صراع أفقي لإعادة التوزيع في ظل انقساماتٍ هوياتيّة عموديّة: قراءة في مسار السياسات العامة لفرض ضرائب على الريوع في لبنان

تمت كتابة الورقة هذه ضمن إطار البرنامج التدريبي ”السياسة العامة والمواطنة الفعالة“، وهو أحد ركائز مشروع مبادرة الإصلاح العربي حول ”تعزيز التحليل النقدي للسياسات“. ويهدف البرنامج التدريبي إلى تعزيز البحوث الخاصة بالسياسات العامة والقائمة على الأدلة من خلال تزويد الباحثين/ات الصاعدين/ات بالأطر النظرية والمهارات الفنية لتمكينهم من كتابة أوراق السياسات.

Lebanon flag and big amount of golden bitcoin coins and trading platform chart. Crypto currency concept (c) Mehaniq - shutterstock

مقدمة

يواجه لبنان حاليًا أزمات متداخلة: انهيار مالي غير معالج، وموجات هجرة كبيرة، وتعثّر إعادة الإعمار بعد الحرب، وسيادة متنازع عليها. يبدو الحاضر قاتماً، تهيمن عليه انقسامات غير مُنتجة على أسس طائفية وخطوط ائتلافات خارجية - ما يسميه علماء السياسة بـ"الانقسامات العمودية". في مثل هذا السياق، يجدر التوقف عند لحظةٍ تقدّم فيها مطلب توزيعي يتمثّل في "فرض ضرائب على الريع" إلى صدارة المشهد، مبرزًا انقسامًا أفقيًا، اجتماعيًا اقتصاديًا، يتجاوز الانقسامات الطائفية. 1تُعرَّف الريوع هنا على أنها الدخل الناشئ من الملكية أو السيطرة على الأصول أو الامتيازات بما يتجاوز الحد الأدنى من العائد اللازم لتحفيز العرض، على عكس الدخل الناشئ من العمل أو من المشاركة الإنتاجية في تحمّل المخاطر وخلق القيمة في الاقتصاد الحقيقي. في لبنان، يعمل القطاعان المصرفي والعقاري إلى حد كبير كقطاعين ريعيين: يولّد القطاع المصرفي ريوعاً مالية وتنظيمية، مع عوائد أعلى من المعدل الطبيعي على الودائع والديون العامة المدعومة بخيارات سياسية وهندسة مالية وتدفقات مستمرة من تحويلات المغتربين؛ بينما يولّد القطاع العقاري ريوعاً عقارية ومكانية ترتكز على الملكية وقرارات تقسيم المناطق وارتفاع الأسعار بسبب المضاربة.

يتناول هذا المقال معركة فرض الضرائب على المداخيل الريعية بين عامي 2011 و2017، كدراسة حالة لعملية صنع السياسات: فهو يبحث في كيفية إدراج الأفكار في الأجندة وضمان استمرارها، وكيف يُعاد تشكيلها. وبالاستناد إلى "إطار ائتلافات المناصرة" (Advocacy Coalition Framework – ACF)، يركز التحليل على النظام الفرعي (policy subsystem) لسياسات فرض ضرائب على الريع ويضع دينامياته في سياق النظام السياسي الأوسع والتفاعلات مع أنظمة فرعية مجاورة.2في ACF، يعد النظام الفرعي للسياسة العامة (policy subsystem) الوحدة الأساسية للتحليل. وهو يشمل مجموعة من الفاعلين الذين يتفاعلون بانتظام حول قضية سياساتية محددة ضمن نطاق جغرافي معين، ويمتد عبر ساحات مؤسسية متعددة. تندرج الأنظمة الفرعية ضمن النظام السياسي الأوسع، الذي تسهم معالمه المستقرة نسبيًّا (relatively stable parameters)، إلى جانب أحداث خارجية (external events)، في التأثير على ديناميكيات النظام الفرعي. Paul A. Sabatier، "إطار عمل الائتلاف الداعم لتغيير السياسة ودور التعلم الموجه نحو السياسة فيه"، Policy Sciences 21، رقم 2-3 (1988)، ص. 129-168، متاح على https://doi.org/10.1007/BF00136406 كما يتتبع ائتلافين متعارضين ووسطاء سياسات (policy brokers) أثناء صياغتهم وتكيّفهم وتعاملهم مع الأحداث والاستراتيجيات السياسية. ويتابع البحث صراعات على "ربط القضايا" وتكتيكات المماطلة وتمييع المضمون التي هيمنت على مراحل وضع الأجندة وصياغة السياسات. ويظهر التحليل أن الحفاظ على استمرارية القضية على الأجندة كان مهمًا بقدر إدخالها إليها أساسًا، وأن الصياغة حُكِمَت بتجاذبات القوة وبأدوار وسطاءٍ تتقلّب اصطفافاتهم

المعركة السياساتية المدروسة تتخطّى "الترقيع التقني"، لتتحدّى مباشرةً نموذج عمل النظام. وبدراسة عملية صنع السياسات بين عامي 2011 و2017، يطمح الكاتب إلى إثراء قراءات وممارسات الوضع الراهن المسدود الأفق عبر عرض خريطة من الماضي القريب تبيّن كيف يمكن للمطالب الأفقية أن تصمد أمام الانقسامات العمودية وتنتج أسساً جديدة للسياسات والتنظيم.

Endnotes

Endnotes
1 تُعرَّف الريوع هنا على أنها الدخل الناشئ من الملكية أو السيطرة على الأصول أو الامتيازات بما يتجاوز الحد الأدنى من العائد اللازم لتحفيز العرض، على عكس الدخل الناشئ من العمل أو من المشاركة الإنتاجية في تحمّل المخاطر وخلق القيمة في الاقتصاد الحقيقي. في لبنان، يعمل القطاعان المصرفي والعقاري إلى حد كبير كقطاعين ريعيين: يولّد القطاع المصرفي ريوعاً مالية وتنظيمية، مع عوائد أعلى من المعدل الطبيعي على الودائع والديون العامة المدعومة بخيارات سياسية وهندسة مالية وتدفقات مستمرة من تحويلات المغتربين؛ بينما يولّد القطاع العقاري ريوعاً عقارية ومكانية ترتكز على الملكية وقرارات تقسيم المناطق وارتفاع الأسعار بسبب المضاربة.
2 في ACF، يعد النظام الفرعي للسياسة العامة (policy subsystem) الوحدة الأساسية للتحليل. وهو يشمل مجموعة من الفاعلين الذين يتفاعلون بانتظام حول قضية سياساتية محددة ضمن نطاق جغرافي معين، ويمتد عبر ساحات مؤسسية متعددة. تندرج الأنظمة الفرعية ضمن النظام السياسي الأوسع، الذي تسهم معالمه المستقرة نسبيًّا (relatively stable parameters)، إلى جانب أحداث خارجية (external events)، في التأثير على ديناميكيات النظام الفرعي. Paul A. Sabatier، "إطار عمل الائتلاف الداعم لتغيير السياسة ودور التعلم الموجه نحو السياسة فيه"، Policy Sciences 21، رقم 2-3 (1988)، ص. 129-168، متاح على https://doi.org/10.1007/BF00136406

تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.