مسيحيو حلب: المسار والمآل

صورة للدمار الذي حل بكنيسة القديس مار أسيا الحكيم في حلب، سوريا، شباط/فبراير 2017.© EPA

ملخَّص

تتناول هذه الورقة موضوع المسيحيين في مدينة حلب السورية، خاصة على صعيد تاريخهم خلال القرنين المنصرمين، وأعدادهم ونسبتهم من سكان المدينة، وتطور أوضاعهم بمرور الزمن وربط هذه الأمور بمواقف فئة أساسية منهم تجاه الثورة السورية منذ سنة 2011.

إذ تهتم الورقة بتوفير ملخص سريع عن أوضاع المسيحيين خلال القرنين الماضيين عبر محطات أساسية مثل “قومة البلد” والتنظيمات و “فتنة سوق الأحد”، فتوضح أحداثاً مؤثرة في مسيرتهم. وفي هذا الجانب التاريخي، تم التركيز على تلك الأحداث التي جعلت المسيحيين يشعرون بالتهديد، أو دفعتهم إلى الهجرة أو النزوح، أو خلفت لديهم شعوراً سلبياً تجاه مواطنيهم المسلمين، أو رسخت أفكاراً مسبقة سلبية بحقهم. ثم تقدّم نظرة سريعة على أعداد المسيحيين عبر الفترة الزمنية عينها، في محاولة لتشكيل صورة دقيقة عن وضعهم من هذه الناحية، بالإضافة إلى ملاحظات تخص الإحصائيات المتوفرة عنهم والعوامل المؤثرة فيها.

القسم الأخير من الورقة يتناول وضع مسيحيي المدينة إبان الثورة التي بدأت سنة 2011، ووضعهم في يومنا الحاضر، بما في ذلك وضع الكنيسة ودورها، مرفقاً بمواقف ومشاهدات تستشرف مستقبلهم في المدينة ثم تطرح أفكاراً تصب في هذا الإطار.  ولقد اعتمدت الورقة على مقابلات شخصية مع أشخاص مطلعين على موضوعات متعلقة بمضمون الورقة، ومؤلفات للمطران ناوفيطوس إدلبي، والأرشمندريت أغناطيوس ديك، والشيخ كامل الغزي، ومذكرات نعوم بخاش وغيرها من المراجع، بالإضافة إلى تصريحات حديثة لرجال دين.

اقرأ المزيد

بعد مرور ست سنوات على بداية الثورة السورية سنة 2011؛ تستقرئ هذه الورقة تاريخ المسيحيين في مدينة حلب خلال القرنين المنصرمين، لتستعرض أهم الحوادث التي أثرت في ذاكرتهم الجماعية، خاصة تلك التي اعتبرت اضطهاداً أو تهديداً لهم كأفرادٍ وجماعة لها مميزاتها في مجتمعها المحلي، ومن هنا تنطلق لتجيب على مسببات موقفهم السلبي بنسبة كبيرة تجاه الثورة التي أفرزت تغييرات جذرية مادية ونفسية أصابت سوريا ككل وحلب كجزء أساسي من هذا البلد، لتبين حقيقة هذا الموقف إن كان تأييداً صرفاً لديكتاتورية سادت لعقود، حكمت البلد بالحديد والنار، أم استرجاعاً لماضٍ لم يكن فيه لأفراد هذه الجماعة اطمئنان – من وجهة نظرها – تجاه مواطني مدينتهم وما يمثلونه.

قومة البلد

تسببت معاملة إبراهيم باشا الجيدة للمسيحيين في حلب بمضايقات بعض المسلمين عقب خروج الجيش المصري من المدينة، وربما كانت هذه الحوادث مؤسِّسة لــ "قومة البلد" سنة 1850، والتي أسفرت عن عدد من القتلى والجرحى المسيحيين بالإضافة إلى نهب عشرات البيوت وبعض الكنائس والمطرانيات وحرقها. الحادث الذي تعاملت معه السلطة العثمانية المركزية بحزم مقبول لم تكن السلطة المحلية على ما يبدو ملتزمة به تماماً، فلم يُحاسب المذنبون كما يجب رغم نفي بعض المشاركين والشخصيات، ولم يتم التعويض عن الخسائر بالكامل. ودفعت هذه الأحداث بالعشرات من الأسر المسيحية إلى مغادرة المدينة، وأورثت الباقين شعوراً مضمونه أن مسلمي مدينتهم لم يرق لهم خروج المسيحيين من وضع أهل الذمة إلى وضع المواطنين. وقد وبقيت الاضطرابات حاضرة في ذاكرة مسيحيي المدينة بعد مرور أكثر من قرن ونصف على حدوثها، يتناقلونها من جيل إلى آخر.

التنظيمات

رافق "قومة البلد" وأعقبها أحداث بالغة التأثير على وضع المسيحيين، فالتنظيمات العثمانية التي صدرت عن الباب العالي لإقرار مساواة بين رعايا السلطنة مواجهة لضغوط أوروبية؛ كثيراً ما بقيت حبراً على ورق ولم تلقَ قبولاً لدى كثير من المسلمين، وجاءت أيضاً أحداث سنة 1860 "طوشة الستين" التي اندلعت في جبل لبنان لتنتقل إلى دمشق؛ فكان المسيحيون ضحاياها على يد المسلمين والدروز، بينما عاش مسيحيو حلب على أعصابهم بانتظار تكرار سيناريو 1850، الأمر الذي لم يحدث رغم التهديدات والمحاولات. لكن الأخبار الواصلة من لبنان ودمشق عزّزت كل المخاوف المتراكمة.

في عهد السلطان عبد العزيز بدا أن المسلمين قد تقبلوا الوضع الجديد الخاص بالمسيحيين، فارتاح هؤلاء، وأسسوا "حي العزيزية" الذي احتفظ حتى اليوم برمزيته كمركز للمسيحيين، إلى جانب أحياء أخرى أتت لاحقاً كالنيّال والحميدية والسليمانية والجابرية. ومنذ سنة 1860 وما بعدها كان للمسيحيين في حلب دور واضح في الإدارات الرسمية، إذ حازوا في بعض المرات ثلث مرشحي المجلس البلدي، ونصف مجلس إدارة الولاية، كما تسلموا رئاسة غرفة تجارة حلب مراراً.

 نهاية السلطنة

عاد القلق لينتاب مسيحيي المدينة بعض الشيء أواخر القرن مع قمع السلطان عبد الحميد الدموي للأرمن سنتي 1894-1895 أثناء "أحداث الزيتون"، واستقبال المدينة أعداداً من اللاجئين المسيحيين من الأرمن وغير الأرمن قادمين من منطقة مرعش. وانخرط مسيحيو المدينة في الخدمة العسكري سنة 1910 بعد أن كانوا منذ إلغاء الجزية يدفعون البدل على نحو جماعي تكافلي، ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى اقتيد هؤلاء إلى الخدمة العسكرية –كما غيرهم – قسراً مما دفع بكثيرين إلى ارتياد طريق الهجرة، وهو ما ساهم على نحو مؤثّر مع المجاعات المرافقة للحرب وعدد ضحايا الخدمة العسكرية؛ في خفض أعداد المسيحيين في المدينة.

مع بدء مجازر الأرمن سنة 1915 توافد إلى حلب عشرات الألوف من الأرمن، ومنها انتقل جزء منهم إلى مدن أخرى كحماة ودير الزور. وبعد 3 سنوات تقريباً سمحت السلطات بعودتهم إلى حلب حتى بلغت أعدادهم 60.000 شخص، وكان لمسلمي المدينة دور يُشهَد له بحسن التعامل مع هؤلاء اللاجئين.

فتنة سوق الأحد

عيّن الجنرال غورو1 هنري غورو: جنرال فرنسي، عُين مندوباً سامياً لسوريا ولبنان 1919-1923. أعضاء مجلس المديرين في حلب سنة 1920 مناصفة بين المسيحيين والمسلمين، ولعب المسيحيون دوراً وطنياً في الاصطفاف إلى جانب إبراهيم هنانو2 إبراهيم هنانو: سياسي سوري، أحد قادة الثورة السورية ضد الفرنسيين بعد معركة ميسلون. والدفاع عنه خلال محاكمته التي انتهت بإعلان براءته سنة 1922، كما شاركوا بفعالية في "الكتلة الوطنية".3 حزب سياسي سوري كان له دور أساسي في مجابهة الانتداب الفرنسي على سوريا، فاز مرتين بأغلبية مقاعد البرلمان. ضم شخصيات وطنية كثيرة، وعرف انشقاقات وانقسامات أدّت إلى انشطاره إلى حزبين أساسيين: الحزب الوطني وحزب الشعب. في تشرين الأول/أكتوبر 1936 قامت "فتنة" سوق الأحد بين المسيحيين والمسلمين التي قُتِل فيها مسيحيان ومسلم، ووفق مصدر آخر مسلمان و3 أرمن بالإضافة إلى عشرات الجرحى، فاستعادت الذاكرة حوادث 1850 و1860 على الفور. تم احتواء الفتنة بجهود شخصيات مسلمة من المدينة، وبدا أن الخلاف اندلع بشرارة من منظمة شباب كاثوليكي، تُسمّى "الشارة البيضاء" تتبنى أفكاراً طائفية ولا تتمتع بالاحترام لدى أوساط واسعة من المجتمع المسيحي، وكانت "فتنة سوق الأحد" السبب في طي صفحة هذه المنظمة وإلغاء وجودها، بعد أن تم تداول أخبار كثيرة عن جهات مخابراتية تقف وراءها، خاصة أن رئيسها كان موظفاً في الجيش الفرنسي ورئيساً لفرقة مخبرين في مدينة حلب.

مرة أخرى ساهمت هذه الحادثة في دفع عائلات مسيحية إلى مغادرة الأحياء التي سكنتها قبلاً إلى أحياء ذات طابع مسيحي، خوفاً منها على أمنها وراحة بالها في حال تكرار فتن مشابهة. وهكذا، مع نشوء الأحياء المسيحية الجديدة آنفة الذكر؛ تكرس على نحو تدريجي واضح، الفصل السكني بين المسيحيين والمسلمين في المدينة، فلم يبقَ في المدينة القديمة (داخل الأسوار) إلا ما ندر من العائلات المسيحية التي ما تزال سجلات نفوسها حتى يومنا هذا تشهد على أماكن سكنها القديمة.

الاستقلال والوحدة

سنة 1945 قامت مظاهرات ضد الفرنسيين تم خلال بعضها الاعتداء على أديرة مسيحية، وقيل إن الإنكليز كانوا يقفون وراء الاعتداء، وهم فعلاً قاموا بعرض حمايتهم على مطران الروم الكاثوليك الذي رفضها رفضاً قاطعاً.

ثم تنديداً بحرب السويس كانت مظاهرات 1956 التي أسفرت عن حرق مدارس ومعابد مسيحية. وقد خفّفت من هذا التعدي الذي كان له وقع شديد السوء على مسيحيي المدينة، تدخلاتٌ إيجابية لشخصيات مسلمة، وقفت بوجه المتظاهرين المعتدين. ولم تُعلن نتائج تحقيق اللجنة العسكرية الموكلة بالأمر.

حكم البعث

  • كان لتأميم الملكيات الزراعية والمعامل منذ سنة 1958 – والذي أصاب المسلمين كما المسيحيين – أثر بالغ السوء على الجميع بمن فيهم المسيحيين الذين غادرت دفعة جديدة منهم البلاد إلى لبنان والمهجر. هذه المرة كان المهاجرون من النخب المالية والتجارية والصناعية والثقافية، وبهم فقدَ المجتمع المسيحي الحلبي جزءاً مهماً من قادته الفعليين والمحتملين وشريحة من أبنائه الأكثر وعياً.
  • شكّل الاستيلاء على المدارس الخاصة سنة 1967 ضربة للمجتمع المسيحي الحلبي لا يُقدِّر كثيرون اليوم عظم تأثيرها، فقد أضعف هذا الأمر ثقة المسيحيين بدولتهم وأفقدهم الحق بالتعليم الخاص، وشكّك ضمناً في وطنيتهم، وألغى الدور التنويري المشهود له لهذه المدارس التي ساهمت إسهاماً مباشراً في دعم العيش المشترك بين أبناء المدينة. وقد تفاعلت القضية وصولاً إلى حكم القضاء بعد سنوات، في مطلع عهد حافظ الأسد، بعدم شرعية الاستيلاء على هذه المدارس وبوجوب ردّها إلى أصحابها،4 في 9 كانون الأول/ديسمبر 1974 أعلنت المحكمة الإدارية السورية العليا إبطال قرار مصادرة المدارس الكاثوليكية وإغلاقها. ودقّت أجراس الكنائس في المدينة فرحاً بالحكم العادل الذي ما زال ينتظر التنفيذ حتى يومنا هذا. الجدير ذكره هنا، أن موضوع إعادة المدارس لأصحابها يُعاد فتحه خلال بعض المناسبات مع المسؤولين الحزبيين، والجواب المتكرر هو أن الدولة تثق بالمسيحيين وبوطنيتهم وبمدارسهم، لكن إعادة المدارس ومنحهم رخصاً للتعليم سيوجب منح "الآخرين" رخصاً مماثلة، وهم ممن لا تثق الدولة بهم لتطرفهم.
  • جاءت الحرب الأهلية اللبنانية سنة 1975 – وغزو العراق أيضاً بعد عقود – لتذكر المسيحيين بدقة وضعهم في المنطقة، وقد كان لطول مدة الخدمة العسكرية الإلزامية والاحتياطية خلال فترات التوتر 1967، 1973، 1975 وما بعدها، دور في دفع شريحة أخرى من المسيحيين إلى الهجرة.
  • منذ أواخر السبعينيات حتى سنة 1982 وقع ما سُمي بـ "أحداث الإخوان المسلمين"، وقد شكّلت هذه الأحداث حلقة جديدة في ترسيخ ذاكرة الخوف المسيحي من الآخر/المسلم. فصارت كلمة "إخونجي" مرادفاً للإرهابي والمتطرف، في شيطنة كاملة شبه تعميمية للآخر؛ رغم أن هذه الأحداث لم تستهدف مسيحيين بوصفهم مسيحيين.

الذاكرة المسيحية الجماعية ودور الكنيسة

خلال كل هذه الأحداث الطائفية منذ أيام السلطنة العثمانية مروراً بمرحلة الانتداب الفرنسي فالاستقلال وصولاً إلى حكم حزب البعث؛ لم تكن بنية ذاكرة مسيحيي المدينة بنية موضوعية، وهذا أمر مفهوم. فبعيداً عن خطابات العيش المشترك البروتوكولية؛ أظهرت الأحاديث المتداولة في الغرف المغلقة أن هذه الذاكرة كانت انتقائية، فالجدات ينقلن عن أسلافهن هتاف مسلمين خلال فتنة 1850 بعبارة: "أجى يومكون يا نصارى"، لكن دور مسلمين آخرين في حماية جيرانهم المسيحيين ومساعدتهم، والوقوف في وجه العامة خلال "فتنة سوق الأحد" حماية للمسيحيين، ورد المتظاهرين عن حرق المدارس المسيحية خلال مظاهرات 1945 و1956، لم يحضر في الذاكرة الشعبية إلا فيما ندر، وبقيت مخطوطات المعاصرين، وشهادات مراقبين خارجيين المصدر الوحيد لهذا الدور الإيجابي.

في هذا الإطار، لم تمارس الكنيسة من خلال أدواتها التي كانت تتمتع بها دوراً توفيقياً وتوعوياً بين أبناء الدينين، إلا في حالات كانت قصيرة العمر أو مقتصرة على نخب محدودة التأثير لأسباب مختلفة.

ولم تنجُ الكنيسة المحلية التي نخرها الفساد من تدخلات رجال الأمن والمخابرات وتضييقاتهم، مما جعل من بقي صامداً فيها في وجه التيار الشمولي الصاعد، ينكفئ بدوره، وشيئاً فشيئاً بدأت الكنيسة تشبه بشكل أو بآخر النظام الحاكم لجهة المحسوبيات والفساد وضعف النوعية.

 

أعداد المسيحيين في المدينة:

التاريخ مسلمون مسيحيون يهود إجمالي ملاحظات
1821 - - - 400.00
1890 - - - 120.000
1900 69.646 27.060 7.666 104.372 نسبة المسيحيين 26%
1901 76.329 24.508 7.306 108.143 نسبة المسيحيين 22.5%
1922 100.000 تقريباً 50.000 تقريباً بين 6.000

و7.000

156.748 نسبة المسيحيين 30% تقريباً
1944 - 112.110 - 300.000 نسبة المسيحيين 37%
2010 - 160.000 - -
2016 - 30.000 - 1.000.000 نسبة المسيحيين 4%

 

تأثرت أعداد المسيحيين خلال السنوات المذكورة في الجدول سلباً بالهجرات المتعاقبة متعددة الأسباب، كما تأثرت إيجاباً بهجرة الأرمن إلى حلب الذين تضاعفت أعدادهم قرابة 9 مرات بين سنتي 1900 و1944، ونزوح سريان جنوب تركيا ثم الروم الأرثوذكس من لواء إسكندرون، ونزوح مسيحيي الجزيرة وبعض قرى وادي النصارى وريف جسر الشغور. نتج عن كل هذه المتغيرات تراجع نسبة الكاثوليك بين مسيحيي المدينة، وتحوّل المسيحيين حلبيي الأصل إلى أقلية بين المسيحيين الوافدين، مع العلم أن حلب هي المحافظة السورية الوحيدة التي يخلو ريفها من المسيحيين حالياً.

كان لمسيحيي حلب في المجلس النيابي السوري، أواسط الثلاثينيات من القرن الماضي 5 مقاعد في المجلس مقابل 6 للمسلمين، وفي مطلع الأربعينيات 7 مقاعد للمسيحيين و8 للمسلمين وواحد لليهود، أما اليوم، ورغم زيادة عدد مقاعد مجلس الشعب؛ فإن حصة مسيحيي حلب هي 3 مقاعد: واحد كاثوليكي وآخر أرثوذكسي وثالث أرمني.

تتجنب المصادر المعنية تحديد رقم واضح لعدد المسيحيين في المدينة قبل سنة 2011، فمصادر الروم الكاثوليك تتداول منذ التسعينيات رقم 20.000 لأبناء الطائفة، وهو رقم ربما يصحّ حتى بداية التسعينيات، ولكن يُعتقد أن نسبة تتجاوز 35% من هؤلاء قد غادروا المدينة أصلاً قبل هذا التاريخ. واليوم، وبعد مضي سنوات على الثورة السورية يُعتقد أن أعداد أبناء هذه الطائفة التي لطالما تصدرت الطوائف المسيحية في المدينة، فعلياً أو فخرياً؛ لا يتجاوز 6.000 نسمة جلّهم من النساء وكبار السن. وفي تصريح للمطران أنطوان أودو5  هو المسؤول عن عمل منظمة كاريتاس الكاثوليكية الخيرية في سوريا، ومطران الكنيسة الكلدانية في حلب. في آذار/مارس 2016، قال: إن ثلثي مسيحيي سوريا غادروا البلاد منذ سنة 2011. مما قلّص عددهم – بحسب قوله – من مليون ونص إلى نصف مليون.

الثورة السورية 2011

قبل اندلاع الثورة السورية، وبسبب سياسات غير مُعلنة للنظام استمرت على مدى عقود حكمه؛ ترسخ لدى المسيحيين في حلب شعور باهتمام خاص بهم من قبل النظام، الذي ضمن لهم بطرق مباشرة وغير مباشرة "امتيازات" هي في حقيقتها حقوق لا يجب أن تُعدّ مكتسبات يجب العمل على الحفاظ عليها. مثل حرية العبادة والاحتفالات الدينية واستمرار نشاط المنظمات شبه الأهلية المُلحقة بالكنيسة كالأخويات وأفواج الكشافة، وأيضاً استمرار ضمان مقاعد محددة للمسيحيين ضمن مقاعد نواب المدينة والحرص على تمثيلهم في وزارات حكومية، الأمر الذي يعتقد مسيحيون أنه لم يكن ممكناً في حال الاحتكام فقط لأكثرية أصوات أبناء المدينة في الانتخابات.

وتعامل النظام مع المسيحيين كجماعات لا كأفراد، وهو أمر مألوف لدى الأنظمة الديكتاتورية، حيث يستمد الفرد نقاط قوّته من انتمائه إلى الجماعة، لا من اعتباره مواطناً في دولة تحترم مفهوم المواطنة بغض النظر عن انتماءات المواطن الأخرى الأقل شمولاً. وبعد غياب نخبة اقتصادية تقليدية كان للمسيحيين نخبهم الجديدة التي لها علاقاتها المتشعّبة بالنظام – والمتواطئة معه – الذي رعى نشاطها ووضع لها الحدود التي يراها ملائمة لما يريد.

لم تكن هذه السياسات عشوائية، فهي تبدو أكثر وضوحاً في عهد بشار الأسد قياساً بعهد أبيه – على الأقل في جانبها الإعلامي الظاهر – إذ حرص بشار الأسد على تخصيص المسيحيين بلفتات عديدة منذ مطلع عهده وصولاً إلى ما بعد بداية الثورة، حيث صارت هذه "اللفتات" أشد تركيزاً وتواتراً لتكشف غاية أساسية من غايات هذه السياسات. فداخلياً، هي تعزز شعور المسيحيين بأن لهم حظوتهم عند هذا النظام مما يجعلهم كأقلية في حلف مع أقلية أخرى ترتبط بالنظام الحاكم هي الطائفة العلوية. وخارجياً، هي تؤكد على ما دأب النظام على ترديده من كونه الحامي للأقليات والتعددية في قلب منطقة تسودها اضطرابات استُهدِف خلالها المسيحيون مراراً على يد متطرفين سنّة.

ويمكن للمراقب اليوم أن يكتشف بسهولة نسبية أن مسيحيي المدينة اتخذوا في غالبيتهم العظمى موقفاً مؤيداً للنظام منذ اندلاع الثورة سنة 2011. فكما سبق سرده، تعاني الكنيسة في الشرق بطوائفها المتعددة وخاصة في حلب من أزمة قديمة العهد هي هجرة أبنائها التي تستنزف هذه الكنيسة، وهي هجرة دافعها سوء فهم قديم ومتبادل وإن بدرجات مختلفة بين المسيحيين والمسلمين، ناتج عن فهم سلبي متجذّر للإسلام، وأزمة واضحة في الخطاب الإسلامي تجاه المسيحيين وغيرهم من الأقليات الدينية والطائفية.

إن الأحداث التي تلت اندلاع ثورة 2011 وتصاعد تطبيق النظام للحل العسكري والأمني، دفعت مجموعة كبيرة من المسيحيين إلى مغادرة المدينة إلى مناطق سورية أخرى أو إلى خارج البلاد. وخاصة بعد استهداف مسلحين معارضين مناطق مدنية منها مناطق ذات طابع مسيحي في المدينة بالقذائف، وتحوّل الانخراط في الخدمة العسكرية الإلزامية إلى ضرب من ضروب الانتحار، وخطف المطرانين الحلبيين بولس يازجي ويوحنا إبراهيم. بحيث بات من الممكن القول: إن نسبة المهاجرين من أعداد المسيحيين في المدينة هي الأعلى منذ زلزال 1822، وربما أكثر.

في الوقت عينه انخرط مسيحيون كثر في العمل الإغاثي ضمن شروط النظام، وهو النشاط الذي أجادوه نظراً لخبرات العمل الجماعي المنظم المتراكمة لديهم بفعل حركاتهم الكشفية وأخوياتهم، في حين كان مسلمو المدينة شبه محرومين بالكامل من منظمات شبيهة، على الأقل حتى بداية عهد بشار الأسد.

تصريحات مسيحية خلال الثورة

مع اندلاع الثورة السورية سنة 2011 كان موقف القيادات الروحية المسيحية مرتبكاً في البداية، وساد الصمت والمواقف الرمادية لفترة، حتى أن المطران أودو صرّح بأن المسيحيين ووجودهم ليسا مرتبطين بنظام محدد، وعُرف أن بطريرك الروم الكاثوليك غريغوريوس لحام فتح قنوات اتصال مع أجسام سياسية معارضة في فترة كانت معها كفة المعارضين تتفوق على كفة النظام.

ولكن – لا بمرور الوقت – اتخذت مواقف أغلب الأطراف شكلاً أكثر وضوحاً، ويمكن – على فترات مختلفة – رصد تصريحات للمطران أودو تُعتبر بالإجمال من الأكثر اعتدالاً، وهو ينتمي في الأصل إلى الرهبنة اليسوعية. منها على سبيل المثال:

  • إن غالبية السوريين ما زالوا يدعمون الرئيس بشار الأسدالذي يستحق الاحترام، وإن 80% من مسيحيي البلاد سيدعمون الأسد إذا أعيد انتخابه، والمسيحيون غير مضطهدين.
  • أدان في تصريح "الدعاية الغربية ضد الأسد" الذي لم يبرئه تماماً من المسؤولية، قبل أن يضيف أن "المجموعات المسلحة لا تحظى بدعم الشعب". وقال أيضاً: "على سوريا أن تستمر مع بشار الأسد أو بدونه".
  • إنّ مسيحيي حلب "يخشون أن يصيبهم ما أصاب مسيحيي الموصل".
  • "لا أعتقد أن المسيحيين مستهدفون في سوريا، هناك حالة من العنف والفوضى وبالتالي يتعرض المسيحيون للخطر، لكن يوجد أعداد هائلة من إخوتنا المسلمين من كل الأطياف تعرضت للحرمان والتهجير".
  • "المسألة السورية معقدة للغاية، لأننا كنا لمدة خمسين عاماً في ظل نظام عسكري متأثر بالإيديولوجية الاشتراكية السوفييتية"، والذي "يجد نفسه اليوم أمام تغير جذري"، لذلك "عليه أن يعرف أسلوب الحوار وليس من السهل القيام بذلك في الواقع"، وهذه "هي مشكلتنا اليوم إلى جانب التخلي عن العنف".

مواقف ومشاهدات مسيحية خلال الثورة

يمكن ملاحظة أن المسيحيين عدا الأرمن، لم ينخرطوا على نحو جماعي أو رسمي في ميليشيات تحت مُسمّى "الدفاع الوطني" وذلك بتوجيه من قادتهم الروحيين، مُفضّلين عدم حمل السلاح. وفي المقابل كانت للمسيحيين مواقف شديدة الوضوح في وقوفهم إلى جانب النظام ومعاداتهم للمواطنين الذين اتخذوا موقفاً معارضاً مسيحيين كانوا أم مسلمين، ظهرت من خلال المواقف الفردية عبر وسائل التواصل الاجتماعي مثلاً.

من العوامل المهمة والمؤثرة هنا أن أغلب مسيحيي المدينة هم من سكان شطرها الغربي الذي بقي تحت سيطرة النظام، بينما هجر السكان المسيحيون القلائل في الشطر الشرقي بيوتهم حال وقوعه تحت سيطرة المعارضة، وهؤلاء من أفقر مسيحيي المدينة وسكان أحياء شعبية "هامشية" بالنسبة لغالب مسيحيي حلب. لقد حافظ المسيحيون على وجودهم في غربي المدينة حيث تركّزهم شبه الكامل أصلاً، بجوار مواطنيهم المسلمين من أبناء الطبقات الوسطى فما فوق، وساعدت صورة الشطر الشرقي المترسخة في أذهانهم على أنه مؤلّف من مناطق "شعبية" هي في قسم أساسي منها عشوائيات يسكنها سنة المدينة وريفها المهاجر؛ على نمو شعور بعدم الاهتمام بمصيرها، إذ هي شبه مجهولة من قبل شريحة واسعة من المسيحيين، لا تربطهم بها علاقة معايشة عاطفية كما هي حال الشطر الغربي. هنا اقترن العامل الطبقي ببعديه المدني والمادي بالعامل الطائفي ليشكل حاملاً مهماً من حوامل موقف المسيحيين من سلوك النظام تجاه الشطر الشرقي لاحقاً. ولا يمكن هنا إغفال الدور شديد السلبية للقصف المتكرر الذي لا يمكن تبريره من حلب الشرقية على حلب الغربية على يد فصائل مسلحة معارضة، طال على نحو أساسي مدنيي المدينة بمسلميها ومسيحييها.

بعد "تحرير" حلب الشرقية من قبل جيش النظام والميلشيات المرافقة، رفع تاجر مسيحي معروف في ساحة منطقة العزيزية في حلب، المكان الذي له رمزيته كقلب المنطقة المسيحية؛ ثلاث صور عملاقة، واحدة لبشار الأسد وأخرى لفلاديمير بوتين وثالثة لحسن نصر الله، مع كلمات شكر لهم على دورهم في تحرير المدينة، الأمر الذي لم يكن كافياً، إذ أضيفت بعد أيام صورة لعلي خامنئي المرشد الأعلى للثورة الإيرانية، فكانت الصورة الإجمالية تبدو من بعيد وكأن مسيحيي المدينة ذات الأغلبية السنية، يحتفلون بتهجير القسم الشرقي من المدينة من سكانه المسلمين بعد قصفه بوحشية لشهور طويلة، رافعين صوراً لرئيس علوي، ورئيس مسيحي، وشيخين شيعيين، أولهما قائد حزب وميليشيا، والثاني هو الولي الفقيه للجمهورية الإسلامية الإيرانية.

لاحقاً، وخلال زيارة بطريرك السريان الكاثوليك للمدينة، ظهرت صور للبطريرك وللمطران والتاجر عينه برفقة ضابط أمني مسيحي رفيع في مخابرات القوى الجوية بلباسه العسكري، عُرف بوحشيته في تعذيب المعتقلين المعارضين، ومن بينهم مسيحيون.

طُرحت أفكار لبناء دور للعجزة ومراكز إيواء المسنين، إذ اعتُبرت حاجة ماسة مع الأوضاع الطارئة، الأمر الذي له دلالته العميقة بشأن مستقبل المسيحية في المدينة، ورغم التصريحات عن عودة المسيحيين إلى المدينة بعد استكمال النظام السيطرة على شرقها؛ فإن شهادات السكان لا تبدو مطابقة تماماً لهذه التصريحات التي من المبكر الحكم على مصداقيتها.

خلاصة

إن موقف المسيحيين الحلبيين من الثورة السورية في غالبه موقف مؤسف، مناقض للروحانية المسيحية الحقّة، مثلما عُرفت في الإنجيل وفي محطات تاريخية عديدة. هذا الموقف قد يستدل به على حال الاحتضار التي يعيشها الوجود المسيحي في هذا الشرق، وخاصة في مدينة شكّلت موقعاً محورياً في تاريخ مسيحيي المنطقة، إذ يشعر المراقب أن المسيحيين سيتحولون كما أقرانهم في إيران إلى "موجودات متاحف". نعم، هم موجودين، لكن لا تسأل عن عددهم وفاعليتهم.

إن حال المسيحيين الذين لم يحسنوا شعباً وقيادات روحية التموضع مسيحياً وبراغماتياً تجاه الأحداث التي هبت في بلدهم، الذي ساهموا هم أنفسهم بدور رئيسي في صنعه؛ هي حال بائسة بالتأكيد، رغم التشدق بالنصر وبعودة حلب. دون إهمال الدور الأساسي بالغ الأهمية لصعود التطرّف الديني وانفلات العمل المسلح في الطرف المعارض؛ الأمر الذي أنعش ذاكرة المسيحيين المُثقلة، والتي تم استعراض أهم محطاتها آنفاً.

إن عودة الأمان النسبي للمدينة لا يعني عدم تأثّر سكانها بانفلات الشبيحة وميليشيات النظام، إذ صارت تعدياتهم على السكان والأملاك خبراً يومياً. رغم ذلك، قد يضطر جزء من هؤلاء الذين ما زالوا في مدن الساحل أو قرى وادي النصارى أو لبنان إلى العودة إلى مدينتهم رغم الصعوبات إذ لهم فيها منازل تأويهم، وبقية باقية من مجتمع يعرفهم ويعرفونه.

من الجسارة القول إن ما خرب في علاقة المسيحيين بقسم من مواطنيهم، وفي مقاربتهم لعلاقتهم بمدينتهم والأحداث التي تمسها، قد صار غير قابل للإصلاح، وربما يشفع لهم دور لعبوه بمهارة هو إغاثة المتضررين من الاشتباكات التي حصلت، لكن التعويل هو على ما يفتقده هذا المجتمع، أي القادة، وهم -في حال المسيحيين اليوم، وبغياب بديل أفضل- القادة الروحيون أنفسهم، أي المطارنة.

إن القيام بخطوات محبة حقيقية، إنسانية وصادقة، بعيدة عن التحيز السياسي والتمييز الطبقي، أقوال وأفعال، داخلية بتنشئة جيل مسيحي صحيح النظرة إلى الآخر، وخارجية ترمم العلاقة معه؛ من شأنها أن تنجح في تأسيس أرضية يُبنى عليها. لكن، هذا كله غير قابل للنجاح في حال استمرار حكم هذا النظام، وللأسف، يبدو أن علاقة المسيحيين، أو قياداتهم بالنظام محكومة بنمط واحد غير قابل لتبديل أو تغيير.

Footnotes   [ + ]

1. هنري غورو: جنرال فرنسي، عُين مندوباً سامياً لسوريا ولبنان 1919-1923.
2. إبراهيم هنانو: سياسي سوري، أحد قادة الثورة السورية ضد الفرنسيين بعد معركة ميسلون.
3. حزب سياسي سوري كان له دور أساسي في مجابهة الانتداب الفرنسي على سوريا، فاز مرتين بأغلبية مقاعد البرلمان. ضم شخصيات وطنية كثيرة، وعرف انشقاقات وانقسامات أدّت إلى انشطاره إلى حزبين أساسيين: الحزب الوطني وحزب الشعب.
4. في 9 كانون الأول/ديسمبر 1974 أعلنت المحكمة الإدارية السورية العليا إبطال قرار مصادرة المدارس الكاثوليكية وإغلاقها.
5.  هو المسؤول عن عمل منظمة كاريتاس الكاثوليكية الخيرية في سوريا، ومطران الكنيسة الكلدانية في حلب.