الذكاء الاصطناعي وقطاع الأمن: خطر على الحوكمة أم فرصة للإصلاح؟

القاهرة، مصر - 2 ديسمبر: يتجول الزوار بين الأجنحة خلال النسخة الرابعة من معرض مصر للصناعات الدفاعية والعسكرية (EDEX 2025) في القاهرة، مصر، وذلك في 2 ديسمبر 2025. شهد المعرض مشاركة نحو 80 شركة تركية -من بينها "أسيلسان" (ASELSAN)، و"الشركة التركية للصناعات الجوية والفضائية" (TUSAS/TAI)، و"هافيلسان" (HAVELSAN)- إلى جانب آلاف الزوار وكبرى الشركات العالمية العاملة في قطاع الدفاع. وقد عرضت الفعالية مجموعة واسعة من منصات الدفاع الجوية والبرية والبحرية، بما في ذلك المركبات المدرعة، والطائرات بدون طيار، والذخائر، وأنظمة الحرب الإلكترونية، والتقنيات الأمنية. © الأناضول - محمد الشاهد.

منذ أن صاغ جون مكارثي مصطلح «الذكاء الاصطناعي» (AI) للمرة الأولى في دارتموث عام 1955،1تابلو، «تاريخ الذكاء الاصطناعي»، متاح على https://www.tableau.com/data-insights/ai/history شهد الذكاء الاصطناعي تطورًا متواصلًا واتسع نطاق تأثيره تدريجيًا عبر مختلف القطاعات، من ضمنها قطاع الحوكمة. على سبيل المثال، في عام 2025، عيّنت ألبانيا نظامًا للذكاء الاصطناعي يُدعى «دييلا» (Diella)2كلوتيلد بومون وبوجانا زوريتش، «الذكاء الاصطناعي والسياسة الواقعية: ماذا يعني وزير الدولة للذكاء الاصطناعي في ألبانيا لمسار الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي»، معهد الاتحاد الأوروبي للدراسات الأمنية، تشرين الأول/أكتوبر 2025، متاح على https://www.iss.europa.eu/publications/commentary/artificial-intelligence-real-politics-what-albanias-ai-minister-means-eu في منصب وزير الدولة للذكاء الاصطناعي بهدف «تحسين الخدمات الإلكترونية المُقدّمة للمواطنين من جميع الأعمار من خلال الصوت والصور والسرعة».3الحكومة الألبانية، «دييلا»، متاح على https://kryeministria.al/en/ministrat/diella/ وفي العام عينه، أعلنت الإمارات العربية المتحدة خططًا لدمج الذكاء الاصطناعي في منظومتها القانونية سعيًا إلى أن تصبح أول دولة تستفيد من هذه التكنولوجيا، ليس في صياغة تشريعات جديدة فحسب بل أيضًا في مراجعة وتعديل القوانين القائمة.4360 بزنس لو، «خطة الإمارات لاستخدام الذكاء الاصطناعي في صياغة القوانين ومراجعتها»، متاح على https://www.360businesslaw.com/the-uaes-plan-to-use-ai-in-law-drafting-and-revision/

وقد تسارع انتشار الذكاء الاصطناعي واعتماده في الأجهزة البيروقراطية الحكومية خلال العقد الماضي وبات يُدمج في أنظمة الحوكمة الإلكترونية والأمن والقضاء والمراقبة.5مركز جنيف لحوكمة قطاع الأمن – الفريق الاستشاري الدولي للقطاع الأمني، الذكاء الاصطناعي وحوكمة القطاع الأمني وإصلاحه، مذكرة استشارية، متاح على https://www.dcaf.ch/sites/default/files/imce/ISSAT/Adv-note-AI-SSGR.pdf ومن خلال أتمتة الإجراءات الإدارية ودعم اتخاذ القرارات المستندة إلى البيانات، تتمتع أنظمة الذكاء الاصطناعي بالقدرة على تحسين تخصيص الموارد وتعزيز التحليل التنبؤي والمساعدة في الكشف عن التهديدات في الوقت الفعلي. لكن ما الفرص التي يتيحها الذكاء الاصطناعي في المجال الأمني؟ وما التهديدات التي ينطوي عليها؟ وتوخيًا للوضوح، تستخدم هذه الورقة مصطلح «الذكاء الاصطناعي» بمعناه الواسع للإشارة إلى الأنظمة الحاسوبية التي تشمل تقنيات التعرف إلى الأنماط القائمة على التعلم الآلي والتحليلات التنبؤية ومعالجة اللغات الطبيعية والأدوات التوليدية التي تحلّل البيانات بهدف توجيه القرارات أو تسريعها أو أتمتتها بدلًا من حصر المصطلح في تكنولوجيا أو منتج أو جهة مزوّدة بعينها. وبما أن هذه التطورات تثير مسألة تتعلق بتحديد المفاهيم، تتعامل معها هذه الورقة بوصفها قضية محورية لا مجرد مسألة ثانوية. تصف «حوكمة القطاع الأمني» (SSG) الواقع الفعلي لكيفية عمل القطاع الأمني في الدولة بما يشمله من مؤسسات وجهات فاعلة وممارسات تتولى استخدام القوة أو الإشراف على استخدامها.6مركز جنيف لحوكمة قطاع الأمن، حوكمة القطاع الأمني، موجز عن إصلاح القطاع الأمني (SSR Backgrounder)، متاح على https://www.dcaf.ch/sites/default/files/publications/documents/DCAF_BG_1_Security_Sector_Governance_EN.pdf أما إصلاح القطاع الأمني (SSR) فهو عملية سياسية وتقنية تهدف إلى تحسين هذه الحوكمة، عبر جعل توفير الأمن وإدارته والرقابة عليه أكثر فعالية وخضوعًا للمساءلة ضمن إطار من الرقابة المدنية الديمقراطية وسيادة القانون واحترام حقوق الإنسان.7مركز جنيف لحوكمة قطاع الأمن، إصلاح القطاع الأمني، موجز عن إصلاح القطاع الأمني (SSR Backgrounder)، تشرين الثاني/نوفمبر 2022، متاح على https://www.dcaf.ch/sites/default/files/publications/documents/DCAF_BG_02_SecuritySectorReform_Nov2022.pdf وهنا، بدأ الذكاء الاصطناعي يشق طريقه بالفعل إلى حوكمة القطاع الأمني. لكن مدى قدرته على الإسهام في إصلاح هذا القطاع هي مسألة منفصلة وأكثر تعقيدًا بكثير وتجيب عنها هذه الورقة بالنفي إلى حدٍّ كبير، في غياب ضمانات محددة.

أما في البيئات الهشّة والاستبدادية المتأثرة بالنزاعات حيث تعاني آليات المساءلة المؤسسية والرقابة أصلًا من اختلالات شديدة، فلا يؤدي إدخال الذكاء الاصطناعي إلى حوكمة القطاع الأمني من دون ضوابط تنظيمية إلى استحداث مخاطر جديدة أو تسريع إخفاقات الحوكمة القائمة فحسب، بل يهيئ أيضًا الظروف التي يصبح فيها دمج الذكاء الاصطناعي من دون توجيه أو ضوابط عاملًا مضاعفًا للديناميات التي يسعى الإصلاح إلى التغلب عليها. ومع ذلك، يمكن للذكاء الاصطناعي - إذا استُخدم على نحوٍ سليم - أن يعزز الشفافية والفعالية المؤسسية. وفي هذا الإطار، تتناول هذه الورقة الموضوع عبر ثلاث مراحل: ترصد أولًا كيفية دمج الذكاء الاصطناعي في حوكمة القطاع الأمني؛ ثم تُبيّن كيف يزيد هذا الدمج صعوبة العمل الأساسي لإصلاح القطاع الأمني بدلًا من تيسيره؛ وأخيرًا، تحدد الشروط المحدودة التي يمكن في ظلها للذكاء الاصطناعي أن يُسهم في تحقيق أهداف إصلاح القطاع الأمني. وتستند الورقة، في مجملها، إلى حجة أساسية مفادها أن الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن يخدم أهداف إصلاح القطاع الأمني إلا إذا كان استخدامه مشروطًا بثلاث ضمانات مترابطة، هي: آليات رقابة مستقلة وأطر للمساءلة وأطر قانونية ملزمة. وفي غياب هذه الضمانات، ينبغي التعامل مع الذكاء الاصطناعي لا كأداة للإصلاح بل كخطر يهدد عملية الإصلاح عينها ويطال الفئات السكانية التي يُفترض أن يحميها إصلاح القطاع الأمني. وهذا خطر من مسؤولية المصلحين والمانحين والشركاء الدوليين الاعتراف به صراحةً والتصدي له قبل المضي قدمًا في أي تدخل أو تعاون.

 

الذكاء الاصطناعي في حوكمة قطاع الأمن: ما الذي يحدث بالفعل؟

لا يزال الإدماج الرسمي للذكاء الاصطناعي في عمليات حوكمة القطاع الأمني محدودًا أو، على الأقل، لم تتضح معالمه بعد في السجلات العامة. غير أن الظروف التي قد تتيح توسيع نطاق هذا الإدماج تثير القلق بالفعل. على سبيل المثال، لا تزال سلطة الدولة في البلدان الخاضعة لأنظمةٍ استبدادية أو المتأثرة بالنزاعات متشرذمة أو خاضعة لرقابة مشددة أو ضعيفة أو عاجزة بنيويًا عن تلبية الاحتياجات الأساسية للمواطنين. وحيث تعجز الدولة عن إحراز تقدّم، تتفاقم الظروف البنيوية التي تغذي عدم الاستقرار وتتراكم تداعياتها. فالأدوات المدعومة بالذكاء الاصطناعي والمصممة ظاهريًا لتحسين الكفاءة والتنسيق داخل المؤسسات الأمنية، تنطوي على خطر إحداث نتائج معاكسة تمامًا عند نشرها في بيئات تكون فيها الرقابة ضعيفة أو غائبة. وفي ظلّ الأنظمة الاستبدادية، لا تُسهم هذه الأدوات في تعزيز الحوكمة بل توفّر وسائل جديدة لترسيخ السيطرة وقمع المعارضة والإفلات من المساءلة، بما يُعمّق اختلال موازين القوى القائمة في حوكمة القطاع الأمني بدلًا من معالجتها.

ما نشهده مثلًا، في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، هو نمط من القمع الرقمي الذي يشمل أدوات المراقبة والاختراق المستخدمة منذ سنوات إلى جانب طبقة متنامية من أدوات التحليل المدعومة بالذكاء الاصطناعي. ويكشف هذا النمط بوضوح كيفية عمل هذه الأدوات عند إدخالها في منظومة حوكمة القطاع الأمني على نطاقٍ أوسع، وكيف تقوض هذه الممارسات بدورها ركائز إصلاح القطاع الأمني بل وإمكانية تحقيقه من الأساس.8كريستينا كوش، وآخرون، نهاية الحريات؟ الذكاء الاصطناعي في أمن الشرق الأوسط، دراسة السياسة رقم 27، يوروميسكو، تموز/يوليو 2022، متاح على https://www.euromesco.net/wp-content/uploads/2022/04/Policy-Study_27_Artificial_Intelligence1.pdf (كريستينا كوش، وآخرون، نهاية الحريات؟). توسّع الأنظمة الاستبدادية في مختلف أنحاء المنطقة بنيتها التحتية للمراقبة الرقمية وتدمج فيها بصورة متزايدة أدوات تحليل مدعومة بالذكاء الاصطناعي بحيث تستخدمها مؤسساتها الأمنية بطرق تتعارض مباشرةً مع المبادئ التي تقوم عليها حوكمة القطاع الأمني، مثل الرقابة المدنية والشفافية والمساءلة القانونية فضلًا عن التطلعات التي يسعى إصلاح القطاع الأمني إلى تحقيقها. ولا تمثّل هذه الاستخدامات ممارسات متفرقة أو ارتجالية، بل يتكرر نمطان منها في جميع أنحاء المنطقة. الأول هو القمع الرقمي العابر للحدود الذي يتعقب المنتقدين المنفيين خارج بلدانهم. وهذا القمع ليس ظاهرةً جديدة بحدّ ذاته لكن معالجة البيانات بمساعدة الذكاء الاصطناعي تسهم في توسيع نطاقه، إذ تتيح عمليات الفرز الآلي للاتصالات المعترضة والربط بين بياناتها لعددٍ محدودٍ من المشغلين تعقّب أعداد أكبر بكثير من المنتقدين المنفيين في الوقت عينه، مقارنةً بما كانت تسمح به أساليب المراقبة اليدوية.

أما النمط الثاني فهو محلي ويتمثّل في المراقبة القائمة على تحليل المحتوى والمدعومة بالذكاء الاصطناعي بهدف مراقبة ما يقوله المواطنون ويفعلونه في داخل بلدانهم.9أمريكيون من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان في البحرين، «الإمارات وأثر برامج التجسس على المدافعين عن حقوق الإنسان»، أيار/مايو 2022، متاح على https://www.adhrb.org/2022/05/uae-and-the-impact-of-spyware-on-human-rights-defenders/ على سبيل المثال، استُخدمت برامج تجسس تجارية مثل «بيغاسوس» (Pegasus)، من جانب الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، لتعقّب المعارضين وإسكاتهم في الداخل والخارج إذ تعرض نشطاء لاختراق أجهزتهم وواجهوا الاعتقال أو العنف الجسدي، أو في الحالات الأكثر تطرفًا، الاغتيال عند عودتهم إلى بلدانهم.10هيومن رايتس ووتش، «السعودية: محكمة بريطانية تقبل قضية بشأن استخدام السعودية برامج تجسس»، 22 تشرين الأول/أكتوبر 2024، متاح على https://www.hrw.org/ar/news/2024/10/22/saudi-arabia-uk-court-accepts-case-about-saudi-spyware-use ومن المهم توضيح نقطة أساسية هنا: إن برامج التجسس مثل «بيغاسوس» هي في جوهرها أدوات اختراق تعتمد على سلاسل من الثغرات الأمنية المستغلة وليست أنظمة ذكاء اصطناعي في حدّ ذاتها. لكن البيانات التي تجمعها تخضع بصورة متزايدة للفرز والربط المتبادل وترتيب أولوياتها باستخدام أدوات تحليل مدعومة بالذكاء الاصطناعي. ولهذا السبب، تتناولها هذه الورقة البحثية ضمن المشهد الأوسع للتقنيات الأمنية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، لا بوصفها دليلًا على استخدام الذكاء الاصطناعي في حدّ ذاته. وقد استخدم عملاء سعوديون البرنامج عينه في تشرين الأول/أكتوبر 2018 لاستهداف أفراد من عائلة الصحافي السعودي المغدور جمال خاشقجي، قبل مقتله وبعده.11منظمة العفو الدولية، «مشروع بيغاسوس»، تموز/يوليو 2021، متاح على https://www.amnesty.org/ar/latest/news/2021/07/the-pegasus-project/ أما البحرين فتظهر مسارًا مماثلًا، فبين عامي 2010 و2012، استخدمت برنامج التجسس «فين فيشر» (FinFisher) لاختراق أجهزة صحافيين ومحامين وسياسيين معارضين ونشطاء مؤيدين للديمقراطية واستهدافهم.12بيل مارزاك، وآخرون، «لعبة الغمّيضة: تتبع عمليات برنامج بيغاسوس من شركة NSO في 45 دولة»، سيتيزن لاب، 18 أيلول/سبتمبر 2018، متاح على https://citizenlab.ca/research/hide-and-seek-tracking-nso-groups-pegasus-spyware-to-operations-in-45-countries/ وأكد لاحقًا «سيتيزن لاب» (Citizen Lab)، وهو مجموعة بحثية متخصصة في الأمن الرقمي تابعة لكلية مونك في جامعة تورنتو، أنه في الفترة بين حزيران/يونيو 2020 وشباط/فبراير 2021، استخدمت البحرين ثغرة في تطبيق iMessage تُعرف باسم «فورسد إنتري» (FORCEDENTRY)، وهي لا تتطلب أي تفاعل من المستخدم لتثبيت برنامج «بيغاسوس» على أجهزة تسعة نشطاء داخل البلاد وخارجها.13بانك إنفو سيكيوريتي، «سيتيزن لاب: البحرين استخدمت بيغاسوس للتجسس على ناشطين»، متاح على https://www.bankinfosecurity.com/citizen-lab-bahrain-used-pegasus-to-spy-on-activists-a-17371 كما كشف «مشروع بيغاسوس» لعام 2021، وهو تحقيق تعاوني قاده «مختبر الأمن الرقمي» التابع لمنظمة العفو الدولية بالتعاون مع ائتلاف من المؤسسات الإعلامية الدولية، أن السلطات المغربية استخدمت برنامج تجسس طوّرته مجموعة «إن إس أو» (NSO)، وهي الشركة الإسرائيلية المطوّرة لبرنامج «بيغاسوس»، لاستهداف عشرات الصحافيين والنشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان.14مؤسسة سكايلاين الدولية لحقوق الإنسان، «توسّع البنية التحتية للمراقبة في المغرب قبيل كأس أفريقيا وكأس العالم»، متاح على https://skylineforhuman.org/en/news/details/816/moroccos-surveillance-infrastructure-expands-ahead-of-the-africa-cup-and-world-cup

وتوسّع تقنية التعرف إلى الوجوه وتحديد الهوية - بالاستناد إلى البيانات البيومترية وتحليل البيانات التنبؤية - نطاق هذا النهج داخل الدول. ففي مصر، تستخدم السلطات الذكاء الاصطناعي لمراقبة وسائل التواصل الاجتماعي بحثًا عن مؤشرات على المعارضة عبر تحليل الكلمات المفتاحية والوسوم وأنماط النشاط على الإنترنت بهدف التنبؤ بالاحتجاجات المحتملة، وفي بعض الحالات، لمنع وقوعها.15ألبرت سيبايوس، «كيف يستغل المستبدون الذكاء الاصطناعي كسلاح – وكيف يمكن التصدي لذلك»، مجلة الديمقراطية، آذار/مارس 2025، متاح على https://www.journalofdemocracy.org/online-exclusive/how-autocrats-weaponize-ai-and-how-to-fight-back/ وفي كلا النمطين، تعمل هذه الأدوات بشكلٍ كاملٍ خارج نطاق الرقابة القضائية أو المساءلة القانونية وذلك في انتهاكٍ مباشرٍ لسيادة القانون وحماية حقوق الإنسان وهو ما يسعى إصلاح القطاع الأمني إلى ترسيخه. وقد دفعت هذه القدرة المتنامية على ممارسة القمع الرقمي العديد من منظمات المجتمع المدني إلى نقل عملياتها إلى الخارج تجنبًا للمضايقات والاعتقال والعنف الجسدي بما يشمل الاغتيالات المستهدفة في الحالات الأكثر تطرفًا.16مركز الديمقراطية في الشرق الأوسط، «الطغاة الرقميون: مواجهة الروايات الاستبدادية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا»، متاح على https://mideastdc.org/publication/digital-dictators-confronting-authoritarian-narratives-in-the-mena-region/ ونتيجةً لذلك، تتقلّص المساحة المتاحة للعمل المدني داخل البلدان وتتآكل قدرة الفاعلين المحليين على التأثير في عمليات الحوكمة. ويؤدي ذلك بدوره إلى تقويض الطابع الوطني الذي تعتمد عليه عمليات إصلاح القطاع الأمني المشروعة وإلى قطع الصلة بين الدولة والمجتمع وهي الصلة التي يسعى إصلاح القطاع الأمني في نهاية المطاف إلى إعادة بنائها.17كريستينا كوش، وآخرون، نهاية الحريات؟.

هذه الممارسات ليست عرضية بل تستند إلى بنية تشريعية توفر لها غطاءً قانونيًا. ففي ليبيا، يمنح القانون رقم 5 لعام 2022 بشأن مكافحة الجرائم الإلكترونية السلطات الحكومية صلاحيات واسعة وفضفاضة لإزالة المحتوى الرقمي الذي يُعتبر مسيئًا للثقافة والقيم الليبية من دون وجود آلية رقابة مستقلة تمنع تطبيق هذه الصلاحيات بصورة تعسفية أو لدوافع سياسية. ويمكن بسهولة توسيع نطاق هذه الصلاحيات ليشمل مراقبة المحتوى وإزالته بمساعدة الذكاء الاصطناعي.18وزارة الخارجية الأمريكية، التقارير القطرية لعام 2022 حول ممارسات حقوق الإنسان: ليبيا، آذار/مارس 2023، متاح على https://2021-2025.state.gov/reports/2022-country-reports-on-human-rights-practices/libya/ وفي تونس مثلًا، لا يميز قانون حماية البيانات بين البيانات البيومترية والبيانات الشخصية، وهو غموض يسمح للحكومات والكيانات الخاصة باستخدام تقنيات تحديد الهوية البيومترية المدعومة بالذكاء الاصطناعي لأغراض المراقبة والسيطرة من دون أي عواقب قانونية.19مركز الديمقراطية في الشرق الأوسط، «هل الذكاء الاصطناعي في صالح الديمقراطية أم ضدها؟ مواجهة الروايات الاستبدادية في الشرق الأوسط»، متاح على https://mideastdc.org/publication/is-artificial-intelligence-for-democracy-or-against-it-confronting-authoritarian-narratives-in-the-middle-east/ ويذهب قانون الجرائم الإلكترونية المصري للعام 2018 إلى أبعد من ذلك. فهو يتعامل مع أي حساب يتجاوز عدد متابعيه خمسة آلاف متابع باعتباره وسيلة إعلامية يمكن إخضاعها للرقابة ويسمح بتفتيش الأجهزة الشخصية من دون إذنٍ قضائي ويتيح حجب حسابات وسائل التواصل الاجتماعي التي ترصدها أنظمة الذكاء الاصطناعي من دون تصريحٍ قضائي بذريعة نشر «معلومات كاذبة»، وهو مفهوم فضفاض التعريف.20دراسات الشعبوية، «الانتشار الاستبدادي في الفضاء السيبراني: كيف تتعلم مصر وتحاكي وتتعاون في مجال الاستبداد الرقمي»، متاح على https://www.populismstudies.org/authoritarian-diffusion-in-the-cyberspace-how-egypt-learns-emulates-and-cooperates-in-digital-authoritarianism/ وأتاح هذا النص القانوني بشكل مباشر تشديد العقوبات وزيادة المضايقات بحقّ الصحافيين والنشطاء. وتُظهر هذه القوانين مجتمعةً أن التشريعات قادرة على إضفاء طابعٍ رسمي على القمع المدعوم بالذكاء الاصطناعي بالقدر عينه الذي يمكن أن تقيّده به. فحين تكون الضوابط المؤسسية ضعيفة أصلًا، تتحول الصلاحيات القانونية المصاغة بعبارات فضفاضة إلى أدوات تمنح غطاءً قانونيًا لاستخدام الذكاء الاصطناعي في إلحاق الضرر، بدلًا من أن تشكل ضمانةً للحماية من إساءة استخدامه. وهذا تحديدًا ما يكشف غياب الضمانة الثالثة التي تدعو إليها هذه الورقة: أطر قانونية ملزمة تقيد استخدام الذكاء الاصطناعي بدلًا من إضفاء الشرعية على إساءة استخدامه.

لا يمثل أي مما سبق توظيفًا للذكاء الاصطناعي ضمن عمليات إصلاح القطاع الأمني بل هو إدخال للذكاء الاصطناعي في الآليات القائمة لحوكمة القطاع الأمني، بطرق تقوّض فعليًا الشروط المسبقة اللازمة لنجاح الإصلاح. وما يغيب عن جميع الحالات المذكورة هو وجود أي إطار قادر على ضمان أن يخدم الذكاء الاصطناعي عملية الإصلاح بدلًا من تقويضها، إذا ما أُدخِل مستقبلًا في عمليات إصلاح القطاع الأمني.

 

من الحوكمة إلى الإصلاح: كيف يعوق الذكاء الاصطناعي في حوكمة القطاع  الأمني عملية إصلاح القطاع الأمني

يصف الدكتور غرازفيداس ياسوتيس، الخبير في الأمن الدولي وهو ذو خبرة ميدانية واسعة في تقديم المشورة بشأن إصلاح القطاع الأمني، هذه الإشكالية بأنها مشكلة جوهرية تتعلق بـ«الصندوق الأسود». فلم يتبلور حتى الآن إطار شامل بما يكفي للمساءلة في مختلف السياقات التي يُدمج فيها الذكاء الاصطناعي في حوكمة القطاع الأمني (SSG).21مقابلة مع الدكتور غرازفيداس ياسوتيس، خبير في الأمن الدولي، 16 آذار/مارس 2026. وعلى الرغم من أن هذا التحدي يتجاوز القطاع الأمني بكثير، فإن تداعياته تكتسب أهميةً خاصة في هذا المجال. ففي غياب أطر واضحة وشاملة وذات أسس قانونية، قد يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى تكريس أوجه عدم المساواة البنيوية والفساد وتقويض حقوق الإنسان وزيادة تآكل ما تبقّى من ثقة عامة محدودة في أجهزة إنفاذ القانون ومؤسسات الدولة. وتكشف هذه الملاحظة عن مشكلة بنيوية تتجاوز أي حالة بعينها، إذ لا تُعدّ المساءلة، وهي ثاني الضمانات الثلاث التي تتناولها هذه الورقة، مجرد متطلب إجرائي في إصلاح القطاع الأمني، بل تمثّل الآلية التي تكتسب المؤسسات من خلالها شرعيتها في نظر السكان الذين يُفترض أن تخدمهم.

وعندما تعمل أنظمة الذكاء الاصطناعي بوصفها «صناديق سوداء» وتُنتج مخرجات لا يمكن فحص المنطق الذي تستند إليه أو الطعن فيه أو تفسيره، فإنها تقوّض هذه الشرعية من أساسها.22مجلس كارنيغي للأخلاقيات والشؤون الدولية، «مساءلة الذكاء الاصطناعي»، متاح على https://www.carnegiecouncil.org/explore-engage/key-terms/ai-accountability وينطوي الذكاء الاصطناعي على قيود إضافية تزيد تعقيد إصلاح القطاع الأمني وهي قيود لا تستطيع أي منظومة رقابية، مهما بلغت متانتها، معالجتها بالكامل. ويوضح أحد مسؤولي إصلاح القطاع الأمني في الأمم المتحدة الجوانب التي يعجز الذكاء الاصطناعي عن فهمها في البيئات الحساسة للنزاعات، ومنها الديناميات السياسية والمظالم التاريخية والخصومات الشخصية والهويات الاجتماعية والفروق الثقافية الدقيقة التي يجب على عمليات إصلاح القطاع الأمني التعامل معها لإعادة بناء الثقة وإصدار أحكام تراعي خصوصية السياق.23مقابلة مع مسؤول إصلاح القطاع الأمني، الأمم المتحدة، 16 آذار/مارس 2026. ويتمثّل خطر آخر مرتبط بذلك في الإفراط في الاعتماد على مخرجات الخوارزميات وهي ظاهرة موثقة تُعرف باسم «انحياز الأتمتة»، إذ يميل المشغلون البشريون إلى الأخذ بنتائج الأنظمة الآلية حتى عندما تكون خاطئة أو تتعارض مع حكمهم الخاص.24تيك تارجت، «ما هو انحياز الأتمتة؟»، متاح على https://www.techtarget.com/searchitoperations/definition/What-is-automation-bias لا يمكن استخلاص مسارات عمل موضوعية من الذكاء الاصطناعي من دون تكييفها مع الواقع الميداني. ففي ليبيا والبلقان ومختلف بعثات حفظ السلام، يمكن للسلطة غير الرسمية لقادة الجماعات المسلحة والمظالم التاريخية العميقة والذاكرة المؤسسية المرتبطة ببنى مجتمعية معينة أن تشكل عوامل حاسمة في نجاح عملية الإصلاح أو انهيارها. ولا يمكن بسهولة تحويل هذه الديناميات إلى نقاط بيانات يمكن لأنظمة الذكاء الاصطناعي معالجتها ما لم تُدرج صراحةً في الخوارزمية، وهو أمر غالبًا ما يتعذر تحقيقه.25مقابلة مع مسؤول إصلاح القطاع الأمني، الأمم المتحدة، 16 آذار/مارس 2026. ولا يتعلق هذا القصور بمشكلة يمكن تجاوزها عبر تحسين بيانات التدريب أو تطوير خوارزميات أكثر تطورًا بل يعكس اختلافًا جوهريًّا بين المعرفة القائمة على العلاقات الإنسانية التي يتطلبها إصلاح القطاع الأمني والقدرة على التعرف إلى الأنماط التي يوفرها الذكاء الاصطناعي حاليًّا.

ويبلغ خطر الإفراط في الاعتماد على مخرجات الخوارزميات ذروته في البيئات التي يبدو فيها استخدام الذكاء الاصطناعي أكثر جاذبيةً، وتحديدًا في السياقات الهشة التي تعاني نقصًا في البيانات حيث يشتدّ الإغراء باليقين الذي يفترض أن توفّره البيانات في حين تكون القدرة البشرية على التحقق في أضعف حالاتها. وفي مثل هذه البيئات، قد تحلّ مخرجات أنظمة الذكاء الاصطناعي محلّ التقدير البشري الذي يتطلبه الإصلاح الفعال بدلًا من أن تدعمه. من هنا، تبرز ضرورة إدراك حدود ما يستطيع الذكاء الاصطناعي تقديمه من معلومات وما يعجز عن الإحاطة به، مع الحفاظ على التقدير البشري والمعرفة المحلية والمساءلة السياسية في صميم عمليات الإصلاح. ويُبرز هذا التمييز الفارق الجوهري بين توظيف الذكاء الاصطناعي لدعم إصلاح القطاع الأمني والسماح له بأن يحلّ محلّ عملية الإصلاح نفسها.

 

وعد الذكاء الاصطناعي لإصلاح القطاع الأمني: إعادة تحديد موقع الجهات الفاعلة

لا يستبعد أي مما سبق دور الذكاء الاصطناعي في إصلاح القطاع الأمني لكنه يعيد تحديد الجهات التي تمتلك القدرة على الفعل والتأثير. والسؤال المطروح هنا ليس كيف يمكن للدول وقادتها توظيف الذكاء الاصطناعي على نحوٍ أفضل، بل على العكس، تُظهر الدول الأكثر نشاطًا في تبني هذه الأدوات افتقارًا إلى الإرادة السياسية اللازمة لإرساء الرقابة الديمقراطية والشفافية والمساءلة التي يتطلبها إصلاح القطاع الأمني. والسؤال الأجدى هو كيف يمكن للعاملين في مجال إصلاح القطاع الأمني والجهات الفاعلة في المجتمع المدني والمانحين والشركاء الدوليين الاستفادة من الذكاء الاصطناعي بأنفسهم لدفع عمليات الإصلاح قدمًا، في وقت تستخدم فيه الدول المحيطة بهم التكنولوجيا عينها لترسيخ سيطرتها. وعمليًا، تتجلى هذه القدرة على التأثير في اتجاهين متكاملين: فالعاملون في هذا المجال والفاعلون في المجتمع المدني والمانحون والشركاء الدوليون الذين يدفعون باتجاه استيفاء الشروط المسبقة لإصلاح القطاع الأمني، يتمتعون أيضًا بموقع يتيح لهم الإصرار على توفير الضمانات التي يتطلبها استخدام الذكاء الاصطناعي. ويشمل ذلك المطالبة بإنشاء هيئات رقابية مستقلة قبل شراء أدوات الذكاء الاصطناعي وإدماج آليات المساءلة في طرق استخدامها وربط التمويل أو الشراكات بفرض قيودٍ قانونية ملزمة تنظّم استخدامها. وتحمل المؤسسات الأمنية في السياقات الهشة إرثًا متراكمًا من عقودٍ من الإفلات من العقاب واستمرار مراكز النفوذ من دون إصلاح وإخضاع المدنيين لمن يمارسونها. ويتوقف ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيُسهم في تضييق هذه الفجوة أو توسيعها، ليس على التكنولوجيا نفسها، بل على ما إذا كانت ستصبح أداة في أيدي الجهات الساعية إلى الإصلاح أم في أيدي الدول التي تقاومه.

والحالة الإيجابية الأكثر إقناعًا هي أيضًا الأكثر دلالةً على الظروف التي يمكن فيها للذكاء الاصطناعي أن يخدم أهداف إصلاح القطاع الأمني بشكل حقيقي وتكمن أهميتها تحديدًا في أن الذكاء الاصطناعي لم يتولّ اتخاذ أيّ قرارات تتعلق بالقطاع الأمني. خلال عملية تنفيذ خارطة الطريق السياسية للأمم المتحدة في ليبيا، استُخدم الذكاء الاصطناعي لدعم عمليات حوار منظّم استمرت أيامًا عدة عبر تنظيم المعلومات في صيغ واضحة وتوفير إحالات إلى المواد ذات الصلة وترجمة الوثائق وتلخيص كميات كبيرة من البيانات لتسهيل نشر المعلومات وتداولها بكفاءة أكبر.26مقابلة مع مسؤول إصلاح القطاع الأمني، الأمم المتحدة، 16 آذار/مارس 2026. وقد جرى تفريغ التسجيلات الصوتية وترجمتها إلى العربية، ما أسهم في تيسير الوصول إلى محتواها.27مقابلة مع مسؤول إصلاح القطاع الأمني، الأمم المتحدة، 16 آذار/مارس 2026. هكذا، تحوّلت مهام كانت تتطلّب أيامًا من المعالجة إلى عمليات يمكن إنجازها خلال دقائق، ما أتاح للمستشارين وميسري الحوار التركيز على ما لا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يحلّ محلهم فيه، أي بناء العلاقات والثقة والتعامل مع المصالح المتعارضة والتوصل إلى توافقٍ بين الأطراف الليبية. وفي عملية كانت فيها إدارة الوقت والحفاظ على الزخم عاملين حاسمين، تجاوزت مكاسب الكفاءة هذه الجانب اللوجستي إذ ساعدت في إبقاء العملية السياسية الهشة على مسارها. ولا تنبع أهمية التجربة الليبية بالنسبة إلى إصلاح القطاع الأمني من نطاق استخدامها للذكاء الاصطناعي، بل من المنطق الذي استند إليه تصميم هذا الاستخدام، فقد دعم الذكاء الاصطناعي الحكم البشري لخدمة البعد القائم على العلاقات الإنسانية، وهو ما يشكّل جوهر إصلاح القطاع الأمني بدلًا من أن يحلّ محلّه.

ويُظهر مثالٌ آخر، ذو صلة وإن كان مختلفًا، كيف يمكن للذكاء الاصطناعي تعزيز عمل الممارسين في مجال إصلاح القطاع الأمني. ويتعلق الأمر بروبوت الدردشة «سيلما» (Selma) الذي تطوّره حاليًا الأمم المتحدة، وتصفه بأنه أول أداة ذكاء اصطناعي في العالم مخصصة لإصلاح القطاع الأمني.28مقابلة مع خبير في قطاع الأمن، الأمم المتحدة، 16 تموز/يوليو 2026. تستند هذه الأداة إلى تقارير الأمين العام للأمم المتحدة التي تغطي نحو عقدين من الزمن في سياقات قطرية مختلفة للإجابة عن أسئلة تتعلق بما أُنجِز في سياقٍ معين وما أثبت نجاحه وما لم ينجح، عبر تجميع وتحليل الذاكرة المؤسسية التي كانت إعادة بنائها ستتطلب، لولا هذه الأداة، جهودًا بحثية يدوية واسعة. ويمثّل ذلك إسهامًا فعليًا في إصلاح القطاع الأمني إذ يتيح للممارسين، بدلًا من الاعتماد على الذاكرة الفردية أو الأرشيفات المتفرقة، الوصول السريع والمنظم إلى السجل التراكمي لكيفية عمل القطاع الأمني فعليًّا على مر الزمن. وتوسع النسخة «سيلما 2.0» هذه الإمكانات بشكلٍ كبير، مستفيدةً من مجموعة من الوثائق تغطي 17 دولة على مدى 20 عامًا، وتشمل تقارير إنسانية ووثائق دورية صادرة عن الأمم المتحدة بشأن إصلاح القطاع الأمني وتقييمات أعدّتها لجان الخبراء.29مقابلة مع خبير في قطاع الأمن، الأمم المتحدة، 16 تموز/يوليو 2026. والأهم أن «سيلما» لم تُصمم لتحلّ محلّ التقدير المهني للخبراء بل لتزويده بالمعلومات اللازمة. فيقتضي سير العمل المقصود أن يتحقّق خبير إصلاح القطاع الأمني أولًا من الدقة الوقائعية لأي مخرجات تنتجها الأداة، ثم يطبق تقديره المهني الخاص مستندًا إلى خطط الأمم المتحدة الحالية والسياق السياسي قبل اتخاذ أي قرار. ويقتصر عمل «سيلما»على قاعدة مختارة من الوثائق المُحمَّلة مسبقًا، من دون السماح لها بإجراء أبحاث عبر شبكة الإنترنت المفتوحة. ويشكّل هذا القيد ضمانةً تتيح تتبّع المخرجات وإرجاعها إلى مجموعة أدلة معروفة ومحددة. وتجسد «سيلما» المنطق التصميمي عينه الذي قامت عليه التجربة الليبية، إذ تعزز الأساس المعرفي الذي يُبنى عليه فهم سياقٍ أمني معين بما يوفّر للعاملين في إصلاح القطاع الأمني نقطة انطلاق أكثر ثباتًا وسرعة لممارسة التقدير السياسي والتقني الذي يتطلبه الإصلاح فعليًّا من دون أن تتولى الأداة عينها اتخاذ القرارات الإصلاحية في أيّ مرحلة. ومع ذلك، ترث الأداة حدود مصادرها، فتقارير الأمين العام هي وثائق مؤسسية صيغت وفق اعتبارات دبلوماسية وليست سجلات تجريبية جرى التحقق من دقتها ميدانيًّا. وبالتالي، تنطوي مخرجات «سيلما» على خطر إعادة إنتاج التوجهات التفسيرية والانحيازات السياسية المُضمّنة أصلًا في هذه التقارير، بدلًا من تصحيحها. وهنا أيضًا، تكمن الضمانة في وجود الخبير البشري ضمن عملية التقييم واتخاذ القرار، لا في الأداة عينها. ويقدّم ذلك نموذجًا عمليًا للرقابة المستقلة التي تتناولها هذه الورقة بوصفها أول الشروط المسبقة الثلاثة التي تدعو إلى توافرها.30مقابلة مع خبير في قطاع الأمن، الأمم المتحدة، 16 تموز/يوليو 2026.

على المستوى العملياتي، يُظهر الذكاء الاصطناعي أيضًا قدرة حقيقية على تعزيز خدمات السلامة العامة في مجالات محددة ذات طابع تقني واضح. ويقدّم ذلك المثال المضادّ الأبرز في هذه الورقة إذ يبيّن كيف يسهم الذكاء الاصطناعي في تحسين حوكمة القطاع الأمني على نحوٍ يمكن إدماجه ضمن تصميم عمليات إصلاح مسؤولة. أما استخدام منصات الذكاء الاصطناعي في الأماكن المزدحمة فيتزايد لتوفير معلومات آنية عن كثافة الحشود وحركتها، ما يتيح اتخاذ تدابير تؤدي إلى تحسينات قابلة للقياس في مجال السلامة العامة.31عرب أد ديجيتال، «كيف يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل الأمن في أنحاء الشرق الأوسط»، متاح على https://www.arabaddigital.com/en/article/5953-how-ai-is-transforming-security-across-the-middle-east وتعد منصة «بصير» التابعة للهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي، المثال الإقليمي الأوضح في هذا المجال فقد استُخدمت لمراقبة كثافة الحشود وحركتها في المسجد الحرام خلال موسم الحج، إذ تحلّل البيانات في الوقت الفعلي لرصد الأنشطة غير الاعتيادية وإتاحة التدخل في الوقت المناسب بما يساعد على توحيد الإجراءات التشغيلية والحد من الأخطاء البشرية وتحسين توزيع الموارد الأمنية.32المرجع عينه.

تكتسب تجربة منصة «بصير» أهميتها تحديدًا من نطاق عملها المحدود، فهي تعمل ضمن حيز مكاني واضح لتحقيق هدف ضيق النطاق وقابل للقياس ومتعلق بالسلامة العامة، مع احتفاظ المسؤولين البشريين بصلاحية اتخاذ القرار بشأن أي تدخل تشير الأداة إلى ضرورته. غير أن هذا المثال يستدعي التعامل معه بحذر لأن قدرات المراقبة ورصد الحشود التي تعزز السلامة خلال مناسك الحج الديني هي قابلة لإعادة التوظيف لأغراض السيطرة السياسية بالسهولة عينها في سياقات أخرى. فالأداة لا تحدد بنفسها كيفية استخدامها بل تتولى ذلك البيئة المؤسسية وأطر الرقابة التي تحكم عملها. وهذا تحديدًا ما يجعل الضمانات الثلاث التي تدعو إليها هذه الورقة شروطًا أساسية لا يمكن التعامل معها باعتبارها ثانوية. وبالنسبة إلى العاملين في مجال إصلاح القطاع الأمني فإن الدلالة المستخلصة من هذين المثالين واحدة: الذكاء الاصطناعي أداة قوية لكنها محدودة بطبيعتها. ويتمثل الخيار المطروح إما في فهم حدودها والعمل ضمنها وإما في المخاطرة بالتخلّف عن الدول التي تستخدمها بالفعل لتعزيز سيطرتها مع التفريط، في الوقت عينه، بفرص الإصلاح التي كان يمكن لهذه التكنولوجيا أن تدعمها.

 

الخلاصة

السؤال المطروح أمام الممارسين والمانحين والشركاء الدوليين ليس ما إذا كان للذكاء الاصطناعي مكان في حوكمة وإصلاح القطاع الأمني بل في ظلّ أيّ شروط يمكن أن يخدم الإصلاح بدلًا من تقويضه.

وقد خلصت هذه الورقة إلى أن هذه الشروط ثلاثة وهي مترابطة ومتكاملة: آليات رقابة مستقلة للتحقق من كيفية توظيف الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات الأمنية؛ وأطر للمساءلة تحدد المسؤوليات بوضوح عندما يتسبب الذكاء الاصطناعي بإلحاق الضرر؛ وقواعد قانونية ملزمة تقيّد الممارسات القمعية بدلًا من إضفاء الطابع الرسمي عليها. وفي منطقة وسياقٍ يُستخدم فيهما الذكاء الاصطناعي بالفعل كأداة ضدّ السكان الذين يُفترض أن يحميهم إصلاح القطاع الأمني، فإن غياب هذه الشروط لا يمثل مجرد فجوة يجب معالجتها بل إنذارًا يجب أخذه على محمل الجد. وفي السياقات التي تفتقر إلى هذه الشروط المسبقة، فإن إدخال الذكاء الاصطناعي في عمليات الإصلاح يعني استغلال فراغ حاصل في الحوكمة بدلًا من سده. ولا يعني ذلك أنه ينبغي الامتناع عن استخدام الذكاء الاصطناعي، فحين يخضع استخدامه لضوابط مسؤولة ويكون داعمًا فعليًا للتقدير البشري ضمن معايير محددة ويوجه نحو تعزيز الشفافية بدلًا من فرض السيطرة، يمكنه أن يسهم بشكل ملموس في تحقيق أهداف الإصلاح المؤسسي. وتُظهر الأدلة المستمدة من ليبيا وموسم الحج أن المشكلة لا تكمن في التكنولوجيا بحدّ ذاتها بل في الظروف التي تُستخدم فيها.

أما الدرس الأوسع الذي يصعب تجاهله فهو أن البنية التحتية للقمع قائمة بالفعل، في حين تغيب الأطر القادرة على ضمان خدمة الذكاء الاصطناعي للسكان الذين يُفترض أن يحميهم لدى إدخاله في حوكمة القطاع الأمني. وإلى أن تتوفر هذه الأطر، تقع على عاتق الجهات المنخرطة في الدفع نحو إصلاح حقيقي للقطاع الأمني مسؤولية تسمية المخاطر بوضوح وربط دعمها بشروطٍ تتناسب معها ومقاومة النزعة المؤسسية إلى التعامل مع القدرات التكنولوجية بوصفها بديلًا عن الإرادة السياسية. فالإصلاح لا يمكن أتمتته لكن يمكن تقويضه على أيدي من يحاولون أتمتته.

Endnotes

Endnotes
↑1 تابلو، «تاريخ الذكاء الاصطناعي»، متاح على https://www.tableau.com/data-insights/ai/history
↑2 كلوتيلد بومون وبوجانا زوريتش، «الذكاء الاصطناعي والسياسة الواقعية: ماذا يعني وزير الدولة للذكاء الاصطناعي في ألبانيا لمسار الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي»، معهد الاتحاد الأوروبي للدراسات الأمنية، تشرين الأول/أكتوبر 2025، متاح على https://www.iss.europa.eu/publications/commentary/artificial-intelligence-real-politics-what-albanias-ai-minister-means-eu
↑3 الحكومة الألبانية، «دييلا»، متاح على https://kryeministria.al/en/ministrat/diella/
↑4 360 بزنس لو، «خطة الإمارات لاستخدام الذكاء الاصطناعي في صياغة القوانين ومراجعتها»، متاح على https://www.360businesslaw.com/the-uaes-plan-to-use-ai-in-law-drafting-and-revision/
↑5 مركز جنيف لحوكمة قطاع الأمن – الفريق الاستشاري الدولي للقطاع الأمني، الذكاء الاصطناعي وحوكمة القطاع الأمني وإصلاحه، مذكرة استشارية، متاح على https://www.dcaf.ch/sites/default/files/imce/ISSAT/Adv-note-AI-SSGR.pdf
↑6 مركز جنيف لحوكمة قطاع الأمن، حوكمة القطاع الأمني، موجز عن إصلاح القطاع الأمني (SSR Backgrounder)، متاح على https://www.dcaf.ch/sites/default/files/publications/documents/DCAF_BG_1_Security_Sector_Governance_EN.pdf
↑7 مركز جنيف لحوكمة قطاع الأمن، إصلاح القطاع الأمني، موجز عن إصلاح القطاع الأمني (SSR Backgrounder)، تشرين الثاني/نوفمبر 2022، متاح على https://www.dcaf.ch/sites/default/files/publications/documents/DCAF_BG_02_SecuritySectorReform_Nov2022.pdf
↑8 كريستينا كوش، وآخرون، نهاية الحريات؟ الذكاء الاصطناعي في أمن الشرق الأوسط، دراسة السياسة رقم 27، يوروميسكو، تموز/يوليو 2022، متاح على https://www.euromesco.net/wp-content/uploads/2022/04/Policy-Study_27_Artificial_Intelligence1.pdf (كريستينا كوش، وآخرون، نهاية الحريات؟).
↑9 أمريكيون من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان في البحرين، «الإمارات وأثر برامج التجسس على المدافعين عن حقوق الإنسان»، أيار/مايو 2022، متاح على https://www.adhrb.org/2022/05/uae-and-the-impact-of-spyware-on-human-rights-defenders/
↑10 هيومن رايتس ووتش، «السعودية: محكمة بريطانية تقبل قضية بشأن استخدام السعودية برامج تجسس»، 22 تشرين الأول/أكتوبر 2024، متاح على https://www.hrw.org/ar/news/2024/10/22/saudi-arabia-uk-court-accepts-case-about-saudi-spyware-use
↑11 منظمة العفو الدولية، «مشروع بيغاسوس»، تموز/يوليو 2021، متاح على https://www.amnesty.org/ar/latest/news/2021/07/the-pegasus-project/
↑12 بيل مارزاك، وآخرون، «لعبة الغمّيضة: تتبع عمليات برنامج بيغاسوس من شركة NSO في 45 دولة»، سيتيزن لاب، 18 أيلول/سبتمبر 2018، متاح على https://citizenlab.ca/research/hide-and-seek-tracking-nso-groups-pegasus-spyware-to-operations-in-45-countries/
↑13 بانك إنفو سيكيوريتي، «سيتيزن لاب: البحرين استخدمت بيغاسوس للتجسس على ناشطين»، متاح على https://www.bankinfosecurity.com/citizen-lab-bahrain-used-pegasus-to-spy-on-activists-a-17371
↑14 مؤسسة سكايلاين الدولية لحقوق الإنسان، «توسّع البنية التحتية للمراقبة في المغرب قبيل كأس أفريقيا وكأس العالم»، متاح على https://skylineforhuman.org/en/news/details/816/moroccos-surveillance-infrastructure-expands-ahead-of-the-africa-cup-and-world-cup
↑15 ألبرت سيبايوس، «كيف يستغل المستبدون الذكاء الاصطناعي كسلاح – وكيف يمكن التصدي لذلك»، مجلة الديمقراطية، آذار/مارس 2025، متاح على https://www.journalofdemocracy.org/online-exclusive/how-autocrats-weaponize-ai-and-how-to-fight-back/
↑16 مركز الديمقراطية في الشرق الأوسط، «الطغاة الرقميون: مواجهة الروايات الاستبدادية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا»، متاح على https://mideastdc.org/publication/digital-dictators-confronting-authoritarian-narratives-in-the-mena-region/
↑17 كريستينا كوش، وآخرون، نهاية الحريات؟.
↑18 وزارة الخارجية الأمريكية، التقارير القطرية لعام 2022 حول ممارسات حقوق الإنسان: ليبيا، آذار/مارس 2023، متاح على https://2021-2025.state.gov/reports/2022-country-reports-on-human-rights-practices/libya/
↑19 مركز الديمقراطية في الشرق الأوسط، «هل الذكاء الاصطناعي في صالح الديمقراطية أم ضدها؟ مواجهة الروايات الاستبدادية في الشرق الأوسط»، متاح على https://mideastdc.org/publication/is-artificial-intelligence-for-democracy-or-against-it-confronting-authoritarian-narratives-in-the-middle-east/
↑20 دراسات الشعبوية، «الانتشار الاستبدادي في الفضاء السيبراني: كيف تتعلم مصر وتحاكي وتتعاون في مجال الاستبداد الرقمي»، متاح على https://www.populismstudies.org/authoritarian-diffusion-in-the-cyberspace-how-egypt-learns-emulates-and-cooperates-in-digital-authoritarianism/
↑21 مقابلة مع الدكتور غرازفيداس ياسوتيس، خبير في الأمن الدولي، 16 آذار/مارس 2026.
↑22 مجلس كارنيغي للأخلاقيات والشؤون الدولية، «مساءلة الذكاء الاصطناعي»، متاح على https://www.carnegiecouncil.org/explore-engage/key-terms/ai-accountability
↑23 مقابلة مع مسؤول إصلاح القطاع الأمني، الأمم المتحدة، 16 آذار/مارس 2026.
↑24 تيك تارجت، «ما هو انحياز الأتمتة؟»، متاح على https://www.techtarget.com/searchitoperations/definition/What-is-automation-bias
↑25 مقابلة مع مسؤول إصلاح القطاع الأمني، الأمم المتحدة، 16 آذار/مارس 2026.
↑26 مقابلة مع مسؤول إصلاح القطاع الأمني، الأمم المتحدة، 16 آذار/مارس 2026.
↑27 مقابلة مع مسؤول إصلاح القطاع الأمني، الأمم المتحدة، 16 آذار/مارس 2026.
↑28 مقابلة مع خبير في قطاع الأمن، الأمم المتحدة، 16 تموز/يوليو 2026.
↑29 مقابلة مع خبير في قطاع الأمن، الأمم المتحدة، 16 تموز/يوليو 2026.
↑30 مقابلة مع خبير في قطاع الأمن، الأمم المتحدة، 16 تموز/يوليو 2026.
↑31 عرب أد ديجيتال، «كيف يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل الأمن في أنحاء الشرق الأوسط»، متاح على https://www.arabaddigital.com/en/article/5953-how-ai-is-transforming-security-across-the-middle-east
↑32 المرجع عينه.

تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.