في البحث عن جيش عراقي

epa04695923 A handout picture released by the Iraqi prime minister's office shows Iraqi Prime Minister Haider al-Abadi (L) delivering wepaon to a Sunni volunteer at Habbaniyah base in eastern Ramadi city, west of Iraq, 08 April 2015. Al-Abadi arrived in Ramadi city and met with local officials and announced that the next battle will be in Anbar province. Media reports state that the prime minister visited the Habbaniyah base to see the preparations for the Liberation of the province from the control of Islamic state militia (IS) and distributed weapons to Sunni volunteers who will participate in the liberation of Anbar province from the control of Islamic state fighters. EPA/IRAQI PRIME MINISTER OFFICE / HANDOUT HANDOUT EDITORIAL USE ONLY © الوكالة الأوروبية للصور الصحفية

وسط صيف عراقي خانق، وافق رئيس الوزراء حيدر العبادي على سلسلة من الإجراءات التأديبية بحق عدد من القادة العسكريين الذين تخلوا عن مواقعهم وسمحوا لمقاتلي "الدولة الإسلامية" (داعش) بالسيطرة على مدينة الرمادي. وفي مناخ القتال المُركّز وتزايد ديناميات الصراع المعقدة وتنامي القلق الملموس في الأوساط الغربية حول أي الاستراتيجيات التي ينبغي اتباعها، جاء هذا القرار ليُذكّر بعدم كفاءة الجيش العراقي، الأمر الذي ما زال يسبب القلق بعد مرور أكثر من سنة على بدء العلميات العدوانية الجهادية.

وبينما كان انهيار الرمادي هو التطوّر الأكثر الأهمية، فقد صحبته موجة احتجاجات شعبية تتهم الحكومة المركزية بالفشل في حماية المدنيين وغيرها من المظالم. وتصاعدت أيضاً حدَّة الجدل القديم القائم حول إهمال الجيش. في الواقع، فإنّ فرار القوات النظامية، إلى جانب السخط من تجاوزاتها العلنية واتجاهها نحو التسييس والطائفية والقمع والفساد، قد سهَّل الاجتياح الوحشي والصادم للدولة الإسلامية. لقد خضعت قدرة السلطات العراقية على مكافحة هذا التهديد الوجودي للمساءلة، واختير رئيس الوزراء السابق نوري المالكي دون غيره ليُحاسب علانيةً على دوره التخريبي خلال السنوات الثماني التي قضاها في منصبه.

فعندما احتاج العراقيون جيشهم، وجدوه منهكاً غير قادر على الوفاء بالتزاماته. لقد تلقى أفراده، طوال عقد من الزمن، السلاح والتدريب من الولايات المتحدة التي لا يزال مستشاروها ومشرفوها العسكريون يقدمون الدعم والمساعدة الكبيرين.  وفي ظل استياء كبير من الشركاء العراقيين، أكد وزير الدفاع الأميركي اشتون كارتر في أيار/مايو 2015 أن الجنود العراقيين لم يبدوا أيّة إرادة حقيقية لمحاربة العدو في الرمادي أو في باقي المناطق. أتت هذه الملاحظة جريئة سياسياً، ودقيقة، واعترافاً لافتاً يصدر عن مسؤول أمريكي رفيع المستوى بعد اثنتي عشرة سنة من سقوط نظام صدام حسين.

وبوضع هذه الأحداث في سياقها التاريخي، يبدو جلياً بما لا يقبل الشك أن قرار إدارة بوش حلَّ الجيش العراقي عام 2003 ساهم بشكل كبير في هذه الحالة من التدهور الكبير، والتي ستستمر على الأرجح. فرسمياً، يمتلك العراق  ما يقارب 271.500 ألف فرد من القوات المسلحة المؤهلة، موزعين بين الجيش النظامي والأمن، والوحدات الخاصة. بيد أنهم أظهروا، في مواجهة التحديات التي فرضها هجوم الدولة الإسلامية، قصوراً كبيراً في المعدات والتدريب والقيادة، وحتى في أدنى قدر من التخصص اللوجستي المطلوب لخوض المعارك وضمان سلاسة تنسيق العمليات. والأسوأ من ذلك، فقد أصبحت القوات العراقية تفتقر الطاقة بعد أشهر من انتكاساتها في مواجهة منظمة إرهابية تمتلك العزيمة والحرفية والانضباط.

لقد دفع الإنهاك كلاً من جهازي الجيش والأمن العراقيين إلى طلب الدعم من فئات مقاتلة ليست ذات صفة رسمية –  أبرزها البشمركة الكردية والميليشيات الشيعية، وبدرجة أقل، بعض القبائل. ولكنّ هذه المجموعات تستطيع حشد موارد محدودة فقط، غالباً ما تأتي من داعمين خارجيين (إيران والسعودية وتركيا وقطر)، لهم مصالحهم المباشرة ودورهم في الصراع. وقد طالب البعض، كالقبائل السُّنِّية، بالتسليح والدعم الجوي وهو ما تجاهلته كل من بغداد والتحالف المضاد لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش). وزادت حدّة الانقسامات الداخلية العميقة بين الجيش ووحدات الأمن الحكومية الخاصة من حيث أساليب العمل، مما أثر على أدائها، على عكس الوحدة النسبية بين أفراد البشمركة والميليشيات. وساد التخوين المتبادل بين صفوف الجيش، وطغت عليه الصبغة الطائفية والارتباط بالولاءات الحزبية المتصارعة.

 عندما تولى حيدر العبادي مقاليد الحكم في أواخر 2014، تعهد بإصلاح كبير للجيش. وكرر تعهده في آب/أغسطس 2015 بإطلاق حملة سعت لأن تكون حاسمةً في المعركة ضد الدولة الإسلامية. لقد تلقى رئيس الوزراء العراقي دعماً جديّاً من الولايات المتحدة، التي يهمها إعادة بناء الجيش الوطني واحتواء الفوضى. وعلى نفس الدرجة من الحزم حظي أيضاً بمساندة آية الله علي السيستاني، مما شكّل ضماناً للشرعية والسلطة. إنّ حالات التضامن هذه تعتبر حاسمةً، حيث يحتاج العبادي أكثر من أي وقت مضى، لأن يكون محاطاً بقوات موالية وهرمية قيادية مستقلة وقوية. فقد أصبح التحسن السريع في الوضع الأمني ضرورةً، حيث أنّ ثورةً شعبية قادمة لا محالة. فالناس يطالبون بإنهاء الفساد والامتيازات السياسية، ونظام المحسوبية والطائفية التي ورثته الحكومة عن عهد المالكي. وفي حين يعارض العديد من الفاعلين على المشهد العراقي التغيير، بدءاً من قادة الميليشيات التي يرغب العبادي بدمجها في الحرس الوطني تحت سيطرة الحكومة، ينبغي على الجيش العراقي أن يستعيد دوره ويكون في خدمة المصالحة طويلة المدى. وفي هذا الصدد، فهو يستفيد من الانتعاش الوطني والتحرك الشعبي.

أما الآن، ورغم استعادة الجيش بعض التنظيم الداخلي وتسريح عدد من الرتب العليا، فثمّة نقص كبير في عدد الضباط والجنود الذين غادر بعضهم البلاد خيبةً بعد فشل بغداد في إعادة تمكينهم وتأهيلهم. ومع نقصٍ في التسليح والموارد، فشلت العديد من المناطق، بما في ذلك المناطق "المحررة" التي تُرك سكانها للدفاع عن أنفسهم، في بذل الجهود اللازمة لاستعادة الأمن وحماية السكان، واضطرت أعداد كبيرة من المواطنين إلى النزوح الجماعي. والمرجّح، في ظل غياب خطة ثابتة وعدم إعادة تحديد الاستراتيجية، أن تستمر قوات الجيش والأمن بتقديم مقاومة هزيلة مقارنة بالجهاديين المدججين بالسلاح والمدربين تدريباً عالياً، والذين يخوضون حرب استنزاف تستعصي على التكتيكات التقليدية. إنّ تأثير قدرة الجيش على إعادة لم شتاته –أو عدمها – سيكون له تأثير جوهري يتجاوز المستوى العسكري، كما سيؤثر أيضاً على نجاة العراق أو هلاكه داخل حدوده المعترف بها.