاستثماري - استجاباته للأزمات السابقة، لكن التدهور المؤسسي الذي يشهده هذا النظام بلغ مستويات عالية هذه المرّة، كما تغيرت الديناميات النفطية تغيّراً جوهرياً، فهل سيؤرّخ كوفيد-19 لنهاية نظام المحاصصة؟

تشريح المحاصصة: النفخ في القطاع العام

ينطوي نظام المحاصصة الطائفية على التحكّم بموارد الدولة من قبل حكومة تشمل جميع الأحزاب العرقية والطائفية، بما يتناسب مع المقاعد التي فاز بها كل حزب في الانتخابات البرلمانية. وهو ما يؤدي إلى منافسة شرسة على السلطة والنفوذ من خلال تطوير شبكات المحسوبية الحزبية. لقد أصبح التوظيف في القطاع العام وسيلة أساسية لبناء مثل هذه الشبكات بسبب هيمنة هذا القطاع على الاقتصاد ودوره كأكبر جهة توظيف رسمية.

وقد أدى ذلك، مدفوعاً بارتفاع أسعار النفط، إلى توسّع هائل في عدد موظّفي القطاع العام الذي زادت نفقاته خمسة أضعاف تقريباً من عام 2005 إلى ما يقدر بنحو 50 مليار دولار في عام 2020 (الخط الأحمر في الشكل 1).

الشكل 1 - الخطوط المنقطة هي نطاقات توقعات، وخط اتجاه الإنفاق باللّون الأفتح -انظر قسم المصادر أدناه للمزيد من التفاصيل.

كانت هذه النفقات تزداد باستمرار ولم تتوقف إلا حينما كانت عائدات النفط تتراجع أثناء الأزمات، لكنها كان تستأنف اتجاهها التصاعدي مع تجاوز الأزمات. وفي هذه العملية، استهلكت النفقات نسبة مئوية متزايدة باضطراد من عائدات النفط - وهي حصة ارتفعت بشكل متتابع وغير مستدام خلال كل أزمة مع انخفاض عائدات النفط (الأسهم الحمراء في الشكل 2).

الشكل 2 - الخطوط المنقطة هي نطاقات توقعات، وخط اتجاه الإنفاق باللّون الأفتح - لمزيد من التفاصيل، انظر قسم المصادر أدناه.

جاء هذا الإنفاق من قبل الحكومات المتعاقبة على حساب الإنفاق على البنية التحتية العامة التي تشتد الحاجة إليها (والتي دُمِّرت من جرّاء أكثر من أربعة عقود من الصراع) وعلى حساب بناء الرصيد الرأسمالي للبلاد - وكلاهما دعامة أساسية للنمو الاقتصادي المستدام. وكان من شأن سوء الإنفاق هذا، وكذلك ضعف الدولة في فرض سيادة القانون، وبيروقراطيتها الخانقة، ودورها المركزي في الاقتصاد غير النفطي من خلال السيطرة على العائدات النفطية - وهي نفسها وسيلة أخرى لتوسيع شبكات المحسوبية الحزبية - كلها كان من شأنها جميعاً أن أعاقت نمو القطاع الخاص النظامي وقدرته على توليد فرص عمل جيدة. وبالتالي، حصل القدر الأكبر من تنمية القطاع الخاص في البلاد في الاقتصاد غير النظامي الذي أصبح بشكل متزايد مصدر رزق للقطاعات الفقيرة والمهمشة من المجتمع التي تُمثّلُ حالياً 20.5٪ (2017/2018) من السكان.

تُولّد الضغوط الديموغرافية في البلاد (الشكل 3) مجموعات ما فتئت تزداد من الباحثين عن العمل، إلا أن القطاع العام المتضخم أو القطاع الخاص النظامي العاجز عن النمو لا يمكنهما استيعاب العدد المتزايد من الشباب الباحثين عن عمل، الأمر الذي يجعل معظمهم يعتمدون على الاقتصاد غير النظامي في معيشتهم وما يترتب على ذلك من قيود على حراكهم الاجتماعية الصاعد وأمنهم المالي. وضمن أرقام البطالة الرسمية البالغة 9.8٪، فإن بطالة الشباب، لمن تتراوح أعمارهم بين 15 و20 سنة، تقف عند مستوى 16.5٪، بينما تكشف الاستطلاعات أن فقط من الشباب في البلاد راضون عن جهود الحكومة لتحسين فرص العمل. وفي اقتصادٍ كهذا، تصبح المظاهرات التي تطالب بالوظائف والإصلاح أمراً لا مفر منه، وكما كان متوقعاً فإن الموجة الأولى من مظاهرات تشرين الأول/أكتوبر 2019 كانت تتألف من شباب وشابات يبحثون عن عمل وقد تسبّبت الحكومة بإطلاق شرارتها من خلال حملتها على قطاع العمل غير النظامي في وقت سابق من الصيف.

الشكل 3 - المصدر: تقرير صندوق النقد الدولي عن العراق 19/248

تأثير كوفيد-19 على نظام المحاصصة في العراق

يفرض الاضطراب الذي تسببت بها جائحة كوفيد-19 للاقتصاد العالمي، وتأثيره على خفض أسعار النفط، نمطاً جديداً من التحديات للعراق ولأفق نموذج الحكم القائم على المحاصصة الطائفية الذي أصبح يعتمد على خلقِ الوظائف العامة كوسيلة لاكتساب الشرعية.

إنّ توقع تأثير أزمة كوفيد-19 على العراق محفوف بعدم اليقين، ولكن من الممكن رسم مخططٍ عامٍ للاتجاهات المتوقعة. وتحولُ طبيعة الفيروس دون العودة إلى الحياة الطبيعية الكاملة للاقتصاد العالمي في المستقبل المنظور، وعلى الرغم من أن عمليات الإغلاق العالمية قد تُخفَّف خلال الأشهر القليلة المقبلة، إلاّ أن التوقعات تشيرُ إلى أن الطلب العالمي على النفط سيظلّ منخفضاً حتى نهاية عام 2020 على الأقل (الشكل 4). وبموجب هذا السيناريو، من المتوقع أن يتراوح متوسط أسعار النفط، إذا ما قيست بخام برنت، بين 30-40 دولاراً للبرميل على مدى الاثني عشر شهراً القادمة، وبين 45-55 دولاراً للبرميل على مدى الأشهر الـ 12 التي تليها.

الشكل 4 - المصدر: وكالة الطاقة الدولية

وكما هو الحال في الأزمتين السابقتين في عامي 2008 و2014، ستهدف النخبة الحاكمة للحفاظ على الإنفاق على الرواتب والمعاشات والضمان الاجتماعي، ولكنها ستشرع أيضاً في إجراء تخفيضات كبيرة في خطط الإنفاق الاستثماري والإنفاق على السلع والخدمات، بحسب ما يتضح من استجابات الحكومة المبكرة للأزمات التي تتكشف. ومع ذلك، لن يكون هذا الخفض للنفقات كافياً لتعويض الخسائر في عائدات النفط. إن كل انخفاض بمقدار دولار واحد في أسعار خام برنت يقلل من عائدات النفط بنحو 1.25 مليار دولار، ما يؤدي إلى عجز يقدّر في حدود 41.5 إلى 52.5 مليار دولار للأشهر الـ 12 المقبلة. وسوف يُموَّل هذا العجز محلياً بصورة مبدئية من خلال التمويل النقدي غير المباشر باستخدام احتياطيات البلاد الأجنبية التي بلغت 63.7 مليار دولار حتى نهاية شباط/فبراير. ومع ذلك، يتطلب هذا النهج سيناريوهات شبه مثالية ليكون فعالاً، إذ لا يُسمَح فيه بانخفاض أسعار النفط عما كان متوقعاً أو بتأخير التعافي المتوقع. ويمكن أن يؤدي انخفاض هذه الاحتياطيات إلى أقل من 15 مليار دولار إلى انخفاضٍ في قيمة العملة من شأنه أن ينعكس بتراجع مستويات المعيشة لغالبية السكان بالنظر إلى اعتماد العراق الكبير على الواردات لتلبية الاستهلاك. ويعالج نهج الحكومة الجديدة القضايا المثارة هنا بشكل مباشر، ومن شأنه أن يعيد التوازن إلى الاختلال الهيكلي في الميزانية. ومع ذلك، أمام الحكومة مهمة عصيبة تتمثل في تمرير مثل هذا الحل من خلال برلمان المحاصصة، وقبوله من قبل مجتمع منفّر. ويبقى الأمر الحاسم هو أن المرور الناجح سوف يبدأ في إلغاء وحل شبكات المحسوبية في وقت أقرب بكثير، وعلى هذا النحو ستسعى النخبة الحاكمة إلى الخروج عن مسارها، وتدفع بدلاً من ذلك إلى مواصلة الممارسات السابقة. وبعد الأشهُر الـ 12 المقبلة، ستؤدي زيادة عائدات النفط المتوقعة إلى إزالة الكثير من الضغط الملقى على كاهل الموارد المالية الحكومية، ولكن مع استهلاك نفقات الرواتب في القطاع العام للجزء الأكبر من هذه الإيرادات (الشكل 4) ومع استنفاد احتياطيات البلاد الأجنبية، ستكون النتيجة استمرار نقص الاستثمارات العامة في البنية التحتية أو إعادة الإعمار، والحفاظ على معظم جوانب خفض الإنفاق على السلع والخدمات. وسيؤدي ذلك إلى تفاقُم الضغوط على الاقتصاد غير النظامي الذي تضرر بشدة على خلفية الإغلاق بسبب جائحة كوفيد-19 وإجراءات خفض الإنفاق السابقة للحكومة.

ويطرح هذا تحدياً متعدد الأوجه لن تكون النخبة السياسية بتشرذمها المتزايد وتآكل شرعيتها على مدار سنوات مؤهلة لمواجهته وحلّه. إن حجم نفقات الرواتب في القطاع العام لن يترك أي متّسَعٍ للتعيينات الجديدة ولا للبنية التحتية والإنفاق على إعادة الإعمار. وفي حين أن اللجوء إلى القروض لتمويل الاستثمارات العامة يمكن أن يكون خياراً، فإن هذا يعني اقتراضاً أجنبياً مدعوماً باتفاق مع صندوق النقد الدولي على غرار اتفاق الاستعداد الائتماني لعام 2016، إذ من المحتمل أن يكون العراق قد استنفد مصادر الاقتراض المحلية في الأشهر الـ 12 الأولى.  وتأتي مثل هذه القروض الأجنبية مشروطة بالبدء في إصلاحات اقتصادية هيكلية متسارعة ودمج الاقتصاد غير النظامي في الاقتصاد النظامي، كما أنها ستجلب معها تعديلات مؤلمة تتطلب تقبُّلاً من السكان المستَبعَدين وستقوّض أسس شبكات المحسوبية. وفي الوقت نفسه فإن الظروف الاقتصادية للاقتصاد غير النظامي المهمل، التي أدت إلى مظاهرات 2019، ستصبح أسوأ تدريجياً.

ماذا بعد بالنسبة إلى العراق؟ شرّان أحلاهُما مُرّ

على الرغم من كلّ ادعاءات النظام السياسي لما بعد عام 2003 بأنه يمثّل قطيعةً مع الماضي، إلا أنه تطورٌ لامركزي للنموذج السابق في عهد صدام حسين، وقد وسّع باستمرار دور الدولة الوصائي كموزع للثروة النفطية مقابل الإذعان الاجتماعي لحكمها. وبدأ نظام المحاصصة الطائفية يفقد قوته بالفعل ويواجَهُ بالحركات الاحتجاجية في عامَي 2018 و2019، وقد كشفت أزمة كوفيد-19 وانعكاساتها على الاقتصاد العالمي بشكل أكبر نموذج الحكم الحالي واعتماده على عائدات النفط المتقلبة والمنخفضة، وكذلك عدم قدرة النخب السياسية العراقية الحالية على إدارة الخروج من الأزمة.

بدون إصلاح سياسي حقيقي يقلب التوزيع الطائفي رأساً على عقب وفي أثناء ذلك يكتسب الشرعية في نظر العامة، فإن أيام المحاصصة الطائفية معدودة، سواء كان ذلك بسبب الأزمة الحالية أو إذا ما شهدنا بعض التأجيل المؤقت الذي قد يُحدِثه انتعاش سريع في أسعار النفط. وبدون الدعم الذي تؤمّنه عائدات النفط المتزايدة باستمرار، سوف تتداعى أسس نموذج المحاصصة. وإن الخيار الوحيد أمام النظام السياسي من أجل البقاء هو اللجوء إلى الإفراط في التدابير القسرية وقمع العدد المتزايد من الشباب المحرومين، وهذه آلية بقاء غير مستدامة بالنظر إلى الضغوط الديموغرافية للبلاد وتشظّي النظام السياسي.

المصادر

الأرقام والرسوم البيانية المذكورة في هذه المقالة هي تقديرات المؤلف وتستند إلى بيانات من: صندوق النقد الدولي، العراق، التقارير القطرية 2004-2019 ؛ وزارة المالية؛ وزارة النفط؛ وزارة التخطيط؛ الجهاز المركزي للإحصاء، البنك المركزي العراقي؛ وإلى الأخبار والتحليلات والبحوث المتاحة للعموم. وتأخذ تقديرات عائدات النفط لعامي 2020 و2021 بعين الاعتبار صفقة أوبك + المنسّقة التي أُبرِمت 11 أبريل / نيسان، لكنها لا تفترض امتثال العراق التام بحصصه. وتستند افتراضات إنفاق الميزانية لعامي 2020 و2021 إلى أعمال المؤلف الأخيرة مثلما هي مربوطة في المقالة، ولكن تم تحديثها لتعكس بيانات أوبك +. كما إن إجمالي نفقات القطاع العام أعلى من تلك المستخدمة هنا لأنها لا تشمل نفقات موظفي الشركات المملوكة للدولة، إذ يتم تضمينها في بند التحويلات في الميزانية ولكن دون تقسيمها إلى مكوّناتها. وإنّ جميع أوجه الخطأ والإغفال تقع على عاتق المؤلف.

تنويه

إن تعليقات أحمد معن الطبقچلي وآرائه وتحليلاته هي آراءٌ شخصية للأغراض الإعلامية وللمنفعة العامة فقط ولا يجب تفسيرها على أنها نصائح استثمارية فردية أو توصيات أو التماس لشراء أو بيع أو الاحتفاظ بأي أموال أو سندات أو اعتماد أي استراتيجية استثمارية، وهي لا تُمثّل نصيحة قانونية أو ضريبية. لقد جُمِعَت المعلومات الواردة في هذه المادة من مصادر يعتقد أنها موثوقة، ولكن ليس هناك ضمان لصحتها، وهي مُقدّمَة في تاريخ النشر وقد تتغير دون إشعار ولا يُقصد منها أن تكون تحليلاً كاملاً لكل واقعة مادية فيما يتعلق بالعراق أو المنطقة أو السوق أو الاستثمار.