السوريّون في أميركا اللاتينيّة: هيمنَة الفكر العروبيّ وانعكاساتُه على أشكال التضامن

السوريّون في أميركا اللاتينيّة: هيمنَة الفكر العروبيّ وانعكاساتُه على أشكال التضامن © عبد الكريم مجدل بك
© عبد الكريم مجدل بك

ملخّص

تبحث هذه الورقة الموقف الذي اتّخذه الشتات السوري في أمريكا اللاتينية في مواجهة الحرب في سوريا وكيف يتصوّر هذا الشتات نتائجها. وهي تعتمد على بحث وتحليل الميداني إثنوغرافي أجري بين عامي 2011 و2014 في الأرجنتين والبرازيل. توسّع الورقة نطاقَ البحث من خلال تضمين استبيان أعدّته مبادرة الإصلاح العربي حول الدور المستقبليّ للمهاجرين في إعادة بناء في سوريا في سيناريو ما بعد الصراع. وتمّ إرسال الاستبيان إلى مهاجرين سوريّين أو ذريّتهم في كلّ من تشيلي والأرجنتين والبرازيل والمكسيك. يدرس القسم الأوّل أنماط الهجرة السوريّة إلى أمريكا اللاتينيّة ومسار التهجّر تحت تأثير الحزب السوريّ القوميّ الاجتماعيّ والبعث. بينما يبيّن القسم الثاني كيف أثّرت تلك العناصر التاريخيّة على موقف المغتربين من الصراع في سوريا. ويحلِّل القسم الأخير إجابات الاستبيان ويحدِّد القضايا الرئيسيّة ذات الاهتمام المشترك.

اقرأ المزيد

لم يتوقَّف الاهتمامُ السياسيّ والأكاديميّ في قضايا الشتات منذ التسعينيات، وتمَّ الاعترافُ بأهمّيَّة مُجتمعات الشتات إلى حدٍّ كبير لأنَّ أنشطتها العبرقوميّة تؤثِّر على الديناميّات السياسيّة والاقتصاديّة والاجتِماعيّة في موطنِها الأصلي. وتُظهر الأبحاث أنّ دَور المغترِبين في النزاعات الداخليّة مسألة مُتشابكة ومميَّزة. فهم قد يكونون حمائمَ أو صقوراً، وفق مجموعة من المتغيِّرات، بما في ذلك السياقُ التاريخي الذي يُفسِّر هجرتهم للوطن والطريقةُ التي تُستخدَم فيها الهويّةُ القوميّة لتشكيلِ العلاقات المتباعِدة بين الشتات والوطن الأمّ (شاين 2002؛ ليونز 2004؛ سميث/ ستارس 2007). ويركِّز باحثون آخرون على مرحلة ما بعد النزاعات، وبشكلٍ أكثرَ تحديداً على مشاركة المُغتربين المحتمَلين في استعادة بلدِهم الأصليّ (نيلسن أند ريدل، 2009).

تَدرس الورقة المواقف التي اتّخذها المغتربون السوريّون في أمريكا اللاتينية إزاءَ الحرب في سوريا وكيف تصوَّروا عقابيلَها. وتَستند إلى البحوث والتحليلات الميدانيّة الإثنوغرافية التي أجراها بايزا وبينتو بين عامي 2011 و2014 في الأرجنتين والبرازيل (بايزا وبينتو، 2016). ثمّ نُوسِّع نطاق الدراسة من خلال استِبيان أعدَّته مبادرة الإصلاح العربي حَول الدَور المستقبليّ للشتات السوري في إعادة إعمار سوريا، في سيناريو ما بعد الصراع. وقد أُرسِل الاستبيان إلى 19 مُهاجرٍ سوريٍّ أو من أصول سوريّة يعيشون في التشيلي والأرجنتين والبرازيل والمكسيك. ومن بين الأشخاص الذين تمّت مقابلتُهم رجال أعمال ومحامون ومسؤولون تنفيذيّون كبار وسياسيّون وقضاة وأطبّاء وممثِّلو منظّمات الاغتِراب.

ويَبحث القسم الأول أنماطَ الهجرة السوريّة إلى أمريكا اللاتينيّة واستغلالَ الشتات من قِبل الحزب السوريّ القوميّ الاجتماعيّ وحزبِ البعث. ويُبيِّن القسمُ الثاني كيف أثَّرت تلك العناصر التاريخيّة على مَوقف الشتات من الصراع في سوريا. بَينما يُحلِّل القسمُ الأخيرُ الإجابات على الاستِبيان ويُحدِّد المواضيعَ الرئيسيّة ذاتَ الاهتِمام المشترَك.

أوَّلاً - خصائصالشتات السوريِّ في أمريكا اللاتينيّة وأساليبُ تنظيمِه

عددٌ كبيرٌ من سكّان أمريكا اللاتينية هم من أصل سوري. ومع أنّ الجاليات السورية مَوجودةٌ في كلِّ بلد، إلّا أنَّ أكبرَها موجود في الأرجنتين والبرازيل. ومن الصعب الحصولُ على أرقامٍ مَوثوقة، ولكننا نستطيع القول دون خطأ إن المهاجرين السوريين وذرِيتهم يمثِّلون ما لا يقلُّ عن مِليون شخص في شبه القارة1 لتحليل السيولة البنيوية لديموغرافيات المهاجرين الناطقين بالعربية وذريتهم في البرازيل انظر Karam 2007: 10-13; Pinto 2010: 15..

1. أنماطُ الهجرة وصناعةُ الشتات "السوري-اللبناني"

نَتج هذا التواجد السوري عن مَوجات متكرِّرة من الهجرة التي بَلغت ذروتها بين 1870 و1930، واستمرَّت حتى اليوم، وإن بأعداد أقلَّ بكثير. وكانت الصعوبات الاقتصاديّةُ في بلاد الشام والخَوف من التجنيد في الجيش العثماني وإغراء الرخاء في "العالم الجديد" هي الدوافعُ الرئيسيّة لتلكَ الهجرة المبكِّرة. بعدَها، توافَد المهاجرون السوريون عن طريق الزواج (الهجرة المتَسلسِلة) لأسباب اقتِصادية في الغالب، وأخرى سياسيّة ولكن بدرجة أقلّ. وتشابهت أنماط الهجرة ومسارات الاندماج إلى حدٍّ كبير في جميع أنحاء القارّة، مع وجود نسبة كبيرة من المهاجرين وأبنائهم الذين ينضمّون تدريجيّاً إلى الطبقات الوسطى والعليا من المجتَمعات المُضيفة لهم.

ورغم أنّ بعض المسلمين واليهود كانوا جزءاً من تلك الموجات المبكِّرة من الهجرة المشرقيّة، إلا أنّ المسيحيّين (ومعظمهم من الموارنة أو الأرثوذكس) شكّلوا أغلبيّة المهاجرين. ومع ذلك، فإن نسبَ بعض المجموعات وفقاً لانتماءاتهم المناطقيّة والطائفيّة تفاوتت من بلد لآخر. فعلى سبيل المثال، هناك نسبٌ أعلى من دروز السويداء في فنزويلا ومن العلويين في الأرجنتين.

وقد غدَت نوادي مسقط الرأس وجمعيّات المَعونةالمتبادلة والجماعات الخيريّة والنوادي الرياضيّة والمؤسّسات الدينيّة ركائز هذه الجالِيات (بالوفيت، 2016). وفي مرحلة الهجرة الأولى، كان الدين أحدَ أكثر أساليبِ التنظيم شيوعاً. وأوّل المؤسسات التي أنشئت كانت المؤسّسات المسيحيّة، برعيّتها الواسعة. فتأسّست في البرازيل جمعية القديس نيقولا الأرثوذكسية في وقت مبكِّر من عام 1897 في ريو دي جانيرو. أما السنّة والعلوِيّون والدروز – الذين يشكِّلون مجموعات أقلِّيّة في سياق الهجرة – فقد أنشؤوا منظّماتهم في وقت لاحق قليلاً، في عشرينيات وثلاثينيات القرن الفائت. فتأسّست الجمعيّة الدرزيّة الخيريّة في بوينس آيرس، الأرجنتين، في عام 1927، في حين أنشئت أوّل مؤسّسة علَوِيّة – الاتِّحاد الإسلاميّ العلوي – في توكومان، الأرجنتين، عام 1929.

ظهرت نوادي مَسقط الرأس والمؤسّسات "الوطنية"، وهما الشكلان الآخران من تجمُّعات الشتات، ابتداءً من العقد الثاني من القرن الفائت. وظهرت أوّل ما ظهرت الجمعيّاتُ الحمصيّة – حيث كان الحماصنة يشكِّلون النسبةَ الأكبر من المهاجرين السوريّين في أمريكا اللاتينية – في كلِّ أرجاء القارّة بين عامي 1910 و1930. نذكر مثالاً جمعيّة الشباب الحمصيّ الخيريّة التي تأسّست في سانتياغو بتشيلي عام 1913 والنادي الحمصي في ساو باولو في البرازيل في عام 1920 واتِّحاد الشباب الحمصي في بوينس أيرس، الأرجنتين، في 1925. وكانت الجالِيات الوافيَة العدد والتي أسَّست أنديَة مَسقَط رأس أو مؤسّسات دينيّة هي السبّاقة أيضاً لتشكيل مؤسّسات على أساسٍ وطني. فكان الحماصنة والمسيحيّون أوَّلَ من أنشأ مؤسّسات "سوريّة" أو "سوريّة- لبنانية". وعلى سبيل المثال، تمَّ إنشاءُ المدرسة السوريّة الأرجنتينيّة من قبل المبَشِّرين الموارنة في عام 1902 في بوينس آيرس. ويُمكن أن يقالَ نفسُ الشيء عن الجمعيّة السوريّة اللبنانيّة التي أسَّسها المسيحيّون في عام 1925 في توكومان. وتصادفَ ذلك مع تأسيس دار الأيْتام السوريّة في ساو باولو في عام 1923 من قِبل مجموعة من الشباب، كانوا جميعهم من مدينة حمص.

هذه الطرق المتعدِّدة للتنظيم – سواء أكانت طائفيّة أو محلِّيّة أو "وطنيّة" – هي نفسُها التي سادت في نهاية العصر العثمانيّ وفترة الانتِداب في سوريا ولبنان؛ فقد كان للناس في المنطقة ولاءات متعدِّدة لدينِهم وللهويّة الناشئة للعروبة، فضلاً عن بلدِهم وبؤرِهم المحلّيَّة والعائليّة. وفي المهجر الأميركي، كان الولاءُ الوطنيُّ يُعبَّر عنه أساساً عن طريق إنشاءِ مؤسَّسات "سوريّة-لبنانيّة". وقد تعزَّزت هذه الهويّة "السورية-اللبنانية" بسببِ الوجود التاريخي لمناصِري هويّة سوريا الكبرى، الذين استفادوا بمهارة من تَرافق مَوجات هجرة كبيرة من سوريا ولبنان، ومن التكوين الطائفي للمحجَّر إلى جذبِ انتِباه جزءٍ كبير من الشتات.

2. التأثيرُ المتنامي للأحزابِ السياسيّة القومِيّة

نادى الحزب السوريّ القوميّ الاجتماعيّ السوريّ بفكرة "سوريا الكبرى" بدايةً في أميركا الجنوبيّة. فقد عاشَ أنطون سعادة، اللبنانيّ المولود عام 1904 في عائلة روم أرثوذكسية ومؤسّسُ الحزبِ السوريّ القوميّ الاجتماعيّ في عام 1932، في البرازيل والأرجنتين لمدّة عقدَين تقريباً، حيث أنشأ عدّة أحزابٍ قوميّة صغيرة داخلَ مجتمع الشتات السوريّ2وبمساعدة من زملاء آخرين من المثقفين، شكل الرابطة الوطنية السورية، وهي حركة سياسية سرية سرعان ما تفككت. وشكل بعد ذلك تنظيما سياسيا جديدا يدعى حزب السوريين الأحرار، ولكن هذه المحاولة الثانية لم تدم سوى بضع سنوات.(شومان 2004؛ ليسر 1999). وحينَ عاد سعادة أخيراً إلى لبنان في عام 1947، قاد حزبُه إلى مواجهةٍ سياسيّة مع الجمهوريّة اللبنانيّة الناشئة، وتمّ إعدامُه على وجهِ السرعة في عام 1949. ولكنّ الحزب لم يختفِ، فعلى الرغم من دورِه السياسيّ الثانوي في الوطن، كان له تأثيرٌ مؤسّساتي قويّ في الشتات السوري-اللبناني في الأرجنتين والبرازيل، ونظّم عدّة مبادرات للتعبئة السياسيّة والثقافيّة حول فكرة سوريا الكبرى العلمانيّة. ومثلُها مثلُ القوميّة العربيّة الناشئة3جادل جورج أنطونيوس في كتابه الشهير الصحوة العربية، عام 1938، أن المسيحيين السوريين لعبوا دورا حاسما في التطور المبكر للقومية العربية. على الرغم من أن هذه الرسالة قد حل محلها بحث أحدث (انظر C. Ernest Dawn, "The Origins of Arab Nationalism," in Rashid Khalidi, et al., eds., The Origins of Arab Nationalism, 19911991)، ولاحظ مؤلفون آخرون أن الأرثوذكس لديهم علاقة أكبر بالقومية العربية (Hopwood, 1969; Hourani, 1947; Haddad, 1970).، وجدَت القوميّة السورية العلمانيّة للحزبِ القومي السوريّ الاجتماعيّ أنصارَها بين الروم الأرثوذكس. واستقطبَت خاصّةً، من خلالِ تقديم استجابةٍ للتنوُّع الدينيّ في سوريا، للعديدِ من الدروز والعلويّينومن الطوائف المسيحيّة الأخرى (صليبي 1988). ولا يزالُ الحزبُ يتمتَّعُ بنفوذٍ في الأرجنتين والبرازيل من خلال الرابطة الثقافيّة السوريّة، وهي منظَّمة نشِطة جدا أسَّسها سعادة نفسه. وتلعب الجمعيّة دوراً حاسماً في نشر أفكارِه، ففي الأرجنتين على سبيلِ المثال، لديها برنامجُها الإذاعي الأسبوعي: "الأصول".

أمّا حزب البعث فقد بدأ بمدّ نفوذِه وسيطرتِه على المنظَّمات الإثنيّة/القومية بعد بضعةِ عقود، من خلال إنشاء فياراب (اتّحاد الكيانات الأمريكية العربية). وقد عقد أوَّلَ مؤتمر عربيّ للبلدان الأمريكيّة في تشرين الأول/أكتوبر 1973 في النادي الحمصيّ في بوينس آيرس، حيث كان اتِّحادٌ عربيٌّ أرجنتينيٌّ رائد قد أُسِّس بالفعل في عام 1972. وكان الهدف من الاجتِماع، الذي حضره المئات من المندوبين من البرازيل وبوليفيا وكولومبيا وتشيلي وأوروغواي وفنزويلا، وعددٌ من الممثِّلين الدبلوماسيّين العرب في المنطقة، إنشاءُ اتّحادات وطنيّة للمنظَّمات والمجموعات العربيّة في كلِّ بلد من بلدان أمريكا اللاتينية. وتأسَّس فياراب-البرازيل في تشرين الثاني/ نوفمبر 1974 في الجمعيّة التشريعيّة في ساو باولو. وعقدَ مؤتمرَه الثاني في ساو باولو أيضاً في تشرين الثاني/نوفمبر 1975 (حجّار 1985).

تعود جذور فياراب، وفقكلود حجّار (1985)، إلى المؤتمر الأوَّل للمهاجرين العرب في عام 1965 الذي عُقد في دمشق، وترأَّسَه ألبرتو شكّور دياب العضوُ في الحزب القوميّ السوري الاجتماعي. ومع ذلك، فإنّ معظم الباحثين الأكاديميّين يُشيرون إلى هَيمنة حزب البعث السوري على المنظّمة (كليش 1998).  لقد كانت فِكرة تلكَ المنظَّمة الجامعة بالنسبة للمُغتربين هي إنشاءُ مؤسَّسة قادرة على الدفاع عن الثقافة العربيّة وتعزيزِها في المُجتمَعات المُضيفة. اختَلف الأمرُ بالنسبة للنظامِ السوري، الذي كان يَهدف من ورائها إلى إنشاء كِيان يُمكِّنه من الضغط على دوَل أمريكا اللاتينيّة لاعتِماد مواقفَ أكثر ملاءمةً للمصالِح العربيّة، والسوريّة خصوصاً، وتعزيز العلاقات التجاريّة الثنائيّة. كما كانت الحكومة السوريّة تَعتبرُ الشتات السوريّ مصدراً لرأس المال والمواردِ البشريّة في سياق الأزمة الاقتِصادية الحادّة وهجرة المهنيّين المؤهَّلين في السنوات الأولى للنظام البَعث (لوغرونو-ناربونا 2013). من المفترض أن يُمثِّل فياراب جميعَ المهاجرين العرب وذريَّتهم، إلّا أنَّ السوريّين كانوا دوريّاً يشكِّلون الغالبيّة في المجلس التنفيذيّ للمؤسّسة. علاوَة على ذلك، فإن نشطاء الحزب القوميِّ السوريّ الاجتماعي غالباً ما يَحصلون على مَكانة بارِزة في المنظَّمة، إذ  يتشاركون وحزبَ البعث في فكرة واحدة قوامُها تعبئةُ السوريّين واللبنانيّين حولَ تنظيمٍ سلطَوِيٍّ لمثالٍ قَوميٍّ عربيّ محوَرُه سوريا. والحالُ أنّه مع احتِكار حزب البعث التدريجيّ للخطاب القوميّ العربيّ في سوريا، بات أعضاءُ الحزب السوريّ القوميّ الاجتماعيّ مناصرين مُتحمِّسين ونشِطين في المبادرات البعثيّة في أمريكا اللاتينية كوَسيلة لكي يكسَب حزبُهم في الشتات بعضَ الوزن السياسي (بيزا بينتو 2016).

وحاوَل بشار الأسد، خلال العقدِ الأوَّل من رئاسته، التواصلَ مع الشتات السوريّ ليس فقط كمصدرٍ للاستِثمار الاقتِصادي، إنَّما لاستثمارِه كرأس مال سياسيّ على الساحة الدوليّة أيضاً. وقد أنشئت وزارةُ المغتربين في عام 2002 بهدف توثيق العلاقات مع المجتمعات السوريّة في المهجر. وفي عام 2004، نظِّم مؤتمرٌ للمغتربين كان الأول منذ عام 1965، تلاه مؤتمران بعنوان "منتدى الشباب السوريّ المغترب"، في عامَي 2009 و2010. وكانت أكبرُ الوفود من الأرجنتين والبرازيل. وفي خطابِه الافتِتاحي لمؤتمر المغترِبين، حثَّ بشّار الأسد الجالِيات السوريّة في الخارج على أن تُصبحَ "سفراء" لقيَم "الحضارة السوريّة" التي حدَّدها بـ "السلام والحرّيّة والتعدُّدية" (لوغرونو-ناربونا 2013).

في عام 2008، تمَّ تعيينُ جوزيف سويد، سكرتيرِ الحزب السوري القومي الاجتماعي، وزيراً للمغتربين، ما يشيرُ إلى الأهمّيّة السياسيّة التي يتمتّع بها هذا الحزب في الشتات، وإلى الأهمّيّة الاستراتيجيّة التي اكتسبَها في ظلِّ جهودِ الحكومة السوريّة لتعبئةِ الجالِيات السوريّة في الخارج للدفاعِ عن الوضع البعثِيّ القائم. وأعطى جوزيف سويد من خلال منصبِه دفعةً للجهودِ الراميَة إلى إدماج المغترِبين السوريّين سياسيّاً كَي يُصبِحوا ممثِّلين للنظامِ الاجتماعيّ والثقافيّ والسياسيّ السائد في سوريا. وخلالَ افتِتاح أوّل مُنتدى للشباب السوريّين المغترِبين، وصفَ سويد المُغتربين الشباب بأنّهم أعمدة الأمة السورية ومستقبلُها، ودعاهم إلى تعلُّم اللغة العربيّة، وخلقِ جسور بين الدول المُضيفة وسوريا. واختتَم كلمتَه بالحثِّ على تقديم صورةِ "سوريا الحقيقيّة" إلى العالم، في مواجهةِ الصورة التي تقدِّمُها وسائلُ الإعلام الدوليّة عن البلاد (لوغرونو-ناربونا 2013).

وفوق ذلك، فقد قام سويد بسلسلة من الزيارات إلى الأرجنتين والبرازيل وتشيلي وفنزويلا في عامي 2008 و2009، والتقى بممثِلين عن الجاليات السوريّة واللبنانيّة ودعاهم إلى إقامة روابط مع "الوطنِ الأمّ سوريا" (لوغرونو-ناربونا، 2013). ولعلّ تواصُلَ جوزيف سويد مع المغتربين السوريّين وذرِّيَتهم في أمريكا اللاتينية قد أدّى بشكلٍ من الأشكال إلى خلقِ مستوى عالٍ من التقبُّل الثقافيّ للزيارة التي قام بها بشار الأسد للمنطقة في عام 2010. ويمكنُ القول إنّ التسييس الثقافي للمغتربين ساعدَ على التقريب بين حزبِ البعث والحزب السوريّ القوميّ الاجتِماعي في سوريا، حيث تمكّن هذان الخصمان القديمان من دمجِ الإطار السياسي للصورة الوطنيّة للمغتربين السوريّين.

ثانيا - خريطة أشكال التضامن منذ انتفاضة 2011

أدّت الحرب المستمرّة في سوريا إلى تعبئة سياسيّة لم يسبق لها مثيلٌ لتلك الجالِيَة حَول قضايا سوريّة محدَّدة، ممّا عزَّز عمليَّة سَوْرنة الشتات التي كان بدأها بشار الأسد للأسباب المذكورة أعلاه. بَيد أن تركيبةَ الحرب في سوريا قد قسمت بدورِها الشتات من خلالِ تعزيز التضامن الطائفي العبروَطني.

1. دعمُ المنظَّمات الرئيسيّة للنظام

ما زالت الشبكاتُ والمنظّمات التي بدأ المهاجرون ببنائها منذ أكثر من قرن قائمةً حتى اليوم. ولا تزال نوادي مَسقط الرأس والمجموعاتُ الخيريّة والنوادي الرياضية وغرفُ التجارة المزدوِجة القوميّة والمؤسّساتُ الدينية تؤدّي دوراً رئيسيّاً في هيكلَة الشتات. وفي ساو باولو وحدَها، هناك عشر مؤسَّسات مموَّلة تمويلاً جيداً وتعمَل بنشاط، بما في ذلك المستشفى السوريّ اللبنانيّ والنادي الحمصيّ ومستشفى أمراض القلب السورية (HCor) ودار الأيتام السورية، وغرفةُ التجارة العربيّة البرازيليّة، والجمعية الخيريّة للمرأة السوريّة-اللبنانيّة (دار الحضانة أديليا كوري) والنادي السوري الرياضي. وعلى الرغم من أنَّ جزءاً صغيراً جداً من المنحدِرين من أصلٍ سوريٍّ يشاركون على أساسٍ منتظِم في النشاطات، إلّا أنَّ هذه المؤسّسات تُعتَبر أساسيّة في تأطيرِ البحث في قضايا الشرق الأوسط، في أمريكا اللاتينية.

ومع تحوُّل الانتِفاضة في سوريا إلى صراع مسلّح، بدأت غالبيّة المؤسَّسات التقليديّة العربيّة والسورية-اللبنانية تُعبّر بوضوح أكبر عن دعمِها للنظام السوري، الذي غالباً ما تعتبرُه "تقدميّاً" و "علمانيّاً" وتصفُه بأنّه "الممثِّلُ الشرعيُّ للشعب السوري". ولعلَّ العلاقاتِ التنظيميّة طويلةُ الأمد بين الحزب السوريّ القوميّ الاجتماعيّ وحزبِ البعث فضلاً عن الصلاتِ الطائفيّة العبرحدودية تُفسِّر هذا الموقف إلى حدِّ كبير. لقد عكست مواقفُ السوريين المؤيّدة للنظام والمعارِضة له الانقساماتِ الطائفيّة في سوريا إلى درجةٍ من المبالغة وصلَت حدَّ الكاريكاتير: الأمريكيّون اللاتينيّون من أصول لبنانيّة شيعيّة أو من أصولٍ سوريّة مسيحيّة أو علويّة – الذين يشكّلون أغلبية الشتات – دافعوا عن حكومة بشار الأسد، في حين دعمَ المسلمون السنّة وهم أقلّيّة في المهجر اللاتيني الثورةَ. وهَيمنت صورة السنّة الذين يحرّكهم المالِ السعوديّ في مواجهة المقاوَمة الشيعيّة ضدَّ إسرائيل والإمبرياليّة. وبدأ المسيحيّون والعلويّون في إعادة إنتاج الخطابات حول "التعصُّب" السنّي وضرورةِ احتواء "الإسلام المسلّح". وبدءاً من عام 2012، أصبحت المؤسّسات المسيحيّة والعلويّة ساحات للدعم الجماعيّ من "الجالِيَة السوريَة-اللبنانيّة" لحكومة بشّار الأسد.

ومنذ 2011 نُظّمت مظاهراتٌ لدعم بشار أو "سوريا" في ساو باولو، وغالباً ما كانت تتمُّ في جادة باوليستا، حيث يقع كلٌّ من النادي الحمصي والقنصليّة السورية. وفي آذار/مارس 2012، نَظَّم فرع الأرجنتين للحزب السوريّ القوميّ الاجتِماعيّ مظاهرةَ تأييدٍ لسوريا قرب مسلّة بوينس آيرس شاركَ فيها مئة شخص، حيث كانت الهتافات والشعارات4 "الله، سوريا، بشار وبس"، شبيحة للأبد، لعيونك يا أسد"؛ "بالروح بالدم نفديك يا بشار". ويُذكر أنّ "الشبيحة" ميليشيات مسلحة مرتبطة حزب البعثالحاكم بقيادة عائلة الأسد.تشيرُ إلى أنّ المشاركين كانوا على صلةٍ وثيقة بالحركة المواليَة للنظام في سوريا. ومنذ ذلك الحين، نُظِّمت عدَّةُ مظاهرات أخرى لصالح النظام في العديد من بلدان أمريكا اللاتينية، لكنَّ أهمَّها جرى في آب/أغسطسوأيلول/سبتمبر 2013 في أعقاب التهديد الأمريكيّ بمهاجمة سوريا بعدَ الهجوم الكيميائي الذي وقع في 21 آب/أغسطس. وفي بوينس آيرس، نَظَّمت المظاهرةَ عدّةُ منظَّمات، منها نقاباتُ العمّال والأحزاب اليساريّة والمنظَّمات الإسلاميّة والعربيّة. وفي البرازيل، نَظّم تحالفٌ مماثِل من المؤسّسات السوريّة-اللبنانية والمنظَّمات السياسيّة اليساريّة مظاهرات دوريّة مؤيِّدة لبشار في ساو باولو وريو دي جانيرو منذ عام 2012.

ثمّة جانبٌ جديدٌ في التعبئة السياسية حول الانتِفاضة السورية والحرب الأهلية وهو الاستِخدام المكثَّف لوسائل التواصل الاجتِماعي. وساعد تشكيلُ وفرة من المنتديات والمجموعات في الفضاء الإلكتروني الجالية السورية-اللبنانية في أمريكا اللاتينية فَورة من الخطابات والصوَر التي تهدف إلى تعبئتهم حَولَ موقفٍ سياسيٍّ معيَّن. وظهرت عشراتٌ من صفحات ومجموعاتِ الفيسبوك الجديدة باللغة الإسبانية، مثل "جنود بشّار في أمريكا الجنوبية" و"في سوريا لا توجدُ ثورة، بل غزو" و"اللبنانيّ والسوريّ والأرجنتينيّ مع بشار الأسد". وكلُّ تلكَ الجماعات تقريباً تدعم نظام الأسد. أمّا مجموعات أمريكا اللاتينية النادرة جدّاً ضدَّ بشار على صفحات الفيسبوك، فهي إمّا لا تُدار من قِبل المنحدِرين من أصلٍ سوريّ أو هي أساساً مكوّنة من غيرِ العرب من الأميركيّين اللاتينيّين.

وجاءت معاركُ دمشق وحلب المترافِقة مع تدخُّل حزب الله لدعمِ الجيش السوري في أوائل عام 2013 لتذكّي النار في تطرُّفِ الخطابات، فانتشرَت الإهاناتُ والاعتِداءات اللفظيّة الأخرى، التي تبلوَرت دوافعُها الطائفية، على وسائط التواصل الاجتِماعيّ. وقد تمّ استِبعاد الأفراد المعارضين للخطِّ السياسيّ لصفحةٍ أو مجموعة ما بشكلٍ منهجيٍّ، باعتبارِهم محرِّضين. وبلغ الأمرُ حدَّ استخدام الوعيد والتهديدات الشخصيّة، كما حدَث في 2015 مع مسؤول مهرجانِ الفيلم العربيّ الذي نظَّمَه معهدُ الثقافة العربيّة في ساو باولو. حدثَ ذلك عندما قام بعرض الفيلم الوثائقي "ماءُ الفضّة، صورةٌ شخصيّةٌ لسوريا"، الذي اعتبرَته بعضُ المنظَّمات العربيّة محرجاً جدّاً لنظام الأسد. وانسحَب العديد من الرعاة، بمن فيهم غرفةُ التجارة العربيّة البرازيليّة، من المهرجان. وتُبيِّن هذه الأمثلة كيف أنَّ سياسةَ الإسكاتِ خلقت صورةً عامّة عن الدعم الجماعيِّ لبشار في الجاليات السوريّة واللبنانيّة في أمريكا اللاتينية، رغم تعمُّق التوتُّرات الناجمة عن الخلافات بين أعضائها حول الصراع في سوريا.

وتجدُر الإشارة إلى أنَّ الحرب الأهليّة السوريّة كانت أيضاً سبباً في نشوء إعلام شرق أوسطي جديد باللغة الإسبانية. وكانت إيران ونظام الأسد وحلفاؤه حريصين بشكل خاص على إنتاج الأحداث المتعلِّقة بسوريا من وجهة نظرهم. على سبيل المثال، بدأت قناة هيسبان تي في (HispanTV) الإخباريّة الإسبانية، والتي تديرها "إذاعةُ جمهوريّة إيران الإسلامية" التي تملُكُها الدولة، البثَّ في كانون الأول/ديسمبر 20115 صفحات الفيسبوك لصالح بشار الأسد تقريباً تشارك فقط مقالات من هذه المصادر أو من وسائل الإعلام الشيعيّة. وأهمّ المصادر الشيعيّة باللغة الإسبانيّة: النسخة الإسبانيّة من المنار التي يملكُها حزب الله، وهي الأولى وقد أطلقت في أوائل عام 2010؛ ِوآبنا (ABNA) التي فتحت صفحة الفيسبوك باللغة الإسبانيّة في تموز/يوليو 2010؛ و"النور تي في" وهي أوَّل قناة عربية إسلاميّة من الأرجنتين، وهي على الهواء منذ كانون ديسمبر 2010؛ و "تبكير تي في" أول برنامج تلفزيونيّ إسلامي في الأرجنتين أُطلق في عام 2012.. وبالمثل، فإنَّ النسخةَ الإسبانيّة من سانا (وكالة الأنباء السوريّة الرسميّة) فتَحت صفحةً على فيسبوك في أيار/مايو 2013. أمّا أحدثُ نسخة من الإعلام "المُوالي للممانعة" في أمريكا اللاتينية فكانت إنطلاقةُ النسخةِ الإسبانيّة من قناة "الميادين" التلفزيونيّةالتي بدأت البث منذ آذار/مارس 2015.

2. اللاجئون: برامجُ خاصّة وصَوتٌ بَديل

إلى جانبِ الجيل القديم من المغتربين، وصلَ مع بداية الحرب جيلٌ جديد من السوريّين إلى أمريكا اللاتينيّة كلاجئين. في الواقع، اعتَمدت بلدانٌ مثل البرازيل والأرجنتين وتشيلي وأوروغواي "برامجَ خاصّة" للسوريّين الفارّين من النزاع. وبينما تعرّض الاتِّحاد الأوروبيُّ وبعض الدول العربيّة للانتِقاد بسبب فشلها في مدّ يد العَون للّاجئين السوريّين، ظهرت دوَلُ أمريكا اللاتيّنية بصورةٍ إيجابيّة عن الأمَم التي ترحِّب باللاجئين.

ومع ذلك، فالأرقام ليست مُبهِرة6 أعلنت حكومة تشيلي أنّها ستأخذ 120 عائلة كجزء من برنامج إعادة التوطين مع مفوّضية الأمم المتّحدة لشؤون اللاجئين. وستصل ستّون منها في تشرين الأول/أكتوبر 2017، بينما يَصل النصفُ الآخر العام المقبل. وأعادت أوروغواي في تشرين الأول/ أكتوبر 2014 توطينَها خمس عائلات سوريّة كانت تعيش في مخيّمات اللاجئين في الأردن في عام 2014. وكما حدث في تشيلي، تم تنفيذُ البرنامج بالتعاون مع مفوضيّة الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. ويبلغ مجموعُ عدد أفراد هذه الأسر 42 شخصا، وتتألّف معظم هذه الأسر من أطفال. وقد قامت حكومة أوروغواي بتأجيل وصول سبع أسر أخرى - 72 شخصا - إلى أَجَل غير مسمّى. في بداية أيلول/ سبتمبر 2015، قال رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو أنَّ بلادّه ستقسبل 20.000 لاجئ من سوريا، ولكنَّ المشروع لم يتحقّق.، وهناك اختِلافاتٌ كبيرة بين سياسات اللجوء في كلّ بلد. وأصبحت البرازيل الوجهَة الرئيسيّة للّجوء في نصف القارّة. وفي عام 2013، أطلَقت البرازيل "تأشيرةً إنسانية" لأيّ مواطن سوريّ أو فلسطينيّ تأثَّر بالنزاع السوري. وَوَفَّرت هذه السياسة طريقاً آمناً بديلاً للذين لا يجِدون مكاناً آخر للذهاب إليه. وَبِحلول أيلول/سبتمبر 2015، تقدَّم 3,340سوريّاً بطلب للحصول على صفة لاجئ في البلد. في حين أتت قِلَّةٌ منهم من خلال شبكات القرابة، فإنَّ معظمَهم لم يكن لديهم صلات سابِقة في المنطقة. وتمَّ تمديدُ البرنامج الذي كان من المقرَّر أن ينتهي في 30 أيلول/سبتمبر 2015. وأعلَنت الحكومة في تشرين الأول/أكتوبر 2016 أنَّ البلد على استِعداد لاستقبال ما لا يقلُّ عن 3000 سوريٍّ آخر من مخيَّمات اللاجئين في الأردن وتركيا ولبنان.

وفي الأرجنتين، أنشأت وزارةُ الشؤون الخارجيّة والعبادة "برنامج سوريا" في تشرين الأول/أكتوبر 2014 للسوريّين واللاجئين الفلسطينيين القادمين من سوريا. كما في البرازيل، يَمنح هذا البرنامج "تأشيرات إنسانية" ولكنَّه أكثرُ تقييداً من التأشيرة البرازيليّة، فأحدُ شروطه إثبات "رابطة القرابة" مع مواطن أرجنتيني. وِفقا للبيانات الرسمية، لم تتلقّ الأرجنتين سوى 807 سوريٍّ حتى اليوم. ويُمكن أن يُعزى التقييد في برنامج سوريا إلى حدِّ كبير إلى منظَّمات الشتات، التي تسعى لإبداء رأيها في اختِيار ملفّات اللاجئين. كما يقول أدالبرتو أسعد، رئيس الجمعيّة الإسلاميّة الأرجنتينيّة العربية: "يجب التأكُّد من أنّ الشخصَ الذي يَصل [إلى الأرجنتين] يتوافق مع أولئك الذين يَعيشون هنا. لا يُمكنك استِقدام شخصٍ مُوالٍ للأسد إيديولوجيّاً مع آخر خصم له. هنا في الأرجنتين، أولئك الذين استقرّوا تاريخيّاً هم العلويّون، وهم يَقفون في صفّ الأسد. ولكن معظم اللاجئين الذين يتدفَّقون هم من السنّة، الذين يفكِّرون بشكلٍ مختلفٍ تماماً، وكذلك الكاثوليك. يجب أن نعرف كيف نتصرَّف ذلك كي نعيش جميعاً معاً بسلام (...) ". وعلى الرغم من هذه القيود، أعلنت حكومة ماكري (2015-2019) أنها وسّعت البرنامج الخاص وتأمل في الوصول إلى استقبال 3000 لاجئ من سوريا.

وأدّى وصول اللاجئين، ولا سيّما في البرازيل، إلى إسماع أصوات من اتِّجاهات مُختلِفة. في ساو باولو، تمكَّنت تنسيقيّة الثورة السوريّة، وهي مجموعة صغيرة مكونة من أفرادٍ من أصول سوريّة-لبنانية وناشطين تروتسكيّين أبدوا دعمَهم وتضامنِهم مع الانتِفاضة السوريّة، من توسيع أنشطتِهم. أحدُ المبادرين لتأسيسٍ هذه الحركة عامر معصراني، مهاجرٌ سوريٌّ من حمص وصل إلى ساو باولو في عام 1996؛ في عام 2012، أنشأ شبكة دعمٍ للّاجئين السوريين وأسّس منظَّمة الواحة غير الحكوميّة. ومع تدفُّق اللاجئين، تمكّنت تنسيقيّة الثورة السورية من حشد تُظاهُرات مُنتظِمة ضدَّ النظام7فيكتوريوس بيان شمس، "البرازيل.. أخبار بالعربية من زاوية عمّالية"، 23 آب/أغسطس 2017، متاح على: institute.aljazeera.net.

ثالثاً - بعيداً عن الطوائف والسياسة؟ السوريّون الأمريكيّون-اللاتينيّون وإعادةُ إعمارِ سوريا

أرسلنا الاستِبيان الذي أعدّته مبادرة الإصلاح العربيّ إلى 19 شخصية بارزة بين المهاجرين السوريّين أو أبنائهم من تشيلي والأرجنتين والبرازيل والمكسيك، واستثنَيْنا اللاجئين من العيِّنة. ومن بين الأشخاص الذين تمَّت مقابلتُهم رجال أعمالٍ ومحامون وكبار المسؤولين التنفيذيّين وسياسيّون وقضاةٌ وأطبّاء وممثِّلو منظَّمات الشتات. أجاب على أسئلة الاستِبيان أقلُّ من نصف العيّنة، ممّا يَدلُّ على عدم الثقة والشكّ العميقَيْن اللذين يُحيطان بالقضايا السوريّة. وأصبح الحديثُ عن السياسة السوريّة، حتّى في شكلِها غيرِ المسيس، مريباً. والحق أنَّ العنف الرمزيّ الناجمَ عن الانقسام الأيديولوجيّ يَجعل الناس لا يَثقون إلّا في شبكات معارفهم القدامى. وأخبرنا أحدُ ممثِّلي النادي الرياضيّ السوريّ أنه لا يستطيع الإجابة على الاستبيان لأنَّ "الأنظِمة الداخليّة للمنظَّمة لا تسمح بذلك".

ومن بين الاستِبيانات التي تمَّت الإجابة عليها، حظيَ إدماجُ اللاجئين في أمريكا اللاتينية والبعدُ الإنسانيُّ للحرب في سوريا بأكبر قدرٍ من الاهتمام.

1. إدماج اللاجئين

"الترحيبُ بعددٍ أكبرّ من اللاجئين"؛ "تقديمُ الدعم لأسرِ اللاجئين مع التركيز على الأطفال، من أجل صحّتهم وتعليمهم، فضلاً عن الدعم النفسيّ والحفاظ على روابطهم الثقافيّة والعاطفيّة مع سوريا". "التحضيرُ لِوُصول اللاجئين السوريّين". "توطيدُ شبكة قويّة للمجتمع المدنيّ مع حكومات البلدان المستقبِلة للّاجئين". "المساعدة والمساهمة في إدماجِ السوريّين الذين هاجروا إلى تشيلي".

تُشكّل مسألةُ الإدماج الاجتماعيّ للّاجئين مصدر قلق كبير لسوريّي أمريكا اللاتينية، ذلك أنّ "أزمة اللاجئين" في أوروبا لها تأثيرٌ مُعاكس على ما يعتبرونه مسؤوليّة ضخمةً بالنسبة للبلدان المضيفة ولمنظَّمات الشتات. ويلعبُ التضامنُ الإثني دوراً  حاسماً في الجهوزيّة للمساهمة في التخفيف من معاناة اللاجئين. وفي حين أيَّدت منظَّمات الشتات فكرة الترحيب بمزيد من اللاجئين في بلدانهم، فضّلت جميعُها استقدام أعداد صغيرة يحبَّذ أن تكون من نفس الانتماءات الدينية للمهاجِرين السابقين. وقد أظهرت التجربة البرازيليّة أنّ الانقسامات السياسيّة والاجتماعيّة والدينيّة بين المغتربين السوريّين القدامى والمَوجات الجديدة من اللاجئين يُمكن أن تؤثِّر على التضامن تجاهَ اللاجئين الذين لم يَحصَلوا إلّا على دعم قليلٍ من المؤسَّسات السوريّة اللبنانيّة.

2. التخفيف من حدِّة الأزمة الإنسانيّة في سوريا

"الدعمُ الإنساني"؛ "إعادة البناء الحضري"؛ "الأولوية للأطفال".

أعرب جميع الذين أُجريَت معهم المقابلات عن استعدادِهم للمساهمة بطريقة ما بالتخفيف من حدَّة الأزمة الإنسانيّة في سوريا. وأشار العديدُ منهم إلى أن منظّمات الشتات قد بدأت ذلك بالفعل منذ عام 2011. ففي البرازيل، قامت لهذا الغرض "لجنة الهجرة" الخاصّة، بإشراف القنصليّة العامّة السوريّة في ساو باولو. وتمكَّنت اللجنة من جمعِ الأموال، وأرسلت في عام 2016 معدّات طبيّة ومستشفيات إلى سوريا. كما  قامت الجالِيَة السوريَّة في تشيلي بحملة عامَ 2015سمحت بشراء ستِّ سيارات إسعاف مجهّزة بالكامل لسوريا. وكما هو الحالُ في البرازيل، كان المشروعُ يُدار من قِبل السفارة السوريّة في سانتياغو والنادي السوري الموحَّد. وأعلن خوان كارلوس سركيس، رئيسُ النادي السوري الموحَّد عن ذلك: "نحن نفهم أنّه بالنظر إلى حجم الكارثة الإنسانيّة في سوريا، ليس هذا سوى

إجراءً صغيراً تجاه يعانون، ولكنّ استجابةَ الجالية كانت هائلة" bوفي كلتَي الحالتَين، سُلِّمت المساعداتُ إلى أعضاء في حكومة الأسد، وجذبت اهتِماماً كبيراً من البرنامج الأسبوعيّ "مع المغتربين" الذي تُقدمه ميساء يونس على محطّة صوت الشعب الإذاعيّة في سوريا.

ويُبين هذان المثالان كيف استغلّ النظام بمهارة تَعلّقَ المغتربين بالوطن لاحتِكار مساهماتهم وتوجيهها. ومع ذلك، تُظهر المقابلات أيضاً أنّ السوريين من أمريكا اللاتينيّة، حتى وإن كانوا يَثقون بالحكومة السورية، فهم لا يتردّدون في العمل مع بعض الجهات الفاعلة الأخرى. وبينما لم يتمَّ ذكرُ المؤسّسات الدوليّة (مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين واليونيسيف) إلا نادراً، فإن منظَّمات المجتمَع المدنيّ والقطاع الخاص والسلطات المحليّة في سوريا ورَدت أكثرَ كشركاء موثوق هم.وبالمثل، فإن المشاريع المحلّيَة في مَسقط الرأس – وبخاصة حمص – تحظى بالأفضليّة على المشاريع الوطنية.

وعلى النقيض من ذلك، لا تتلقّى الفرصُ الاقتِصادية من خلال الاستِثمار دعماً كبيراً، ويحتلُّ الأمن المرتبة الأولى من بينِ الشواغل التي تُعيق ذلك، إلى جانب عدم وجود بيئةٍ مَوثوق بها، بما في ذلك الفساد والوسطاء الذين لا يتصرّفون بشفافية.

خلاصة

حظيَت حكومة بشّار الأسد بدعمٍ صريح بين أعضاء الجاليَات السورية-اللبنانية في أمريكا اللاتينية. وكان ذلك نتيجةً لتاريخ تعبئةِ هذه المجتِمعات حول النظريّات القوميّة التي كانت تتصوّر سوريا قويّة مع دور قياديّ في الشرق الأوسط. وشكّلت سيطرةُ الحزب السوري القومي الاجتماعي وحزب البعث على المنظّمات الإثنيّةالأداةَ لتأطير تلك النظريّات القوميّة ضمنَ الخطوط العريضة لمثال سلطَويّ للقوميّة العربيّة السوريّة. مع مفارقة لا بد من الإشارة إليها: في الوقت الذي ساعدت فيه التعبئةُ السياسيّة على رسم تقاسيمَ أكثرَ وضوحاً للهوية السوريّة في المغترب، قوّضت تلك التعبئة في الآن عينِه إمكانيّةَ وجود هويّة وطنيّة سوريّة مشترَكة على نطاقٍ واسع، بسبب الاستقطاب الهويّاتي والطائفي.

إنَّ استنهاضَ مشاركة الشتات السوري في الغد من أجل إعادةِ إعمار في سوريا، يعود بالنفع على السوريّين جميعاً ويسمح للّاجئين بالعودة، ولكنّه يتطلّب أكثرَ بكثير من مجموعة من النوايا الحسنة. أما في السياق الحالي، فالنظام هو من يَجني جميع فوائد التضامن عبر-الوطني لهذا الشتات الثري.

Footnotes   [ + ]

1.  لتحليل السيولة البنيوية لديموغرافيات المهاجرين الناطقين بالعربية وذريتهم في البرازيل انظر Karam 2007: 10-13; Pinto 2010: 15.
2. وبمساعدة من زملاء آخرين من المثقفين، شكل الرابطة الوطنية السورية، وهي حركة سياسية سرية سرعان ما تفككت. وشكل بعد ذلك تنظيما سياسيا جديدا يدعى حزب السوريين الأحرار، ولكن هذه المحاولة الثانية لم تدم سوى بضع سنوات.
3. جادل جورج أنطونيوس في كتابه الشهير الصحوة العربية، عام 1938، أن المسيحيين السوريين لعبوا دورا حاسما في التطور المبكر للقومية العربية. على الرغم من أن هذه الرسالة قد حل محلها بحث أحدث (انظر C. Ernest Dawn, "The Origins of Arab Nationalism," in Rashid Khalidi, et al., eds., The Origins of Arab Nationalism, 19911991)، ولاحظ مؤلفون آخرون أن الأرثوذكس لديهم علاقة أكبر بالقومية العربية (Hopwood, 1969; Hourani, 1947; Haddad, 1970).
4.  "الله، سوريا، بشار وبس"، شبيحة للأبد، لعيونك يا أسد"؛ "بالروح بالدم نفديك يا بشار". ويُذكر أنّ "الشبيحة" ميليشيات مسلحة مرتبطة حزب البعثالحاكم بقيادة عائلة الأسد.
5.  صفحات الفيسبوك لصالح بشار الأسد تقريباً تشارك فقط مقالات من هذه المصادر أو من وسائل الإعلام الشيعيّة. وأهمّ المصادر الشيعيّة باللغة الإسبانيّة: النسخة الإسبانيّة من المنار التي يملكُها حزب الله، وهي الأولى وقد أطلقت في أوائل عام 2010؛ ِوآبنا (ABNA) التي فتحت صفحة الفيسبوك باللغة الإسبانيّة في تموز/يوليو 2010؛ و"النور تي في" وهي أوَّل قناة عربية إسلاميّة من الأرجنتين، وهي على الهواء منذ كانون ديسمبر 2010؛ و "تبكير تي في" أول برنامج تلفزيونيّ إسلامي في الأرجنتين أُطلق في عام 2012.
6.  أعلنت حكومة تشيلي أنّها ستأخذ 120 عائلة كجزء من برنامج إعادة التوطين مع مفوّضية الأمم المتّحدة لشؤون اللاجئين. وستصل ستّون منها في تشرين الأول/أكتوبر 2017، بينما يَصل النصفُ الآخر العام المقبل. وأعادت أوروغواي في تشرين الأول/ أكتوبر 2014 توطينَها خمس عائلات سوريّة كانت تعيش في مخيّمات اللاجئين في الأردن في عام 2014. وكما حدث في تشيلي، تم تنفيذُ البرنامج بالتعاون مع مفوضيّة الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. ويبلغ مجموعُ عدد أفراد هذه الأسر 42 شخصا، وتتألّف معظم هذه الأسر من أطفال. وقد قامت حكومة أوروغواي بتأجيل وصول سبع أسر أخرى - 72 شخصا - إلى أَجَل غير مسمّى. في بداية أيلول/ سبتمبر 2015، قال رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو أنَّ بلادّه ستقسبل 20.000 لاجئ من سوريا، ولكنَّ المشروع لم يتحقّق.
7. فيكتوريوس بيان شمس، "البرازيل.. أخبار بالعربية من زاوية عمّالية"، 23 آب/أغسطس 2017، متاح على: institute.aljazeera.net