You are here

الترتيبات المؤسّسية الأخيرة قد تنقذ ليبيا من تحولها إلى دولة فاشلة

جدل
TitleDownload
الورقة كاملةلتحميل الورقة
PDF English Versionلتحميل الورقة
 
هل سيتمكن مجلس النواب الليبي من إسقاط حكومة السيد السرّاج؟ تقوم الاتفاقية السياسية الجديدة على اتفاق لتقاسم السلطة بين المكونات الثلاثة للحكومة وعلى مبدأي فصل السلطات والضوابط والتوازنات بين السلطات الثلاث، ناقلةً بذلك النظام السياسي من نظام برلماني إلى نظام شبه رئاسي مختلط، ومجبرة المؤسسات على أن تحكم بالإجماع.
 
باتت الاتفاقية السياسية الليبية الآن بشكل رسمي جزءا من التشريع الليبي. وقد تبناها مجلس النواب في شهر كانون الثاني/يناير بعد أن تمّ توقيعها في الصخيرات، مع تحفّظ وحيد متعلق بالمادة الثامنة من المواد الإضافية للاتفاقية. وبهذه الخطوة الحاسمة، جعل مجلس النواب من هذه الاتفاقية المدعومة من قبل الأمم المتحدة، والتي طال انتظارها، جزءا لا يتجزأ من الإعلان الدستوري الليبي، وهو الدستور المؤقت الذي يحكم الفترة المتبقية من المرحلة الانتقالية.
 
وقد أوجدت الاتفاقية السياسية مؤسستين حاكمتين جديدتين هما حكومة الوفاق الوطني المؤلفة من مجلس رئاسي من تسعة أعضاء ومجلس وزراء؛ والمجلس الأعلى للدولة المنبثق عن بقايا المؤتمر الوطني العام. ولعل الأهم من ذلك هو أن الاتفاقية السياسية جدّدت شرعية مجلس النواب باعتباره الهيئة التشريعية الوحيدة في البلاد.
 
بيد أن مجلس النواب قد رفض، أثناء تبنيه للاتفاقية وبشكل متوازٍ، المصادقة على مجلس الوزراء المقترح من قبل السيد السرّاج، رئيس المجلس الرئاسي. ولم ينشر البرلمان قراره ذاك ولا تعليله للقرار. ومع ذلك، ووفقا لتكهنات صحفية، فإن الرفض كان بسبب تركيبة الحكومة المقترحة، وبخاصة توسيعها إلى 32 وزيرا. كما أن بعض أعضاء مجلس النواب أشار إلى قلة الخبرة لدى الحكومة المقترحة.
 
وبينما يناقش مجلس الرئاسة الآن تشكيلة وزارية جديدة سيقترحها السرّاج ليصار إلى تقديمها إلى مجلس النواب، ثمة سؤال من شقين : هل لا يزال باستطاعة مجلس النواب أن يرفض تشكيلة وزارية ثانية؟ وإذا كان الجواب بالإيجاب، فهل سيشكل هذا الرفض نهاية لمجلس الرئاسة الذي يترأسه السرّاج؟ الجواب عن الشق الأول هو أنه ليس ثمة بالتأكيد ما يمنع البرلمان من رفض التشكيلة الحكومية للمرة الثانية؛ بيد أن ذلك لن يعني بشكل تلقائي إسقاط حكومة الوفاق الوطني، وذلك لأسباب ثلاثة:
 
1. وفق شروط الاتفاقية السياسية التي تمّ تبنيها مؤخرا، فإن دور مجلس النواب يختلف إلى حد كبير عن دوره السابق. فمجلس النواب لم يعد السلطة العليا في البلاد ولا الممثل الوحيد للشعب الليبي كما هو مقرر في المادة 17 من الإعلان الدستوري. فالاتفاقية السياسية تُقرّ الآن أن السلطات يتقاسمها مجلس النواب وحكومة الوفاق الوطني والمجلس الأعلى للدولة، وفق مبدأ فصل السلطات ومبدأ الضوابط والتوازنات بين فروع الحكومة. وقد نقلت الاتفاقية السياسية بشكل فعال ليبيا من نظام برلماني قوي إلى نظام شبه رئاسي مختلط. واليوم لم يعد مجلس النواب سوى مجلس تشريعي، ولا تتعدى صلاحياته ذلك. وأي مشروع قرار لسحب الثقة بحكومة الوفاق الوطني من قبل مجلس النواب سيحتاج أولا إلى تصويت بالثقة لمجلس الوزراء، وهو ما يشكل السلطة التنفيذية. ووفقا للاتفاقية السياسية فإن قرار سحب الثقة يحتاج إلى موافقة 120 عضوا في مجلس النواب، بعد استشارة المجلس الأعلى للدولة: وهو ما يبدو صعب التحقيق إلى أقصى حد.
 
2. لا يوجد في الاتفاقية السياسية مادة تقرر حالة رفض البرلمان لمجلس وزاري مقترح أو تراقب نتائجها. فالاتفاقية السياسية في الحقيقة مبنية على مبادئ حكم مختلفة، المقصود منها تعزيز التوافق والإجماع والاستشارات والتعاون والتنسيق. والحال أن هذه مفاهيم سياسية جديدة في ليبيا اليوم وهي بحاجة لأن يتمّ تعلُّمها وممارستها من خلال وسائل سياسية سلمية في بلد مزقته الحرب الأهلية، وتهيمن عليه الميليشيات المختلفة. ومن هنا فإن من واجب المؤسسات السياسية التي قدمتها الاتفاقية أو شرّعت وجودها أن تتعاون وتتناقش وتتشاور للوصول إلى اتفاق أو إجماع، وأهم من ذلك، لكي تنفذ الاتفاقية بروح من الإخلاص. ذلك أن المستوى الذي وصلت إليه الأزمة في البلاد اليوم لا يترك أي مجال للأشكال التقليدية من العناد والصراع الداخلي والابتزاز الذي اعتدنا رؤيته في السنوات الأخيرة. فليبيا تواجه تهديدات خطيرة على جبهات متعددة، ومثل هذا السلوك ما عاد من الممكن احتماله، وما عادت ليبيا ولا الليبيون بقادرين على التعايش معه.
 
3. وثمة ادعاء آخر يروج له الإعلام الليبي مفاده أن مجلس النواب أقر (من دون أن ينشر ذلك) قواعد داخلية تمنحه الحق تقنيا بأن يفرض اختيار رئيس وزراء جديد كلية. وهو يتحجج بأنه في حال الفشل في تشكيل مجلس للوزراء في حدود زمنية معينة أو في حال رفض مجلس النواب تشكيلة وزارية مقترحة فإن رئيسا جديدا للوزراء يجب أن يعين.  وثمة سابقة وقعت في شهر تشرين الأول /أكتوبر 2012، عندما فشل السيد أبو شاقور، الذي تمّ تكليفه بتشكيل الحكومة من قبل المؤتمر الوطني العام، في هذه المهمة. وقد أدى ذلك إلى استبداله بالسيد زيدان الذي شكّل الحكومة بالفعل وتم قبولها. بيد أن هذه الحجة غير صالحة الآن لأنها لا تأخذ بالحسبان الآثار المترتبة على الوضع الجديد لمجلس النواب وفق الاتفاقية السياسية التي تبناها المجلس نفسه. فمنذ أن غدت الاتفاقية جزءا لا يتجزأ من الإعلان الدستوري الليبي، بات مطلوبا من مجلس النواب أن يمضي خطوة أخرى، وهي أن يراجع ويعدل النظام الداخلي الخاص به إلى حد كبير بحيث تتوافق مع الإعلان الدستوري كما تمّ تعديلها وفقا لاتفاقية السياسية. ومن نافل القول التذكير بأنه من غير الممكن بأي شكل أن تتعدى صلاحية مجلس النواب القانون الأعلى للأمة.
 
ونحن لا نريد بذلك أن نقول إن مجلس الرئاسة يعلو على المؤسستين الأخريين (مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة) أو أنه يستطيع أن "يفرض" مجلس وزرائه. فلا شك أن منح الثقة من قبل مجلس النواب بالتشكيلة الوزارية هو أمر لا محيد عنه، كونه المؤسسة التشريعية الوحيدة. ومع ذلك فإن إحدى النقاط المحورية في الاتفاقية السياسية المنبثقة عن مسار سلام طويل كانت التأسيس لسياق سياسي جديد من أجل التوصل إلى توافق وإجماع من خلال حوار بناء وخطوات إيجابية. وهذا بالضبط هو ما نحتاج إليه ليكون القيم المرشدة للقيادة الليبية الجديدة لكي تخرج البلاد من هذه الأزمة. فتحت الاتفاقية السياسية، يحتاج كل جسم حكومي أن يفهم دوره وسلطاته وحدوده بحيث تعمل جميعا لكي تدفع بليبيا إلى الأمام، بدلا من أن يقف كل منها حجر عثرة في وجه الآخرين، وهي العقلية التي دفعت بليبيا لأن تكون دولة فاشلة وإستعادة هذه التكتيكات لن يخرج لبيبا من ذلك.
 
الوكالة الأوروبية للصور الصحفية