مقدمة
يواجه لبنان حاليًا أزمات متداخلة: انهيار مالي غير معالج، وموجات هجرة كبيرة، وتعثّر إعادة الإعمار بعد الحرب، وسيادة متنازع عليها. يبدو الحاضر قاتماً، تهيمن عليه انقسامات غير مُنتجة على أسس طائفية وخطوط ائتلافات خارجية - ما يسميه علماء السياسة بـ"الانقسامات العمودية". في مثل هذا السياق، يجدر التوقف عند لحظةٍ تقدّم فيها مطلب توزيعي يتمثّل في "فرض ضرائب على الريع" إلى صدارة المشهد، مبرزًا انقسامًا أفقيًا، اجتماعيًا اقتصاديًا، يتجاوز الانقسامات الطائفية.
يتناول هذا المقال معركة فرض الضرائب على المداخيل الريعية بين عامي 2011 و2017، كدراسة حالة لعملية صنع السياسات: فهو يبحث في كيفية إدراج الأفكار في الأجندة وضمان استمرارها، وكيف يُعاد تشكيلها. وبالاستناد إلى "إطار ائتلافات المناصرة" (Advocacy Coalition Framework – ACF)، يركز التحليل على النظام الفرعي (policy subsystem) لسياسات فرض ضرائب على الريع ويضع دينامياته في سياق النظام السياسي الأوسع والتفاعلات مع أنظمة فرعية مجاورة. كما يتتبع ائتلافين متعارضين ووسطاء سياسات (policy brokers) أثناء صياغتهم وتكيّفهم وتعاملهم مع الأحداث والاستراتيجيات السياسية. ويتابع البحث صراعات على "ربط القضايا" وتكتيكات المماطلة وتمييع المضمون التي هيمنت على مراحل وضع الأجندة وصياغة السياسات. ويظهر التحليل أن الحفاظ على استمرارية القضية على الأجندة كان مهمًا بقدر إدخالها إليها أساسًا، وأن الصياغة حُكِمَت بتجاذبات القوة وبأدوار وسطاءٍ تتقلّب اصطفافاتهم
المعركة السياساتية المدروسة تتخطّى "الترقيع التقني"، لتتحدّى مباشرةً نموذج عمل النظام. وبدراسة عملية صنع السياسات بين عامي 2011 و2017، يطمح الكاتب إلى إثراء قراءات وممارسات الوضع الراهن المسدود الأفق عبر عرض خريطة من الماضي القريب تبيّن كيف يمكن للمطالب الأفقية أن تصمد أمام الانقسامات العمودية وتنتج أسساً جديدة للسياسات والتنظيم.
تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.