التوازن بين الحَدِّيّة والمشاركة الفعالة: فهم أنماط تعبئة الشتات الليبي

epa03294996 A Libyan couple flash the victory sign while passing close to an election poster after casting their ballots at polling station in Dubai, United Arab Emirates, 04 July 2012. Libyans abroad started on 03 July 2012 voting to elect a 200 seat National Assembly, from among over 2,500 independent candidates and more than 140 political entities. The election will be the first nationwide election since 1960, when former dictator Muammar Gaddafi banned political parties and elections. EPA/ALI HAIDER

مقدمة

لاقت عملية حلف شمال الأطلسي في عام 2011 للإطاحة بالدكتاتور الليبي معمر القذافي، الذي حكم البلاد لفترة طويلة، دعماً كبيراً من الليبيين في المنفى، الذين لم تطأ قدم كثير منهم البلاد منذ عقود -بعضهم منذ عام 1969، حين نفذ القذافي انقلابه العسكري على الملك محمد إدريس السنوسي- وقد شكلوا في المهجر مجتمعاً مترابطاً للغاية يتألف من مثقفين وأطباء وأساتذة جامعيين وفنانين وسياسيين وغيرهم من نشطاء المجتمع المدني، فكوَّنوا معاً قوة معارضة للنظام.

ومع تجلي الفصول المفجعة لما بدأ في 2011 كانتفاضة شعبية ليبية، ما لبثت أن تحولت إلى حرب أهلية مديدة ثم إلى حرب بالوكالة، توسَّع الشتات الليبي ليشمل فئات جديدة من النشطاء والفاعلين السياسيين من الذين التمسوا اللجوء في الخارج، إضافة إلى فئات اقتصادية واجتماعية جديدة ممن فروا من البلاد بسبب الأوضاع الاقتصادية والأمنية المتدهورة.

لكن على الرغم من هذه السمات المتنوعة لأبناء الشتات، لم يقوض النزاع مطلقاً الجهود التي يبذلها الليبيون في المنفى لإعادة بناء مجتمع قادر على الاحتشاد من أجل تعزيز السلام والمصالحة. وانطلاقاً من الشبكات المتينة التي كونها أبناء المهجر مع صناع السياسات الغربيين والعرب خلال سنوات المنفى الطويلة، استطاع الشتات الليبي -الذي لم يكن يتألف يوماً من نسيج متجانس- المساهمة في التغييرات التي حدثت في البلاد منذ سقوط نظام القذافي.

تبحث هذه الدراسة في تكوين الجاليات الليبية في المنفى منذ عام 2011، والعلاقات المختلفة التي تربطها بالوطن، وبعض من الأدوار المختلفة التي اضطلعت بها من أجل بناء المجتمع المُتخيَّل ومشاركتها في إعادة بناء البلاد. ومن خلال استكشاف طبيعة الشتات وتوزيعه الجغرافي، مع تركيز خاص على الجالية الليبية في تونس مقابل مثيلاتها في المملكة المتحدة والولايات المتحدة، تقيِّم الدراسة الطابع الذي يميّز أبناء الشتات الليبيين في منفاهم.

وخلص البحث إلى أن القضايا المتعلقة ببناء السلام والمصالحة وتمكين المرأة والأقليات تمثل نقاطاً محورية لِليبيين في المهجر، الذين -على الرغم من اختلاف انتماءاتهم الأيديولوجية والثقافية والقَبَليّة- يمكنهم التوصل إلى أرضية مشتركة عندما يتعلق الأمر بمناقشة مستقبل ليبيا في مرحلة ما بعد الإطاحة بالقذافي.1ينبغي أن يُفهم اِستخدامي مصطلحَ "القَبَليّة" بمعناه التقليدي في مرحلة ما قبل تأسيس الدولة الليبية، للدلالة على "الولاءات القَبَليّة، وروابط القرابة والإخاء، والانتماء إلى السناجق العثمانية في مرحلة ما قبل الاستعمار"، وهو معنى لم يتلاشَ تماماً خلال فترة حكم القذافي الدكتاتورية. انظر: لكن، عند دراسة عمل المنظمات الليبية في المهجر وتوضيح سياق موجات النزوح المختلفة ووجهاتها المتعددة، أشار البحث أيضاً إلى وجود اختلافات كبيرة في أنماط التعبئة التي يضطلع بها أبناء الشتات.

وبشكلٍ أكثر تحديداً، أظهر البحث أن الروابط بين الليبيين في المهجر ووطنهم تختلف باختلاف علاقتهم به، شأنها شأن هياكل الفرصة السياسية، وهو ما يؤثر على نوع التعبئة التي يضطلع بها الشتات. وهكذا، فإن الليبيين المغتربين في تونس -الذين يلتزمون بأنماطٍ من الهجرة أو الحراك الدائري وغالباً ما يأملون في العودة، وهم أيضاً الأكثر تخوفاً من المشاركة في التعبئة السياسية والأكثر تعرضاً للخطر حينها- يميلون إما إلى البقاء بعيداً عن الأنظار أو يفضلون أن تكون مشاركتهم من خلال أنشطة المنظمات الدولية الموجودة في تونس وأُطُرها.

على النقيض من ذلك، نجد أن المغتربين في العواصم الغربية تمكنوا من بناء علاقات قوية مع صناع سياسات أجانب وبعض المنظمات الدولية من أجل الترويج والدعاية لعمليات التحول السياسي في ليبيا وممارسة الضغط لصالحها. لكن في كل الحالات، واجهت المشاركة السياسية المباشرة لليبيين المغتربين في سياسات الوطن عدداً من القيود المؤسسية والقانونية والعقبات الإدراكية، لكن تلك المشاكل أظهرت -مع ذلك- مؤشرات على إمكانية تجاوزها والتغلب عليها من خلال الانتماء المشترك للمجتمع الليبي المُتخيّل.

استناداً إلى مقابلاتٍ منسقة مسبقاً وأخرى شبه منسقة مع أربعة مغتربين ليبيين، واستبيانٍ على الإنترنت تم نشره عبر بودكاست ليبي مشهور، وحوارٍ مع مقدم ومُعِد البودكاست، وحضوري مؤتمرَين عبر زووم نظمتهما مؤسسة ليبية في الشتات، واعتماداً على البيانات الإحصائية المتاحة، وإجراء استعراض كَيفِي للمحتوى الذي نشرته مجموعات الشتات الليبي على منصات التواصل الاجتماعي في الفترة ما بين أيلول/سبتمبر 2019 وكانون الثاني/يناير 2021، تُقدِّم لنا الدراسة تقييماً عن طبيعة العلاقة التي تربط أفرادَ الشتات الليبيين بوطنهم وبعضَهم ببعض، وكيف تؤثر تلك العلاقات في أنماط التعبئة المختلفة التي يضطلعون بها. تختتم الدراسة بعرض بضعة توصيات لصناع السياسات الليبيين والدوليين فيما يتعلق بأفضل سبل تقديم الدعم إلى الشتات الليبي لتنفيذ جهودهم الرامية إلى تعزيز المصالحة وبناء السلام والإصلاح المؤسسي وتحقيق العدالة الانتقالية في ليبيا.

الإسهامات الأولى للشتات الليبي: بناء دولة قومية وتعزيز مفهوم القومية الليبية

حتى قبل تأسيس دولة ليبيا الحديثة، أدى مجتمع المنفى دوراً محورياً في تشكيل وتعزيز الدولة القومية ومفهوم القومية الليبية. فوَفقاً للكاتبة آنا بالدينيتي،2Baldinetti, 2010. تشكلت النواة الأولى للهوية الوطنية الليبية بفضل أنشطة الليبيين الذين يعيشون في المنفى عقب الاحتلال الإيطالي لليبيا عام 1911. فقد كان لهم دور في دمج الهويات الإثنية والقبلية وغيرها من انتماءات وروابط القرابة في مجموعة من الأحزاب السياسية، وهو الأمر الذي ساهم في تشكيل القومية الليبية كما نعرفها اليوم.

ومع نيل البلاد استقلالها عن إيطاليا في 24 كانون الأول/ديسمبر من عام 1951، وفي ظل التغيرات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية العميقة التي حدثت في الفترة بين عامي 1951 و1969 -العام الذي نفذ فيه معمر القذافي انقلابة على الملك إدريس السنوسي- تصاعدت وتيرة عمليات النفي وكذلك جهود التعبئة التي يضطلع بها أبناء الشتات.3بناءً على تعريف فيست وباوبوك (2010)، يمكن فهم الشتات الليبي على أنه "مجتمع مُتخيّل متفرق خارج الحدود الإقليمية، يشترك أفراده في هوية سياسية أساسية مرتبطة 'بالوطن' ويضطلعون ببعض أشكال التعبئة أو المشاركة المادية وغير المادية لخدمة هدف محدد يتمثل في 'دعم أو مواجهة' السياسات المحلية في الوطن أو دولة المنشأ". طالع: وقد أدى التغيير السياسي الهائل في فترة حكم القذافي إلى نفي النخب السياسية والاجتماعية والثقافية إلى مصر المجاورة، وكذلك إلى البلدان الغربية -خاصة المملكة المتحدة والولايات المتحدة- التي تستضيف بعض أكبر الجاليات الليبية في الشتات. وقد واصلت تلك الجاليات المساهمة في بناء وتعزيز مفهوم الدولة القومية والقومية الليبية.4Alice Alunni, “Long-Distance Nationalism and Belonging in the Libyan Diaspora (1969–2011)”, British Journal of Middle Eastern Studies, Vol.46 No.2, 2019.

على الرغم من ذلك وبينما ساهم الشتات الليبي في السنوات التي سبقت 2011 في تعزيز مفهوم القومية الليبية، واجهت التعبئة التي يضطلع بها معوقات كبيرة تحول دون إمكانية إحداث تأثير كبير على سياسات الوطن. يناقش بيتر سيبرغ، على سبيل المثال، تهميش الشتات الليبي في عهد القذافي نتيجة العزلة الدولية التي فُرضت على ليبيا من أواخر الثمانينات حتى أوائل العقد الأول من الألفية (وحتى بعد 2011)، نظراً لتدهور الوضع الأمني، الأمر الذي جعل من الصعب على الجاليات في الشتات التأثير على الوطن.5Peter Seeberg, “Transnationalism and Exceptional Transition Processes: The Role of the Libyan Diaspora from Qadhafi’s Jamahiriyya to Post-Revolutionary Civil War and State Collapse”, British Journal of Middle Eastern Studies, Vol.47 No.5, 2018.

غير أن هذا الوضع تغير مع اندلاع انتفاضة 2011 وبعد الإطاحة بنظام القذافي. فقد أدى القمع العنيف الذي مارسه النظام إلى فرار عدة الآلاف من الليبيين -خاصة الموالين للقذافي في بادئ الأمر- إلى الجارتين مصر وتونس،6Megan Bradley, Ibrahim Fraihat, and Houda Mzioudet, Libya’s Displacement Crisis: Uprooted by Revolution and Civil War, Georgetown University Press, 2016. ومن ناحية أخرى، شهدت الثورة الليبية أيضاً عودة بعض المنفيين منذ عام 1969. ثم تغيرت الديناميات مجدداً في 2014، عندما حدثت موجة جديدة من الهجرة فراراً من الحرب الأهلية. وهكذا شهدت تلك الموجات المختلفة من الهجرة تنوعاً في طبيعة الشتات الليبي، وتميزت أيضاً بوجود فرص جديدة للمشاركة في القضايا المتصلة بالوطن.

لقد أدى سقوط نظام القذافي إلى ظهور أدوار جديدة للشتات الليبي تساهم في التطورات السياسية الجارية في الوطن، وفي نمو مفهوم الدولة القومية الليبية. أصبح انخراط الليبيين في الخارج، بعد انعتاقهم من القمع العابر للحدود7Dana Moss, “Transnational Repression, Diaspora Mobilization, and the Case of the Arab Spring”, Social Problems Vol.63 No.4, 2016. الذي تعرضوا له في ظل نظام القذافي، أكثر بروزا مع نشاطٍ في الحشد والتعبئة لمواجهة القمع. وعلى وجه الخصوص، ساعد مجتمع المنفى الليبي، الذي حشد لدعم انتفاضة 2011، من مواقعه في الشتات، على تحديد معالم المرحلة الانتقالية في ليبيا ما بعد القذافي، ساعياً إلى لعب دور نشط في العملية الانتقالية. مع ذلك، فإن الأشكال المختارة لتوجيه التعبئة للوطن والمشاركة في سياساته، إضافة إلى الفرص والقيود القائمة لكل نمط من أنماط التعبئة، ترتبط إلى حد كبير بأماكن الشتات، وكذلك بالموقف تجاه ليبيا. تُظهر مقارنةُ ديناميات الهجرة والتعبئة بين الليبيين في تونس وأولئك المقيمين في أوروبا وأميركا الشمالية مجموعةً مختلفة من المؤشرات التي تنبئ عن ديناميات التعبئة.

"التهجير المتجذر": ديناميات الشتات الليبي في تونس

"نظراً لتهديدات شخصية استهدفت أسرتي، اضطررت إلى الفرار من البلاد خلال الثورة، وعدت بعد تحرير طرابلس [في أكتوبر 2011]، ثم غادرت البلاد [مجدداً] في 2014 بسبب الحرب. فقبل الثورة الليبية عشنا في عدة دول مختلفة، وفي وقت ما كان على والدي الحصول على هوية مختلفة بسبب مطاردة نظام القذافي لعائلتنا."8مقابلة أجراها المؤلفة في 12 آب/أغسطس 2020.

في استعراض لأجيال الهجرة السياسية الليبية والنفي والشتات إلى تونس، يتضح لنا ديناميات ما أسميه "التهجير المتجذر" (أو"النزوح المؤقت") الذي يجعل من تونس وجهة سهلة وجذابة للنزوح، ولكن الأهم أنه في نهاية المطاف يمكنها أيضاً من أن تكون بمثابة نقطة انطلاق للعودة. ونتيجة لذلك، شهدت تونس في أعقاب عام 2011 موجتَين مهمّتَين من هجرة الليبيين الفارين من الديناميات السياسية غير الملائمة وحالة انعدام الأمن في الوطن، دون أن يستقروا بشكل دائم. كانت النتيجة مبشّرة بتلاشي الانقسامات الأيديولوجية، ولكن ذلك أدى أيضاً إلى تفضيل أشكال معينة من التعبئة تجاه الوطن وأعاق ظهور أشكال أخرى.

فمن ناحية أدى حجم الوجود الليبي في تونس وتاريخه الطويل إلى إنتاج مجتمع ديناميكي/حيوي شديد التماسك، بإمكانه استيعاب أعضاء جديد وتوفير قدر من الألفة لهم. فالشتات الليبي في تونس هو أحد أقدم مجتمعات الليبيين خارج وطنهم الأم، ويمثل طائفة واسعة من الأيديولوجيات التي تمتد من المحافظين اجتماعياً إلى الأكثر ليبرالية. ويمكن أن تجد الليبيين يعيشون في المراكز الحضرية، متمركزين في مجتمعات متقاربة في تونس العاصمة أو متفرقين في مراكز حضرية أصغر حجماً، مثل منتجع الحمامات الساحلي والمدن المختلفة بمحافظة نابل في الشمال الشرقي. ومع بداية التحولات السياسية الكبرى في ليبيا مطلع عام 2011 ومجدداً في عام 2014، تأسس مجتمع ليبي مزدهر يمثل مرحلة ما بعد 2011، ومن بين ما يشمل حَيَّي العوينة والنصر في تونس العاصمة، اللذين تحولا إلى "طرابلس الصغرى" الجديدة حيث فُتحَت سلسلة من المطاعم الليبية لتلبية مطالب وحاجات عدد متزايد من العملاء الليبيين. واعتباراً من عام 2013، كانت هناك خمس مدارس ليبية في تونس العاصمة والحمامات وسوسة والمهدية وصفاقس، خضعت كلها لقوانين الحكومة الليبية في ذلك الوقت، ولبت احتياجات مجتمعات الشتات الليبي -غالباً أطفال من انتقلوا إليها منذ عام 2011- في هذه المدن التونسية.9Thomas Rosenthal, “L’école en exil: Étude de l’école libyenne de Sfax en Tunisie”, MA Thesis, UP1 UFR11 - Université Paris 1 Panthéon-Sorbonne - UFR Science Politique. 2015, available at https://dumas.ccsd.cnrs.fr/dumas-01293211.

ومع ذلك، من ناحية أخرى، يتميز الشتات الليبي في تونس بحراك دائري ذهاباً وإياباً إلى نقطة الانطلاق نفسها. والأمثلة على دائرية هذا الشتات وفيرة. على سبيل المثال، حدثتنا إحدى مَن أجرينا معهم المقابلات، وهي تعيش في تونس العاصمة منذ عام 2014، عن ملحمة أسرتها وحلقة النفي المتواصلة التي تدور فيها منذ سبعينيات القرن الماضي. فقد فرّ والداها إلى أوروبا ثم إلى الشرق الأوسط ومنه إلى المغرب، وذلك بسبب أنشطة والدها المعارضة لنظام القذافي؛ ثم عادت الأسرة إلى ليبيا قبل اندلاع الثورة ولكنها اضطرت إلى مغادرة البلاد فترة وجيزة خلال عام 2011، لتذهب أخيراً إلى منفى شبه دائم في عام 2014، متنقلةً ما بين أوروبا والخليج وتونس. محور روايتها حول الحركة المتكررة إلى مواقع مختلفة هي تونس التي تظل الوجهة المفضلة للأسرة، نظراً لقربها من ليبيا وما يتيحه هذا من إمكانية العودة في حال تحسّنت الأوضاع في ليبيا. وبالفعل بقي التوق إلى حدوث تحسّنٍ في الأوضاع الأمنية وإلى عودةٍ دائمة إلى الوطن يداعبُ أحلام كثير من الليبيين؛ لذا تظل تونس الاختيار المفضل لدى كثير منهم عند التفكير في إعادة التوطّن، وتحديداً لأنها تمثل الفرصة المُثلَى في مرحلة دائرية الشتات.10مقابلة أجراها المؤلف في 12 آب/أغسطس 2020. أسهمت ديناميات النزوح المؤقت هذه في موجات جديدة من هجرة الليبيين إلى تونس في أعقاب عام 2011، على الرغم من الاختلافات الأيديولوجية المهمة بين القادمين الجدد. وعلى هذا النحو، لا تقوم الهجرة الليبية إلى تونس على أساس الانتماء الأيديولوجي، الأمر الذي يعني أن مجتمع المنافي، هو في الواقع مجتمعٌ غير متجانس تماماً. ومع ذلك، فإن التقارب والعلاقات الوثيقة بين تونس وليبيا، إلى جانب وجود الحراك أو الهجرة الدائرية، يعملان أيضاً، في الوقت نفسه، كمتغيران من المتغيرات التي تحدد أنماط التعبئة التي ينخرط ويشارك فيها أبناء الشتات.

شهد سقوط نظام القذافي في عام 2011 وصول كثير من الموالين له إلى عدد من المدن التونسية الكبرى، وكانت حياتهم تتسم بانعدام الثقة والتزعزع، إضافة إلى دبيب الخوف من انعدام الأمن ومخاطر التعرض للانتقام. فالموالون للقذافي يعيشون حياةَ البرزخ في تونس، حيث لا تعتبرهم السلطات التونسية من اللاجئين، نظراً لإحجامهم عن التقدم بطلبات الحصول على وضع اللجوء لدى مفوضية الأمم المتحدة للاجئين، وإنما يعيشون بعيداً عن الأنظار، وغالباً ما يتجاوزون فترة إقامتهم القانونية في تونس، ومدتها ثلاثة أشهر. أما السلطات التونسية، فتغض الطرف عن وضعهم "غير القانوني"، الأمر الذي يخلق وضعاً من انعدام الاستقرار يعتمد خلاله كثيرون على التحويلات التي يرسلها أقاربهم في ليبيا، مما يمثل تدفقاً عكسياً للموارد المالية من الوطن الأم إلى البلد المضيف.

بالنسبة للموالين للقذافي الذين يعيشون في تونس، فقد أدى انعدام ثقتهم في الطبقة السياسية الجديدة في ليبيا إلى زيادة شعورهم بالعزلة والإهمال.11Bradley et al., 2016. في حين لجأ القذافي إلى أسلوب "العقاب بالوكالة"12Moss, 2016. «أو الانتقام من الأسر» لترهيب المنشقين الليبيين المهاجرين إلى المملكة المتحدة في الثمانينيات، وإثارة الشعور بعدم الثقة تجاه باقي الليبيين في الشتات، يخشى أولئك الموالون الذين يعيشون في المنفى منذ 2011 من تعرضهم لعمليات انتقامية في ظل المزاعم التي تشير إلى تورطهم في انتهاكات لحقوق الإنسان بحق مدنيين ليبيين خلال الاحتجاجات. تفاقم هذا الخوف عندما سلمت تونس في أواخر 2012 رئيس وزراء القذافي السابق، البغدادي المحمودي، إلى السلطات الليبية -- في خطوة استنكرتها مجموعات حقوق الإنسان في تونس وكذلك المنفيين الليبيين التابعين لِنظام القذافي الذين خافوا من احتمالية ملاقاتهم المصير ذاته.

مع ذلك، أدى تصدُّع الساحة السياسية الليبية في 2014، الذي تميز بانتخابات برلمانية أسفرت عن تأسيس برلمانيين متناحرين أثارا الشِقاق بين شرق ليبيا وغربها، وأيضاً المجازفات العسكرية للجنرال المنشق خليفة حفتر، إلى تولد موجة جديدة من الهجرة شهدت انتقال السفارات والمنظمات الدولية من ليبيا إلى تونس -- إضافةً إلى الليبيين الذين يعملون لصالح تلك الهيئات.

وفي صيف عام 2014، ازداد تدفق الليبيين إلى تونس، بعد اندلاع اشتباكات قرب مطار طرابلس بين مليشيات فجر ليبيا وكتائب الزنتان المتناحرة. تشكلت موجة الهجرة الثانية تلك من الليبيين الذين شعروا بخيبة أمل من نتائج الثورة وتطورها إلى حربٍ أهلية مديدة. اشتملت هذه الفئة الأخيرة على من كانوا في أحد الأيام داعمين للثورة الليبية لكنهم وجدوا أنفسهم يواجهون الوضع ذاته من انعدام الأمن والخوف على حياتهم بسبب تصاعد دوامة العنف بين المجموعات المسلحة المختلفة. وعلى سبيل المثال، كان من بين من التمسوا اللجوء إلى تونس، شخصيات إعلامية ونشطاء في المجتمع المدني وفنانين وصحفيين ممن وجدوا ملاذاً آمناً لهم في العاصمة تونس حيث تمكنت الجالية الليبية من بناء حياة اجتماعية واقتصادية ربما تنافس نظيرتها في مصر.

مع ذلك وفي حين شهدت موجتا الهجرة اللتان أعقبتا 2011 انقسامات مهمة بين الفئات المناهضة للقذافي والمؤيدة له، فقد بدأت الخطوط الفاصلة بينهم في التلاشي نتيجة المغريات التي تطرحها إعادة التوطّن في تونس والتمازج الذي صاحب ذلك. وبهذا، ولأول مرة منذ الإطاحة بالقذافي في 2011، تبددت الانقسامات الأيديولوجية بين الليبيين الموجودين في تونس. رغم ذلك، كان لقرب ليبيا من تونس، الذي يسمح بهذا النوع من النزوح المؤقت لأبناء الشتات الليبي، تأثير مهم على طبيعة التعبئة من أجل الوطن. فعلى سبيل المثال، أثر الحضور القوي للمنظمات الدولية إلى جانب بعثات الأمم المتحدة لدعم ليبيا التي تستضيفها تونس على كيفية حدوث التعبئة.

قدم الانتقال إلى تونس للبعض أشكالاً جديدة من المشاركة والنشاط عبر العمل في المنظمات الدولية. مثلاً، روت لنا واحدة ممن أجرينا معهم مقابلات، كيف أنها تعمل في بناء قدرات منظمات المجتمع المدني "لدعم رواد الأعمال على أرض الواقع، لا سيما النساء" من خلال عملها مديرة مشروع في إحدى المنظمات الدولية.  نجح كذلك بعض نشطاء المجتمع المدني المقيمين في تونس في تنظيم فعاليات ومؤتمرات دولية لتسليط الضوء على الصراع الليبي والمشاركة في عملية بناء السلام في ليبيا المستقبلية بفضل وجود الأمم المتحدة. فعلى سبيل المثال، أشرفت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا «أونسميل» على إحدى الفعاليات البارزة التي كانت حجر الأساس للحوار الوطني الليبي اللاحق الذي احتضنته تونس في أيلول/سبتمبر 2015.

ضمّ "المنتدى الوطني لتنمية الحوار الليبي" مجموعة من صناع القرارات السياسية والاقتصادية الليبيين، إضافة إلى دبلوماسيين وأكاديميين وممثلين عن منظمات المجتمع المدني "لِنزع السلاح المنتشر في ليبيا وإنشاء منطقة خضراء من أجل حماية حكومة الوفاق الوطني". نظمت مؤسسة "سلمتم" للتنمية الشاملة المؤتمر، وهي منظمة مجتمع مدني ومؤسسة إعلامية مقرها تونس، ويترأسها الناشط الإعلامي الليبي ربيع شرير.

مع ذلك، يتجنب أفراد الشتات التعبئة السياسية الصريحة عموماً إلى حدٍّ كبير. بالنسبة لمن يتحاشون لفت الانتباه ومن يعيشون غالباً في ظل أوضاع غير مستقرة، يُعد التواري عن الأنظار استراتيجية نجاة لا بد منها. على نحوٍ مماثل، تجنب من يأملون في العودة إلى ليبيا بمجرد تحسن الأوضاع المشاركة السياسية. يميل الليبيون في تونس إلى الانخراط في أشكال التعبئة الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية، لا سيما عندما يتعلق الأمر بإنقاذ الليبيين النازحين داخلياً من ضحايا تجدد الاشتباكات في 2014 بين قوات شرق ليبيا الموالية للجنرال حفتر والجماعات الإسلامية المتطرفة (خاصة التابعة لداعش). لا يحبذ أفراد الشتات، رغم ذلك، بعض الأشكال الأخرى من التباري أو الضغط السياسي نظراً لعلاقة المنفى التي تربطهم بالبلد المضيف من جهة ووطنهم الأم من جهة أخرى.

لكن هذا التحاشي للتعبئة السياسة، يرجع أيضاً إلى الموقف التونسي من الصراع في ليبيا وطريقة حله. فقد اتخذت تونس موقفاً صارماً تجاه أفراد المجتمع الليبي الذين مارسوا السياسة في تونس، ورحلت بعضاً ممن شاركوا في أيّة أنشطة سياسية على الأراضي التونسية. وبالفعل، حافظت تونس دائماً على موقفها الحيادي نوعاً ما تجاه الصراع من خلال الإبقاء على الروابط التاريخية القوية مع الشعب الليبي والوقوف على مسافة متساوية من كافة الأطراف الليبية المتنازعة. في نهاية المطاف، ونتيجة لذلك، تراجع الليبيون المقيمون في تونس جزئياً عن الرغبة في زعزعة العلاقات الليبية التونسية أو الضغط على الحكومة التونسية لاتخاذ موقف داعمٍ لأيٍّ من الطرفين.

ثبتت صحة ذلك خاصة بعد اندلاع الحرب الأهلية في 2014. فقد دعمت تونس بقوة الحوار الوطني الليبي في عام 2016، وحكومة الوفاق الوطني المنبثقة عنه برئاسة فايز السراج. حتى هذه المرحلة، شدد خميس الجهيناوي، وزير الشؤون الخارجية التونسي السابق، على أهمية تشكيل حكومة تجمع كافة الليبيين من أجل الاتفاق على تحقيق الاستقرار في ليبيا وتونس، وتضمن حدوث ذلك. واصلت تونس الحفاظ على موقفها بعدم التدخل في الصراع المحتدم خلال العملية العسكرية التي شنتها القوات المسلحة الليبية/الجيش الوطني الليبي على طرابلس في عام 2019، والتي فشل خلالها الجنرال خليفة حفتر في الاستيلاء على العاصمة.

في حين تراجع الخطر الداهم الذي تشكله القوات المسلحة الليبية/الجيش الوطني الليبي على موقف تونس الحيادي بعد فشل عملية حفتر، لم يطرأ أيّ تغيير كبير على التعبئة السياسية التي يضطلع بها الليبيون في تونس منذ 2011. وعلى الرغم من حدوث تغيُّر كبير يتمثل في انطلاق "ملتقى الحوار السياسي الليبي"13UNSMIL, “Libyan Political Dialogue Forum Kicks Off in the Tunisian Capital and Discusses a Draft Political Roadmap” November 2020, available at https://unsmil.unmissions.org/libyan-political-dialogue-forum-kicks-tunisian-capital-and-discusses-draft-political-roadmap الذي استضافه تونس في 9 تشرين الثاني/نوفمبر عام 2020 (والذي كان إيذاناً بعودة تونس إلى المشهد الليبي بوصفها جهة فاعلة استباقية)، فقد ظلت التعبئة السياسية للشتات الليبي في تونس محصورة ضمن إطار العمليات الرسمية.

الشتات الليبي في أوروبا وأميركا الشمالية: تشكيل المجتمع المُتخيّل العابر للحدود الوطنية

خلافاً لما كان عليه مجتمع الشتات في تونس، تتمتع الجاليات الليبية في أوروبا وأميركا الشمالية بعلاقات مختلفة إزاء الوطن، فضلاً عن اختلاف الفرص المتاحة أمام جهود التعبئة والقيود التي تحول دونها، بما في ذلك الشبكات المتينة التي كوّنها أبناء المهجر مع صُناع السياسات في البلد المُضيف، بالإضافة إلى القدرات المختلفة على استثمار المجال العام. ونتيجة لذلك، اتسمت أشكال التعبئة التي تبناها الشتات في الغالب بأنها ذات طابع سياسي إلى حد بعيد، بل ويضطلع بها أيضاً أفراد الشتات الذين تربطهم علاقات مختلفة مع ليبيا، ترتكز بصورة كبيرة على شعور بالواجب الأخلاقي بالمساهمة في تعافي الأمة والنهوض بها أكثر من مجرد آمال العودة، التي تعتمد اعتماداً كبيراً على جهود وأنشطة الجيل الثاني من الليبيين. ومِن ثَمّ، فقد اتسم الشتات الليبي في مختلف أنحاء أميركا الشمالية وأوروبا بقدر أعظم من المشاركة الاستباقية في جهود إعادة الإعمار وبناء السلام والتعبئة في مرحلة ما بعد القذافي على المستويات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية.

حين اندلعت الانتفاضة الليبية ضد نظام القذافي في شباط/فبراير 2011، احتشدت مجموعة من النشطاء الليبيين الشباب الذين يعيشون في المدن الأوروبية وأميركا الشمالية، والعديد منهم لم يعش قط في ظل نظامه الاستبدادي، وتمكّنوا من التواصل عبر الإنترنت لإنشاء منظمات مجتمع مدني عابرة للحدود الوطنية تهدف إلى النهوض بالبلاد. وبسبب القمع العابر للحدود الذي دام عقوداً من الزمن لأصواتهم وأرواحهم ووجودهم، فقد المنفيين الليبيين الذين يعيشون في أماكن بعيدة صلتهم الراسخة بوطنهم.

فقد تمكن شباب الجيل اللاحق الذين وُلدوا غالباً خارج ليبيا وعرفوها من خلال الذكريات والروايات التي عاشها آباؤهم المنفيين، من تحقيق الفكرة المهيبة للجيل الأول من الليبيين الذين يعيشون في الشتات المتمثلة في الانتقال من "الخضوع إلى المواطنة"، وهي عملية تنطوي على التحرر من "أغلال الاستبداد وتبني المشاركة المدنية باعتبارها وسيلة للتغيير الاجتماعي".14Moss, 2016:495. وعلى هذا النحو، كان ظهور المواطنين الليبيين في الشتات على الساحة عندما اندلعت الانتفاضة ضد القذافي بمثابة نهاية لما شهده الماضي من نقص أو غياب جهود التعبئة، واستدراك لواقع ديناميات الشتات الليبي المتغيرة.15Moss, 2016; Alunni, 2019. See also Martin Russell and Ramadan Sanoussi Belhaj, “A Study on Libyans Living Abroad: Profiling of Libyans Living Abroad to Develop a Roadmap for Strategic and Institutional Engagement”, International Centre for Migration Policy Development, 2020.

فقد ظهرت أشكال مختلفة من النشاط العابر للحدود، ساهم في تواصل الليبيين في الشتات مع أولئك الذين لا يزالون داخل البلاد، والعمل من أجل تمكين الفئات المهمشة. وقد كان "منتدى الشباب الليبي" و"المبادرة المدنية الليبية‎" من بين أبرز المنظمات غير الحكومية العابرة للحدود الوطنية16صفحة "منتدى الشباب الليبي" على فيسبوك، 2012 ، فضلاً عن تأسيس منظمات أخرى بما في ذلك منظمة "منبر المرأة الليبية من أجل السلام"، و"حركة النساء الأمازيغيات"، ومنظمة "معاً نبنيها"، وجميعها تقوم بأدوار فعالة من أجل تمكين المرأة والشباب والأقلية الأمازيغية. وعلاوة على ذلك، ظهر نوع جديد من الجاليات الليبية العابرة للحدود، يتميز بقدرته على استخدام الفضاءات الافتراضية على الإنترنت والتقنيات الجديدة، من أبناء الجيل الجديد من الليبيين الذين يعيشون في الخارج.17Russell and Sanoussi Belhaj, 2020.

في الواقع، كان استخدام وسائط الإعلام الرقمية عاملاً رئيسياً في عملية الاحتشاد الافتراضية لليبيين في الشتات وخلق شعور مشترك بالانتماء لمجتمع واحد. وبالفعل كانت أبرز وسائل الإعلام الجماهيرية التي حفزت الشتات الليبي أثناء انتفاضة عام 2011، قناة "ليبيا الأحرار"، وهي قناة تلفزيونية مقرها قطر، يُمثل صحفيوها جيلاً من الشباب الليبيين في أغلبهم. فقد رأى هؤلاء الصحفيون، الذين عاشوا في المنفى قبل أحداث 2011، في هذا المنبر الإعلامي نافذة على ليبيا الجديدة في مرحلة ما بعد القذافي. ورددت القناة الفضائية، التي تُبث من الدوحة، خطاباً مناهضاً للقذافي ومؤيداً للثورة والذي يتردد صداه في الخارج.

في حين بثت هذه القناة، لأول مرة في التاريخ الليبي الحديث، برنامجاً باللغة الأمازيغية، وهي لغة لطالما تعرضت للتهميش يتحدث بها جزء كبير من السكان الذين يعيشون في الجزء الغربي من البلاد.18في منطقة جبل نفوسة "الجبل الغربي"، ومدينة زوارة، ومدينة غدامس في منطقة فَزّان على وجه الخصوص. فضلاً عن أن مُقدمة البرنامج التي اشتهرت بها القناة، الإعلامية سناء المنصوري، هي ليبية أمازيغية من مدينة زوارة الساحلية، بالقرب من الحدود التونسية، وهي أيضاً واحدة من أبناء الشتات الليبي. وقد أدى ذلك، بالإضافة إلى مغنية البوب الصاعدة، دانيا بن ساسي وأغانيها "الثورية"، إلى حشد ليس فقط الأمازيغ الليبيين داخل ليبيا، بل امتد مداه أيضاً عبر الحدود إلى الشتات الأمازيغي الأوسع في أوروبا، مما ساهم في حركة إحياء ثقافة الوحدة الأمازيغية.19فاطمة العيساوي "الإعلام الانتقالي في ليبيا هل تحرّر أخيراً؟، مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، 2013،

يُمكن أن تتضح أيضاً جهود تعبئة الشتات الليبي عبر الإنترنت تماماً في المشاركة الفعالة للشباب الليبي في المملكة المتحدة وألمانيا وأيرلندا وأميركا الشمالية، الذين يتفاعلون مع التقنيات الجديدة من أجل إحداث تغيير كبير وهام على الصعيدين الاجتماعي والسياسي في ليبيا، وكذلك في مختلف مجتمعات الشتات، من خلال بناء المجتمع المُتخيّل العابر للحدود الوطنية والقيام بعملية توافق بين أفكار الأفراد وأفكار الحركة.

وإدراكاً لقوة وسائل الإعلام الجديدة مثل المدونات الإلكترونية، وبرامج البودكاست، وقنوات التواصل الاجتماعي على غرار "يوتيوب" و"فيسبوك"، فقد اضطلعت هذه الوسائل بدور محوري في تشكيل الشعور بالانتماء إلى الأمة الليبية، وفي المساهمة في التوصل إلى فهم مشترك للمخاطر التي ينطوي عليها الصراع الليبي، والمسائل الجوهرية اللازم توافرها لبناء السلام. وبذلك، كشفت هذه المنصات الجديدة أيضاً عن أوجه التجديد التي شهدها المجال السياسي والاجتماعي الليبي في مرحلة ما بعد القذافي.

من الأمثلة البارزة على إحدى منصات التعبئة التشاركية على شبكة الإنترنت، هي برنامج البودكاست "داميري" الذي يقدمه الأميركي من أصول ليبية طارق الميري.20https://www.tariqelmeri.com/podcast وقد أصبحت هذه المنصة المجتمع الرئيسي على الإنترنت الذي يحتضن الشتات الليبي في أوروبا وأميركا الشمالية، فقد استضاف الفنانين والطلاب والصحفيين الليبيين والنشطاء في مجال حقوق الإنسان والمحامين والكُتاب. وبصفة خاصة، ألقى البودكاست الضوء على الكاتب الروائي هشام مطر، الحائز على جوائز أدبية عالمية، وابن مُعارض ليبي اغتاله القذافي في السبعينيات، وقد أعطى وصفه للفقدان والنفي والذاكرة المنصة آفاقاً عالمية، وحظيت بفرصة هامة لكسب المتابعين ليس فقط بين أوساط الليبيين في الشتات، بل أيضاً في أوساط الباحثين والصحفيين المهتمين بالشأن الليبي. أراد الميري، وهو نفسه نجل أحد الليبيين الذين عاشوا في المنفى بالولايات المتحدة الأميركية (ولديه تجربة سابقة في العيش في المغرب)، أن تجمع المنصة الأصوات الليبية المختلفة من أجل إحداث تغيير إيجابي في حياتهم، فضلاً عن توطيد سبل التواصل بين الليبيين من مختلف مناحي الحياة، وكل ذلك من خلال سرد القصص.21مقابلة أجرتها المؤلفة في كانون الثاني/يناير 2021

وعلى نحو مماثل، استضاف برنامج البودكاست "ليبيا تهمّنا"،22https://www.buzzsprout.com/450046 وهو المنصة الرئيسة على الإنترنت التابعة لشبكة حقوق الإنسان "محامون من أجل العدالة في ليبيا"، منذ إطلاقه عام 2019، النشطاء والعاملين في مجال حقوق الإنسان، ونشطاء المجتمع المدني، وكذلك الفنانين والمحامين والأكاديميين. يهدف البودكاست إلى إجراء محادثات غير رسمية مع الخبراء والمختصين حول قضايا اظهار الحقيقة والعدالة وحقوق الإنسان في ليبيا. وبذلك، يساهم البودكاست في تشكيل الطريقة التي يُفكر بها المستمعون الليبيين وغير الليبيين في قضايا العدالة والحقوق في السياق الليبي.

في الواقع، أثبتت برامج البودكاست (المدوّنات الصوتية) أنها أحد أفضل وسائل التواصل مع الليبيين الذين كان من العسير الوصول إليهم في الشتات، نظراً لعدم وجود البعض على وسائل التواصل الاجتماعي. لكن ربما الأهم من ذلك أن البودكاست قد بنى مستويات جديدة من الثقة بين مختلف الجاليات الليبية في الشتات، وخصوصاً في أوروبا. وكما تشرح ألِيس آلونّي مسألة الثقة بين الليبيين في الخارج، فإن الشكوك والريبة قد زادا من الشعور بالعُزلة، وأسهما أيضاً في بناء جاليات صغيرة على أسس أيديولوجية ضيقة. ونتيجة لذلك كان هناك فشل في "إنشاء فضاء عام لجميع الليبيين في الشتات".23Alunni, 2019: 254-255. وهكذا استطاع البودكاست مواجهة هذه الديناميات. إضافة إلى ذلك، أسهم إنشاء مجتمع إلكتروني لليبيين في الشتات أيضاً في تحفيز الآخرين على مواصلة نشاطهم، حتى وإن كان هذا فقط من خلال الإسهام في تشكيل المجتمع المُتخيّل والمشاركة في الفضاء الافتراضي العابر للحدود.

في الواقع، فإن النظر إلى نماذج من صفحات بعض المستمعين الليبيين في الشتات إلى بودكاست "داميري"، يكشف لنا استمرارية مهمة في النشاط. فمن بين المستمعين الستة الذين تجاوبوا مع الاستبيان الإلكتروني الذي وزعته منصة البودكاست، كان خمسة منهم من نشطاء المجتمع المدني في ليبيا، وجميعهم غادروا البلاد منذ عام 2011. وقد واصل خمسة منهم أيضاً نشاطهم في الخارج، وقاموا بمجموعة من الأنشطة المختلفة سواء على الإنترنت أو على أرض الواقع، إسهاماً في بناء السلام وتعزيز الحريات الفردية والمدنية وتمكين المرأة في ليبيا. ويُعبّر هؤلاء الأفراد في الشتات الليبي، الذين يربطهم مجتمع إلكتروني افتراضي، عن رغبتهم في لعب دور محوري في تمكين الفئات الاجتماعية المختلفة في المجتمع الليبي التي طالما تم تهميشها، وخصوصاً النساء، ودعم العملية الديمقراطية في ليبيا.

الفرص والقيود أمام المشاركة السياسية المباشرة لليبيين في الشتات

وإلى جانب النشاط الإلكتروني وتشكيل الرأي العام والشعور الوطني، ينخرط أبناء الشتات الليبي أيضاً في أشكال مباشرة من المشاركة السياسية الساعية إلى إحداث تأثير فوري على العملية الانتقالية والنظام الليبي في مرحلة ما بعد سقوط القذافي. فعلى النطاق الأوسع، بدأت في عام 2012 لحظة تاريخية لانخراط الشتات الليبي مباشرة في السياسات المحلية، مع جهود نشطة لإدراج المواطنين بالخارج في قوائم الناخبين في الانتخابات التشريعية.24Russell and Sanoussi Belhaj, 2020. خلال أولى الانتخابات الديمقراطية في التاريخ الليبي الحديث (منذ استقلال البلاد عن إيطاليا في عام 1951)، نشط الليبيون في الشتات في تعبئة جالياتهم من شمال أفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا وأميركا الشمالية إلى أقاصي آسيا (وتحديداً في ماليزيا والصين، حيث يوجد عدد كبير من الطلبة الليبيين). وشهدت هذه الانتخابات 60 ألف تسجيل للمشاركة، مع مشاركة النساء في التصويت للمرة الأولى في التاريخ الليبي، وأدلَين بأصواتهن لاختيار 200 عضو في المؤتمر الوطني العام.25UNDP Libya, “Supporting Inclusivity in Libya’s National Congress Election: Out of Country Voting,” July 2012, available at https://www.ly.undp.org/content/libya/en/home/stories/out-of-country-votiing.html.

لكن على الرغم من "لحظة الحماس" هذه التي تميزت بكونها "لحظة من التواصل المجتمعي"26Russell and Sanoussi Belhaj, 2020:41. للدور المحتمل لجاليات الشتات إسهاماً في بناء المستقبل الليبي في مرحلة ما بعد سقوط القذافي، أدّت القدرة المؤسسية المحدودة إلى انخفاض إقبال الناخبين في المنفى، إذ لم يُدلِ سوى 8021 ناخباً بأصواتهم في الانتخابات. وقد مثّل الإرثُ الثقيل لعهد القذافي وثغراته المؤسسية والمعلوماتية والتنفيذية عقباتٍ في سبيل تحقيق مشاركة فعالة لأبناء الشتات الليبي في الانتخابات.27Laurie A. Brand, “Arab Uprisings and the Changing Frontiers of Transnational Citizenship: Voting from Abroad in Political Transitions.” Political Geography, Vol.41, 2014. إضافة إلى ذلك، نظمت المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، منذ 2013، عدداً من الورش والمؤتمرات والفعاليات حول تسجيل الناخبين والانتخابات، مستهدفة الليبيين في الخارج. ويضاف إلى هذا احتفاظ المفوضية بقواعد بيانات تشمل الأخبار والبيانات الصحفية للحملات الانتخابية المختلفة وعملية تسجيل الناخبين والشراكات المتصلة بالانتخابات مع المنظمات الدولية.28HNEC website, www.hnec.ly. وقد جاء أيضاً تأسيس منصة انتخابية لليبيين في الشتات، من أجل تشجيعهم على المشاركة في الانتخابات، مع استخدام حقهم في التصويت على نحو ما كفلت مسوّدة الدستور الليبي، التي تحوي المادة 149 حول "حقوق الليبيين في الخارج" وتنص على أن "الدولة تتخذ التدابير اللازمة لـضمان … مشاركتهم في العملية الانتخابية".29International Commission of Jurists, “The Draft Libyan Constitution: Procedural Deficiencies, Substantive Flaws”, 2015:31-32, available at https://www.refworld.org/pdfid/57ee86814.pdf.

ولكن في الوقت نفسه تم تقليص مشاركة الليبيين في الشتات في السياسات المحلية، بسبب قيود قانونية إضافة أيضاً لافتقارهم - في عيون مَن ظلوا في ليبيا - إلى الشرعية [للانخراط في العملية السياسية]. فمع أن المجلس الوطني الانتقالي (2011) والمؤتمر الوطني العام وحكومة الوفاق الوطني المدعومة من الأمم المتحدة (2016) كانوا جميعاً يتألفون أساساً من ليبيين تكنوقراط من الشتات، كانت تلك الهيئات تكاد تفتقر تماماً إلى الخبرة السياسية، نظراً لانقطاعهم عن المشهد السياسي الليبي خلال سنوات حكم القذافي، ولكن أيضاً نتيجة انعزالهم عن عموم الشعب. في الواقع، يكشف مصطلح "الشفرة المزدوجة" - الذي صار تعبيراً شائعاً لازدراء أي ليبي يحمل جنسية مزدوجة أو من الجيل الثاني أو جيل 1.5 [المهاجرون الذين وصلوا إلى بلد جديد قبل المراهقة] في الشتات الليبي - عن مدى افتقار الشتات إلى الشرعية في أعين مَن ظلوا داخل البلاد.30See Alunni, 2019 for a detailed description of these generations. إضافةً لتلك القيود، مثّل "قانون العزل السياسي" في عام 2013 إحدى أبرز المحطات السياسية الحاسمة، فقد حدّد بشكل كبير الدور الممكن لليبيين في الشتات خلال المشاركة المباشرة في السياسات الليبية في مرحلة ما بعد سقوط نظام القذافي.

يحظر القانون على كبار المسؤولين في عهد القذافي تقلد مناصب قيادية في مؤسسات الدولة الليبية الجديدة لفترة من الزمن، وهي عملية مُشابهة لسياسة "اجتثاث حزب البعث" التي شهدها العراق، وقد أسفر ذلك عن زيادة عدد الخاسرين جراء عملية الانتقال الليبية.31رومان ديفيد وهدى مزيودات، "إعادة النظر في قانون العزل السياسي في ليبيا: تغييرٌ في الوجوه أم تغييرٌ في السلوك؟"، مشروع مركز بروكنجز الدوحة - سلسلة أوراق ستانفورد، رقم 4. لعام 2014 وقد أثر القانون سلباً على الليبيين في الشتات نظراً إلى أنه أضعف قدرتهم على التأثير على التطورات السياسية في ليبيا،32Russell and Sanoussi Belhaj, 2020:41. وأثر سلباً على فاعلية سير عمل المؤسسات الليبية، مما أدى إلى تفاقم الحالة الأمنية المضطربة أصلاً في ليبيا.33Seeberg, 2019. وقد زاد ذلك أيضاً من الشكوك حول قدرة الليبيين في الخارج على القيام بدور فعال في إعادة إعمار البلاد ومؤسساتها.34Russel and Sanoussi Belhaj, 2020:41.

بيد أن تعبئة الليبيين في الشتات بهدف المساهمة في العملية الانتقالية وإعادة الإعمار قد وجدت سُبل مختلفة للعمل، بدءاً من ممارسة الضغوط التقليدية على المجال السياسي في البلدان المضيفة، ووصولاً إلى توجيه المساعدات التنموية نحو السعي إلى تحقيق العدالة الانتقالية. فقد دأبت واحدة من المجموعات البارزة منذ فترة طويلة على العمل من أجل ممارسة الضغوط والتواصل مع صناع القرار السياسي في الولايات المتحدة، وهي منظمة "التحالف الليبي الأميركي"، التي تتخذ من واشنطن العاصمة مقراً لها وتعمل على مساعدة المجتمع الأميركي الليبي إضافةً إلى الكنديين الليبيين. وفي الآونة الأخيرة، قامت المنظمة، التي تصف نفسها بأنها منظمة غير حزبية تهدف إلى "الدفاع عن سيادة القانون، والدولة المدنية، والديمقراطية، وإنهاء النزاع القائم في ليبيا"، بالضغط من خلال رفع دعوى قضائية على الجنرال خليفة حفتر، مُتهمة إياه بارتكاب جرائم وحشية خلال حملاته العسكرية، وخاصة في عام 2019.35بسمة بركات، "تونس: منتدى لبحث نزع السلاح المنتشر في ليبيا"، موقع صحيفة "العربي الجديد"، نُشر في 7 23 أيلول/ سبتمبر 2015

وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2020، احتفلت المنظمة أيضاً بانتصار رمزي بسبب نجاح جهودها بالتعاون مع صناع القرار السياسي في الولايات المتحدة، مما أسفر عن إقرار مجلس النواب الأميركي "لقانون دعم الاستقرار في ليبيا" الذي "يُلزم الإدارة الأميركية بتوضيح استراتيجيتها، والإبلاغ عن التدخلات الأجنبية، وفرض حزمة من العقوبات ضد من ينتهكون الحظر المفروض على توريد الأسلحة أو يسعون إلى تقويض استقرار ليبيا وأمنها".36مشروع قانون مجلس النواب الأميركي رقم 4644. وعلاوةً على ممارسة الضغوط السياسية، شاركت المنظمة أيضاً في العمل مع النساء في ليبيا والمجتمع المدني بشكل عام خلال جائحة كورونا. وقد شمل ذلك التنسيق مع "مركز مكافحة الأمراض والوقاية منها" لتخفيف أثر الجائحة على الليبيين ودعم البنية التحتية الطبية الخاصة بجائحة كورونا في ليبيا.37مقابلة عبر تطبيق "زووم" مع أحد ممثلي منظمة "التحالف الليبي الأميركي"، 25 تموز/يوليو 2020.

ومن بين الجهات الفاعلة الرئيسية الأخرى على الساحة، تأتي شبكة حقوق الإنسان العابرة للحدود "محامون من أجل العدالة في ليبيا"، التي تسعى إلى محاسبة أي شخص مُتورط في انتهاكات حقوق الإنسان في ليبيا. ومن خلال العمل بالتعاون مع المنظمات الدولية وبعض الحكومات الغربية ووكالاتها، تعتبر منظمة "محامون من أجل العدالة في ليبيا" أحد الأمثلة الرئيسة لشبكات التعبئة التي ظهرت ما بعد 2011 من العاملين في مجال حقوق الإنسان، والتي نشأت ليس فقط في السياق الليبي ولكن في العديد من مجتمعات الشتات الأخرى من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ما بعد 2011. وتشمل أنشطة المنظمة مقاضاة مُرتكبي الجرائم ضد المدنيين وتقديم المساعدة لضحايا النزوح القسري، بالإضافة إلى جهود دعم المنظمات الدولية من بينها، الأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية. على سبيل المثال، في حزيران/يونيو 2020، دعمت منظمة "محامون من أجل العدالة في ليبيا" بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق، مما أدى إلى تسليط الضوء على المقابر الجماعية في مدينة ترهونة، وتوجيه الاتهام إلى القوات المسلحة الليبية التابعة للجنرال خليفة حفتر لارتكابها جرائم ضد المدنيين وحالات الاختفاء القسري في أوائل عام 2020. فضلاً عن أن المنظمة تُصدر تقرير سياسي شامل يتضمن وقائع عن حالة حقوق الإنسان في ليبيا.

في الآونة الأخيرة، ظهرت شواهد تُشير إلى دور الشتات الليبي في المساهمة في التحول السياسي في ليبيا عبر "ملتقى الحوار السياسي الليبي" والنجاح الكبير الذي تحقق في شباط/فبراير عام 2021. يُمثل "ملتقى الحوار السياسية الليبية " الذي ضم 75 عضواً يُمثلون على أوسع نطاق ممكن عينة من مختلف المناطق والقوى السياسية الليبية، علاوة على عقد حوار رقمي أكبر شمل الكثير من الشباب الليبي داخل ليبيا وفي الشتات - محاولة للخروج من المأزق الذي وصلت إليه عملية الأمم المتحدة لبناء السلام من خلال إرساء جهود وساطة يتولى الليبيون زمامها بالكامل من أجل التوصل إلى حل محتمل للأزمة الليبية. وقد تمكّن "ملتقى الحوار السياسي الليبي"، الذي ضم أعضاء من الشتات الليبي على وجه الخصوص، من النجاح في تعيين رئيس وزراء ومجلس رئاسي جديدين في الفترة التي سبقت الانتخابات المُزمع إجراؤها في كانون الأول/ديسمبر 2021. وقد برهن وجود الليبيين في الشتات ضمن "ملتقى الحوار السياسي الليبي" والمجموعات التي عُقدت على هامشه، على قدرة مَن هم خارج البلاد على المشاركة المباشرة في العمليات الانتقالية تحت راية الهوية الوطنية الليبية المشتركة - والقدرة على تجاوز الانقسامات بين أولئك الموجودين داخل ليبيا وخارجها عندما تتاح لهم محافل للحوار الهادف.

خاتمة

لا يُقصد من هذه الدراسة أن تكون دليلاً شاملاً لمجتمعات الشتات الليبي في مختلف أنحاء العالم؛ بل تهدف إلى إلقاء الضوء على مختلف الديناميات التي توجه مشاركة أبناء الشتات. فلا يزال الشتات الليبي لا يحظى بقدر كبير من التغطية ولم يكن محل بحث مستفيض، بالنظر إلى الطابع المُعقد الذي يتسم به الموضوع، والمواقف المتشابكة لليبيين في المنفى، بدءاً من النُخب السياسية والاقتصادية التي استقرت منذ فترة طويلة في العواصم الغربية، ووصولاً إلى المهاجرين الذين فروا مؤخراً إلى جنوب أوروبا في أعقاب تدهور الوضع الاقتصادي والأمني في ليبيا.

ومع ذلك، فإن تعزيز قدرة الشتات الليبي على العمل باعتباره طرف سياسي فاعل من أجل المشاركة في عمليات الانتقال وإعادة الإعمار والمصالحة التي تشهدها البلاد، يتطلب استراتيجية أكثر موضوعية لمناقشة وضع هذه الفئة السكانية، ويجب أن توازن هذه الاستراتيجية بين الأساليب الكمّية والنوعية ونُدرة البيانات المُحدثة والموثوقة حول التركيبة السكانية لليبيين في الخارج.

وقد اضطلعت وسائل التواصل الاجتماعي بدور رئيسي في تسليط الضوء على التجربة الغنية لمشاركة وتعبئة الليبيين في الخارج من أجل النهوض بمجتمعاتهم المحلية. وقد عززت هذه الفضاءات الجديدة أيضاً من صورة ليبيا التي تختلف عمّا يظهر في الأخبار المعتادة حول ذلك البلد الذي تُمزقه الصراعات، ويغيب عن سرده التاريخي جهود إرساء سيادة القانون والتمسك بحقوق الإنسان. في الواقع، يُمكن أن يواصل مجال الإعلام الليبي في الشتات تعزيز الديمقراطية وبناء السلام، وفي الوقت نفسه تشجيع التمثيل الإضافي للفئات الليبية المُهمشة من أجل زيادة الشعور بالانتماء إلى الأمة.

وفضلاً عن هذه الجهود التي تتخذ طابعاً رمزياً أكثر والرامية إلى بناء الدولة وتعزيز الانتماء الليبي الشامل، فمن الممكن اتخاذ إجراءات ملموسة أخرى من أجل ضمان إشراك الليبيين في الشتات في مستقبل البلاد في مرحلة ما بعد القذافي. والأهم من ذلك أن الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المُقبلة المزمع إجراؤها في كانون الأول/ديسمبر 2021، من شأنها أن تُوفر فرصة سانحة أمام أبناء الشتات للاضطلاع بدور في مراقبة الانتخابات، والدعم اللوجستي، وتوفير المعلومات للناخبين - ومِن ثَمّ، مواصلة المشاركة في عملية الانتقال السياسي في البلاد.

Anna Baldinetti, The Origins of the Libyan Nation: Colonial Legacy, Exile, and the Emergence of a New Nation-State, Routledge Studies in Middle Eastern History, 2010:6.

Rainer Bauböck and Thomas Faist, eds., Diaspora and Transnationalism: Concepts, Theories and Methods, Amsterdam University Press, 2010.

Karlos Zurutuza, “The Amazigh of Libya Revive Their Previously Banned Language”, Middle East Eye, 09 January 2018.

31 موقع المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، www.hnec.ly.

لمطالعة وصف مفصل لهذه الأجيال، انظر:  Alunni, 2019.

Endnotes

Endnotes
1 ينبغي أن يُفهم اِستخدامي مصطلحَ "القَبَليّة" بمعناه التقليدي في مرحلة ما قبل تأسيس الدولة الليبية، للدلالة على "الولاءات القَبَليّة، وروابط القرابة والإخاء، والانتماء إلى السناجق العثمانية في مرحلة ما قبل الاستعمار"، وهو معنى لم يتلاشَ تماماً خلال فترة حكم القذافي الدكتاتورية. انظر:
2 Baldinetti, 2010.
3 بناءً على تعريف فيست وباوبوك (2010)، يمكن فهم الشتات الليبي على أنه "مجتمع مُتخيّل متفرق خارج الحدود الإقليمية، يشترك أفراده في هوية سياسية أساسية مرتبطة 'بالوطن' ويضطلعون ببعض أشكال التعبئة أو المشاركة المادية وغير المادية لخدمة هدف محدد يتمثل في 'دعم أو مواجهة' السياسات المحلية في الوطن أو دولة المنشأ". طالع:
4 Alice Alunni, “Long-Distance Nationalism and Belonging in the Libyan Diaspora (1969–2011)”, British Journal of Middle Eastern Studies, Vol.46 No.2, 2019.
5 Peter Seeberg, “Transnationalism and Exceptional Transition Processes: The Role of the Libyan Diaspora from Qadhafi’s Jamahiriyya to Post-Revolutionary Civil War and State Collapse”, British Journal of Middle Eastern Studies, Vol.47 No.5, 2018.
6 Megan Bradley, Ibrahim Fraihat, and Houda Mzioudet, Libya’s Displacement Crisis: Uprooted by Revolution and Civil War, Georgetown University Press, 2016.
7 Dana Moss, “Transnational Repression, Diaspora Mobilization, and the Case of the Arab Spring”, Social Problems Vol.63 No.4, 2016.
8 مقابلة أجراها المؤلفة في 12 آب/أغسطس 2020.
9 Thomas Rosenthal, “L’école en exil: Étude de l’école libyenne de Sfax en Tunisie”, MA Thesis, UP1 UFR11 - Université Paris 1 Panthéon-Sorbonne - UFR Science Politique. 2015, available at https://dumas.ccsd.cnrs.fr/dumas-01293211.
10 مقابلة أجراها المؤلف في 12 آب/أغسطس 2020.
11 Bradley et al., 2016.
12 Moss, 2016.
13 UNSMIL, “Libyan Political Dialogue Forum Kicks Off in the Tunisian Capital and Discusses a Draft Political Roadmap” November 2020, available at https://unsmil.unmissions.org/libyan-political-dialogue-forum-kicks-tunisian-capital-and-discusses-draft-political-roadmap
14 Moss, 2016:495.
15 Moss, 2016; Alunni, 2019. See also Martin Russell and Ramadan Sanoussi Belhaj, “A Study on Libyans Living Abroad: Profiling of Libyans Living Abroad to Develop a Roadmap for Strategic and Institutional Engagement”, International Centre for Migration Policy Development, 2020.
16 صفحة "منتدى الشباب الليبي" على فيسبوك، 2012
17 Russell and Sanoussi Belhaj, 2020.
18 في منطقة جبل نفوسة "الجبل الغربي"، ومدينة زوارة، ومدينة غدامس في منطقة فَزّان على وجه الخصوص.
19 فاطمة العيساوي "الإعلام الانتقالي في ليبيا هل تحرّر أخيراً؟، مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، 2013،
20 https://www.tariqelmeri.com/podcast
21 مقابلة أجرتها المؤلفة في كانون الثاني/يناير 2021
22 https://www.buzzsprout.com/450046
23 Alunni, 2019: 254-255.
24 Russell and Sanoussi Belhaj, 2020.
25 UNDP Libya, “Supporting Inclusivity in Libya’s National Congress Election: Out of Country Voting,” July 2012, available at https://www.ly.undp.org/content/libya/en/home/stories/out-of-country-votiing.html.
26 Russell and Sanoussi Belhaj, 2020:41.
27 Laurie A. Brand, “Arab Uprisings and the Changing Frontiers of Transnational Citizenship: Voting from Abroad in Political Transitions.” Political Geography, Vol.41, 2014.
28 HNEC website, www.hnec.ly.
29 International Commission of Jurists, “The Draft Libyan Constitution: Procedural Deficiencies, Substantive Flaws”, 2015:31-32, available at https://www.refworld.org/pdfid/57ee86814.pdf.
30 See Alunni, 2019 for a detailed description of these generations.
31 رومان ديفيد وهدى مزيودات، "إعادة النظر في قانون العزل السياسي في ليبيا: تغييرٌ في الوجوه أم تغييرٌ في السلوك؟"، مشروع مركز بروكنجز الدوحة - سلسلة أوراق ستانفورد، رقم 4. لعام 2014
32 Russell and Sanoussi Belhaj, 2020:41.
33 Seeberg, 2019.
34 Russel and Sanoussi Belhaj, 2020:41.
35 بسمة بركات، "تونس: منتدى لبحث نزع السلاح المنتشر في ليبيا"، موقع صحيفة "العربي الجديد"، نُشر في 7 23 أيلول/ سبتمبر 2015
36 مشروع قانون مجلس النواب الأميركي رقم 4644.
37 مقابلة عبر تطبيق "زووم" مع أحد ممثلي منظمة "التحالف الليبي الأميركي"، 25 تموز/يوليو 2020.

تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.