مقدّمة
لا نفشي سرًّا أو نبوح بجديد حين نقول إن الحركات النسوية في منطقتنا ليست بخير. قد نغوص إلى ما لا نهاية في معنى الخير أوّلًا لنثبتَ غيابَه فيما بعد. لكن ما لا خلاف عليه، هو أنّ الحالة الخيّرة للحركة تقتضي حدًّا أدنى من المقوّمات تبدأ من القدرة على الاستمرار في خوض أحد أصعب وأعقد الصراعات على الكرة الأرضية ولا تنتهي بالقدرة على إرساء التعاون والحوار الداخليَّين. والحال اليوم أنّ القدرتَين مهدّدتان بفعل جملةٍ من العوامل، منها ما لا ناقة للحركة فيها ولا جَمَل، ومنها ما هو بِيَدها.
من خلال قراءة لتطوّرات السنوات القليلة الماضية بعد عقدٍ ونيّف من النشاط النسوي الملحوظ، لا سيما في لبنان، وبالاستناد إلى مقابلات مع ناشطات مستقلّات أو عاملات في جمعيات محلية ودولية وقاعدية، نحاول في ما يلي فهمَ واقع الحركة النسوية اليوم وتفاعلها مع محيطها العدائي والأسئلة السياسية الصعبة التي فُرضت عليها، انطلاقًا من محورَين رئيسَين: الأوّل يتناول تأثيرات خفض الجهات المانحة لميزانيات التمويل الخارجي في مكوّنات الحركة النسوية التي لطالما اعتمدت عليه وكانت حصّتها منه في الأصل شحيحة؛ والثاني يراجع ما استرسلنا في الحديث عنه في السنوات والشهور القليلة التي سبقت إبادة الشعب الفلسطيني في غزّة والحرب على لبنان وهو "الباكلاش" أو ردّ الفعل العكسي العنيف الذي يتفاقم مع صعود التيارات الفكرية اليمينية في عدد من الدول الغربية، ويشتدّ بين الفينة والأخرى في أكثر من دولة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وكنّا شهدنا أحدَ أعنف وجوهه بين عامَي 2022 و2023 في لبنان.
إذا ما نظرنا إلى السياق الراهن الذي يحكم المنطقة ورزوح العديد من دولها تحت وطأة نزاعات مسلّحة وصراعات سياسية واجتماعية مفصليّة، لا يعود مفاجئًا هطولُ الأسئلة الصعبة علينا كنشطاء ومدافعات/ين عن حقوق الإنسان، بوصفها مرجعية ضرورية، حول مصير الأجندات والمجموعات النسوية في ظلّ ما تشهده دولنا ومجتمعاتنا من تحدّياتٍ جمّة لم نعهد لها مثيلًا في تاريخنا الحديث الذي شكّلته حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية. وقد نتجتْ تلك التحديات الخارجيّة، في آن، عن تفاقم ردود الفعل العدائية التي لطالما حرّكتها العصبياتُ الذكورية والطائفية المهووسة بإخماد شرارة أي طروحات جديدة أو حتى المكاسب الحقوقية القليلة التي انتُزعت في خلال العقود المنصرمة؛ وكذلك عن انهيار الأسس والأخلاقيات التي ترعى العمل السياسي والمُتجلّي، على سبيل المثال لا الحصر، في إدامة الإبادات الجماعية – فلسطين والسودان كمثال - ومغالاة حكومات الدول الكبرى في ازدراء منظومة حقوق الإنسان وخفضها الجذري للميزانيّات المُخصَّصة للأجندات الحقوقية والتنموية التي اعتمدت عليها المنظّمات غير الحكومية اعتمادًا شبه مطلق في منطقتنا، من ضمنها المجموعات النسوية.
الخروج من نظام التمويل ليس كدخوله
بدايةً، من المهم التذكير بأن التمويل المُخصّص للمشاريع الآيلة إلى تعزيز المساواة والعدالة الجندرية في العالم ضئيلٌ من الأساس على الرغم من الخطابات الرسمية الغفيرة التي تدّعي فيها حكوماتٌ عدّة دعمَ المساواة والعدالة.في تقرير لمنظّمة إيويد (AWID) استند إلى استمارةٍ أجريت عام 2024 وشمل منظّمات نسوية وكويرية في 129 دولة، تبيّنَ أن معدّل التمويل السنوي الذي وصل بين عامَي 2021 و2023 إلى 60 بالمئة من المجموعات النسوية التي شملها الاستبيان كان أقل من 30 ألف دولار أميركي، فيما حصل 15 بالمئة منها فقط على مبلغ يتراوح بين 100 و500 ألف دولار، و14 بالمئة لم يصله أي تمويل على الإطلاق، و5 بالمئة لا غير تخطّتْ ميزانيتُه المليون دولار. في المقابل، لامس تمويل ثلاث مجموعات مُحافِظة مرتبطة بشبكات معادية للجندر ومجتمع الميم-عين المليار دولار بين عامَي 2021 و2022.
يشير تقرير سابق لمنظمة "إيويد" إلى تخصيص 0.42 بالمئة فقط من المنح التي قدّمتْها المؤسّسات المُموِّلة الكبرى سنة 2022 لمشاريع تعزيز حقوق النساء. وفي صيف 2025، أعلن "صندوق دُريّة النسوي" الذي يقدّم منحًا مباشرةً إلى المبادرات النسوية والكويرية الصغيرة ومشاريع إنتاج المعرفة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عن خسارة 78 بالمئة من حجم التمويل الذي كان مُخصّصًا للمجموعات الصغيرة، وتوقَّع الصندوق أن يشهد عام 2026 اقتطاع حوالي 30 بالمئة إضافية من قيمة التمويل.
إذا ما نظرنا إلى مسحٍ حديثٍ للجمعيات النسائية في لبنان وثّقه تقريرصدر عام 2024 عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، نلاحظ أن غالبيتها هي في الواقع مبادرات أو جمعيات صغيرة إلى متوسّطة الحجم، خلافًا للاعتقاد السائد بأن المنظّمات النسائية والنسوية مقتصرة على المنظّمات الكبيرة ذات الشهرة الواسعة. فمن أصل 64 جمعية نسائية تمّت مقابلتُها بين عامَي 2022 و2023، تراوح عدد عضوات 78 بالمئة منها بين 5 و25 عضو/ة لا أكثر. وقد أظهر المسح والمقابلات التي شملها التقرير المذكور أنّ "المنظمات الصغيرة إلى المتوسطة الحجم تواجه تحدّيات تمويلية أكبر، وممتدّة على فترات زمنية أطول، ما يؤثّر في استمرارية عملها واستدامة بنيتها". في هذا الإطار، يبدو واضحًا أن المنظّمات الأكثر تأثّرًا بضآلة التمويل سابقًا ومن خفضه اليوم معظمها جمعيات صغيرة ومتوسّطة الحجم، بالإضافة إلى البرامج المتعلّقة بقضايا اللاجئين/ات وخدمات الطبابة الموجّهة إليهم/ن، والجمعيات العاملة على تعزيز الصحة والحقوق الجنسية والإنجابية.
تشرح فرانشيسكا الأسمر، وهي باحثة ومدرّبة نسوية تعمل مع وكالات الأمم المتحدة وهيئات نسائية دولية ومحلية، أن المشاريع المتعلقة بالصحة الجنسية التي كانت تلقى دعمًا ماليًّا مهمًّا من جهات حكومية قرّرت إيقافه، على رأسها الحكومة الهولندية، كانت الأكثر تأثّرًا (حتى نهاية عام 2025). وهنا تجدر الإشارة إلى أن بعض الجمعيات التي تعمل على الصحة الجنسية والإنجابية هي نفسها التي تعرّضت عام 2023 لتهديدات واقتحامات اضطرّتها إلى إقفال مراكز لها، خاصة في الشمال اللبناني، وسط اشتداد العدائية ضد كل ما له صلة بالجنسانية والنوع الاجتماعي، وهو ما سنتطرّق إليه في القسم الثاني من هذه الورقة.
أما باقي المنظّمات النسوية، فمن المرجّح، بحسب الأسمر، أن تشعر بثقل تداعيات قطع التمويل الأوروبي في العامَين المقبلَين، إذ لم تطلْها بعد آثارُ التغييرات العميقة التي طرأت على ميزانيّات البرامج الحقوقية والتنموية، "لأنّ دورات التمويل الحالية لم تنتهِ بعد، خاصة بعد نجاح جهود القيّمات على الترويج لسياسات خارجية نسوية واستمرار بعض الفرص التي وفّرها هذا الإطار في السنوات الماضية والذي التزمتْ به دولٌ مثل كندا وفرنسا - وبريطانيا بدرجة أدنى - لكن يبدو أن الآتي أصعب"، وفق الأسمر.
على صعيدٍ متّصل، من غير الدقيق القول إن قرارات الرئيس الأميركي دونالد ترامب تجميد المساعدات الخارجية والإيقاف شبه الكامل لعمل الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) مطلع عام 2025 هو الذي أثّر حصرًا ومباشرةً في عمل الجمعيات النسوية، على الأقل في لبنان، إذ نادرًا ما كانت الحكومة الأميركية تُقدّم الدعمَ المباشر إلى الأجندات النسوية المحلية أصلًا، وقد تعاونت المجموعات المهتمّة بالعدالة الجندرية بشكلٍ خاص مع حكومات الدول الإسكندينافية والهولندية والكندية والاتحاد الأوروبي، إلى جانب عددٍ من وكالات الأمم المتحدة، المتضرّر الأكبر من قطع الولايات المتحدة الأميركية الدعم عنها. في هذا السياق، تشرح الباحثة النسوية ومديرة البرامج في المكتب الإقليمي للنسوية السياسية في مؤسّسة "فريدريش إيبرت"، سامانتا إيليّا، أنّ "تداعيات قرارات ترامب السياسية والإجرائية دفعت بالحكومات الأوروبية إلى زيادة تمويل برامجها الدفاعية والعسكرية وتعديل سياساتها الخارجية واستراتيجياتها الخاصة بالتمويل"، علاوةً على الحرب على أوكرانيا وتداعياتها السياسية والدفاعية التي سبقت قرارات الرئيس الأميركي.
ولا يمكن إغفال، بحسب إيليّا، "انتشار الإيديولوجيات اليمينية والمعادية للجندر في السنوات الماضية والتي فرض تصاعدها على مؤسّساتٍ عدّة القبول بشروطٍ معيّنة من أجل الاستمرار". ويبقى الحدث الفصل الذي أثّر بشدّة في مشهد تمويل المبادرات النسوية وأدّى إلى ابتعاد عددٍ منها في المنطقة عن جهات مانحة غربية، هو إبادة الشعب الفلسطيني في غزّة، وفق إيليّا وغيرها من المشارِكات في هذه الورقة.
"سوسة" التمويل التقليدي والـComfort Zone
لم يكن المشهد التمويلي الحالي المُلخَّص أعلاه مفاجئًا أو غير متوقّع. فلطالما أدركت ناشطات نسويات الهشاشةَ والمخاطرَ الناجمة عن قنوات التمويل التقليدي وارتباطها بسياسات الدول المُتبدِّلة والجائرة، وكذلك محدوديات الاعتماد الهائل عليها من أجل الاستمرار في العمل. ومن باب التذكير السريع، ما أفرز هذا الاعتمادَ شبهَ المطلق كان مسارُ انتقال النضال النسوي إلى عملٍ مؤسّسي وهيكلي عبر ما عُرف بعملية "الأنجَزَة" أو التحوّل إلى منظمات غير حكومية (NGOs)، لا سيما بعد المؤتمر الدولي الرابع المعني بحقوق النساء أو مؤتمر بكين عام 1995، وذلك تلبيةً لحاجة المجموعات النسوية للاستقلال عن الجمعيات الخيرية الأوسع أو أحزابها السياسية التي لم تُولِ قضاياها الأهميّة اللازمة، وسعيها كذلك إلى إيجاد إطار تنظيمي يضع مسألة العنف ضد النساء في صلب حراكٍ مدنيّ آخذ في التشكّل، وإدراكها وجوب إيفاء متطلّبات الجهات المُموِّلة للحصول على الدعم. فما كان بالنسويات آنذاك، أي في منتصف التسعينات وبدايات الألفية الثالثة، سوى المبادرة السريعة إلى التقاط الإطار التنظيمي الجديد الذي قدّم لهن صيغةً واعدةً تضمن لهنّ التمايز والنجاة واحتمالات الإنجاز في آن؛ وهي صيغة ساهمتْ أيضًا، وفق السرد الكرونولوجي الوارد في كتابٍ حول "استعادة تاريخ الحركات النسوية في لبنان من الاستعمار"، في الحدّ من استفراد "البرجوازية الثقافية" في الدفاع عن حقوق النساء.
ولكن، بموازاة نشأة قطاع المنظّمات غير الحكومية ونموّه والانخراط المتزايد للشابّات في العمل النسوي المُمَأسَس، بدأت بعض الناشطات يقرعنَ ناقوسَ الخطر مشدِّدات على وجوب البحث عن بدائل لنظام التمويل الذي أرسته الحكومات الغربية وشروطه السياسية والبيروقراطية التي تستنزف طاقة المناضلات والجمعيات على حد سواء، لكن دون طائلٍ يُذكر؛ مع العلم بأن نسوياتٍ كثيرات كنّ متيقّنات من عدم القدرة على ضمان اهتمام الجهات المموّلة الدائم بأجندتهن ذات الطبيعة الثورية، ومن هشاشة مواقعهن التي ستتزايد في حال استمرار عقليّة الاتّكال إلى ما لا نهاية.
ثم أتى الحدث الأضخم الواقع في تاريخ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 الذي قلب الطاولة فوق رؤوس الجميع: المموِّل الداعم أو المتسامح مع إسرائيل المحتلّة والمُرتكِبة لإبادة وتطهير عرقي في فلسطين، والمموَّل الجنوبي الذي يتلقّى الدعمَ والقنابلَ في آن.
لكن قبل الدخول في هذه النقطة التي كان لها حصّة الأسد من نقاشات العامَين الماضيَين السياسية والنسوية، لا بد من إبراز بعض الأسباب البنيوية الداخلية الموجودة من الأساس، والتي قد تساعدنا في فهم فشل الحركة في إعادة تنظيم نفسها ومكوّناتها بشكلٍ مختلف، حتى قبل السابع من أكتوبر 2023 وقبل اشتداد أزمة التمويل مطلع عام 2025.
سببان أساسيّان للفشل: أوّلهما إغراق نظام التمويل السائد المجموعات النسوية في بحرٍ من المسؤوليات والمهام التي يتطلّب تحقيقها بنيةً مؤسّسيةً متكاملة ومهاراتٍ متنوّعة، الأمر الذي أسهم شيئًا فشيئًا في إغلاق المساحة الفكرية والمسافة اللازمتَين للتأمّل والنقد والابتداع، وعظّم كذلك من قيم التفرّد والتميّز والمهنية، كما عمّق إقصاء الكثير من الفئات النسائية والطبقات المُفقرة عن الميدان الحقوقي المستجدّ نتيجة مأسسته ومَركَزته، معزّزًا بموازاة ذلك اعتمادَ القادرات على خوضه، على قواعد اللّعبة.
أمّا السبب الثاني لهذا الفشل، فيكمُن، ببساطة، في تعلّق مَن تأقلمت مع نظام المِنَح ذات المصادر الغربية أو لم تتعرّف على أشكال جهود تغييرية من خارجه، بـ"منطقة الراحة" أو الـComfort Zone التي يوفّرها، لا سيما العاملات في المنظمات الكبرى التي تقدّم مزايا وظيفية وتأمينات صحية ورواتب تُعدّ سخيّة بالمقارنة مع الرواتب المحليّة. وذلك مع العلم بأن لا مصادر تمويل أخرى، عربيّة مثلًا، محلية أو إقليمية، كانت تذهب إلى المجموعات والمبادرات النسوية، أكان ذلك عبر القنوات الرسمية – وسط طغيان حكومات ذات طابع عسكري واستبدادي وذكوري في المنطقة - أو عبر القنوات الخاصة مثل النساء المُحسِنات الثريّات (فيلنثروبيّات) إذ إن قلّة قليلة منهنّ تهمهنّ القضايا النسوية أصلًا، وغالبًا ما تُركّز هذه القلّة على البرامج التمكينية أكثر منها القضايا النسوية الجوهرية أو المبادرات الثورية.
هذا تمامًا ما يجعل الكثير من النسويات يخشينَ من تفويت المجموعات النسوية اللّحظة التاريخية التي تضعها اليوم أمام مفترق طرق حادّ ومفصلي. فإمّا أن تغتنم فرصة تَضَعضُع نظام التمويل الغربي التقليدي الذي يعتمد على سياسات الدول التي تُشكّله ومتطلّبات المنظّمات الوسيطة، لتعودَ وتصوغَ الأساسيات التي تحرّكها من جديد، بدءًا من علّة وجودها ولغتها مرورًا بإعادة تحديد حجمها وعلاقتها بمحيطها وصولًا إلى تنويع مصادر تمويلها وتجفيف منابع الهدر فيها؛ أو أن تنكمش على نفسها أكثر وتدخل في وضعيّة التلقّي السلبي والنجاة حتى إشعارٍ آخر، لتتفاقمَ بذلك، مع أي انخفاض تدريجي أو مستجد لموارد التمويل، روحيّةُ التنافس المتأصّلة في منظومة التمويل السائدة.
ولكن مع ذلك، علينا عدم إغفال حقيقة أن نماذج أخرى موازية قد تبرز أو تنمو كأمثلة مُلهِمة.
تقول مِهاد حيدر، إحدى مُؤسِّسات مكتبة "مَيْلي" في بعلبك، "نحن من الأساس لا نحصل على مبالغ كبيرة من شركائنا إذ كنّا نبحث عمّا يسمح لنا بتغطية النفقات الأساسية دون تكبّد أعباء إضافية قد تنتج عن كثرة المشاريع. لذا لم نشعر أن ما يحصل الآن مختلف جذريًا عمّا ألفناه سابقًا، خاصة وأننا منذ نشأتنا – أي في خضم "الباكلاش" عام 2023 – نُفكّر بنماذج اقتصادية بديلة تلائم هويتنا كمساحة محلية للنساء ونعمل على تحقيقها اليوم، مع علمنا بأن نسويات كثيرات يهربن من نماذج "البيزنيس". لكن هل تلقّي التمويل أفضل؟ الحل بالنسبة إلينا هو في شكلٍ من الاقتصاد التعاوني الذي يساعد في الخروج من نظام التمويل".
في تجربة حيدر ومكتبة "ميلي" انعكاسٌ واضح لما تذكره مراجع نسوية نقدية تجاه قنوات التمويل الحالية، لجهة كيفية توزيعها غير العادل للموارد بالإضافة إلى تسييسها وتحويلها إلى أداة تحكّم وابتزاز. وفي تجربة "ميلي" أيضًا صدى لبعض التوصيات التي باتت تُوجَّه بشكل متكرّر إلى الجهات المانحة، أبرزها "تقديم الدعم الأساسي والمُستدَام للمجموعات النسوية والشبابية والمهاجرة والقاعدية بعيدًا عن الشروط السياسية أو الدورات القصيرة الأمد للمشاريع"، وغيرها من التوصيات التي أوجزتها مثلًا WILPF، أي "رابطة النساء الدولية للسلام والحرية"، بناءً على حوارات مع ناشطات من فلسطين وتونس وجهات أخرى مثل "تحالف نسويات من أجل التغيير الاجتماعي" الذي شدّد على أهمية أن تسدّ الفيلنثروبيا (Philanthropy)، أو المبادرات الداعمة الخاصة، الفراغَ الناتج عن تقلّص المساعدات الحكومية والدولية مع التركيز على تأمين تمويل متعدّد السنوات وغير مشروط "يتيح للمجموعات تحديد أولوياتها بناءً على احتياجات المجتمع لا أجندات المانحين".
ما قبل غزّة ليس كما بعدها
على الرغم من عمق جذور أزمة التمويل وتاريخها الأبعد من سنة 2023، كما سبق وأظهرنا، اختار عددٌ من المنظّمات، لا سيما في لبنان وتونس، التوقّف عن تلقّي الدعم المالي من جهات مانحة غربية، أبرزها الجهات الألمانية – التي كانت بادرت بدورها إلى قطع التمويل عن منظمات فلسطينية أو ملتزمة بالحق الفلسطيني – وتَحمُّل أعباء خيارٍ كهذا تفاديًا لقبول "أخذ المال ممّن لهم روابط مع الصهاينة"، كما تُفيد داينا آش، المديرة التنفيذية لـ"هايفن فور أرتيستس" (Haven for Artists)، وهي منظمة ثقافية نسوية في بيروت.
تؤكّد داينا آش أن "هايفن خسرتْ بالفعل الكثير من الفرص وهي تعيد اليوم تنظيم عملها لأنها لا تريد أي صلة مع أنظمة إجرامية ولا تشجّع على منطق "خذ منهم وافعل ما تشاء" لأنه يعيد إنتاج موازين القوة نفسها، علمًا بأن الأموال التي كانت تُقدَّم إلينا هي في الأصل لنا وكنّا نتعامل معها كتعويضات لا كهبات... لكن آن الأوان للخروج معًا من منطق هذا النظام وخلفه الرأسمالية وعقليّة اليُسر والرفاهية التي توغّلت هي أيضًا ضمن قطاع "صناعة المنظمات غير الحكومية" أو الـIndustrial NGO Complex الذي ألقى بالكثير من النشطاء في وضعية التلقّي السلبي، والفردانية، والمنافسة كثقافة تقصَّدَ نظام التمويل العالمي إرساءها – ما بتقبضي ما بتعملي نشاطات ما بتقبضي ما بتغيْري – لذا علينا إعادة تعريف معنى الناشطية أيضًا".
وتتابع آش، "يتعيّن علينا اليوم، في وجه الاختلافات وقطع أو رفض التمويل بعد إبادة غزة، البحث عن طرق لدعم بعضنا كمجموعات ومنظّمات نسوية – هناك فكرة الصندوق التعاضدي بين الجمعيات مثلًا - والعودة إلى المفاهيم التعاونية التي لطالما ميّزت مجتمعاتنا وإلى نماذج العمل التي يمكن أن تنبثق منها... فمن غير المنطقي أن يستمر توزيع الموارد بالشكل الذي كان يُوزَّع فيه أو قبول الهبات من داعمي الصهيونية... هناك نقاشات تجري بيننا لكنها غير منتظمة ولا نعرف حتى الآن مآلاتها".
اليوم، وبعد مرور أكثر من ثلاث سنوات على 7 أكتوبر، لا يخفى على أحد حجمُ الانقسام السياسي المتفشّي في المنطقة والعالم، والذي تختبره أيضًا الناشطات والمهتمّات بإنتاج المعرفة النسوية، لا بل يصحّ القول إنهنّ في صلب النقاشات السياسية المحوريّة التي تعجّ بها مساحاتنا العامة والخاصة.
في العامَين الماضيين، كُتب الكثير من المقالات التحليلية ومقالات الرأي التي تتناول موقع النسويات من التنظيمات الإسلامية المسلّحة وتتأمّل في معنى المقاومة كإطار عمل مناهض للمطامع التوسّعية في المنطقة. نصوصٌ أضاءت على اختلافات سياسية عميقة بين اتجاهات فكرية نسوية مختلفة، وأحيانًا على حيرة عاطفية صادقة ، أو غياب الوضوح في التعامل مع اصطفافات الواقع المفروضة علينا مقابل غياب البدائل المُجدية. وقد أضاءت أحيانًا أخرى على سهولة العودة إلى مجتمع الأصل الذي سرعان ما يتحوّل من بيئةٍ يُتمرَّد عليها إلى حضنٍ يؤمّنُ الحماية. وهذا الأمر ربما ساهم في تعميق الهوّة التي تفصل بين نسويات كثيرات، ومعها عزلة الحركة النسوية عن محيطها كإحدى نتائج تشرذمها الداخلي الذي سنتطرّق إليه أكثر في القسم التالي.
بالنسبة إلى مهاد حيدر، "ربما يكون التمويل وشروطه هو ما جعل تحرّر بعضنا ]أي النسويات[ يبدو ظاهرًا لكنه في العمق لم يكن مُتحقّقًا بالفعل. والدليل كان أن أعاد شعورُ البعض بالتهديد والخطر – وهو شعورٌ مُبرَّر طبعًا – إلى ما يشبه القبليّة بحثًا عن الحماية التي لا تزال الطائفة أو المجتمع الضيّق يشكّلان مصدرها. لكن برأيي التعاطف الإنساني يختلف عن العودة إلى التماهي المُطلَق، إذ أخشى أن تعيدنا تلك العملية إلى نقطة الصفر".
حين يتسلّل "الباكلاش" من خارج الحركة إلى داخلها
على إثر التحديات التي فرضتها التطورات الميدانية والسياسية في المنطقة والتغيّرات المرتبطة بنظام التمويل التقليدي، تتخوّف ناشطات من تحقّق أيّ نجاة جزئية للمنظّمات النسوية على حساب السرديات والمبادئ السياسية الواضحة، بحيث تؤدّي المساومة عليها، مدفوعةً بمراعاة التوجّهات المجتمعية المُحافِظة والحاجة إلى التأقلم مع تبدّل أولويات وأدبيات الجهات المانحة، إلى "باكلاش" ناعم داخلي متمثّل بالتخلّي عن البديهيات التي تُشكّل الأساس التعريفي للصراع النسوي.
وهذا ما لاحظتْهُ الباحثة فرانشيسكا الأسمر إذ عبّرت عن خشيتها من أن تكون فترة مساعي النجاة طويلة، وأن تستمر بموازاتها الحروب والتحديات الاقتصادية بالتفاقم في منطقتنا، "فتُضطر النسويات إلى مكابدة واقع مادّي شاق يجعل من الصعب عليهن إيجاد مساحة للتفكير في البدائل وتغذية التضامن الداخلي فيما عنوان المرحلة هو محاولات الإنعاش والإنقاذ، الأمر الذي سيدفعهن إلى القبول بشروط الجهات المانحة الجديدة، بما فيها الإطارات الفكرية واللغوية المتماشية مع صعود التيّارات المحافظة، ويحاولن الالتفاف عليها باعتبارها عناوين شكلية تتيح مداخل للاستمرار".
وتكمل الأسمر، "شهدنا أصلًا على بداية هذا الفصل مع رفض جهات رسمية في لبنان استخدام مصطلح "جندر" في مشاريعها. وحتى الآن مجرى الأمور يشير إلى أن الجمعيات ستضطر إلى القبول بذلك وقد تُقدّم مع الوقت المزيد من التنازلات لتستمرّ، لا بل يُخشى أن يصبح خطابها شيئًا فشيئًا مفرَّغًا من بُعْده السياسي وأن تتعمّق الانقسامات الموجودة أصلًا بفعل تزايد المنافسة على الموارد".
المسألة بالطبع لا تقتصر على الرقابة الذاتية داخل بعض مكوّنات الحراك النسوي أو على تفادي استخدام كلمة جندر أو مفهوم النوع الاجتماعي في التدريبات التي تُنظَّم مع وزارة الشؤون الاجتماعية ومؤسسات حكومية أخرى مثلًا، بل تتعدّاهما لتشمل الممارسات العدائية ضد كل مَن لا يمتثلون ويمتثلنَ لأسس المنظومة الاجتماعية التي يستشرس في الدفاع عنها – موسميًّا وغبّ الطلب – مناهضو الحريات الشخصية والأجندات الحقوقية، مثل بعض مناصري رجال الدين الغيورين على "الأخلاق العامة" ومناصري حزب الله وأعضاء جماعة "جنود الرب" والمركز الكاثوليكي للإعلام. وقد تمظهرت تلك العدائية في صيف 2023 في لبنان عبر سلسلة من الهجمات العنفيّة ضد مجتمع الميم-عين ونشطاء ما عُرف بـ"مسيرة الحريات"، من ضمنهم مناضلات نسويات.
لن نعود هنا إلى الغوص في تعريفات "الباكلاش" أو ردّ الفعل العنيف الذي حظي باهتمام باحثات ومفكّرات كثيرات في العالم وتمّ تكييف تعريفاته لتُناسب شكل النظام السياسي والسياق المكاني اللّذين يتغلغل فيهما وتعكسَ طبيعته المتسلسلة، بدلًا من حصره بحدثٍ له بداية ونهاية مُحدَّدَتين. فبالنسبة إلى ناشطات في لبنان، إنّ ردّ الفعل العنيف هو "أشكال مختلفة من التمييز والإقصاء البنيويَّين التي يغذّيها النظام الطائفي ويحتضنها ويؤجّجها، ولا تقتصر على صدّ مبادرات مناصرة الحقوق وعرقلتها وحسب، بل تُثبط إمكانية إحراز أي تقدّم، وهذا ما هو أشدّ خطورة".
بعد شهور على ظهور هذا التعريف ضمن دراسة للباحثة ناي الراعي حول "الباكلاش" نُشرت عام 2023، شهدت ناشطات/ون في المجال النسوي والكويري والثقافي إذًا أحد أشرس فصول رد الفعل المجتمعي والحكومي العنيف في لبنان، والذي صار معلومًا للقاصي والداني كيف يشتدّ حين تستشعر المنظومة الحاكمة ورطةً جديّةً قد تُهدّد مكوّناتها وصيغة عملها المعتادة وتفضح فشلها العارم في معالجة الأزمات المعيشية والمالية.
هل ما زالت الحركة النسوية مُهدَّدة بفصل عنفيّ جديد شبيه بصيف 2023؟
اليوم، وبعد مرور أكثر من سنتَين شهدنا خلالهما على أفظع جرائم حرب في فلسطين ولبنان وسوريا وغيرها من البلدان – طغتْ بطبيعة الحال على همومٍ داخليةٍ أخرى – هل لا يزال التخوّف من تفاقمٍ "باكلاشيّ" شبيهٍ بتمظهره الفظّ الذي سجّله عامَا 2022 و2023، قائمًا ومحسوسًا، أم أنه عاد إلى طبيعته المتأرجحة بين الهدنة والتصعيد "الخفيف"، والتي اعتادت النسويات التعايش معها؟
ليست الإجابة عن هذا السؤال بالأمر السهل، إذ لا "نعم" أو "كلا" مطلقة، بل قناعة لدى عددٍ من الناشطات أننا نمرّ حاليًّا في فترة تأقلم وركود طويلة قَبِلنا بها مُرغَمات لأن لا خيارات أخرى سوى توقّع اشتداد ردود الفعل العنيفة المرحلية في مناطق أو مناسبات معيّنة، وتعلّم كيفية مواصلة العمل والتعايش مع ما وصفته سامانتا إيليّا بـ"المرحلة التي لا يمكن فيها تعطيل مفعول ما حدث عام 2023 لأن البصريات والمعلومات ذات الصلة بالجندر وأعلام قوس القزح ومساحات الكوير والأشخاص الترانس – وهم/ن الأكثر عرضة للعنف – باتت عالقة في أذهان مَن لم يعيروها في السابق أهميّةً قصوى. ولوعيٍ كهذا تأثيرٌ طويل المدى".
وعن نمط عمل "الباكلاش" بوجهه الموسميّ الشرس وما إذا كانت جولاته المقبلة وشيكة، تعلّق الباحثة النسوية ومديرة منظمة "ورشة المعارف"، ديمة قائدبيه بالقول:
"يذكّرني سؤال "الباكلاش" بكيفية تعاملنا مع الحرب الأهلية في لبنان، تلك الحرب التي انتهت ولم تنتهِ وقد تعود لتندلع في أي لحظة. وكأنّ الأمرين متشابهان، ذلك أن نظامًا كنظامنا يخلق واقعًا كهذا. المساحة والمنصّات العدائية دائمةُ الجهوزية لإيجاد كبش محرقة والهجوم عليه. لكنني في الوقت عينه أسأل: النظام الطائفي والزبائني اليوم أعاد تركيبَ نفسه، ونحن في حالة تخبّط وانهزام، فلمَ سيحتاج إلى إنتاج "باكلاش" في لحظةٍ كهذه؟"
انقسام داخلي متعدّد الطبقات
في حين تجد المجموعات النسوية نفسها تصارع محدوديات التمويل التقليدي ونظامًا سياسيًّا طائفيًّا عنيفًا دائمَ التأهّب للهجوم على مَن لا يروقون له، يجد بعضها نفسه إما يشدّد الرقابة على خطابه، أو يصارع ذاته من الداخل، ذلك أن الحركة عمومًا غير مُحصّنة من كلا الشَرَّين – لا من سيادة التمويل التقليدي ولا أدوات النظام السياسي الطائفي العنيفة - فتتحمّل العواقب الداخلية للشرَّين.
يُعلّق الناشط السياسي وعضو شبكة مدى، مروان عيسى، على مسألة التمويل وارتباطه ببعض الإخفاقات الداخلية قائلًا، "إن معظم مبادرات المجتمع المدني، رغم الدور الإيجابي الكبير الذي أدّته، كانت موقّتة في هيكليّتها ولم تساهم في إنتاج حراكات مجتمعية مستدامة. فهي وبقدر ما سعت إلى إدخال مكوّنات “بوتوم-أب” مستدامة وتقاطعية، بقدر ما بقيت مُقيّدة بيروقراطيًّا ومعتمدة على أهواء الأنظمة في بلدان أخرى ]...[ الحاجة اليوم هي أن تكون الرؤية النسوية التقاطعية جزءًا عضويًّا من رؤية أي بيت سياسي جديد على مساحة البلاد، لا مجرّد ملف متفرّق يسقط كإضافة مفروضة".
إلى جانب التحدّيات الآنف ذكرها التي تواجهها المبادرات النسوية وكذلك التنظيمات السياسية الناشئة التي، بحسب عيسى، لم تنجح بعد في إدماج الرؤى النسوية في خطابها وعملها كما ينبغي، يُضاف تحدٍّ وازنٌ آخر أسمتْه الناشطة نادين معوّض بعمليّة "الأسْر" التي تتعرّض لها النسويات في ظل حكم رأسمالية المراقبة التي تحفّز اقتصادَ المنصّات الافتراضية، وبالتالي، العطاءَ الفردي ومنطق التسابق بدلًا من العمل السياسي الجماعي، ما يُعمّق نوعًا من "الباكلاش" الناعم الداخلي، أو حالة من التوتّر المزمنة التي تضرّ بالعمل النسوي وقدرته على التحرّك.
من جهة، حفر المنطق التنافسي لنظامَي رأسمالية المراقبة والتمويل التقليدي، عميقًا في الحركة، "فتمّت برمجتُنا على التنافس"، كما تقول سامانتا إيليّا. ومن جهة أخرى، اتّخذ هذا المنطق أبعادًا إضافية مع بروز انقسامات سياسية جديدة بعد 7 أكتوبر تجاوزت النقاط الخلافية الشائعة في صفوف الحركات النسوية في العالم – وعلى رأس قائمتها قضايا العبور واستئجار الأرحام وشراء الخدمات الجنسية – مضفيةً بذلك طبقةً جديدةً من القطبية التي يُخشى أن تُقلِّص من فرص تشكيل قوى ضغط وازنة وكتلات تفاوض جماعية تؤتي بثمارٍ خيّرة، كما كان متأمَّلًا منها في السابق. وهذا المنطق التنافسي والانقسام السياسي العسير لا يُنتجان قطبيةً داخليةً تؤدّي إلى تعميق تشرذم مكوّنات الحركة النسوية وحسب، إنما إلى نفور بعضها من بعضها الآخر؛ نفورٌ يكاد يلامس حدّ القطيعة والعدائية إزاء الطرف غير المُتَّفق مع توجّهاته السياسية والفكرية.
من وجهة نظر مِهاد حيدر، "هناك نسويات يُعدن إنتاج خطاب الأولويات، كوجوب التحرّر من الإمبريالية أوّلًا لكن مع إغفال قراءة واقعية لأوضاع النساء في المناطق المُهمَلة في ظل الاستعمار وفي ظل حكم الأحزاب والعشائر والطوائف أيضًا. بعد السابع من أكتوبر، أشعر أنّ عزلنا يتفاقم. نتّحد في وجه عدو خارجي، لكن على حساب العمل ضد التآكل الداخلي... المنطق الحالي السائد قبليّ جدًّا، وبالتالي ذكوري جدًّا".
والآن ماذا؟
الآن، "الأولوية هي أن نكون جميعنا OK، صحيًا واقتصاديًا ونفسيًا"، كما تقول ديمة قائدبيه بعبارةٍ بليغة في بساطتها. وتُكمل، "حتى في أسوأ الأزمات، هناك تحوّلات، وأشخاص يعملون، قد لا تظهر ثمار عملهم اليوم، لكننا سنقدّر المحصول لاحقًا".
ولعلّ المقصود بفكرة "أن نكون بخير" لا يعني أن تنبري الواحدة للاعتناء بنفسها والاكتفاء بالتركيز على حاجاتها الشخصية وحسب، نظرًا إلى ما أصاب الذات من إحباطٍ جرّاء العجز الساحق عن تحقيق الحدّ الأدنى من التغييرات المنشودة، أو تبعًا لمنطق العناية بالذات المحكوم بذاك النوع العقيم من الفردانية التي تُروّج لها ثقافة الإفراط في الاستهلاك والانفصال عن الواقع، إنما عناية الأشخاص بعضهم ببعض، قدْر المستطاع، كممارسة بشرية فطرية قديمة حكيمة يُستعان بها في خلال الخضّات الإنسانية الصغرى والكبرى كالتي يختبرها العالم اليوم على الأصعدة الأمنية والمناخية والمعيشية والفكرية، والسعي من خلال تلك العناية وبموازاتها إلى تشكيل مساحات لقاءٍ يجدُ فيها الاختلافُ السياسيّ مُتنفّسًا إمّا يُعيده إلى حجمٍ أصغر من حجمه المُتخيَّل والمتأثِّر بإملاءات الخوارزميات الرقمية والافتراضات المبنيّة عن بُعد، أو يُعطيه ملامحَ وتسمياتٍ أكثر دقّة وربما مجرّد فرصة للتمظهر الواضح، ما يفسح في المجال أمام إمكانيات جديدة للتعامل معه، ولو تكتيكيًا، وفقًا لظروف المرحلة الراهنة.
كما تقول فرانشيسكا الأسمر، هناك حاجة ملحّة للّقاء، واللقاء فقط، "نحتاج إلى بناء ثقة تسمح بالتضامن الحقيقي، بالفعل لا بالنظرية... التواصل اليوم أولوية أكثر من أي وقت مضى".
ولعلّ في ما تستشعره الناشطات المشاركات وغير المشاركات في هذه الورقة ممّن يشدّدن على أهمية تأمين حدّ أدنى من التحاور والتعاضد في هذه المرحلة التاريخية الحسّاسة، شيئًا ممّا استشعرتْهُ سابقًا نسويّات أملنَ في مستقبل أفضل من قلب العتمة، بعد أن عايشنَ صراعاتٍ معقّدة شملت جهودَ التحرّر الوطني ومواجهة الذكورية المتوغّلة في دوائرهن الضيقة والواسعة في آن.
وعلى الرغم من التعقيدات، لم تتوانَ كثيراتٌ منهنّ على امتداد المنطقة عن تأدية أدوارٍ متنوّعة تضمّنت خوض العمل المسلّح المباشر أو دعمه وسط تفاوت القوّة الواضح بين المجموعات المُحارِبة وقوى الاحتلال آنذاك أيضًا؛ وبقين منخرطات في مساحات النقاش حول حقوقهنّ داخل القاعات المغلقة، والمكتبات، والمنازل، ومجموعات العمل التي انتمَين إليها.
لكنّ المفارقة اليوم تكمن في حجم التغييرات العسكرية والتكنولوجية غير المسبوقة التي طرأت على العالم وعلى بلدان المنطقة، وأثّرت في شروط القتال وفي أساليب التضامن نفسه، فتناهت إثر ذلك إلى بعض المهتمّات بالشأن الحقوقي والنسوي أسئلةٌ صعبةٌ حول معنى المواجهة وشكلها اليوم، وحول مسؤولياتهنّ في ظل هذا التداخل المعقّد لهياكل الاضطهاد والاستعمار والتطرّف الديني والبطريركي، وكذلك حول معاني التضامن من منظور العالم الجنوبي غير الراضي لا بالسياسات العالمية ولا بأنظمة حكمه الوطنية والإقليمية القمعيّة.
فهل تشي هذه المرحلة باقتراب اللحظة التي تستوعب فيها نسويات وحقوقيات ضرورة العودة إلى بعض البديهيات، كالنظرية النسوية نفسها، ومحاولة الإجابة عن أسئلة تبدو بسيطة، مثل: ما الذي يجمعنا حقًّا اليوم كنسويات؟ هل ما زال للإطار الفكري النسوي مساحة لا بدّ منها أم أنها باتت ثانوية؟ كيف نتحادث ونختلف؟ أيّ سبلٍ بمقدورنا توظيفها لدعم الأكثر عرضةً منّا للخطر؟ ما شكل التضامن من خارج إطار خوارزميات نظام رأسمالية المراقبة؟ وكيف لا تعود وتأسرنا قنوات التمويل التقليدي؟
باختصار، إنّ هذه المرحلة تتطلّب حدًّا عاليًا ورفيعًا من الوعي والصبر والقدرة على الاستيعاب وإعادة ترتيب بنود الأعمال، ليس بهدف رمي المطالب النسوية، التي يمكن تسميتها بالكلاسيكية، إلى أسفل القائمة، لكن الاستمرار بحملها بما تعنيه لنا وللمتضرّرات من المظالم المتراكمة ضمن السياق الراهن وما يتحتّم على ثقل هذا السياق ودروسه من تغييراتٍ ضروريّةٍ في أساليب العمل التي سادت العقود الثلاثة الماضية وأودت، بقصد وغير قصد، إلى حركاتٍ مشرذمةٍ أكثر منها مجموعاتٍ متماسكة أو متحاورة. على أن يترافق هذا الإدراك مع رؤى حديثة تقودها شابّاتٌ متورّطاتٌ في الشأن السياسي والحقوقي، بعيدات بعض الشيء عن دوّامات الخلافات القديمة داخل الحركات النسوية: رؤى تستجيب للواقع السياسي الحالي الشائك والمُربك وتستثمر أكثر في التشبيك الداخلي والخارجي مع تنظيمات نسوية وسياسية إقليمية ودولية لا تُبرّر الإبادات وتنحاز إلى قوى عنصرية واستعمارية، كما لا تدافع عن أنظمة ومجموعات استبدادية باسم مكافحة الإمبريالية، وتتشارك وإياها هدفَ الدفاع عن ذاك العالم القائم على مبادئ قانونية وأخلاقية عادلة والذي لا ننعيه اليوم لأننا لم نفقده تمامًا كونه ما تحقّق بعد، على أن يكون عالمًا تُلهمه نسويّةٌ لا ترى في الإجرام والاعتداء وجهةَ نظر ولا في الذكورية والعنف مسألة ثقافية تحتمل التأجيل باسم العناوين الكبرى.
وللحديث طبعًا تتمّة، لأن أي تفكيرٍ معمّقٍ في رؤى مستقبلية تُساعد في تعميق فهمِنا لما نعايشه ونعيشه وفي تصوِّر فحوى الفعل السياسي النسوي وشكله المُجدي اليوم، لن يتحقّق بتأمّلات فردية، بل عن طريق تمرينات ذهنية وعاطفية وتخيّلية جماعيّة، من حيثما انطلقت.
ملاحظة: جميع الاقتباسات غير المرفقة بإحالات مباشرة في الحواشي مأخوذة من مقابلات أجرتها الكاتبة مع الأشخاص المنسوبة إليهم، وتُورد هنا بموافقتهم.
تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.