محاربة الارهاب دون المس بالحقوق: تحدٍ جديد أمام التونسيين

ضرب الارهاب مجددا قطاع السياحة التونسية على شواطئ مدينة سوسة بعد اقل من ثلاثة اشهر على عملية متحف باردو. و قد جرت اول محاولة إرهابية لضرب اهداف سياحية في هذه المنطقة، بعد الثورة، في اكتوبر/تشرين الأول 2013، حين حاول شاب في العشرينات من العمر تفجير احد الفنادق ثم اضطر الى تفجير نفسه على الشاطئ حين تنبّه له رجال الامن.

© ويكبيديا

لقد شعر التونسيون ان الارهاب قد ضرب اهم القطاعات الاقتصادية رغم أنه يشغل اقل نسبة من القطاعات الاخرى. ولعل اختيار التنظيمات الارهابية السياحة كهدف يعود الى انها من القطاعات الحيوية بالنسبة للتونسيين عامة والمشتغلين في القطاع خاصة. وقد شكل منذ سنوات طويلة القطاع الحيوي الاساسي الذي يقوم عليه الاقتصاد كمصدر هام للعملة الصعبة على الرغم من هشاشته وسهولة تعرضه للمخاطر وتحكّم عدة متغيرات فيه. إضافة الى ان المواقع السياحية تبقى اهدافا سهلة المنال رغم كل الترتيبات الامنية.

لقد اصبح من الضروري اليوم اعادة النظر في ترتيب الأولويات الاقتصادية. وهذا يُحتّم  الالتفات الى القطاعات الاخرى، كالقطاع الزراعي والصناعات الغذائية المرتبطة به. كما النظر الى العمل كقيمة في حد ذاتها وليس كطريقة لكسب العيش فحسب. إن النمو الاقتصادي والخروج من الازمة لا يُساعده اغراق الدولة بالمطلبية الاجتماعية وانتظار الحكومة لتوفير مواطن شغل. فلقد دأبت الحكومات منذ 2011 على خلق مواطن شغل جديدة بحيث اغرقت الوظيفة العمومية وخلقت ازمات جديدة على مستوى الادارة.

من المهام الملحّة الآن إذاً، وضع الاصلاح الاقتصادي على قائمة الاوليات نظرا الى ارتباطه الوثيق بمسالة الارهاب. فهناك مثلاً الترابط بين الاقتصاد الموازي وشبكات التهريب من جهة، والشبكات الارهابية من جهة اخرى. لقد تعاونت الشبكتان سواء عبر "توبة" كبار المهربين وانتمائه لجماعات دينية متشددة او عبر التعاون بينهما. كما ان مسألة تنمية الجهات الداخلية لخلق فرص للاستثمار والتشغيل اصبحت اكثر الحاحا اليوم.

وبعيدا عن الجدل حول انتشار ظاهرة الارهاب وتبادل الاتهامات حول مصدره ودعمه، هل المعادلة بين مقاومة الارهاب من جهة واحترام حقوق الانسان والحريات الفردية والعامة المكفولة بالدستور من جهة أخرى هي صعبة للغاية كما يؤكد عدد من السياسيين والناشطين؟

 لقد كانت هذه المعادلة من بين النقاط الاساسية التي اثيرت عند مناقشة مشروع قانون الإرهاب، الذي ورثه مجلس نواب الشعب عن المجلس الوطني التأسيسي، من جهة، والقوانين المتعلقة بالقطاع الامني من جهة اخرى. وكثيرا ما انتقدت بعض المنظمات الحقوقية، كجمعية "حرية والانصاف"، هذا التوجّه معتبرة ان مقاومة الارهاب من شانها ان تكون حجة تتخذها الحكومة الحالية بقيادة نداء تونس المتحالفة مع حركة النهضة في عودة الاستبداد.

وبانتظار اصدار القانون الذي تأخر، أقرّ مجلس الأمن القومي عدة اجراءات لمجابهة الوضع الراهن. وهي تنقسم الى اجراءات ذات طابع امني/عسكري، واخرى ذات طابع قانوني/سياسي. فعلى المستوى الامني، تمت دعوة جيش الاحتياط لدعم التواجد الامني في المناطق الحساسة. و قد قررت الحكومة ايضا "تكثيف الحملات و المداهمات لتتبع العناصر المشبوهة والنائمة (...) في اطار احترام القانون". ولعل اعلان حالة الطوارئ بمقتضى القانون رقم 50 لسنة 1978 يدفعنا للتساؤل عن مدى التزام السلطة باحترام القانون في تنفيذها لهذه القرارات. كيف يمكن لقانون اتخذ في ظروف خاصة (احداث جانفي/كانون الثاني 1978)، وفي ظل حكم استبدادي، ان يطبق في ظل نظام يحاول توطيد مساره الديمقراطي. وإن كان لإعلان حالة الطوارئ ما يبرره عمليا كما ورد في فصله الأول بسبب "حالة خطر داهم ناتج عن نيل خطير من النظام العام (...)"، فلقد أعطى الصلاحية لوزير الداخلية وللولاة في فصله السابع "بالغلق المؤقت لقاعات العروض ومحلات بيع المشروبات واماكن الاجتماعات مهما كان نوعها". كما سمح لهم في فصله الثامن "باتخاذ اجراءات لضمان مراقبة الصحافة وكل انواع المنشورات وكذلك البث الاذاعي والعروض السينمائية والمسرحية". وفي فصله الرابع يُخوّل "منع كل اضراب او صد عن العمل ولو تقرر قبل الاعلان عن حالة الطوارئ". كلها عناصر تمسّ بحقوق الانسان وبالحريات العامة.

إنه مبعثٌ على القلق لدى فئة واسعة من الشعب ومنظمات المجتمع المدني حارس المكتسبات في مجال الحريات. وقد حاول رئيس الجمهورية طمأنة المخاوف في خطابه الذي أعلن فيه حالة الطوارئ حيث ذكر صراحة انه لا يمكن الرجوع عن حرية الصحافة وحرية التعبير. لكنه طالب العاملين في قطاع الاعلام مراعاة الظرفية الحساسة التي تمر به البلاد. كما تحدث عن الاضرابات والاعتصامات التي كبدت البلاد خسائر اقتصادية كبيرة.

اما فيما يتعلق بالقرارات السياسية والقانونية التي اعلنت عنها الحكومة ابان عملية سوسة، فهي تخص الاحزاب و الجمعيات الدينية التي لا تتقيد بالقانون. ويبدو ان هذه الاجراءات ستطال بدرجة اولى "حزب التحرير" الذي رفع رايات الخلافة في مؤتمره الأخير. علما ان هذا الحزب ندّد بالعملية الارهابية معتبرا انها تدخل في اطار "مؤامرة غربية". اما عن الجمعيات، فان عدد كبير منها متهم بتمويل الارهاب. لذلك، ارتأت الحكومة ضرورة تنقيح النص القانوني المتعلق بتنظيم الجمعيات وخاصة فيما يتعلق بتمويلها.

وقد تم إقرار غلق كل المساجد الخارجة عن سيطرة وزارة الشؤون الدينية، مما أثار موجة من الانتقادات باسم "حرية اقامة الشعائر الدينية". فمحاربة الارهاب لا تكمن فقط على مستوى الاماكن التي يتحصن بها الارهابيون، بل ايضا في دور العبادة التي تبث خطاب تكفيري وعنفي. وفي كل مرة كانت الدولة تحاول بسط سيطرتها على هذه المساجد وعزل الأئمة الخارجين عن القانون، كانت تتعالى احتجاجات بعض الاحزاب الاسلامية والجمعيات الدينية.

إن الارهابي الذي نفذ العملية شابٌ متحدّرٌ من احدى القرى الداخلية وهو خرّيج احد المعاهد في القيروان. فالتفكير إذاً في مشاكل الشباب لا يرتبط فقط بمستوى التشغيل. صحيح ان الارهاب يتصل بشكل مباشر ومعلن بالمسألة الدينية لكن له ايضا اصول اجتماعية وتعليمية وثقافية. فالثقافة تعاني من التهميش. وتفتقر اغلب المناطق الى دور للثقافة الفاعلة. ولا يُعد توفير هذه الاماكن للشباب من باب الترف لأنهم بحاجة الى قنوات يفجرون فيها طاقاتهم الابداعية ويتعلمون فيها الانفتاح على الذات وعلى الآخر. إن مقاومة الارهاب تتطلب حتما اصلاح المؤسسات الدينية وترشيد الخطاب الديني. لكن يجب ايضا اصلاح التعليم حتى يخلق شبابا فاعلا ذو حس نقدي. كما يتطلب ايضا دعم النشاط الثقافي في كل ربوع البلاد.

المعالجة الأمنية الآنية يجب ان تتم في اطار القانون. فلا يجب اتخاذ مقاومة الارهاب كحجة للمسّ بالحريات العامة وانتهاك حقوق الانسان. في المقابل، لا يجب ان تكون هذه الحقوق و الحريات وسيلة للدفاع عن الارهاب والارهابيين.