"أيُّ معنى للدولة بدون الشعب؟": هاجسُ الدولة وإنكار الحقوق في فلسطين

أثبتَ هوسُ القيادة السياسية الفلسطينية بفكرة الدولة كوسيلة لتحقيق تقرير المصير والحرية إضرارهُ بالكفاح في سبيل إنهاء استعمار فلسطين.  بإفراد الأولوية لنموذج “كيان الدولة في ظل الاستعمار” بدلاً من اضطلاعها بإجراءات تفكيك وإنهاء استعمار فلسطين أولاً ومن ثمَّ الانخراط في إجراءات تشكيل الدولة، قامت هذه القيادة – تحت ضغط الأطراف الفاعلة الإقليمية والدولية – بإضعاف الشعب وتمكين الهياكل والمؤسسات الأمنية من ترسيخ مصفوفات السيطرة القائمة.

رئيس وزراء حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية الجديدة محمد شطية يمضي لأداء اليمين الدستورية في مراسم تشكيل الحكومة الجديدة في مقر السلطة الفلسطينية في مدينة رام الله بالضفة الغربية، 13 أبريل/نيسان 2019.© Alaa Badarneh / EPA-EFE

* تنشر مبادرة الإصلاح العربي هذه المقالة بالتعاون مع تشاتام هاوس، وهي جزء من سلسلة تتناول مستقبل الحوكمة والأمن في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وتأثيرهما على دور الدولة في المنطقة.

أثبتَ هوسُ القيادة السياسية الفلسطينية بفكرة الدولة بوصفها وسيلة لتحقيق تقرير المصير والحرية إضرارهُ بالكفاح في سبيل إنهاء استعمار فلسطين، وقد ارتكبت هذه القيادة - تحت ضغط الأطراف الفاعلة الإقليمية منها والدولية - خطأً استراتيجياً من خلال إفراد الأولوية لنموذج "كيان الدولة في ظل الاستعمار"، بدلاً من اضطلاعها بإجراءات تفكيك وإنهاء استعمار فلسطين أولاً ومن ثمَّ الانخراط في إجراءات تشكيل الدولة. إن فكرة كيان الدولة في ظل وتحت الاستعمار نموذجٌ معيب بجوهره أساساً وهو بمثابة تشتيتٍ للانتباه وللجهود عن العائق الأساسي (الاستعمار) أمام السلام والعدالة.

يمكن توضيح سيرورة تبنّي هذه "الأولوية الخطأ" من خلال أربعة "مُنعطفات حرجة" تاريخياً وحتى يومنا هذا. ويأتي ضمن تلك المنعطفات إعلان الاستقلال الفلسطيني لعام 1988، وتوقيع اتفاقيات أوسلو لعام 1993 - التي كانت في جوهرها ترتيباً أمنياً - بهدف إقامة الدولة في نهاية المطاف، ومشروع بناء الدولة تحت رئاسة سلام فياض، الذي أعلن أن الفلسطينيين يقتربون "من موعدهم مع الحرية" حيث أن الدولة موجودة "في كل شيء ما عدا الاسم"1سلام فياض، "في حديث إلى الجزيرة: سلام فياض"، الجزيرة، 6 آب/ أغسطس 2011. متاح على الرابط https://www.aljazeera.com/programmes/talktojazeera/2011/08/201186783974816.html ، وأخيراً من خلال محاولة السلطة الفلسطينية بقيادة الرئيس محمود عباس الحصول على اعتراف الأمم المتحدة بصفة الدولة لفلسطين، وهو الأمر الذي ما زال يتجلّى للعيان حتى يومنا هذا. وقد أضحت فكرة "كيان الدولة" بمثابة المنظور الضيق والوحيد الذي تدرسُ القيادة السياسية من خلاله مشروع التحرر الوطني، والذي تُقيِّمُ استراتيجياتها بموجبه. كذلك صارت فكرة [كيان الدولة] بمثابة المنظور التحليليّ والتشغيلي الذي تستخدمه الجهات الدولية الفاعلة في تحديد تدخلاتها السياساتية، وحزم المساعدات والمعونة التي تقدمها وكذلك معيارها السياسي. ومع ذلك فإن هذا المواءمة بشأن الهدف والنهج إنما فاقمت المأزق.

وعلى وجه الأهمية فإن ما يجمع بين هذه "المنعطفات الحرجة" الأربعة ليس فقط مركزية "صفة وكيان الدولة" في التفكير السياسي الفلسطيني، ولكن أيضاً المحصّلة الناتجة وما يترتّب عنها، ففي نهاية كل منعطف، كان الفلسطينيون يخرجون أضعف وأكثر تجزؤاً وتشرذما وبُعداً عن الدولة. وليست هذه مجرد صدفة أو نتيجة غير مقصودة، بل إن هذه النتيجة ترتبط ارتباطاً مباشراً بفشل الاستراتيجية السياسية المتَّبعة، لأن "الهوَسَ بفكرة الدولة" لم يُبقِ على الوضع الراهن واختلال ميزان القوة لصالح المستعمر فحَسب، ولكن تسبَّب بإضعاف كِلا الشعب والأمة بوصفِ كلٍّ منهما عنصراً أساسياً في أي دولة، وبدلاً من ذلك قام بتمكين "المؤسسات الوطنية الخطأ" في ظل الشرط الاستعماري، وقد مكّن ذلك الهوَسُ الهياكل والمؤسسات الأمنية من ترسيخ مصفوفات السيطرة القائمة، بدلاً من توسيع هامش الحرية الضيق بالفعل أو توسيع القدرة والإمكانيات لتحقيق الحرية.

وبتعبير أدق، خلق هاجس الدولة أوجهَ قصور بنيوية في الحكم الفلسطيني والأنظمة والحوكمة السياسية التي غيرت بشكل أساسي دور المحكوم، أي الشعب. وفي كل جولة لمشروع بناء كيان الدولة، كان الشعب الفلسطيني يغدو أكثر عزلةً عن جوهر النظام السياسي وهياكل الحكم والحوكمة. ولم يؤدِّ ذلك إلى تآكل شرعية هذه الهيئات الحاكمة واستراتيجياتها فقط، ولكن الأهم من ذلك أنه جرَّد الشعب الفلسطيني من قدرته على إحداث التغيير وأضعف مقدِرته على مقاومة الهياكل الاستعمارية والقمعية بصورة فاعلة.

إن استبعاد هذا المكون الأساسي (الشعب) في "مزيج الدولة" لا يعكس فشلاً محلياً فحَسب، بل هو بالفعل مشروع يتجه من الأعلى إلى الأسفل برعاية خارجية ويهدف إلى الاستثمار في بناء "مؤسسات الدولة الحديثة" بصرف النظر عن مدى شمولها وتجاوُبِها أو مساءلتها أمام الشعب، ناهيك عن أدائها الوظيفي وفعاليتها. يقول لي أحد سكان مخيم جنين بالضفة الغربية المحتلة إنَّ "عبارة دولة المؤسسات تحيّرني، فأين هي الدولة أولاً، وثانياً، كيف لهذه الدولة أن تتسع لجميع هذه المؤسسات بدون أن يكون للشعب مكان فيها! أيُّ معنى للدولة بدون الشعب؟". ويقول لي لاجئ آخر من مخيم بلاطة للاجئين في الضفة الغربية المحتلة: "كنت أشاهد محاولة الحصول على صفة الدولة في الأمم المتحدة على شاشة التلفزيون مثل أي شخص آخر يتابع كلمات المتحدثين من أي مكان في العالم. نعم، لقد أدمعت عيناي حينما صفق الناس، لكن العواطف لا تصنع الدولة، كما أن الإعلانات والخطابات لا تغيّر الحقائق، لقد بحثتُ عن الدولة في اليوم التالي ولكنني لم أجدها، والآن، بعد سنوات، ما يمكنني أن أراه هو سراب الدولة فقط. "

وعليه فإن الواقع الملموس والتحقيق الفعلي للدولة أمرٌ حيوي من أجل اعتبارها آليةً لإعمال الحقوق، ولكن عندما تكون الدولة محض سراب وهلوسة (حتى وإن جرى تصويرها من قبل النخبة السياسية على أنها منتهى الطموح الوطني)، فإن الضرورة تقتضي من جميع الفاعلين المعنيين إعادة تقييم مدى أهمية هذا الركن الأساسي (كيان الدولة) لعملية بناء السلام، وإعادة تصوّر نماذجَ مختلفة، كما يتعيّن عليهم أيضاً الانخراط في العمليات التي تُفضي أولاً وقبل كل شيء إلى نشوء بيئة مواتية لفكرة الدولة لكي تزدهر وتكون ذات معنى وذات مغزى.

إلاَّ أن الجهات الفاعلة الحاكمة المحلية والدولية، وبدلاً من أن تنخرط في عملية إعادة تصوّر، فإنها لم تكتفِ باستبعاد الشعب كمكون رئيسي في مشروع الدولة، بل استثمرت في "المؤسسات الوطنية الخطأ" ومكَّنَتها أيضاً في ظل الشرط الاستعماري. وبعبارة أخرى فإن مشروع بناء الدولة للسلطة الفلسطينية الذي يحظى برعاية دولية ارتكز في طرحه على قدرة هذه الدولة على الحكم من خلال بناء مؤسسة أمنية قوية، وبالتالي أصبح إجراء عملية إصلاح/إعادة خلق القطاع الأمني هو السمة المميزة للدولة المقبلة.2علاء الترتير (2017) "تجريم المقاومة: حالة مخيَّمي بلاطة وجنين للاجئين". Criminalizing Resistance: The Cases of Balata and Jenin Refugee Camps‘، مجلة الدراسات الفلسطينية Journal of Palestine Studies</، 182: 46، 7-22، DOI المعرّف الرقمي: https://doi.org/10.1525/jps.2017.46.2.7

أما من الناحية التشغيلية فقد استَتبَع ذلك توظيف قطاع الأمن الفلسطيني لحوالي 44 في المائة من جميع موظفي الخدمة المدنية/القطاع العام، واستئثاره بقرابة مليار دولار من ميزانية السلطة الفلسطينية، وامتصاصه لنحو 30 في المائة من إجمالي المساعدات الدولية المصروفة للفلسطينيين، إذ تصل نسبة أفراد الأمن إلى السكان إلى حوالي 1:48، وهي من بين أعلى المعدلات في العالم.3علاء الترتير (2017): الأجهزة الأمنية للسلطة الفلسطينية: أمنُ من؟ The Palestinian Authority Security Forces: Whose Security? الموجز السياساتي للشبكة. Al-Shabaka Policy Brief، أيار/مايو. يمكن الاطلاع عليه من خلال الرابط https://al-shabaka.org/briefs/palestinian-authority-security-forces-whose-security/

كذلك امتدت هيمنة المؤسسة الأمنية إلى المجال السياسي بسيطرة قادة الأمن الرئيسيين على مستوى المناصب السياسية العُليا وعلى صعيد المحافظات الوطنية. وبذريعة مشروع الدولة، نشأ ذلك التلازُم والتماهي التام بين القيادة السياسية والأمنية حيث يبرر القادة السياسيون تصرفات الأجهزة الأمنية، بينما تحمي الأجهزة الأمنية القيادة السياسية، وبدورها فرضت هذه الهيمنة مستوى آخر من السلطة البوليسية على الشعب الفلسطيني.

نظرت القيادة السياسية والأمنية إلى هذه السلطة البوليسية باعتبارها تجسيداً للعقيدة الأمنية التي تسعى إلى ضمان احتكار "الدولة" لاستخدام العنف في المجتمع الفلسطيني. ومن خلال التصرف وكأنها هيئات ذات سيادة، وتقديم أدائها على أنه أداء "احترافي"، وطَّدت الأطراف الفاعلة الحاكمة وداعموها الماليون السلطَوية الفلسطينية وأضفت عليها طابعاً احترافياً بصورة فاعلة، وذلك كلّه في ظلّ الحكم الاستعماري الإسرائيلي.4علاء الترتير (2018) "حدود السلام ذو الطابع الأمني: رعاية الاتحاد الأوروبي للسلطوية الفلسطينية"، ميدل إيست كريتيك Middle East Critique  27: 4، 365-381، المعرف الرقمي:  https://doi.org/10.1080/19436149.2018.1516337         

إن نشوء هياكل الحكم الاستبدادي السلطوي، وغياب العمليات السياسية التشاركية الديمقراطية، والاحتفاء بزخارف وبهارج كيان الدولة، لم تجعل فكرة الدولة - كأداة لإعمال الحقوق - غير قابلة للحياة، وغير قابلة للتحقُّق فقط، بل ساهمت أيضاً في إنكار الحقوق الفلسطينية، بما في ذلك الحق في إقامة دولة ذات سيادة.

منذ نحو عِقد من الزمن، في نيسان/أبريل 2010، أعلن رئيس وزراء السلطة الفلسطينية في ذلك الوقت سلام فياض أن الفلسطينيين يريدون دولة مستقلة ذات سيادة، و "لا يبحثون عن دولة من البقايا- دولة ميكي ماوس".5سلام فياض، "رئيس الوزراء الفلسطيني لهآرتس: ستكون لنا دولة في العام المقبل". هآرتس - آكيفا ألدار Akiva  Eldar،  2نيسان/أبريل 2010، يمكن الاطلاع عليه من خلال الرابط https://www.haaretz.com/1.5099596 ومع ذلك فإن "دولةَ البقايا" هي تصوير دقيق لواقع "مشروع الدولة" في حالته الراهنة، وهذا أحد الأسباب التي تدفع بالشعب الفلسطيني إلى التشكيك في قدرة هذا المشروع على تحقيق نتائج مُجدية من قبيل (السيادة والحرية)، وذلك على الرغم من أوهام قيادته السياسية ومؤيديها الدوليين والإقليميين.

لذا لا بدَّ أن يتصور الفلسطينيون مستقبلاً مختلفاً يتجاوز فكرة الدولة – في ضوءِ ما خبِروه منها على مدى العقود القليلة الماضية – وذلك من أجل البدء في عملية تغيير الواقع الحالي.

 

 

Footnotes   [ + ]

1. سلام فياض، "في حديث إلى الجزيرة: سلام فياض"، الجزيرة، 6 آب/ أغسطس 2011. متاح على الرابط https://www.aljazeera.com/programmes/talktojazeera/2011/08/201186783974816.html
2. علاء الترتير (2017) "تجريم المقاومة: حالة مخيَّمي بلاطة وجنين للاجئين". Criminalizing Resistance: The Cases of Balata and Jenin Refugee Camps‘، مجلة الدراسات الفلسطينية Journal of Palestine Studies</، 182: 46، 7-22، DOI المعرّف الرقمي: https://doi.org/10.1525/jps.2017.46.2.7
3. علاء الترتير (2017): الأجهزة الأمنية للسلطة الفلسطينية: أمنُ من؟ The Palestinian Authority Security Forces: Whose Security? الموجز السياساتي للشبكة. Al-Shabaka Policy Brief، أيار/مايو. يمكن الاطلاع عليه من خلال الرابط https://al-shabaka.org/briefs/palestinian-authority-security-forces-whose-security/
4. علاء الترتير (2018) "حدود السلام ذو الطابع الأمني: رعاية الاتحاد الأوروبي للسلطوية الفلسطينية"، ميدل إيست كريتيك Middle East Critique  27: 4، 365-381، المعرف الرقمي:  https://doi.org/10.1080/19436149.2018.1516337         
5. سلام فياض، "رئيس الوزراء الفلسطيني لهآرتس: ستكون لنا دولة في العام المقبل". هآرتس - آكيفا ألدار Akiva  Eldar،  2نيسان/أبريل 2010، يمكن الاطلاع عليه من خلال الرابط https://www.haaretz.com/1.5099596