من إعادة الإعمار إلى النهضة: إعادة النظر في التعليم العالي بالمرحلة الانتقالية في سوريا

المبنى الخارجي لكلية الفنون الجميلة في جامعة دمشق، دمشق، سوريا، 16 ديسمبر 2024. © EPA - حسان بلال

أعاد سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024 طرح أسئلة بقيت مكبوتة لعقود: ما هي وظيفة إنتاج المعرفة في سوريا، وما الدور الذي ينبغي أن تلعبه الجامعات؟ يهدف هذا المقال إلى إعادة تأطير النقاش حول كيفية إصلاح أو إعادة بناء قطاع التعليم العالي في سوريا بعد سقوط نظام الأسد.

تثير إعادة بناء التعليم العالي في سوريا عددًا من الأسئلة السياساتية الجوهرية التي لا يمكن تناولها جميعًا هنا. وتشمل هذه الأسئلة توسيع فرص الالتحاق بالتعليم العالي، وإعادة تأهيل البنية التحتية، وضمان التوزيع الإقليمي العادل للخدمات التعليمية، ومعالجة نقص الكوادر وهجرة الأدمغة، ومواءمة التعليم العالي مع احتياجات سوق العمل، وإعادة النظر في سياسات القبول في سياق يتسم بإعادة الإعمار بعد النزاع وبمسارات تعليمية تعطلت على مدى 14 عامًا، وتطوير نماذج مستدامة للتمويل والحوكمة. تشكل جميع هذه القضايا مجالات أساسية تستدعي اهتمام واضعي السياسات، وموثقة جيدًا في الأدبيات المتعلقة بالتعليم في مرحلة ما بعد النزاع. وينبغي معالجتها من خلال نقاشات تشاركية شاملة تضمّ خبراء التعليم وقيادات الجامعات والأوساط الأكاديمية الأوسع.

يركز هذا المقال على مسألة أكثر جوهرية، تتمثل في الظروف التي تكتسب فيها المعرفة معناها وشرعيتها وتأثيرها الاجتماعي. فالإمكانات التي نتناولها هنا لا تقتصر على إعادة الإعمار، أو حتى الإصلاح، بل تتعلّق بولادةٍ جديدة، لأن ما دُمِّر ليس فقط المؤسسات فحسب، بل كذلك الظروف التي تُنتج فيها المعرفة، وتُمنح الشرعية، وتُوزع، وتُستقبل، وتُقيَّم، ليس منذ عام 2011 فحسب، بل على امتداد العقود الخمسة أو الستة الماضية.

تكتسب إعادة بناء الشروط اللازمة لقيام أنظمة إنتاج معرفة مستقلة في سياقات مثل سوريا أهمية خاصة، لأن المجتمعات الخارجة من الحكم الاستبدادي والنزاعات العنيفة تواجه أسئلة لا يمكن الإجابة عنها بالاعتماد على نماذج السياسات المستوردة وحدها. فهي تحتاج إلى مؤسسات قادرة على إنتاج معرفة متجذرة في السياق المحلي، تتصدى للتحديات المحددة التي تفرضها مرحلة ما بعد النزاع، بما في ذلك الحاجة إلى ترسيخ النقاش النقدي، وإنتاج الموارد الفكرية التي تتيح للمواطنين وصانعي السياسات والتربويين أن يفهموا الماضي بشكل جماعي، وأن يتصوروا مستقبلًا بديلًا. وتتمتع الجامعات بموقع فريد يؤهلها لأداء هذا الدور، شريطة ألا تقتصر استعادتها على كونها مؤسسات تعليمية، بل أن تُستعاد أيضًا بوصفها فضاءات موثوقة للحياة الفكرية والمدنية.

تقوم الحجة المطروحة هنا على أن إعادة بناء التعليم العالي السوري تتطلب أكثر من مجرد إعادة الإعمار المادي أو الإصلاح الإداري. فهي تستلزم إعادة بناء الثقة في الجامعات باعتبارها فضاءات للتداول الجماعي المفتوح والحرية الفكرية والمشاركة في الشأن العام. ويؤكد المقال أن هذه العملية يمكن أن تبدأ من خلال ثلاثة تدخلات منخفضة التكلفة نسبيًا، لكنها ذات أهمية استراتيجية كبيرة: إعادة ربط الجامعات بالحياة الفكرية الأوسع في سوريا؛ وتحويلها إلى مساحات يمكن فيها إخضاع الروايات التاريخية المتنازع عليها للفحص النقدي بدلًا من فرضها رسميًا من أعلى إلى أسفل؛ وتعزيز اندماجها في المبادرات المدنية التي تسعى جاهدة إلى دفع مسار التجديد الاجتماعي والسياسي في سوريا. وتشكل هذه التدابير مجتمعةً شروطًا مسبقة أساسية للإصلاحات المؤسسية الأكثر استهلاكًا للموارد، التي لا بدّ من تنفيذها في مرحلةٍ لاحقة.

الأزمة الطويلة للتعليم العالي في سوريا

تعود جذور أزمة التعليم العالي في سوريا إلى ما قبل عام 2011، وكشفت الحرب المطولة عن مواطن الضعف البنيوية الكامنة فيها وفاقمتها. وترتبط هذه الأزمة بتاريخٍ طويل من المركزية والحكم الاستبدادي والأمني والتآكل التدريجي للاستقلالية الأكاديمية، وهي ديناميات متجذّرة في البنية التي قام عليها الحكم الاستبدادي.1Jo-Anne Dillabough et al., The State of Higher Education in Syria Pre-2011, University of Cambridge Faculty of Education in collaboration with the British Council and Cara, 2019, available at https://www.educ.cam.ac.uk/networks/eri/publications/syria/190606-BC_SYRIA-REPORT-ENGLISH_HR.pdf

منذ سبعينيات القرن الماضي، أصبحت الجامعات السورية مندمجة بشكلٍ متزايد في منظومة حكم أعطت الأولوية للولاء والتلقين والرقابة الإدارية على حساب الاستقلال الفكري. نُظمت الجامعات الحكومية ضمن نظام يتمحور حول الدولة، وتخضع إدارته في المقام الأول لوزارة التعليم العالي، مع خضوع القرارات الرئيسية، من المناهج الدراسية والتعيينات إلى الأجندات البحثية، للرقابة السياسية. خلال تسعينيات القرن الماضي والعقد الأول من الألفية الثالثة، توسع التعليم العالي بشكلٍ كبير على صعيد فرص الالتحاق به، وشهد العقد الأول من الألفية ظهور عدد من المؤسسات التعليمية الخاصة، في إطار سياسات التحرير الاقتصادي الأوسع التي أعقبت وصول بشار الأسد إلى الرئاسة بالوراثة.2Elizabeth Buckner, “The Seeds of Discontent: Examining Youth Perceptions of Higher Education in Syria”, Comparative Education 49, no. 4 (2013), pp. 440–463, available at https://doi.org/10.1080/03050068.2013.765643; Dillabough et al., The State of Higher Education in Syria Pre-2011. ومع ذلك، لم يترافق هذا التوسع مع إصلاحات موازية تعزز استقلالية المؤسسات أو تطوّر الممارسات التربوية. وبقيت الأبحاث العلمية مقيدة بشدة، وموجّهة إلى حدٍّ كبير نحو مشاريع تقودها الدولة، فيما بقي البحث العلمي داخل الجامعات عينها محدودًا. واتّسم هذا القطاع بالاكتظاظ ونقص التمويل والحوكمة البيروقراطية الجامدة والفساد المستشري وخنق ثقافة البحث النقدي.3Oudai Tozan, “The Evolution of the Syrian Higher Education Sector 1918–2022: From a Tool of Independence to a Tool of War”, Globalisation, Societies and Education 23, no. 5 (2025), pp. 1184–1198, available at https://doi.org/10.1080/14767724.2023.2265854 تأثرت العلوم الإنسانية والاجتماعية بشكلٍ خاص، فكانت تعمل غالبًا ضمن حدود أيديولوجية ضيقة، مع إنتاج بحثي فعلي محدود.4المرجع عينه. ومع مرور الوقت، أدى ذلك إلى ظهور نظام تراجع فيه دور الجامعات في إنتاج المعرفة، مقابل اتساع دورها في منح الشهادات والتلقين السياسي والسيطرة والضبط الاجتماعي.5Jo-Anne Dillabough et al., “Conflict, Insecurity and the Political Economies of Higher Education: The Case of Syria Post-2011”, International Journal of Comparative Education and Development 20, no. 3/4 (2018), pp. 176–196, available at https://doi.org/10.1108/IJCED-07-2018-0015

وفي الوقت عينه، ساهمت عمليات «الأمننة» والرقابة السياسية في تهميش أو استبعاد المثقفين النقديين، الذين واصل بعضهم عمله خارج المؤسسات الرسمية قبل أن ينضموا لاحقًا إلى تجمّعات متنامية من الباحثين في المنفى. وأدى ذلك إلى ظهور تدريجي لفضاءات موازية للحياة الفكرية. داخل الجامعات، ولا سيما في العلوم الإنسانية والاجتماعية، كان جزءٌ كبير من العمل الأكاديمي يعيد إنتاج السرديات التي تقرّها الدولة، أو يتجنب القضايا الحساسة سياسيًا، أو يعبر عن النقد بشكل غير مباشر من خلال التجريد التاريخي أو التحليل المقارن أو النقاشات حول الاستعمار والتطورات في أماكن أخرى من المنطقة. في المقابل، أخذ الإنتاج الفكري المستقل يتبلور بشكل متزايد خارج الجامعة، في دور النشر والمنتديات الثقافية ومنظمات المجتمع المدني، ولاحقًا في المنفى، حيث تناول باحثون ومثقفون منخرطون في الشأن العام، مثل برهان غليون وياسين الحاج صالح، بشكلٍ مباشر قضايا الاستبداد والعنف السياسي والمواطنة والديمقراطية ومستقبل سوريا الاجتماعي والسياسي. وعلى الرغم من وجود استثناءات بارزة داخل الجامعة، من ضمنها شخصيات مثل صادق جلال العظم وأحمد برقاوي في مراحل مختلفة من مسيرتهما المهنية، فإن الأثر التراكمي لهذه الديناميات تمثّل في الانفصال التدريجي للحياة الفكرية النقدية عن التعليم العالي الرسمي، ما أدى إلى اتساع الفجوة بين المؤسسات الأكاديمية والإنتاج الفكري والثقافي الأوسع نطاقًا.6See also Zeina Al Azmeh, Syrian Intellectuals in Exile: The Dilemmas of Revolution and the Cost of Leaving, Cambridge University Press, 2026, available at https://www.cambridge.org/core/books/syrian-intellectuals-in-exile/7C0623931CF435E8F5F30200613BCAE2

عام 2011 وتفكك قطاع التعليم الجامعي

فاقمت الثورة، التي تحولت إلى حرب عام 2011، هذه الديناميات وأدت إلى تشرذم مجال عملها. تعرضت الجامعات لأضرار مادية، ونزح الطلاب وأعضاء الهيئات التدريسية، وانقسم القطاع جغرافيًا. ويقدّر أحدث تقييم للبنك الدولي حجم الأضرار المادية في جميع أنحاء سوريا بنحو 108 مليارات دولار أمريكي حتى نهاية عام 2024، بما فيها 23.4 مليار دولار أمريكي من الأضرار المادية التي لحقت بالمباني غير السكنية (وهي فئة تشمل المرافق التعليمية والصحية والحكومية)، من دون تصنيف الخسائر الخاصة بالجامعات بصورة منفصلة.7World Bank, The Syrian Conflict: Physical Damage and Reconstruction Assessment Report, World Bank Group, 2025, available at https://documents1.worldbank.org/curated/en/099102025095540101/pdf/P510947-f30bd5f6-78d5-4712-9f1e-a558b5c8ba75.pdf كما فرض الصراع ضغوطًا هائلة على المؤسسات التي واصلت عملها. ففي جامعة تشرين، على سبيل المثال، ارتفع عدد الطلاب المسجلين من 33,284 طالبًا عام 2010 إلى 50,426 طالبًا عام 2015، في حين تدهورت نسبة الطلاب إلى أعضاء الهيئة التدريسية من أستاذ واحد لكل 45 طالبًا إلى أستاذ واحد لكل 75 طالبًا، ما يعكس الضغوط المتراكمة الناجمة عن النزوح الداخلي، وفقدان الكوادر التدريسية والضغوط التي تعرضت لها المؤسسات.8Oudai Tozan, “The Impact of the Syrian Conflict on the Higher Education Sector in Syria: A Systematic Review of Literature”, International Journal of Educational Research Open 4 (2023), 100221, available at https://doi.org/10.1016/j.ijedro.2022.100221 وبالتالي، ظهرت أشكال جديدة لتوفير التعليم العالي في مناطق مختلفة، غالبًا في ظل ظروف هشة، ما أدى إلى ظهور أنظمة متوازية للتعليم العالي في مناطق خاضعة لسلطات سيطرة مختلفة. وفي بعض المناطق، نشأت مؤسسات ومبادرات جديدة خارج سيطرة الدولة، ولا سيما في الشمال الشرقي الخاضع للإدارة الكردية، والشمال الغربي الذي تسيطر عليه المعارضة، غالبًا بدعم من جهات محلية أو منظمات غير حكومية أو منظمات دولية.9Rojava Information Centre, “Young and Promising: An Introduction to the NES University System”, 12 September 2022, available at https://rojavainformationcenter.org/storage/2022/09/NES-Universities-August-2022-1.pdf; Sohayb Abdulkerim et al., “Enhancing Higher Education Teaching and Learning in Northern Syria: Academic Development Needs of Teaching Staff at Free Aleppo and Sham Universities”, International Journal of Educational Research Open 3 (2022), 100143, available at https://doi.org/10.1016/j.ijedro.2022.100143 وفي جميع المناطق، جرى توفير التعليم العالي في ظلّ قيود لوجستية شديدة، فيما استمرت أشكال الرقابة السياسية بطرق مختلفة، وبقيت أكثر تجذّرًا داخل المؤسسات التي يسيطر عليها النظام.10Dillabough et al., The State of Higher Education in Syria Pre-2011.

في نهاية المطاف، لم يشهد قطاع التعليم العالي دمارًا ماديًا فحسب، بل واجه أزمة أعمق طاولت الثقة والشرعية والتماسك المؤسسي. ولعل أوضح تجليات هذه الأزمة يتمثل في عدم الاعتراف واسع النطاق بالشهادات الجامعية، ليس على الصعيد الدولي فحسب، بل حتى عبر مختلف المناطق الخاضعة لسلطات سيطرة مختلفة داخل البلاد. وقد تطورت هذه الأنظمة المتوازية في ظل ظروف سياسية ومؤسسية مختلفة بشكل ملحوظ. حافظت الجامعات الواقعة في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام إلى حد كبير على استمراريتها المؤسسية الرسمية واعتراف الدولة بها، لكنها بقيت خاضعة لإجراءات أمنية مشددة ورقابة سياسية وعزلة دولية. في المقابل، اختبرت المؤسسات التي أُنشئت في الشمال الشرقي الخاضع للإدارة الكردية ترتيبات حوكمة جديدة، ومناهج دراسية متعددة اللغات، وبرامج تعكس الفلسفة السياسية والتربوية للإدارة الذاتية، في حين واجهت تحديات حادة تتعلق بالاعتراف الدولي والتمويل والحراك الأكاديمي.11“Growing University System in DAANES Begins a New Year”, Syrian Democratic Times, 27 September 2024, available at https://www.syriandemocratictimes.com/2024/09/27/growing-university-system-in-daanes-begins-a-new-year/ وبالمثل، تطورت الجامعات في الشمال الغربي الذي تسيطر عليه المعارضة، في ظل حالةٍ من عدم اليقين المؤسسي.12Mohamed Bukaie, Yasser Hussein and Juliet Millican, “The Role of Universities in Early Recovery in Northwestern Syria: Al-Sham University as a Model”, International Journal of Educational Research Open 8 (2025), 100434, available at https://doi.org/10.1016/j.ijedro.2024.100434 وقد أُنشئت هذه الجامعات لتوفير التعليم العالي بعيدًا عن سيطرة النظام، وأصبحت ملاذات تعليمية حيوية للطلاب النازحين، لكنها عملت وسط انعدام مزمن للأمن، وضعف الاستدامة المالية، واعتماد أكاديمي غير مؤكد، وقدرة بحثية محدودة، واتكال مستمر على المبادرات المحلية والدعم الدولي. وعلى الرغم من هذه الاختلافات، واجهت الأنظمة الثلاثة جميعها صعوباتٍ في إقامة شراكات دولية، والاحتفاظ بالكوادر الأكاديمية، وإرساء شرعية مؤسسية مستقرة.

وشهدت هذه المرحلة أيضًا هجرة كبيرة للأدمغة، إذ انتقل العديد من الأكاديميين إلى الخارج، وساهموا في إنتاج المعرفة من المنفى. وبالفعل، أصبحت الحياة الفكرية السورية منفصلة بشكل متزايد عن إطارها الجغرافي، مع إنجاز بعض أهم أشكال العمل الأكاديمي والفكري خارج المؤسسات الرسمية وعبر الحدود الوطنية.

ما بعد الأسد: أولويات إعادة إحياء التعليم العالي

منذ سقوط النظام في كانون الأول/ديسمبر 2024، بدأت السلطات الانتقالية مناقشات حول إعادة توحيد منظومة التعليم العالي، بما فيها الجهود الرامية إلى استعادة التعاون بين المؤسسات التي كانت تعمل تحت سلطات مختلفة، ومراجعة المسائل المتعلقة بالاعتراف بالشهادات الجامعية، وتعيين قيادات جامعية جديدة، وإعلان الالتزام بإعادة بناء الشراكات الأكاديمية الدولية. ومع ذلك، بقيت هذه المبادرات إدارية ومجزأة إلى حدٍ كبير، وكانت التغييرات في قطاع التعليم العالي محدودة ومتفاوتة حتى الآن، ومتأثرة جزئيًا بالقيود المادية والمؤسسية التي فرضها الدمار الواسع، ولكن أيضًا بحالة عدم اليقين السياسي والأولويات المعيارية المفروضة من أعلى إلى أسفل، والتي تشكّل حاليًا مسار المرحلة الانتقالية.13على الرغم من أن هذه المقالة تركز على التعليم العالي، فإن التطورات الأوسع نطاقًا في قطاع التعليم توضح سبب بقاء الاتجاه الأيديولوجي للإصلاح التعليمي غير مؤكد. على سبيل المثال، في كانون الثاني/يناير 2025، أثارت التعديلات المقترحة على المنهج الدراسي الوطني (بما فيها التغييرات في المحتوى الديني والتاريخي والعلمي) انتقادات عامة واسعة النطاق بشأن عملية التشاور ومخاوف بشأن التوجه المعياري للإصلاح التعليمي. وعقب ردود الفعل السلبية، أعلنت السلطات الانتقالية أن المنهج الدراسي الحالي سيبقى ساريًا ريثما تتم مراجعته من قبل لجان متخصصة. وعلى الرغم من أنه لا يمكن اعتبار هذه التطورات دليلًا على سياسة التعليم العالي في حد ذاتها، إلا أنها توضح مخاوف أوسع نطاقًا بشأن الاتجاه المستقبلي للإصلاح التعليمي في ظل الحكومة الانتقالية. حول هذه المبادرات، انظر وكالة الأنباء العربية السورية (سانا)، متاح على الرابط: https://sana.sy/en/education/353805/ وعلى الرغم من أن السلطات أعربت عن طموحاتها في تحديث الجامعات، وتعزيز الشراكات الدولية، ومواءمة التعليم العالي بشكلٍ أوثق مع احتياجات إعادة الإعمار وسوق العمل، فإن جزءًا كبيرًا من البنية القانونية والمؤسسية الموروثة من عهد الأسد لا يزال قائمًا.14Syrian Arab News Agency (SANA), available at https://sana.sy/en/education/2276336/ والأهم من ذلك، أن القضايا المتعلقة باستقلالية المؤسسات، والحرية الأكاديمية، وإصلاح الحوكمة، ومستقبل العلاقة بين الجامعات والسلطة السياسية، لا تزال من دون حل.15Keith David Watenpaugh, “Academic Freedom and the Right to Think in Post-Civil War Syria”, Review of Middle East Studies 60, no. 1 (2026), pp. 40–46, available at https://doi.org/10.1017/rms.2026.10048 ونتيجة لذلك، لم تتبلور بعد رؤية متماسكة ومعلنة للجمهور بشأن إعادة بناء القطاع على المدى الطويل. وفي الوقت عينه، لا يزال القطاع يواجه تحديات بنيوية عميقة على جميع المستويات تقريبًا، تتراوح بين تضرر البنية التحتية واستنزاف الموارد البشرية وتقادم الممارسات التعليمية والمؤسسية، فضلًا عن الآثار المستمرة لعقود من السيطرة المركزية وإخضاع القطاع للهيمنة الأمنية.

في ضوء هذه الخلفية، يجب فهم النقاشات الجارية بشأن الإصلاح وإمكانية النهوض من جديد. وقد تمحورت هذه النقاشات حول إعادة توحيد منظومة التعليم العالي المجزأة، وإعادة بناء الشراكات الدولية، وتحديث المناهج والحوكمة، ومعالجة مسائل الاعتماد الأكاديمي والاعتراف بالشهادات، وإعادة تعريف دور الجامعات في إعادة الإعمار الاجتماعي والاقتصادي في سوريا. لذا، فإن السؤال لا يقتصر على كيفية إعادة بناء الجامعات فحسب، بل يتعداه إلى كيفية إعادة بناء الظروف السياسية والتعليمية والاجتماعية التي تُتيح للجامعات أن تصبح مؤسسات عامة ذات دورٍ فعلي، تُنتج فيها المعرفة والعلم بشكل مستقل، وتُناقش الأفكار بحرية وانفتاح، وتُربط فيها المعرفة بالتحديات الأكثر إلحاحًا التي يواجهها المجتمع، ويُعترف بها بوصفها مصدرًا مشروعًا من مصادر الحياة العامة. ويعني ذلك استعادة مكانة المعرفة16تشير كلمة «المعرفة» هنا إلى القدرة الأوسع نطاقًا للجامعات على توليد التفكير النقدي، والنقاش العام، والفهم التاريخي، وأشكال البحث ذات الصلة بالمجتمع. باعتبارها: (1) مصدرًا للإنجاز الشخصي والفكري على المستوى الفردي؛ (2) وموردًا تقرأ من خلاله المجتمعات ماضيها بشكلٍ نقدي وتتصوّر مستقبلات بديلة؛ (3) وركيزة أساسية لصنع سياسات عامة تستند إلى الأدلة والحوكمة الديمقراطية.

وبهذا المعنى، يُعدّ التعليم العالي مشروعًا مجتمعيًا بامتياز، وليس مجرد مشروع تعليمي، ما يضفي أهمية خاصة على تخصصاتٍ مثل التاريخ، والتربية المدنية، وعلم الاجتماع، والعلوم السياسية. وبالفعل، فالعلوم الإنسانية والاجتماعية قادرة على إحداث تأثير جوهري في المجتمع وفي السرديات التي يفهم السوريون من خلالها أنفسهم ومستقبلهم.

وعلى الصعيد العملي، يستلزم ذلك إجراء بعض الإصلاحات على المناهج الدراسية، وبالقدر عينه من الأهمية، التحول نحو التفكير النقدي والإبداع، واتباع مقاربات تعليمية قائمة على الحوار وأساليب تدريس تشاركية. ويجب أن تبدأ هذه التغييرات في التعليم الأساسي لكي تتمكن من ترسيخ جذورها في التعليم العالي. لكنني سأركز هنا على ما يمكن تنفيذه في إطار التعليم العالي، وهو مجال اختصاصي البحثي، إذ أُقدم مجموعة من المقترحات قصيرة الأجل والمنخفضة الكلفة نسبيًا، التي يمكن أن تُسهم في إطلاق عملية النهوض التعليمي من جديد. ثم أشير بإيجاز إلى استراتيجيات أطول أمدًا، تتطلب تمويلًا كبيرًا وتحوّلًا في البنية التحتية.

وينبغي فهم المقترحات قصيرة الأجل باعتبارها أساسًا لهذه التحولات طويلة الأمد، وفي الوقت عينه، بوصفها إشارات ينبغي إطلاقها في الوقت المناسب، للمساعدة في ضمان استقطاب الموارد التي لا تقدّر بثمن، سواء كانت بشرية أو مؤسسية أو مالية، بدلًا من إبعادها عنها، لأن ما نحتاج إليه بشكل عاجل في هذه المرحلة هو استعادة الثقة والحياة الفكرية داخل الجامعات السورية.

وهناك ثلاثة مداخل تكتسب أهميةً خاصة:

  • إعادة ربط الجامعات بالحياة الفكرية في سوريا

أولًا، يجب على سوريا سد الفجوة بين المجالين الأكاديمي والفكري. فأُنتِجَت بعض أبرز النتاجات الفكرية السورية حيويةً خلال العقود الأربعة الماضية خارج الجامعات، سواء في المنفى أو داخل البلاد، وفي المجتمع المدني، والفضاءات الثقافية والسياسية، وفي ما يمكن وصفه بـ«السوق السوداء» لتداول الأفكار. أدت عسكرة التعليم العالي وإخضاعه للمنظومة الأمنية إلى إقصاء بعض أبرز المفكرين والمثقفين النقديين في سوريا عن الأوساط الأكاديمية، ما خلق مجالين متوازيين لإنتاج المعرفة تفصل بينهما هوة عميقة. ومن الضروري إعادة ربط هذه الفضاءات معًا. وتحتاج الجامعات إلى استعادة صلاتها بهذه الفضاءات، من خلال التحوّل إلى أماكن آمنة للحياة الفكرية العامة.

وعمليًا، يمكن أن يتخذ ذلك أشكالًا منخفضة الكلفة نسبيًا، مثل فتح الفضاءات الجامعية أمام المحاضرات العامة والمناظرات والتعاون مع الفاعلين في المجتمع المدني، فضلًا عن إنشاء برامج لاستضافة باحثين زائرين تُتيح للمثقفين السوريين المنفيين تولي مهام تدريسية وبحثية قصيرة الأمد. ومن المشجع أن مبادرات متواضعة في هذا الاتجاه بدأت في الظهور. ففي حزيران/يونيو 2025، على سبيل المثال، أطلقت منظمة «جسور»، بالشراكة مع «المجلس السوري للعلوم» و«أبجد»، أول مبادرة للتبادل الأكاديمي داخل سوريا، استقدمت أكاديميين سوريين من الشتات للتدريس والتفاعل مع زملائهم والطلاب في جامعات دمشق وحلب وإدلب.17“Launching Our First Academic Initiative Inside Syria”, Jusoor, June 2025, available at https://www.jusoor.ngo/news/launching-our-first-academic-initiative-inside-syria وتوفر هذه البرامج أساسًا مهمًا يمكن البناء عليه لتطوير أشكال أكثر منهجية ورسوخًا مؤسسيًا من التبادل الأكاديمي. وقد ظهرت مبادرات مماثلة في سياقات ما بعد الحرب، كما في البوسنة، حيث أُعيد تصوّر المكتبة المركزية الجديدة لجامعة سراييفو، بصورة مدروسة، باعتبارها مركزًا للحياة الأكاديمية والثقافية والمدنية داخل الحرم الجامعي.18“Construction of the University of Sarajevo Library, a New Center of Academic and Cultural Life in Progress”, University of Sarajevo, 11 November 2024, available at https://www.unsa.ba/en/novosti/construction-university-sarajevo-library-new-center-academic-and-cultural-life-progress بالإضافة إلى استضافة البنى التحتية للبحث والمعرفة، يسعى المشروع  إلى خلق مساحة للأنشطة الثقافية والتفاعل مع الجمهور والتبادل الفكري بين التخصصات في إطار عمليات أوسع للتعافي من النزاع والتجدّد الاجتماعي.19S. Halilović-Terzić et al., “Cultural Sustainability in the Architecture Program of Libraries – Sarajevo Case Study”, in N. Ademović, T. Tufek-Memišević and M. Arslanagić-Kalajdžić (eds), Interdisciplinary Advances in Sustainable Development III, Lecture Notes in Networks and Systems, vol. 851, Springer, 2024, available at https://doi.org/10.1007/978-3-031-71076-6_7 وعلى الرغم من أن مثل هذه المبادرات قد تواجه مقاومة من إداريين اعتادوا السيطرة المركزية، فإن النقاشات التشاركية الأخيرة بشأن إصلاح التعليم العالي في دمشق تشير إلى اهتمام متزايد بجامعات أكثر انفتاحًا وتفاعلًا مع المجتمع، وإن كان في ظلّ استمرار القيود السياسية والمؤسسية الكبيرة.20Jee Rubin, Basma Hajir and Oudai Tozan, “Priorities for (Non-Reformist) Reform in Syrian Higher Education: Insights from Damascus”, Globalisation, Societies and Education 24, no. 1 (2026), pp. 307–322, available at https://doi.org/10.1080/14767724.2025.2575998 من غير المرجح أن تنجح هذه الجهود من خلال التوجيهات الفوقية وحدها. فهي ستعتمد على مزيج من الدعم المؤسسي والمبادرات المنطلقة من القاعدة، بقيادة منظمات المجتمع المدني والأكاديميين الأفراد، من ضمنهم الباحثون في المنفى، والطلاب، مع إمكان حصولها على دعمٍ من شبكات الشتات. وحتى الخطوات المتواضعة في هذا الاتجاه من شأنها أن تشير إلى تحول نحو تخليص الجامعات من الهيمنة الأمنية، وأن تساعد في إعادة بناء الثقة في الجامعات باعتبارها فضاءات للتبادل الفكري الحر والمنتج.

  • تحويل الجامعات إلى مساحات لتعدد الذاكرة والنقاش التاريخي

ثانيًا، يتعيّن على سوريا معالجة الفجوة في السردية التاريخية، أو بشكل أكثر تحديدًا، ما يصفه علماء الاجتماع بـ«سرديات الصدمة الثقافية». فبقيت هناك منذ أمدٍ طويل فجوة عميقة بين السرديات الرسمية أو المؤسسية والتجارب المعيشة والمجتمعية للسوريين، لا سيما في ما يتعلق بالأحداث التي شهدتها البلاد منذ عام 2011. وقد أدت هذه الفجوة إلى تآكل الثقة وشعور العديد من الطلاب والأكاديميين السوريين بالاغتراب، ما أدى في بعض الحالات إلى استمرار أشكال من «إعادة إحياء الصدمات النفسية»، بما يقوّض الشروط الضرورية للتعلم الهادف.21Zeina Al Azmeh et al., “Cultural Trauma and the Politics of Access to Higher Education in Syria”, Discourse: Studies in the Cultural Politics of Education 42, no. 4 (2021), pp. 528–543, available at https://doi.org/10.1080/01596306.2020.1715922 وتتاح اليوم، وللمرة الأولى، فرصة للبدء في سد هذه الفجوة، عبر إفساح المجال أمام السرديات المتعددة والمتنازع عليها والمستمدة من التجارب المعيشة لدخول الفضاء الجامعي. ويعدّ ذلك ضروريًا لاستعادة الشرعية والثقة. ولا يمكن تحقيقه بمجرد استبدال السردية التي تحظى بالأولوية، أو التصور الوطني أو الرؤية المستقبلية المفضلة بأخرى؛ بل يتطلب الأمر تحويل الجامعات إلى فضاءات يمكن فيها التعبير عن السرديات المتنافسة ومناقشتها وإخضاعها للفحص النقدي.22وعلى الرغم من أن مثل هذا التحول صعب بلا شك في سياق يتسم بالانقسام العميق والقيود السياسية مثل الوضع في سوريا، فإن الجامعات تبقى من بين المساحات المؤسسية القليلة التي تمتلك القدرة على استضافة مثل هذا التفاعل، حتى لو كان ذلك في البداية بطرق جزئية وهشة. انظر أيضًا: أبو الدهب، «العملية قبل النتيجة: إعادة التفكير في العدالة الانتقالية في سوريا»، مبادرة الإصلاح العربي، 2025، متاح على الرابط https://www.arab-reform.net/publication/process-over-outcome-rethinking-transitional-justice-in-syria/

وعمليًا، يمكن أن ينطوي ذلك على مراجعة المناهج الدراسية في العلوم الإنسانية والاجتماعية لتضمين وجهات نظر متعددة حول التاريخ الحديث، فضلًا عن إنشاء منتديات للنقاش، مثل الندوات ومشاريع التاريخ الشفوي القائمة على المجتمعات المحلية والمبادرات التي يقودها الطلاب، بما يتيح توثيق التجارب المعيشة ومناقشتها. وقد شددت النقاشات الأخيرة بشأن إصلاح التعليم العالي بشكل متزايد على ضرورة إسهام الجامعات في بناء السلام والعدالة الاجتماعية والتأمل في التاريخ، ما يشير إلى تنامي الإدراك بأن التعليم العالي يجب أن يتفاعل مع ماضي سوريا المتنازع عليه، بدلًا من الاكتفاء باستئناف وظيفته التي كان يؤديها قبل الحرب.23“Higher Education in Post-Assad Syria: Challenges and Opportunities”, webinar, Inter-agency Network for Education in Emergencies (INEE), 15 April 2025, available at https://inee.org/events/higher-education-post-assad-syria-challenges-and-opportunities ويمكن دعم هذه الجهود من خلال إقامة شراكات مع منظمات المجتمع المدني المنخرطة بالفعل في العمل على الذاكرة والتوثيق، والتي توجد أمثلة عديدة جديرة بالتقدير على أنشطتها.24ومن أمثلة هذه المنظمات مبادرات مثل «الذاكرة الإبداعية للثورة السورية»، و«الأرشيف السوري»، و«جمعية المعتقلين والمفقودين في سجن صيدنايا»، و«دولتاي». وقد انضمت إليها مؤخرًا مبادرات ناشئة تشكلت في أعقاب سقوط النظام، يسعى بعضها إلى إفساح المجال لتعدد التجارب المعيشة والسرديات المتنازع عليها، بما فيها تلك التي تعقّد الروايات السائدة عن تاريخ سوريا الحديث. تُظهر الأبحاث المقارنة بشأن التعليم في مرحلة ما بعد النزاع، لا سيما الدراسات المتعلقة بتدريس التاريخ على المستوى المدرسي في سياقات مثل رواندا، أن الأنظمة التعليمية تصبح ساحات رئيسية للتفاوض بشأن السرديات التاريخية، وغالبًا ما تُكلف بمهمة تعزيز الوحدة الوطنية، بالتوازي مع تنمية التفكير التاريخي النقدي.25Sarah Warshauer Freedman et al., “Teaching History after Identity-Based Conflicts: The Rwanda Experience”, Comparative Education Review 52, no. 4 (2008), pp. 663–690.

وعلى الرغم من أن هذه الأبحاث تركّز أساسًا على التعليم الأساسي، فإن التوترات التي ترصدها بين السرديات التي تقرها الدولة والتعامل التعددي القائم على الأدلة مع الماضي، حاضرة بالقدر عينه في مؤسسات التعليم العالي. ففي رواندا، على سبيل المثال، واجهت الجهود الرامية إلى ترسيخ سردية رسمية واحدة باسم التماسك الاجتماعي صعوبةً في التوفيق بينها وبين الالتزامات التربوية القائمة على النقاش والبحث وتعدد التفسيرات. وتشير الأبحاث أيضًا إلى أن قمع الاختلاف في مثل هذه السياقات قد يعوق نشوء نوع من «الصراع البناء» الضروري للتعلم، وقد يمهد في الواقع لظهور أشكال متجددة من الانقسام الاجتماعي.26المرجع عينه. وكما يوضح باتشيفيتش في سياق البلقان، فإن الجامعات ليست مجرد مؤسسات لنقل المعرفة، بل هي منخرطة بشكل نشط في مشاريع بناء الأمة، إذ تسهم في تشكيل الأطر التي تُرسّخ عبرها السرديات السياسية والتاريخية، وفي الطعن فيها وإعادة مناقشتها.27Jana Bacevic, “What Kind of University for What Kind of Society? Nation-States, Post national Constellations, and Higher Education in the Post-Yugoslav Space”, in Pavel Zgaga, Ulrich Teichler and John Brennan (eds), The Globalization Challenge for European Higher Education, Peter Lang, 2013, pp. 287–308, available at https://doi.org/10.3726/978-3-653-06508-4

ولهذا السبب، يبقى دور الجامعات في إفساح المجال للتعامل النقدي مع الماضي المُتنازع عليه أساسيًا، مهما بلغت صعوبته وحساسيته السياسية الحتمية. وبالفعل، من المرجح أن تواجه هذه العمليات قيودًا سياسية ومؤسسية، لا سيما في ظلّ المخاوف من تجدد الاستقطاب، في غياب أطر وطنية متفق عليها للعدالة الانتقالية وضمانات واضحة لحماية الحرية الأكاديمية. وعلى الرغم من أن النقاشات الأخيرة حول إصلاح التعليم العالي والعدالة الانتقالية باتت تعترف بشكل متزايد بأهمية الحوار والتأمل التاريخي والمشاركة المدنية، فإن الأدلة على إمكانية ترسيخ هذه الممارسات مؤسسيًا داخل الجامعات السورية لا تزال محدودة.28INEE, “Higher Education in Post-Assad Syria: Challenges and Opportunities”. ولذا، من غير المرجح أن يتحقق التقدم من خلال السرديات المفروضة مركزيًا وحدها. بدلًا من ذلك، قد يكون اعتماد نهج تدريجي ولامركزي، تقوده الهيئات التدريسية والطلاب والفاعلون في المجتمع المدني، مع توفير الحماية المؤسسية حيثما أمكن، خيارًا أكثر قابلية للتطبيق. يمكن أن تبدأ المبادرات الأولى على نطاقٍ ضيق، انطلاقًا من إدراك أنها لا تحتاج إلى حلّ التوترات الاجتماعية؛ بل تكمن قيمتها في الإشارة إلى أن الاختلاف في الرأي في حدّ ذاته يمكن التعبير عنه علنًا وبشكل مشروع. ومع مرور الوقت، يمكن أن تنتشر هذه الممارسات تدريجيا في المجتمع الأوسع، وأن تضع الجامعات في موقع الفاعلين الرئيسيين في عمليات المصالحة المدنية وإحياء الذكرى على نطاقٍ أشمل.

  • تسخير الطاقات المدنية ومواهب الشباب في سوريا

ثالثًا، ينبغي للجامعات أن تستثمر الطاقة الهائلة الموجودة لدى السوريين ورغبتهم في بناء بلد يشعرون بأنه وطنهم. هناك مخزون هائل من ذلك المزيج الرائع من المواهب والحوافز، لا سيما لدى الأجيال الشابة. ولعلّ هذه الطاقة تتجلى بأوضح صورها في مساحات المجتمع المدني التي نشأت خلال العقد الماضي. يمكن للجامعات أن تؤدي دورًا مهمًا في تسخير هذه الطاقة، ليس فقط من خلال إطلاق مبادراتٍ جديدة، بل أيضًا عبر الاعتراف ببعض الأعمال الثقافية والمدنية القائمة، والتعاون معها أو دمجها في التعليم العالي. تعمل حاليًا مبادرات كثيرة من هذا النوع، لا سيما تلك التي يقودها فاعلون في المجتمع المدني وتشكيلات سياسية ناشئة، في ظل ظروف من عدم اليقين المؤسسي، بما فيها غياب إطار قانوني واضح للتنظيم السياسي. ويمكن للجامعات أن تؤدي دورًا غير مباشر، لكنه مهم، من خلال توفير مظلة مؤسسية مؤقتة لأشكال العمل المدني والسياسي والثقافي، التي لا تزال تكافح لإيجاد مساحةٍ لها، على سبيل المثال، عبر استضافة هذه المبادرات، أو جمع الأطراف المعنية بها أو إلحاقها بالجامعات، مع الحفاظ على الالتزام بالتعددية والمشاركة النقدية.29See also Basem Mahmoud, “Syria’s Challenge: Rebuilding Universities, and Reconnecting Them with Society”, Al-Fanar Media, 19 March 2026, available at https://al-fanarmedia.org/2026/03/syrias-challenge-rebuilding-universities-and-reconnecting-them-with-society/

وعمليًا، يمكن أن يتخذ ذلك أشكالًا عدة، مثل دمج مشاريع المجتمع المدني في برامج التدريس والبحث (على سبيل المثال من خلال قسم يستند إلى نهج علم الاجتماع العام أو مراكز بحثية مخصصة)، وإطلاق مبادرات مشتركة بين الجامعات والمنظمات القاعدية التي تتوافق معها في التوجهات، وإنشاء مسارات مرنة تتيح للممارسين المساهمة في التدريس والإرشاد، وفي تطوير المناهج الدراسية حيثما كان ذلك مناسبًا. توفر برامج التدريب العملي، والتعلم القائم على المشاريع، والبحوث التي تُجرى بالشراكة مع المجتمع المحلي، والمبادرات الخاصة بتخصصات أكاديمية معينة مثل العيادات القانونية أو عيادات السياسات العامة، وسائل منظمة لربط الطلاب بالعمل المدني الجاري، ما يسمح للجامعات بأن تعمل كمنصات تعزز الجهود القائمة بدلًا من أن تحلّ محلها. وبالفعل، تشير الأبحاث المقارنة حول المجتمعات المتأثرة بالنزاعات إلى أن التعليم العالي يمكن أن يلعب دورًا محفزًا في التعافي عندما يكون مندمجًا في العمليات الاجتماعية والمدنية الأوسع نطاقًا ومستجيبًا لها، بدلًا من أن يبقى معزولًا على المستوى المؤسسي.30Sansom Milton and Sultan Barakat, “Higher Education as the Catalyst of Recovery in Conflict-Affected Societies”, Globalisation, Societies and Education 14, no. 3 (2016), pp. 403–421, available at https://doi.org/10.1080/14767724.2015.1127749

قد تظهر عقبات تفرضها الدولة ومقاومة مؤسسية ردًا على مثل هذا التوجّه. وقد تُثار أيضًا مخاوف بشأن ضبط الجودة، أو التوظيف السياسي، أو تفاوت قدرات الفاعلين في المجتمع المدني. ولهذا السبب، من المرجح أن يعتمد التقدم على مقاربات تدريجية ومختلطة، تجمع بين الدعم المؤسسي والمبادرات المحلية التي يقودها أعضاء هيئة التدريس والطلاب والشركاء في المجتمع المدني. ويمكن للنجاحات المبكرة، مهما كانت متواضعة، أن تُظهر قيمة هذا التعاون، وأن تساعد في تطبيع أشكال جديدة من التفاعل بين التعليم العالي والمجتمع الأوسع الذي يخدمه. في وقت تتشكل فيه ملامح التعليم العالي بشكل متزايد وفقًا للمنطق النيوليبرالي، وتتراجع فيه الرسالة العامة للجامعات عالميًا، تكتسب هذه الرسالة أهميةً بالغة بشكل خاص في سياق مثل السياق السوري. وإذا أُعيد إحياؤها، فقد تسهم مع مرور الوقت في إعادة تحديد موقع الجامعات، ليس بوصفها مجرد أماكن لنقل المعرفة، بل باعتبارها مؤسسات تساعد في إعادة بناء النسيج الاجتماعي الذي تكتسب المعرفة في إطاره أعمق معانيها وتصبح أكثر تأثيرًا في المسار التاريخي.

نزع الطابع الأمني عن الجامعات بوصفه مؤشرًا على التغيير

يجب أن تعود الجامعات مجددًا لتكون فضاءات تحظى فيها النقاشات الفكرية والتجارب المبتكرة والمشاركة المدنية بحماية مؤسسية، بدلًا من إخضاعها للإدارة السياسية. وهذا أمر مهم في حد ذاته، لكنه يُعدّ أيضًا مؤشرًا ضروريًا على أن تغييرًا حقيقيًا قد بدأ، وأن قطاع التعليم العالي ملتزم بنزع الطابع الأمني عن الجامعات،31تُظهر أعمال العنف الطائفي الأخيرة التي طالت الطلاب الدروز في ربيع عام 2025، والتي دفعت العديد من الطلاب إلى مغادرة الجامعات خوفًا على سلامتهم، أن الحرم الجامعي لا يزال مساحة متنازع عليها سياسيًا واجتماعيًا على الرغم من سقوط النظام. وتعزز هذه التطورات المخاوف الأوسع نطاقًا من أن الحماية القانونية والمؤسسية اللازمة للحرية الأكاديمية والتعددية والنقاش الفكري المفتوح لا تزال غير متطورة، على الرغم من سقوط النظام. انظر: واتنباو، «الحرية الأكاديمية والحق في التفكير في سوريا ما بعد الحرب الأهلية». وإتاحة استعادتها دورها بوصفها فضاءات مستقلة تُصان فيها الحرية الأكاديمية وحرية النقاش السياسي، وتُمارسان في الحياة المؤسسية اليومية. من الناحية العملية، قد يشمل ذلك تقديم ضمانات علنية للحرية الأكاديمية، وضمان تعيين القيادات الجامعية وأعضاء الهيئات التدريسية وفق إجراءات شفافة تستند إلى الجدارة والكفاءة، واستعادة التمثيل الطلابي الفعلي من خلال اتحادات طلابية منتخبة ولجان على مستوى الأقسام الأكاديمية، ووضع إجراءات واضحة تحمي الجامعات من التدخلات السياسية والأمنية، وتشجيع المحاضرات والنقاشات العامة حول القضايا ذات الأهمية المجتمعية من دون الحاجة إلى موافقة سياسية مسبقة. تكتسب مؤشرات من هذا النوع أهمية بالغة في تعزيز الثقة الداخلية بين الطلاب والمفكرين والأكاديميين السوريين. كما أنها ضرورية لاستعادة ثقة الشركاء والمانحين العالميين والإقليميين. فحين يُنظر إلى الجامعات بوصفها فضاءات للتفكير الحر والتداول الجماعي، لا امتدادات للدولة، يصبح بناء شراكات ذات مغزى أكثر سهولةً، لا سيما مع المثقفين النقديين وشبكات السوريين في الشتات، الذين تآكلت ثقتهم، أكثر من غيرهم، في إمكانية العثور على موطن فكري لهم داخل الجامعات السورية. ويشمل ذلك شبكات مثل شبكة الأكاديميين والباحثين السوريين في المملكة المتحدة (SARN-UK)، التي راكمت رصيدًا كبيرًا من رأس المال البشري والقدرات التنظيمية، خلال السنوات الخمس الماضية. وتحرص قيادة هذه الشبكة على التعاون مع الطلاب والأكاديميين والمؤسسات السورية ودعمهم. ومع ذلك، لن تتحقق هذه الإمكانات إلا إذا توافرت الثقة في أن الحرية الأكاديمية ستُحمى، وأن هذا الانخراط لن يُستغل سياسيًا. وفي الوقت عينه، فإن انتظار إصلاح شامل ينطوي على خطر تأخير بناء العلاقات عينها التي يعتمد عليها التحول على المدى الطويل. وحتى في غياب أطر وطنية مكتملة التطور، يمكن للجامعات والباحثين في الشتات ومنظمات المجتمع المدني والشركاء الدوليين أن يبدأوا، بل بدأوا بالفعل، في إيجاد فضاءات مستقلة من خلال تعاون محدود النطاق، وبرامج استضافة الباحثين الزائرين، ومشاريع البحث المشتركة، والمحاضرات العامة، وبرامج التبادل الطلابي. وعلى الرغم من أن مثل هذه المبادرات لا يمكن أن تكون بديلًا من الإصلاح المؤسسي، فإنها قد تُسهم في تنمية العلاقات المهنية وترسيخ ممارسات التعاون التي ستعتمد عليها في نهاية المطاف إصلاحات أكثر طموحًا.

إن إعادة ترسيخ مكانة التعليم العالي بوصفه فضاءً موثوقًا وجاذبًا للعمل الفكري هي استراتيجية سياسية لا تتطلب بالضرورة تمويلًا ضخمًا. يتعلق الأمر بإعادة الجامعات إلى سابق عهدها، أماكن يرغب الناس في التفكير والتدريس فيها والانتماء إليها. وفقط عندما تبدأ استعادة هذه الأشكال من الثقة والشرعية، تصبح الإصلاحات الأطول أمدًا والأكثر استهلاكًا للموارد قابلة للتنفيذ. وينبغي أن تشمل هذه الإصلاحات تعزيز البنية التحتية للبحث العلمي، وإصلاح هياكل الحوكمة والقيادة، ومواءمة الأجندات البحثية بشكل أوثق مع احتياجات المجتمع. وقد يشمل ذلك أيضًا استقطاب أعضاء هيئات تدريسية تحظى باعتراف دولي، إذ إن قوة الجامعة تستند في نهاية المطاف إلى جودة مجتمعها الأكاديمي. وقد ساهمت مبادرات استراتيجية استهدفت استقطاب باحثين بارزين خلال فترة زمنية محددة، في سياقات أخرى، ليس فقط في تحسين المكانة الدولية للجامعات واعتمادها الأكاديمي، بل أيضًا في تجديد ثقة الطلاب واستقطاب المزيد من الكفاءات إلى مختلف أقسام المؤسسة الجامعية. وعلى المدى القصير، قد تتيح ترتيبات استضافة الباحثين الزائرين مسارًا أكثر قابلية للتطبيق. وتعتمد جميع هذه الخطوات على إجراءات بناء الثقة التي نوقشت سابقًا، لا سيما بالنظر إلى أنها قد تتطلب تطوير نماذج تمويل مستدامة. من دون العمل مسبقًا على تنمية حياة فكرية وأكاديمية نابضة بالحيوية، فإن جهود إعادة الإعمار تخاطر بأن تبقى شكلية بدلًا من أن تُحدث تحولًا حقيقيًا.

الخلاصة: التعليم العالي بوصفه إعادة تأسيس اجتماعي

في الختام، لا يقتصر التحدي على إعادة بناء المؤسسات، بل يمتد ليشمل إعادة التأسيس المعرفي والاجتماعي. ولعلّ السؤال الأكثر إلحاحًا هو كيفية إعادة بناء التعليم العالي بطريقة لا تكتفي باستعادة ما كان قائمًا في السابق. فقد كان النموذج السابق معيبًا بصورة جوهرية، إذ أعاد إنتاج اختلالات موازين القوى والاحتكاكات الاجتماعية التي أسهمت، كما يُظهر تاريخ سوريا المؤلم، في دورات متكررة من العنف والاضطرابات. وما تحتاج إليه سوريا بدلًا من ذلك هو إعادة تهيئة الظروف لنشوء نمطٍ مختلف من الحياة الفكرية، يستطيع السوريون، على اختلاف انتماءاتهم، أن يروا فيه فضاءً يعبّر عنهم، ويكون قادرًا على كسر دوامة إعادة إنتاج العنف من خلال أشكال جديدة من التهميش والمحسوبية والإقصاء.

لذلك، ينبغي النظر إلى التعليم العالي لا بوصفه قطاعًا يحتاج إلى الإصلاح بعد انتهاء الصراع، بل باعتباره أحد الميادين التي سيكتسب فيها التحول السوري معناه الحقيقي.

Endnotes

Endnotes
↑1 Jo-Anne Dillabough et al., The State of Higher Education in Syria Pre-2011, University of Cambridge Faculty of Education in collaboration with the British Council and Cara, 2019, available at https://www.educ.cam.ac.uk/networks/eri/publications/syria/190606-BC_SYRIA-REPORT-ENGLISH_HR.pdf
↑2 Elizabeth Buckner, “The Seeds of Discontent: Examining Youth Perceptions of Higher Education in Syria”, Comparative Education 49, no. 4 (2013), pp. 440–463, available at https://doi.org/10.1080/03050068.2013.765643; Dillabough et al., The State of Higher Education in Syria Pre-2011.
↑3 Oudai Tozan, “The Evolution of the Syrian Higher Education Sector 1918–2022: From a Tool of Independence to a Tool of War”, Globalisation, Societies and Education 23, no. 5 (2025), pp. 1184–1198, available at https://doi.org/10.1080/14767724.2023.2265854
↑4 المرجع عينه.
↑5 Jo-Anne Dillabough et al., “Conflict, Insecurity and the Political Economies of Higher Education: The Case of Syria Post-2011”, International Journal of Comparative Education and Development 20, no. 3/4 (2018), pp. 176–196, available at https://doi.org/10.1108/IJCED-07-2018-0015
↑6 See also Zeina Al Azmeh, Syrian Intellectuals in Exile: The Dilemmas of Revolution and the Cost of Leaving, Cambridge University Press, 2026, available at https://www.cambridge.org/core/books/syrian-intellectuals-in-exile/7C0623931CF435E8F5F30200613BCAE2
↑7 World Bank, The Syrian Conflict: Physical Damage and Reconstruction Assessment Report, World Bank Group, 2025, available at https://documents1.worldbank.org/curated/en/099102025095540101/pdf/P510947-f30bd5f6-78d5-4712-9f1e-a558b5c8ba75.pdf
↑8 Oudai Tozan, “The Impact of the Syrian Conflict on the Higher Education Sector in Syria: A Systematic Review of Literature”, International Journal of Educational Research Open 4 (2023), 100221, available at https://doi.org/10.1016/j.ijedro.2022.100221
↑9 Rojava Information Centre, “Young and Promising: An Introduction to the NES University System”, 12 September 2022, available at https://rojavainformationcenter.org/storage/2022/09/NES-Universities-August-2022-1.pdf; Sohayb Abdulkerim et al., “Enhancing Higher Education Teaching and Learning in Northern Syria: Academic Development Needs of Teaching Staff at Free Aleppo and Sham Universities”, International Journal of Educational Research Open 3 (2022), 100143, available at https://doi.org/10.1016/j.ijedro.2022.100143
↑10 Dillabough et al., The State of Higher Education in Syria Pre-2011.
↑11 “Growing University System in DAANES Begins a New Year”, Syrian Democratic Times, 27 September 2024, available at https://www.syriandemocratictimes.com/2024/09/27/growing-university-system-in-daanes-begins-a-new-year/
↑12 Mohamed Bukaie, Yasser Hussein and Juliet Millican, “The Role of Universities in Early Recovery in Northwestern Syria: Al-Sham University as a Model”, International Journal of Educational Research Open 8 (2025), 100434, available at https://doi.org/10.1016/j.ijedro.2024.100434
↑13 على الرغم من أن هذه المقالة تركز على التعليم العالي، فإن التطورات الأوسع نطاقًا في قطاع التعليم توضح سبب بقاء الاتجاه الأيديولوجي للإصلاح التعليمي غير مؤكد. على سبيل المثال، في كانون الثاني/يناير 2025، أثارت التعديلات المقترحة على المنهج الدراسي الوطني (بما فيها التغييرات في المحتوى الديني والتاريخي والعلمي) انتقادات عامة واسعة النطاق بشأن عملية التشاور ومخاوف بشأن التوجه المعياري للإصلاح التعليمي. وعقب ردود الفعل السلبية، أعلنت السلطات الانتقالية أن المنهج الدراسي الحالي سيبقى ساريًا ريثما تتم مراجعته من قبل لجان متخصصة. وعلى الرغم من أنه لا يمكن اعتبار هذه التطورات دليلًا على سياسة التعليم العالي في حد ذاتها، إلا أنها توضح مخاوف أوسع نطاقًا بشأن الاتجاه المستقبلي للإصلاح التعليمي في ظل الحكومة الانتقالية. حول هذه المبادرات، انظر وكالة الأنباء العربية السورية (سانا)، متاح على الرابط: https://sana.sy/en/education/353805/
↑14 Syrian Arab News Agency (SANA), available at https://sana.sy/en/education/2276336/
↑15 Keith David Watenpaugh, “Academic Freedom and the Right to Think in Post-Civil War Syria”, Review of Middle East Studies 60, no. 1 (2026), pp. 40–46, available at https://doi.org/10.1017/rms.2026.10048
↑16 تشير كلمة «المعرفة» هنا إلى القدرة الأوسع نطاقًا للجامعات على توليد التفكير النقدي، والنقاش العام، والفهم التاريخي، وأشكال البحث ذات الصلة بالمجتمع.
↑17 “Launching Our First Academic Initiative Inside Syria”, Jusoor, June 2025, available at https://www.jusoor.ngo/news/launching-our-first-academic-initiative-inside-syria
↑18 “Construction of the University of Sarajevo Library, a New Center of Academic and Cultural Life in Progress”, University of Sarajevo, 11 November 2024, available at https://www.unsa.ba/en/novosti/construction-university-sarajevo-library-new-center-academic-and-cultural-life-progress
↑19 S. Halilović-Terzić et al., “Cultural Sustainability in the Architecture Program of Libraries – Sarajevo Case Study”, in N. Ademović, T. Tufek-Memišević and M. Arslanagić-Kalajdžić (eds), Interdisciplinary Advances in Sustainable Development III, Lecture Notes in Networks and Systems, vol. 851, Springer, 2024, available at https://doi.org/10.1007/978-3-031-71076-6_7
↑20 Jee Rubin, Basma Hajir and Oudai Tozan, “Priorities for (Non-Reformist) Reform in Syrian Higher Education: Insights from Damascus”, Globalisation, Societies and Education 24, no. 1 (2026), pp. 307–322, available at https://doi.org/10.1080/14767724.2025.2575998
↑21 Zeina Al Azmeh et al., “Cultural Trauma and the Politics of Access to Higher Education in Syria”, Discourse: Studies in the Cultural Politics of Education 42, no. 4 (2021), pp. 528–543, available at https://doi.org/10.1080/01596306.2020.1715922
↑22 وعلى الرغم من أن مثل هذا التحول صعب بلا شك في سياق يتسم بالانقسام العميق والقيود السياسية مثل الوضع في سوريا، فإن الجامعات تبقى من بين المساحات المؤسسية القليلة التي تمتلك القدرة على استضافة مثل هذا التفاعل، حتى لو كان ذلك في البداية بطرق جزئية وهشة. انظر أيضًا: أبو الدهب، «العملية قبل النتيجة: إعادة التفكير في العدالة الانتقالية في سوريا»، مبادرة الإصلاح العربي، 2025، متاح على الرابط https://www.arab-reform.net/publication/process-over-outcome-rethinking-transitional-justice-in-syria/
↑23 “Higher Education in Post-Assad Syria: Challenges and Opportunities”, webinar, Inter-agency Network for Education in Emergencies (INEE), 15 April 2025, available at https://inee.org/events/higher-education-post-assad-syria-challenges-and-opportunities
↑24 ومن أمثلة هذه المنظمات مبادرات مثل «الذاكرة الإبداعية للثورة السورية»، و«الأرشيف السوري»، و«جمعية المعتقلين والمفقودين في سجن صيدنايا»، و«دولتاي». وقد انضمت إليها مؤخرًا مبادرات ناشئة تشكلت في أعقاب سقوط النظام، يسعى بعضها إلى إفساح المجال لتعدد التجارب المعيشة والسرديات المتنازع عليها، بما فيها تلك التي تعقّد الروايات السائدة عن تاريخ سوريا الحديث.
↑25 Sarah Warshauer Freedman et al., “Teaching History after Identity-Based Conflicts: The Rwanda Experience”, Comparative Education Review 52, no. 4 (2008), pp. 663–690.
↑26 المرجع عينه.
↑27 Jana Bacevic, “What Kind of University for What Kind of Society? Nation-States, Post national Constellations, and Higher Education in the Post-Yugoslav Space”, in Pavel Zgaga, Ulrich Teichler and John Brennan (eds), The Globalization Challenge for European Higher Education, Peter Lang, 2013, pp. 287–308, available at https://doi.org/10.3726/978-3-653-06508-4
↑28 INEE, “Higher Education in Post-Assad Syria: Challenges and Opportunities”.
↑29 See also Basem Mahmoud, “Syria’s Challenge: Rebuilding Universities, and Reconnecting Them with Society”, Al-Fanar Media, 19 March 2026, available at https://al-fanarmedia.org/2026/03/syrias-challenge-rebuilding-universities-and-reconnecting-them-with-society/
↑30 Sansom Milton and Sultan Barakat, “Higher Education as the Catalyst of Recovery in Conflict-Affected Societies”, Globalisation, Societies and Education 14, no. 3 (2016), pp. 403–421, available at https://doi.org/10.1080/14767724.2015.1127749
↑31 تُظهر أعمال العنف الطائفي الأخيرة التي طالت الطلاب الدروز في ربيع عام 2025، والتي دفعت العديد من الطلاب إلى مغادرة الجامعات خوفًا على سلامتهم، أن الحرم الجامعي لا يزال مساحة متنازع عليها سياسيًا واجتماعيًا على الرغم من سقوط النظام. وتعزز هذه التطورات المخاوف الأوسع نطاقًا من أن الحماية القانونية والمؤسسية اللازمة للحرية الأكاديمية والتعددية والنقاش الفكري المفتوح لا تزال غير متطورة، على الرغم من سقوط النظام. انظر: واتنباو، «الحرية الأكاديمية والحق في التفكير في سوريا ما بعد الحرب الأهلية».

تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.