لبنان الطائف بحاجة إلى الإصلاح

في الخامس من تشرين الثاني / نوفمبر 1989 تم التوقيع في مدينة الطائف على "وثيقة الوفاق الوطني" بهدف وضع حد لخمسة عشر عاماً من الحرب الأهلية في لبنان.
ولقد صدّق النواب المنتخبون سنة 1972 على هذا النص الذي أخذ قوة القانون الدستوري سنة 1990 من حيث أنه وضع كمقدمة للدستور ومن حيث أنه يحمل في طياته تعديلات على نص هذا الدستور. وبالتالي، فقد ولدت الجمهورية الثانية في لبنان ومعها ورشة إعادة الإعمار وإصلاح النظام السياسي. ولكن "نظام الطائف" الذي انبثق عن شهادة الميلاد هذه، تبين أنه ضعيف التوجه نحو الإصلاح وحتى يمكن القول بأنه معادٍ للإصلاح وعلى مستويات عدة.
فبعد مرور عشرون عاماً على النهاية الرسمية للحرب الأهلية، فإن أشكال خيبة الأمل وفيرة حول قابلية النظام السياسي اللبناني للتحول فعلياً نحو تأسيس قواعد السلم الأهلي، مدعوم من ميثاق اجتماعي وسياسي، ومن اتفاق العرّابين الخارجيين للبنان.

قليلة هي العناصر التي تسمح بالرهان على أن البلاد، وأخيراً، تحقق الشروط اللازمة للانخراط في مسار فرض الاستقرار وإحلال السلم. فلقد تعززت أعمال العنف بعد التمديد لولاية رئيس الجمهورية إميل لحود المدعوم من النظام السوري في أيلول / سبتمبر 2004، وبعد تبني القرار 1559 من قبل الأمم المتحدة بناءً على اقتراح فرنسي ـ أميركي والذي استهدف بشكل أساسي نزع سلاح حزب الله، وكذلك بعد اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري في شباط / فبراير 2005 مفتتحاً سلسلة من الاغتيالات السياسية التي لم يتم الكشف عن مرتكبيها. لقد شكل انسحاب القوات السورية في أيار / مايو 2005 بارقة أمل قصيرة الأمد تلتها انقسامات عميقة في المشهد السياسي. وقد تفاقم الاستقطاب في المشهد السياسي اللبناني بين قوى 8 آذار / مارس وقوى 14 آذار / مارس وتمت تغذية ذلك بالخصومات الإقليمية والدولية التي تجد في لبنان أرضاً ملائمة لمواجهاتها. وتمثّل ذلك في الحرب بين حزب الله وإسرائيل في تموز / يوليو وآب / أغسطس 2006 ومن ثم في المصادمات المسلحة في أيار / مايو 2009 في عديد من أحياء بيروت ومناطق أخرى والتي تواجه خلالها أساساً حزب الله وأمل من جهة وتيار المستقبل والحزب التقدمي الاشتراكي من جهة أخرى.

اتفاق الدوحة في 21 أيار / مايو 2008 أوقف الصدامات مؤقتاً على الأقل. وقد سمح بتجاوز مؤقت أيضاً للجمود الذي يشلّ الحياة السياسية اللبنانية منذ عدة أشهر: خصوصاً فيما يتعلق باستحالة انتخاب رئيس جديد للجمهورية (ماروني دائماً) منذ تشرين الثاني / نوفمبر 2007 وحتى أيار / مايو 2008، وباستبدال الوزراء الشيعة المستقيلين من الحكومة منذ تشرين الثاني / نوفمبر 2006 وحتى حزيران / يونيو 2008. وبعد عام من هذا التاريخ، تم تقديم الانتخابات التشريعية في 7 حزيران / يونيو 2009 من قبل موقعي اتفاق الدوحة، كنتيجة لهدنة مؤقتة أو كأنها المشهد الأول من إعادة صياغة ميثاق وطني بين أطراف المشهد السياسي المستقطب والمهيأ للانتقال إلى استخدام العنف. وقد شاركت فيها جميع القوى السياسية التي اتفقت على دفتر الشروط في الدوحة بحيث لا يشكل أي تهديد لمصالحها، وانتهت إلى نتيجة قبلت بها الأطراف جميعها. حيث فاز تحالف 14 آذار / مارس مقابل تحالف 8 آذار / مارس. وكان من الممكن لهذه الانتخابات أن تساهم في إتاحة إمكانية إصلاح النظام السياسي.

ومع ذلك، فقد أججت ظروف التحضير لها مصادر التوتر على المدى المتوسط والطويل. وبعيداً عن مناخ التهدئة، فقد سرّع اقتراب موعد الانتخابات من المزايدات الكلامية ومن اتخاذ المواقف المتشددة. وقد ترافق استخدام المال الذي كان من الصعب مراقبته على الرغم من التشريعات الجديدة ومن تشكيل هيئة للإشراف على الحملة الانتخابية ، مع مواضيع عنيفة للحملة، مما أنعش الحرب والنزاعات مع ما تحمله من شهداء ومن ضحايا ومن كراهية ورغبة في الانتقام. لقد أعاد التصويت إنتاج الصراعات وقوّض جزئياً من الحظوظ الضئيلة لتحوّل النظام السياسي، وذلك من خلال تدعيم البعد الطائفي للاقتراع، ومن خلال إضفاء اللاشرعية، بشكل مفترض أولياً، على المنتخبين القادمين إلى البرلمان ومن خلال التشدد في الخطابات المتعلقة بالمواقف غير القابلة للتوافق.

في هذا السياق، مسائل السياسة المرتبطة باللعبة السياسية المحلية والدولية تطغى على مسائل السياسات المرتبطة بالسياسات العامة وبالإصلاح. وكانت برامج كل من الفرقاء غير محددة وغير متميزة فالمنافسة لا تجري على هذا المستوى. ولم يعطي المرشحون والزعماء السياسيون أثناء الحملة أية أهمية للمسائل الاقتصادية والاجتماعية (في حين أن برامج الأحزاب حملت القليل منها)، في الوقت الذي تعرف خلاله البلاد أزمة اقتصادية كبرى. ولقد اتهمت أحزاب 8 آذار / مارس الأكثرية الحالية باعتبارها مسؤولة عن المديونية الاستثنائية للبلاد (فلبنان يحوذ على الرقم القياسي المؤلم في أعلى نسبة مديونية قياساً إلى الدخل القومي الإجمالي في العالم منذ عدة سنوات، حيث قارب 200 في المئة سنة 2006). "بيروت ليست للبيع" نادت بعض اللافتات لهذا الفريق والتي علّقت في شوارع العاصمة. وقد أدان هذا الفريق السياسي أيضاً الإدارة أحادية الجانب للأعمال من قبل خصومهم ورفضهم تقاسم السلطة والمسؤوليات، وسياستهم الاقتصادية والاجتماعية شديدة الليبرالية، وأخيراً، تشجيع تطوير مركز المدينة في بيروت والاستثمارات غير المنتجة.

أما فريق 14 آذار / مارس، فلقد رفع شعار "الازدهار أولاً"، وحذّر من الثمن المرتفع الذي يشكله فوزٌ محتمل لخصومه، ومن خطر الركود الاقتصادي وهروب الاستثمارات الأجنبية الهامة جداً بالنسبة لاقتصاد البلاد. ولكن لم يجري أي نقاش حول التوجهات النيوليبرالية للاقتصاد السياسي في البلاد أو حول نظامه المالي وإدارة الدين ونظام الحماية الاجتماعية الذي يعاني من عجز كبير. وللحفاظ على تحالفاتهم الهشة وغير المنسجمة والتوافق على أقل ما يمكن من النقاط المشتركة، تخلت مختلف التشكيلات السياسية عن المحاور الأساسية للبرامج التي كان يمكن لها أن تتقدم بها في السابق. تواجه المعسكران حول مواضيع سياسية عامة مدعومين سياسياً ومالياً من داعميهم الخارجيين، من أبرزها:
- مكان لبنان على الخريطة الإقليمية والدولية. وفي هذا الإطار تتواجه رؤيتان، رؤية فريق 8 آذار / مارس، المدعومة من قبل الجاران القويان سوريا وإيران، والتي ترفض تطبيع العلاقات مع إسرائيل في غياب تحقيق السلام العادل والمتوازن في المنطقة. ويرى هذا الفريق في "المقاومة" التي يقوم بها حزب الله في جنوب لبنان منذ ثلاثة عقود الوسيلة الأساسية لخوض هذه المعركة. وتقابلها رؤية فريق 14 آذار / مارس والتي بالتفاهم مع "المعسكر الغربي" والعربية السعودية، تريد إخراج لبنان من خط المواجهة المباشرة والمفتوحة مع إسرائيل، وتحييده عن الصراع كما هي حال البلدان المسماة ب"المعتدلة"، مثل مصر والأردن. يضاف إلى ذلك، الصراع الكامن بين القوى الدولية من خلال حلفاءها اللبنانيين، وخصوصاً المواجهة بين أميركا ومشروعها للشرق الأوسط الكبير مع إيران وسوريا والدور الذي تريدان أن تلعباه في هذه المنطقة.

- مسألة السيادة الوطنية: نتيجةً أو سبباً لاختلافاتهم الإقليمية، ينقسم الطرفان أيضاً حول دور "المقاومة" التي يتبناها حزب الله والدور الذي تلعبه في هذا السياق القوات المسلحة النظامية للدولة اللبنانية. ممثلو 8 آذار / مارس، وخصوصاً حزب الله، يصرّون على حرمة قضية "المقاومة"، والتي يلحقون بها التعاون مع الجيش اللبناني. أما فريق 14 آذار / مارس، فهم ينادون بنزع سلاح حزب الله وإدماج قواته المسلحة في الجيش اللبناني. ومسجلين بالتالي هذه المطالبة في مسار حلّ جميع الميليشيات في سبيل تدعيم الدولة وسيادتها.

- وأخيراً، يتواجه الفريقان حول أشكال اقتسام السلطة في ظل النظام "التوافقي اللبناني": الشعارات الانتخابية للتيار الوطني الحر تعلن عن قدوم "الجمهورية الثالثة". وبعيداً عن إعادة صياغة المؤسسات، غير قابلة للتحقق في المدى القصير بسبب هشاشة التحالفات، فالسؤال المطروح ليس جديداً. فهو يتعلق بمختلف أشكال تصور حياة المؤسسات السياسية في لبنان. فالمجلس الدستوري، والذي كان غائباً عن انتخابات 2005 التشريعية بعد إقالة أعضاءه بسبب انعدام الاتفاق على تجديد ولاية البعض منهم، لم يعاد تشكيله إلا في أيار / مايو 2009، أي قبل الانتخابات بعدة أسابيع. وعلى كل حال، فقد تم حرمانه منذ تأسيسه من ميزة الاجتهاد والتفسير في الدستور. ومن دون محكّم، تدافع الأطراف المختلفة عن مواقف مختلفة حول آليات الحكم وتقاسم السلطة وطبيعة وتركيب الحكومة المقبلة : باسم مبدأ "العيش المشترك" الوارد في الميثاق الوطني سنة 1943 وفي دستور الطائف سنة 1989 والذي يستند إليه الطرفان كمرجع أساسي، يحدد الدستور اللبناني 14 مسألة أساسية تحتاج لغالبية الثلثين في مجلس الوزراء لكي يتم تبنيها. وعكس مبدأ ديمقراطية الأغلبية، يساعد مبدأ الفيتو هذا في التخلص من خطر أن يجري تهميش فريق سياسي أقلوي وأن يجري إقصاؤه من عملية اتخاذ القرار، وذلك في حين أن المجتمع السياسي اللبناني، كما بقية البلاد، مقسّم حول خلافات سياسية ـ طائفية. وحول هذه المسألة بالذات، اشتد التوتر بين الفريقين في 2006، وبرز قطبان سياسيان جرت تسميتهما بشكل تدريجي "الأكثرية" و "المعارضة". ولقد خابت الآمال المعقودة على الانتخابات التشريعية في 2009 والتي كان الكثيرون ينتظرون منها أن تخرج بتحديد أكثرية تكون شرعيتها غير قابلة للاعتراض. وبعيداً عن تصوّر تغيير مؤسساتي، تفاوضت الأطراف المتخاصمة من جديد بقسوة حول تشكيل حكومة وحدة وطنية، معيدة بشكل شبه متطابق الوضع السابق.

إذاً يبدو الإصلاح في لبنان معطلاً. وهناك بالتأكيد قيود شديدة تفرض نفسها على صانعي القرار السياسي وعلى العملية السياسية وعلى سياسة إدارة المشاكل المشتركة، وعلى اللعبة السياسية بحد ذاتها. فمن جهة، كان للوصاية السورية حتى عام 2005 تأثير مباشر على الجدل السياسي القائم، محددة بشكل واسع ليس فقط هوامش المناورة للمسؤولين السياسيين ولكن أيضاً نطاقات الشرعي وغير الشرعي، وميادين ما هو ممكن. ومن جهة أخرى، لم يحصل تجديد في المشهد الحزبي وزعاماته، وهو وريث للمشهد الميليشاوي في الحرب، مع بعض الاستثناءات كدخول رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري إلى المشهد السياسي والذي فتح الطريق أمام رجال أعمال آخرين، وتم إقصاء زعيمين سياسيين مسيحيين حتى 2005 هما رئيس الوزراء بالوكالة السابق وقائد الجيش ميشال عون، وقائد القوات اللبنانية سمير جعجع.

بالمقابل، فإن سياق الخروج المتواصل من الحرب، كان له أن يتيح فرصاً هامة للإصلاح. وهذه الدراسة تطرح مواجهة هذا التناقض : لماذا أجهضت جميع محاولات الإصلاح في سياق يدعو مبدئياً للإصلاح ؟ وسنراجع أولاً المشروع الإصلاحي الذي حملته اتفاقية الطائف، والخطابات والنقاشات العديدة حول التحولات التي يجب تبنيها في المجتمع لتحديثه ولكن أيضاً لتلافي طيف نزاع أهلي جديد. من ثم، وعلى العكس من ذلك، سنوضح غياب إجراءات وسياسيات إصلاحية محسوسة إبان العقدين الأخيرين. مما سيقودنا في النهاية إلى التفكير بشروط الإصلاح في السياق اللبناني حيث تمارس العملية السياسية من خلال إدارة الأزمات المزمنة والمستوطنة أكثر منها من خلال إدارة عملية الإصلاح .