بصفتي مسؤول برنامج التكنولوجيا والمجتمع في مبادرة الإصلاح العربي، لاحظتُ خلال السنوات الثلاث الماضية تصاعداً لافتاً في الاهتمام بالقضايا المتصلة بالتكنولوجيا، ولا سيما منذ صدور الأخبار الأولى عن استخدام إسرائيل أنظمة الذكاء الاصطناعي لتيسير الإبادة الجماعية في غزة. والملف البحثي الذي بين أيديكم هو ثمرة عام كامل من العمل والدعم والنقاش المكثّف حول هذا الموضوع تحديداً. وقد فكّرنا، على امتداد هذا العام، في كيفية وضع أصوات منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في صميم هذا النقاش، بوصفها شريكاً فاعلاً في إنتاج المعرفة، لا مجرّد أصوات لضحايا العنف.
وُلد هذا المشروع عام 2024، حين أصبحت مبادرة الإصلاح العربي مؤسسةً مضيفة لزمالة موزيلا، وبدأت تعاوناً مع ندى كبّاري موسى بهدف توسيع آفاق تفكيرنا النقدي في تقاطع التكنولوجيا والمجتمع في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وتقوم الزمالة على علاقة تبادلية يستفيد منها الطرفان. فنحن في المبادرة نعتزّ بمشاركتنا في مشاريع رئيسية أطلقتها ندى لمواجهة الحرب الخوارزمية، ونقدّر بالقدر نفسه الفرصة التي أتيحت لنا لإعداد هذا الملف، مستفيدين من معرفتها الواسعة وإسهامها الدقيق في بلورة مفاهيمه وتحريرها.
وقد زاد العمل على هذا الملف مع ندى من يقيننا بإلحاح ما نقوم به. فالاكتفاء بالرصد والتوثيق لم يعد كافياً لإحداث التغيير، لا سيما في ظل مصالح راسخة تسعى إلى التوسّع أكثر فأكثر في توظيف التكنولوجيا في الحروب. لذا، علينا أن نُعلي صوت السرديات المضادة، وأن نضع في الصدارة معرفةً جديدة متجذّرة في السياقات المحلية. وبذلك، نضمن أن تولي المقاربات المعتمدة لمعالجة هذه الأزمات الاحتياجات المحلية والفهم المحلي ما يستحقانه من اهتمام.
وطوال مراحل إعداد هذا الملف، عرضنا نتائجنا في مؤتمري موزفست 2025 وخبز ونت 2025، كما نوقشت أوراق منفردة في فضاءات مثل تِك فور بالستاين (Tech for Palestine) وأسبوع جنيف الرقمي (Geneva Digital Week) وكانت الملاحظات في كل مرة متشابهة: هذه الرؤى غائبة إلى حدّ يبعث على القلق، مع أنها تقدّم قراءةً دقيقة وبصيرةً تشتدّ الحاجة إليهما لفهم سياقات كثيراً ما يُتحدَّث باسمها، ونادراً ما يُصغى إلى أصواتها.
غير أن هذه السياقات لا تبقى ساكنة. فقد ازدادت أهمية هذا الملف وإلحاح مضامينه مع مرور الوقت، في ظل التوسّع في استخدام التكنولوجيا للقمع والمراقبة والقتل في منطقتنا. ومع تراجع الاهتمام تدريجياً، في المحافل الدولية، بالاستخدامات الضارة للتكنولوجيا، وإلغاء نقاشات نقدية تحت ضغط دولي، تتعاظم الحاجة إلى معالجة التقاطع بين التكنولوجيا والسلطة.
وقد عايش كتّاب هذا الملف هذا السياق المتغيّر عن كثب. وهم ينتمون إلى خلفيات مختلفة ومهن متنوعة ومجالات خبرة متعددة. ويقدّم كلٌّ من شريف محي الدين وديما سمارو وريم جودي وقسام المنجة وسارة الحناشي وأحمد غصن صورةً واضحة عن كيفية توظيف التكنولوجيا لإلحاق الأذى بالسكان والمساس بكرامتهم الأساسية في ثلاث بؤر توتر إقليمية: لبنان وغزة والسودان. وفي الورقة الختامية، تجمع ندى كبّاري موسى هذه المنظورات وتطلق دعوةً إلى التحرّك. وتنطلق هذه الدعوة من أطروحة جامعة مفادها أن العنف والأذى بنيويّان، وليسا حوادث معزولة أو غير مقصودة أو عشوائية.
وأرجو أن تضعوا في اعتباركم، أثناء قراءة هذه الأوراق، أن هذا الملف ليس شاملاً. فثمة موضوعات كثيرة لم نتمكّن من تناولها لأسباب متعددة، تتراوح بين القيود المالية وتردّد بعض الكتّاب. ومع ذلك، فإن هذه الأوراق تعبّر عن واقع أوسع. وهي تجسّد، قبل كل شيء، حقيقة أن أثمن الأصوات في أي نقاش حول قضايا الشرق الأوسط وشمال أفريقيا هي أصوات أبناء المنطقة أنفسهم. فالرؤى الواردة فيها تستند إلى بحث أكاديمي رصين، كما تستند إلى التجربة المعيشة. وقد وُظّفت هذه الرؤى لصقل العدسات المفاهيمية المستخدمة في تحليل العنف في المنطقة، وإعادة تشكيل فهمنا له. والغاية من ذلك هي نقل عبء المسؤولية بعيداً عن مطالبة الضحايا بحماية أنفسهم، ونحو الفاعلين أنفسهم ومنظومات السلطة الأوسع التي تمكّنهم، بحيث يتحمّلون مسؤولية الحدّ من الأذى.
وما كان لهذا الملف أن يرى النور لولا ساعات لا تُحصى من البحث والمقابلات والنقاشات، ولولا إسهامات من أجرينا معهم المقابلات، والمحرّرين والمترجمين وفريق عمل المبادرة والكتّاب والزملاء الذين تفضّلوا بتقديم ملاحظاتهم القيّمة. يتعذّر علينا ذكركم جميعاً بالاسم، لكنكم حاضرون جميعاً في سطور هذا الملف وفي رسالته. شكراً لكم.
أندرو فيندال-أغناطيوس
منسق برامج رئيسي ومسؤول برنامج التكنولوجيا والمجتمع
مبادرة الإصلاح العربي
تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.