تقييم تجارب تطبيق اللامركزية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا: الدروس المستفادة للبلدان الخارجة من النزاعات

كشفت موجة الاحتجاجات التي زعزعت العالم العربي منذ 2011 عن ضعف ترتيبات الحوكمة الحالية وعدم كفاءة إصلاحات اللامركزية. ولا تزال الحوكمة الفعالة في التدهور في جميع أنحاء المنطقة، الأمر الذي يجعل من الضروري تقييم أسباب فشل جهود اللامركزية في تحقيق مشاركة سياسية حقيقية ونقل للسلطة من المركز إلى المناطق. ويغدو هذا التقييم أكثر إلحاحًا اليوم حيث ستشرع سوريا واليمن وليبيا قريبًا في البحث عن ترتيبات للحوكمة من أجل جَبر بلادهم وبناء الثقة بين الدولة والمجتمع. كمساهمة في هذا النقاش، يبحث هذا الملف في جهود اللامركزية في المغرب وتونس والعراق ويضع بعض المبادئ الأساسية التي يمكن أن تكون لبنة لأرساء اللامركزية في سوريا.

الحقوق:مبادرة الإصلاح العربي

لعل العامل المشترك بين دول الربيع العربي في مرحلة ما قبل الثورات هو ممارسة حكوماتها السلطوية حوكمةً شديدة المركزية؛ ممّا أسفر عن حرمان المواطنين من الممارسة التشاركية وحقوق المواطنة، وتركيز القوّة والموارد في أيدي سلطةٍ مركزية غير ديمقراطية، وهو ما قاد بدوره إلى تنميةٍ غير متكافئة. وفي البلدان التي تشهد صراعات، حيث باتت شرعية وسلطة الدولة مهدّدة، غالباً ما تسعى السلطات المحلّية إلى ملء الفراغ القائم في مجالي الأمن وتوفير الخدمات، كما فعلت المجالس المحلّية في سوريا أثناء الحرب الأهلية، وقوّات الأمن المحلّية في العراق. ولكن السؤال هو: إلى أي مدى يمكن للإصلاحات في مجال الحكم المحلّي واللامركزية، في الدول التي تشهد مرحلةً انتقالية عقب انتهاء الصراع، أن تعزّز الحكم التشاركي الرشيد، إذا كانت السلطة المركزية لا تزال تحتفظ بطبيعتها السلطوية وترفض نقل السلطة بشكلٍ حقيقي؟

على مدار عدّة عقود، ظلّت اللامركزية بوصفها إصلاحاً في نظام الحوكمة على رأس أجندات المنظّمات التنموية العالمية، كالبنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة للتنمية، والتي أمدّت الحكم المحلّي بالموارد وعزّزت بناء القدرات المحلّية. ويُنظر إلى اللامركزية باعتبارها أداةً لإدارة وفض النزاعات لأنها ترسي آليّاتٍ لتوزيع السلطة بين المجتمعات المحلّية المتنافسة بتبايناتها الدينية والعرقية، وتحقّق مشاركة المواطنين السياسية على المستوى المحلّي.

وعلى النقيض من ذلك، فإن تمركز السلطة السياسية والإدارية المتجذّر، بجانب الفساد وانعدام الثقة على المستوى الأفقي، غالباً ما يعوق المجتمعات المحلّية عن المساهمة في قرارات التخطيط والإدارة الهامّة التي تتعلّق بجهود التنمية في محيطها. كما يمكن أن يعوق المواطنين عن المشاركة السياسية المباشرة التي تمكّنهم من التواصل مع الممثّلين المحلّيين، بما يتمتّعون به من شرعيةٍ ودرايةٍ محلّية لتمثيل مجتمعاتهم والنظر في شكاواهم. عادةً ما تقود تلك الأوضاع إلى الصراع بين مختلف الجماعات، وتزيد من حدّة الانقسام بين الدولة والمجتمع، الأمر الذي يؤدّي إلى اندلاع الثورات، والتي يمكن أن تتطوّر في بعض الأحيان لتصير حرباً عنيفة، كما حدث في حالة سوريا واليمن. لذا يعدّ الحوار الذي يشمل جميع الأطراف حول أشكال وهياكل الحكم التمثيلي والتشاركي سبيلاً لعملية الانتقال في أعقاب الصراعات والثورات.

ففي أثناء الصراع، غالباً ما تعزّز الشرعية الشعبية المتزايدة والدعم الأجنبي من قوّة السلطات المحلّية. بيد أن إعادة توزيع السلطة عن طريق الإصلاحات الدستورية، لاسيّما تلك المتعلّقة باللامركزية واللاتمركز الإداري، هي عاملٌ أساسي لإعادة الاستقرار وحلّ النزاعات. ولكن، من أجل ضمان تطوير نماذج حوكمةٍ تحقّق تأثيراً إيجابياً واستدامةً في مجالي السلام والتنمية، تُظهِر الدروس المستفادة من الدول التي تبنّت إصلاحاتٍ في مجال الحوكمة، كاللامركزية، أنه يتعيّن توافر بعض الشروط السابقة على الإصلاح، بالإضافة إلى فهمٍ لفنّيات التصميم المؤسّسي وتنفيذ تلك الإجراءات.

وتتضمّن تلك الشروط إدماج جميع الأطراف في عملية صنع القرار، وتوزيع السلطات والموارد الجبائية، وأسساً دستورية، ومؤسّساتٍ ديمقراطية مركزية قوية تحترم سيادة القانون. ستناقش سلسلة الأوراق التي يتضمّنها هذا الملف البحثي حول اللامركزية دوافع وخطوات التصميم المؤسّسي وتنفيذ الإصلاحات المتعلّقة باللامركزية، بالإضافة إلى التحدّيات والمخاطر التي تواجه الدول التي تبنّت نماذج تطبيق اللامركزية. وتطرح تلك الأوراق رؤيةً شاملة حول الأساس القانوني والسياق السياسي للامركزية في العراق وتونس والمغرب. وستناقش الورقة الأخيرة الدروس المستفادة من تلك النماذج، والتي يمكن تطبيقها في سوريا في مرحلة ما بعد الصراع.

بحسب شيما وروندينللي، تطوّر مفهوم اللامركزية في ثمانينيّات القرن الماضي من اللاتمركز الإداري؛ أي نقل السلطة داخل نطاق هياكل السلطة المركزية وتفريعاتها، إلى اللامركزية، وهي تقاسم السلطة بشكلٍ دستوري عن طريق إسناد السلطات الإدارية والجبائية والسياسية إلى السلطات والهياكل الإقليمية والمحلّية. ويرتبط تطوّر المفهوم بالإصلاحات التي تهدف إلى زيادة الاستقلالية المحلّية عن السلطة المركزية، وتوزيع الصلاحيات المركزية بدلاً من تركيزها في قبضة الهياكل المركزية.1 ج. شابير شيما ودنيس روندينيلّي، "من لامركزية الحكومة إلى لامركزية الحكم"، في تطبيق لامركزية الحكم: المفاهيم والممارسات الناشئة. واشنطن، منشورات معهد بروكنجز، 2007.

من العناصر التي ينبغي أخذها في الاعتبار عند تطبيق الإصلاحات الخاصة بالحوكمة – كاللامركزية و اللاتمركز الإداري – هو ترتيبها بحسب السياق والحاجة. على سبيل المثال، في البلدان الخارجة من الصراعات تكون الأولوية لإعادة بناء المؤسّسات الديمقراطية، وبناءً عليه يرى الخبراء أن عدم تركيز السلطة يجب أن يقدَّم على اللامركزية. أمّا في حالة المغرب وتونس، يمكن تطبيق اللامركزية واللاتمركز الإداري معاً بشكلٍ متوازي، مع تعزيز رقابة السلطة المركزية. من جهة، قد يرى البعض أن خياراً كهذا من شأنه أن يساهم في الحد من استقلالية السلطات المحلّية لكونها تخضع لسيطرة السلطة المركزية. ومن جهةٍ أخرى، تفترض الباحثة لمياء الزاكي في ورقتها عن المغرب بأن تفعيل اللامركزية وثيق الصلة باللاتمركز الإداري، والذي يمكن اعتباره خطوةً أولى باتّجاه إرساء نظامٍ لامركزي ناجع على المدى الطويل.

علاوةً على ذلك، يعدّ التمييز بين أنواع السلطة المختلفة التي يمكن نقلها، وتسلسلها – أي السلطات الإدارية والسياسية والجبائية – مفتاحاً لنجاح إصلاحات الحوكمة في تحقيق مبتغاها وتقييم نجاح تلك العملية. وبما أن معظم إجراءات تطبيق اللامركزية في الدول العربية، كلبنان والأردن، تقتصر على اللامركزية الإدارية، يظل عدم وجود موارد لأداء المهام الإدارية يشكّل تحدّياً كبيراً، ويجعل السلطات المحلّية معتمدةً على الميزانية المخصّصة لها من السلطة المركزية. وعلى النقيض، تتمتّع السلطات المحلّية في العراق بسلطاتٍ جبائية وميزانيةٍ كبيرة، إلا أنها تنقصها الخبرات الفنّية والمهارات اللازمة لإرساء لامركزيةٍ إداريةٍ ناجعة.

كذلك ترتبط أهمية وجدوى الإصلاحات الخاصة باللامركزية بما إذا كانت الدولة تتّسم بطبيعةٍ اتّحادية أم وحدوية. وتشمل دراسات الحالة المطروحة في تلك السلسلة دولتين وحدويّتين، هما تونس والمغرب، ودولةً فيدرالية واحدة هي العراق. وفقاً لـ "هو" و"شو"، يمكن لكلٍّ من الدول الفدرالية والوحدوية تبنّي إصلاحاتٍ لتطبيق اللامركزية؛ ولكن الفرق هو أن تلك الأخيرة تكون مقنّنةً في دستور الدولة الفيدرالية، ولا يمكن للحكومة أن تقرّر إعادة النظام المركزي أو إلغاء السلطات المحلية من جانبٍ واحد. ويجادل الباحثان بأن حقوق وصلاحيّات السلطات المحلية في الدول الفيدرالية مضمونةٌ دستورياً، ولا يمكن إلغاؤها من خلال التشريعات. ليس هذا هو الحال في الدول الوحدوية، حيث يتم اعتماد درجاتٍ من اللامركزية التي يمكن عكس مسارها في أي لحظة، كما في حالة تونس والمغرب. فعندما تتبنّى الدول الوحدوية اللامركزية، تخشى الدولة ونخبها السياسية في كثير من الأحيان أن تغذّي اللامركزية النزعات الانفصالية، وبالتالي تواصِل الدولة جهود التكامل الوطني وآليات الرقابة والسيطرة المركزية، مع تخصيص قدرٍ محدود من الحكم الذاتي للهياكل المحلية.

في نهاية المطاف، يتطلّب استخدام أداة اللامركزية لتحقيق الحكم الرشيد القائم على المشاركة وتوفير الخدمات بصورةٍ فعّالة، عمليةً شاملة يشارك فيها كلٌ من النخب السياسية والمجتمع المدني في تقرير شكل وهيكل إدارتها، والمساعدة في تصميم عملية اللامركزة وتطبيقها. بمعنى آخر، يجب أن يكون هناك نظامٌ ديمقراطي. ومع ذلك، كما توضّح سلسلة الأوراق في هذا الملف البحثي، تنطوي الإجراءات الإقصائية والمبادئ المراوغة على خطرٍ متمثّلٍ في تطبيق اللامركزية من الأعلى إلى الأسفل؛ ممّا يؤدي إلى استعادة النخبة قبضتها على الحكم المحلّي، من أجل ضمان استمرار سيطرة الدولة المركزية وفي الوقت نفسه تحميل اللامركزية مسئولية فشل سياسات الحكومة المركزية. وتمثّل حالة العراق، والتي سنتناولها فيما بعد، مثالاً على ذلك. حيث يجادل المؤلّف بأن النُخب الوطنية تستخدم اللامركزية وانعدام الوضوح في مهامها لإلهاء الرأي العام، وبالتالي إلقاء اللوم على السلطات المحلية.2 شو واريلد وماريت هو، اللامركزية في حالات النزاع وما بعد النزاع. أوسلو، ورقة عمل المعهد النرويجي للأبحاث الحضرية والإقليمية، 2005.

إن تقييم نجاح نماذج تطبيق اللامركزية في العالم العربي ليس بالأمر السهل؛ فمعظم الحالات التي تناولناها خاضت مساراً طويلاً لوضع القوانين اللازمة وتعديل العديد من القوانين القائمة بالفعل بُغية تطبيق اللامركزية. بيد أن فاعلية وآثار تطبيق تلك القوانين لم تظهر بعد؛ إذ إن نجاح اللامركزية في حالة بعض الدول الغربية كسويسرا، كان نتاج عمليّاتٍ متتالية وطويلة المدى لم تكن لتتحقّق دون توافر مجموعةٍ من الإجراءات المسبقة، أهمّها وجود نظامٍ ومؤسّساتٍ ديمقراطية راسخة تحترم سيادة القانون. وفي الحالة التونسية، حقّقت بعض الإصلاحات نجاحاً، خاصّةً تلك المتعلّقة بتكثيف الأدوات المحلّية للديمقراطية التشاركية؛ مثل زيادة مشاركة الشباب والنساء والأقلّيّات في إجراءات إرساء اللامركزية، كالانتخابات المحلّية.

أمّا في فترات ما بعد الصراع، على الأخص في سوريا، ترى بسمة قضماني في ورقتها أن تطبيق اللامركزية سيساهم بلا شكٍ في ترسيخ الحكم الرشيد، في ظل تباين المجتمع السوري وغياب الثقة في السلطة المركزية ذات الطابع السلطوي وميول الأكراد الانفصالية. إلا أن إصلاح السلطة المركزية عبر مسارٍ ديمقراطي ينبغي أن يسبق إرساء لامركزيةٍ مستدامة. وبناءً عليه، ينبغي أن تتم الآليات الديمقراطية والإدارية المقترحة – كالانتخابات المحلّية – لنقل ولامركزة السلطة في سوريا، في إطار نظامٍ ديمقراطي وبدعمٍ من سلطةٍ مركزية ديمقراطية. ولأن إعادة بناء مؤسّساتٍ مركزية ديمقراطية قوية شرطٌ أساسي لنجاح تطبيق اللامركزية في سياق ما بعد الصراع، تدعو قضماني إلى تطبيق نظامٍ لامركزي ديمقراطي في سوريا قائمٍ على مبدأ المساواة بين كافّة المواطنين، من خلال وضع دستورٍ يرسّخ الحقوق السياسية والاجتماعية وحقوق المواطنة للجميع. وبشكلٍ أكثر شمولاً، ترى أن هشاشة الترابط الاجتماعي في مجتمعات ما بعد الصراع، وانعدام الثقة في مؤسّسات الدولة على المستوى الأفقي، يتطلّبان إعادة صياغة العقد الاجتماعي والعلاقات بين المواطنين السوريين وحكومتهم بالتوازي مع جهود إرساء الديمقراطية.

Footnotes   [ + ]

1.  ج. شابير شيما ودنيس روندينيلّي، "من لامركزية الحكومة إلى لامركزية الحكم"، في تطبيق لامركزية الحكم: المفاهيم والممارسات الناشئة. واشنطن، منشورات معهد بروكنجز، 2007.
2.  شو واريلد وماريت هو، اللامركزية في حالات النزاع وما بعد النزاع. أوسلو، ورقة عمل المعهد النرويجي للأبحاث الحضرية والإقليمية، 2005.