مقدمة
أتاحت الأبحاث المكثفة فهمًا أعمق للآليات التي تضمن بقاء الأنظمة الاستبدادية واستمرارها، لا سيما في ما يتعلق بأدوات القمع والإكراه في العالم العربي الأوسع. كما قدمت الدراسات التي تناولت استمالة النخب الاقتصادية وشخصيات المعارضة أدلة دامغة على الكيفية التي تستوعب بها الأنظمة خصومها المحتملين وحلفاءها داخل المنظومة السياسية للحدّ من التهديدات وتحييد المنافسين. خلال الانتفاضات العربية، لعب الشباب والحركات الاجتماعية التي يقودونها دورًا محوريًا في تحدي الحكم الاستبدادي في المنطقة. وردًا على ذلك، أعادت بعض الحكومات صياغة علاقتها بالشباب الثوري من خلال استيعاب انتقائي لقادة الحركات الاحتجاجية ومجموعات شبابية أخرى، بالتوازي مع قمع من رفضوا الانخراط في هذه العملية. ويعدّ نموذج حركة تمرد في مصر مثالًا بارزًا على ذلك، إذ أسهمت في تهيئة الظروف التي أوصلت عبد الفتاح السيسي إلى السلطة. ومع أن الأدبيات المتعلقة بتطوير الأنظمة الاستبدادية وتجديدها غنية ومتنوعة، فإن العلاقة بين استمالة الشباب وتجدد الاستبداد لا تزال غير مؤطرة نظريًا بشكل كافٍ، كما أن مدى تأثر هذه الاستراتيجية بعمليات «التعلم الاستبدادي» لدى النخب الحاكمة والحكام المستبدين لم يحظَ بالاهتمام الكافي.
ويجسّد تعامل نظام السيسي مع الحراك الشبابي عبر الجمع بين الاستمالة والقمع، مثالًا واضحًا على كيفية تسهيل تجدد الاستبداد. وبينما بقي القمع أداة رئيسية في ترسانة السيسي الاستبدادية، شهدت سياسة استمالة الشباب توسعًا وزخمًا أكبر بعد انقلاب عام 2013، لترسيخ شرعية النظام بين الشباب وتحفيز الولاء لدى أولئك المستعدين لتقديم تنازلات. وساعدت هذه السياسة في توجيه أعداد كبيرة من الشباب نحو أشكال منظمة من المشاركة، تتماشى مع أجندة النظام والتزامه بالإصلاحات النيوليبرالية. ) واحتلت السياسات الشبابية موقعًا محوريًا في هذا المسعى، من خلال برامج ومؤتمرات خُصصت لهذه الفئة. إلى حد ما، تكشف الأدوات المشابهة التي استخدمتها أنظمة عربية أخرى عن استمرارية استراتيجية الاستمالة كوسيلة متجددة للسيطرة على الشباب. ففي مصر ما قبل الثورة في عهد حسني مبارك، وفي تونس ما قبل الثورة في عهد زين العابدين بن علي، مثلت السياسات الشبابية تجسيدًا للحوكمة النيوليبرالية والاستمالة الاستبدادية معًا. فقد قدمت صورة ظاهرية عن إشراك الشباب، بينما كانت في الواقع تخدم أهدافًا نيوليبرالية تسعى إلى إنتاج شباب يعتمدون على أنفسهم ويتبنون قيم السوق.
إلا أن مقاربة السيسي تبدو أكثر طموحًا ووضوحًا. فاستنادًا إلى التجربتين التونسية والمصرية السابقتين، يجادل هذا البحث بأن السيسي استخدم أدوات مألوفة لاستمالة الشباب لضمان استمرارية نظامه. وتتمثل استراتيجيته في استقطاب أكبر عدد ممكن من الشباب وإدماجهم ضمن المشروع السياسي للنظام. عبر التركيز على استراتيجيات استمالة الشباب في عهدي مبارك وبن علي، يسلط البحث الضوء على نقاط الضعف الكامنة في هذه المقاربات. وتكتسب هذه الثغرات أهمية خاصة لأن عجز كلتا الديكتاتوريتين عن احتواء التعبئة الشبابية الواسعة يوفر منظورًا مهمًا لتقييم فعالية سياسات استمالة الشباب اليوم في مصر. وعلى الرغم من أن مقاربة السيسي أكثر طموحًا، فإنها تعيد إنتاج أنماط شهدتها أنظمة سابقة، ما يطرح تساؤلات حول المدة التي يمكن أن تستمر فيها هذه السياسات في فرض السيطرة قبل الوصول إلى نقطة الانهيار.
يبدأ البحث بتحديد مفهوم استمالة الشباب بشكل عام، تمهيدًا لفهم كيفية عمل استمالة الشباب ضمن سياق نيوليبرالي استبدادي والفئات الشبابية التي تستهدفها. ثم ينتقل إلى مقارنة نقاط الضعف في سياسات استمالة الشباب في عهدي بن علي ومبارك، باعتبارها خطوة أساسية لفهم القسم الأخير، الذي يحلل مقاربة السيسي الحالية تجاه الشباب، وما تكشفه من دلائل على التعلم الاستبدادي. ويختتم البحث بنقاش يستعرض هذه الأنماط ويبحث في تداعياتها المحتملة.
فهم الاستمالة: صراع متجدد بين الدولة والشباب
الاستمالة في الديكتاتوريات العربية: تماسك النخبة وأوهام الاستقرار
في كتابه «منطقا الحكم الاستبدادي»، يعرّف جيرشيفسكي الاستمالة بأنها «القدرة على ربط الفاعلين الاستراتيجيين المهمين (أو مجموعة من الفاعلين) بنخبة النظام» عبر وسائل رسمية وغير رسمية. ويُقنَع الفاعل الذي جرى احتواؤه «بعدم استخدام نفوذه لعرقلة النظام» ، بل بتوظيف موارده بما يتوافق مع مطالب النخبة الحاكمة. تشمل آليات الاستمالة الرسمية الأحزاب السياسية والبرلمانات، التي تعمل كـ«حزام نقل» يحافظ على تماسك النخبة ويعزز مصداقية النظام على المدى الطويل. أما الآليات غير الرسمية، مثل شبكات الزبائنية والمحسوبية، فتعمل غالبًا كبدائل للمؤسسات الرسمية.
وفي هذا الصدد، تُعرّف يوشوا الاستمالة بأنها «جميع الإجراءات التي تتخذها النخب الحاكمة بهدف تعزيز و/أو توسيع القاعدة المجتمعية للنظام من خلال منح أفراد أو جماعات اجتماعية مؤثرة مصلحة في استمرار الوضع القائم.» وتحدد أربعة أنواع من الاستمالة التي تستخدمها الأنظمة لتعزيز و/أو توسيع قاعدتها المجتمعية: الاستمالة المؤسسية-الهيكلية، والمادية، والتقليدية، والقائمة على الهوية. تهدف الاستمالة المؤسسية-الهيكلية إلى «دمج الخصوم المحتملين في الساحة السياسية الرسمية» باستخدام مؤسسات مثل البرلمانات والانتخابات والأحزاب السياسية. تعتمد الاستمالة المادية على «توزيع الموارد، خصوصًا المالية منها، على فئات مستهدفة مختلفة». وتعتمد الاستمالة التقليدية إلى التحالفات التاريخية والقديمة، خصوصًا في الأنظمة الملكية، بينما تجمع الاستمالة القائمة على الهوية بين مفهومي الأمة والدين للتأثير في هويات الأفراد وتوجهاتهم.
وبهذه الطريقة، قد يكون المستفيدون من سياسة الاستمالة أعضاءً حاليين في النخبة الحاكمة أو وافدين جددًا مرتبطين بالنظام. ويمكن للأنظمة تعزيز تحالفاتها القائمة أو توسيع قاعدة دعمها، شرط ألا تهمل النخبة التقليدية أو تهمش القاعدة الاجتماعية الأوسع. غير أن الأنظمة الاستبدادية العربية تواجه معضلة معقدة. فبينما يعد توسيع قاعدة المؤيدين ضروريًا لتحقيق الاستقرار العام، فإن الحفاظ على المؤيدين القدامى يمثل تحديًا أكبر، لأن فقدانهم يشكل خطرًا أكبر من الفشل في استقطاب الشباب. فخسارة الفاعلين الذين جرت استمالتهم سابقًا، من ضمنهم النخب الاقتصادية ورجال الأعمال، يزيد احتمال انحيازهم إلى منافسي النظام. لذلك يبقى الحفاظ على القاعدة الأساسية للنظام أولوية دائمة في السياسة الاستبدادية. فيما يأتي توسيع قاعدة الدعم في المرتبة الثانية مقارنة بضرورة إبقاء الفاعلين المميزين الذين جرت استمالتهم تحت السيطرة.
بالنسبة إلى الحكام المستبدين في العالم العربي، انصبّ التركيز عمومًا على إرضاء النخب الحاكمة مع إبقاء المعارضة ومنظمات المجتمع المدني تحت المراقبة والضبط. فمعظم هذه الأنظمة ذات طابع أبوي جديد (نيوباتريمونيالي)، وتعتمد بدرجة كبيرة على مجموعة صغيرة من النخب الموالية. والعلاقة بين الطرفين واضحة: فكما لا تستطيع الشركات ورجال الأعمال العمل من دون موافقة النظام، أصبحت الأنظمة نفسها تعتمد عليهم في بقائها واستقرارها. إن ثقة الأنظمة بنفسها وحرصها على الحفاظ على علاقات القوة القائمة مع النخب التقليدية يجعلانها تميل دائمًا «إلى إعطاء الأولوية لهذه العلاقات، لتتقدم المحافظة على التحالفات القائمة على تقديم تنازلات لمنافسين جدد».
استمالة الشباب، والنيوليبرالية، وصنع «المواطن الصالح»
إلى جانب استرضاء النخب الاقتصادية واحتواء المعارضة، وظفت الأنظمة السلطوية العربية سياسات شبابية ذات طابع نيوليبرالي كوسيلةٍ لاستمالة الشباب. ساعدت هذه السياسات في توجيههم نحو مسارات مشاركة خاضعة للرقابة. صاغت الحكومات خطابها حول قضايا الشباب ضمن منطق سياسي قائم على مرتكزات النيوليبرالية، يشجعهم على أن يكونوا أفرادًا مطيعين ومسؤولين. رُوِّج باستمرار لصورة «الشاب الصالح»، أو ما يسميه عبد الحميد «المواطن الشريف»، عبر وسائل الإعلام وعلى ألسنة نخب الأنظمة العربية. على سبيل المثال، اعتمدت ديكتاتورية بن علي بشكل كبير على خطاب أبوي تجاه الشباب، والذي ردده الوزراء ووسائل الإعلام، خصوصًا خلال الترويج لحملته الانتخابية لعام 2009 تحت شعار «معًا، لرفع التحديات». وكثيرًا ما قدمت خطاباته، التي كانت تُبث بانتظام على قناة «الوطنية» التلفزيونية التابعة لـلدولة، بوصفها سلطة مُوَجِهَة للشباب. ونشأت هذه الاستراتيجية وتطورت على خلفية الترويج العالمي لسياسات الشباب باعتبارها عنصرًا أساسيًا في التنمية النيوليبرالية، وهي عملية قادها المجتمع الدولي.
وأدى تبني الحكومات العربية للنيوليبرالية منذ ثمانينيات القرن الماضي إلى تأثيرات عميقة في المجتمعات، من أبرزها تقليص دور الدولة في قطاعات تنموية رئيسية مثل الرعاية الصحية والتعليم والتوظيف. ولكي تعمل الإصلاحات النيوليبرالية من دون التسبب في اضطرابات اجتماعية، صُوِّر الشباب بشكل متزايد على أنهم شركاء في عملية التنمية العالمية، وأُخضِعوا لسياسات تعزز قيم السوق وأنماط التفكير المرتبطة به. كما توضح ميسون سكرية، يهدف هذا المشروع الحوكمي إلى تدريب الشباب على «التصرف والتفكير كأفراد نيوليبراليين رياديين يؤمنون بالسوق الحرة»، وهو ما يتجاوز اكتساب المهارات ليشمل السلوكيات والمواقف والقيم والأيديولوجيات. كما يرتكز هذا التصور على فكرة مضللة مفادها أن السوق الحرة متاحة للجميع على قدم المساواة. ويُقَدَم الحراك الاجتماعي بوصفه نتيجة للمهارات الفردية، متجاهلًا التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية المؤثرة في الواقع.
وبدعم من المجتمع الدولي، مكنت السياسات الشبابية النيوليبرالية الحكام المستبدين العرب من إظهار أنفسهم بمظهر المستجيب لمطالب الشباب. كما استقطبت فئات شبابية مختلفة إلى فلك النظام، فتفاعلت كل مجموعة مع الفرص المتاحة بطرق متباينة. وفي دراستها للسياسة المصرية، تصنف نادين سيكا الشباب المشاركين في المساحات المؤسسية وفقًا لعلاقتهم بالنظام واستراتيجياتهم في الانخراط. مع استمرار تغير الخطوط الحمر في الأنظمة الاستبدادية، تتغير أيضًا حدود المشاركة السياسية، ما يجعل بعض الشباب الذين كانوا يومًا مطيعين وموالين عرضةً للاستهداف لاحقًا. وتضم إحدى هذه الفئات شبابًا يقبلون بالأمر الواقع، ويتبنون خطاب المسؤولين الحكوميين، ويساهمون في إعادة إنتاج الاقتصاد السياسي الاستبدادي. وتطلق سكرية على هؤلاء تسمية «النخب العربية العالمية الجديدة». فكثير منهم يواصل ممارسات الحرس القديم، ويكونون غالبًا أبناء أو أحفاد النخب التقليدية، لكن ضمن إطار الدولة النيوليبرالية لا دولة الرفاه. وبعضهم يمثل ما يمكن وصفه بالأوليغارشية الشبابية الريادية في الأنظمة الاستبدادية العربية، إذ يدفع باتجاه إصلاحاتٍ موجهة نحو السوق مع الحفاظ على استمرارية النخبة الحاكمة. أما الفئة الثانية فتضمّ شبابًا يسعون إلى تحقيق إصلاحات اجتماعية وسياسية ضمن الحدود المرسومة من قبل النظام، ويحاولون إحداث تغيير تدريجي. وينخرط هؤلاء في منظمات المجتمع المدني والمبادرات والبرامج التي يتسامح معها النظام. وتوجد فئة ثالثة من الشباب ترفض سياسات الدولة أو تبقى مهمشة داخل هذه الفضاءات، وبالتالي تُصوَّر إما بوصفها فئة هشة تحتاج إلى الرعاية أو تهديدًا للدولة.
ولضمان استمرار استمالة الشباب، تعتمد الحكومات على خطاب سياسي قوي. فتُضَخَّم صورة «الشباب الصالح» باستمرار لأنها تؤكد الوحدة والتجانس كأساس للذاتية السياسية المشروعة والفعل السياسي المقبول. وكما تذكرنا فينر، فإن جذور الاستمالة تكمن في بعدها الخطابي، إذ إن «الاستمالة لا تُحيّد الخصوم عبر عمليات 'مادية' يكون الخطاب مجرد انعكاس لها، فالخطاب عينه هو الذي يؤدي هذا الدور.» وفي خطاب يوم المعرفة عام 2010، شدد بن علي على ضرورة «تكوين أجيال تتميز بالكفاءة والطموح والروح الوطنية العالية»، معتبرًا أن ذلك هو السبيل إلى «بناء مستقبل البلاد». ومن خلال خطاباته يتضح تعريفه لـ«الشاب الصالح»: شاب مخلص للوطن، مجتهد، قابل للتوظيف، ويتمتع بالكفاءة والطموح. وبالمثل، خلال الدورة الخامسة والستين للجمعية العامة للأمم المتحدة، وصف وزير الخارجية التونسي آنذاك كمال مرجان الشباب بأنهم «ركائز الحاضر وبناة المستقبل»، مستعرضًا الجهود التي تبذلها الدولة لإعدادهم لهذا الدور. وأشار إلى «تنظيم مشاورات دورية ومنتظمة للشباب على المستوى الوطني لاستطلاع اهتماماتهم وتطلعاتهم وآرائهم»، على الرغم من أن الواقع لم يكن يعكس ذلك. لكن سعى الخطاب إلى تقديم الحكومة التونسية أمام المجتمع الدولي بوصفها دولة تقدّر شبابها وتعمل على تمكينهم. وعلى الرغم من أن خطاب تمكين الشباب يبدو مشجعًا وبريئًا في ظاهره، فإن رسالته الضمنية تكون غالبًا أكثر إقصائية. فهو يستبعد الشباب المتمردين أو المزعجين للنظام أو الرافضين للسلطة، ويقدم المشاركة في المساحات التي ترعاها الدولة باعتبارها شكلًا من أشكال التمكين. كما يصور المشاركين فيها على أنهم مبتكرون قادرون على حل المشكلات وشركاء أساسيون في صنع المستقبل، بينما يبرر تهميش وقمع أولئك الذين يرفضون الانخراط ضمن هذه الأطر.
لماذا فشلت استمالة الشباب في مواجهة الانتفاضات العربية؟ تقييم لحالتي تونس ومصر
كانت تونس ومصر، اللتان وصفتا بـ«النمرين الاقتصاديين» في عصر الحقبة النيوليبرالية الصاعدة بقيادة بن علي ومبارك، أول بلدين تجتاحهما موجة الثورات العربية. وفي الوقت عينه، راهن كل من التجمع الدستوري الديمقراطي (RCD) في تونس والحزب الوطني الديمقراطي (NDP) في مصر على دعم أعضائهما الشباب، إلا أن هذا الدعم تبين أنه هشّ خلال الانتفاضات العربية. على مدى أعوام، اعتمد بن علي ومبارك على مزيج من الاستمالة والقمع. لكنهما أخفقا في وقف التعبئة التي قادها الشباب مع تزايد شعورهم بالإحباط من أوضاعهم. احتج الشباب على البطالة، وانعدام المساواة الاجتماعية والاقتصادية، وتدهور النظام التعليمي الذي قوّض الوعود النيوليبرالية التي ادعت الأنظمة تحقيقها. ومع مرور الوقت، فقدت سياسة الاستمالة فعاليتها، لأن ما بدا ظاهريًا سياسات شاملةً للشباب كان في الواقع يعاني أوجه قصور جوهرية. ويتناول هذا القسم أسباب إخفاق سياسة استمالة الشباب في تحصين النظامين ضد الثورة، ومنها الفجوة المستمرة بين الخطاب والواقع، وغياب الاستمرارية والتماسك في السياسات الشبابية، وعدم المساواة في الوصول إلى الفرص بسبب سياسات المحسوبية والزبائنية والفساد.
اشتركت الديكتاتوريتان في عيبٍ أساسي تمثل في اتساع الفجوة بين ما وعدت به الأنظمة وما اختبره الشباب فعليًا. تبنى النظامان خطابًا أبويًّا يفترض أن الشباب بحاجة إلى توجيه من «عقول أكثر حكمة» لكي يسلكوا الطريق الصحيح ويحققوا كامل إمكاناتهم. وصُوِّر الشباب إما بوصفهم «أمل الأمة» أو باعتبارهم «تهديدًا» يجب احتواؤه من خلال الحماية أو القمع. غير أن التفاؤل الذي ولده هذا الخطاب تلاشى مع الزمن. فعلى أرض الواقع، استُخدِمَت لغة إشراك الشباب وتمكينهم، القائمة على وعود بالتمثيل السياسي والترقي الاجتماعي والاقتصادي، كوسيلة لاستمالة الشباب وإظهار صورة «صديقة للشباب» أمام المجتمع الدولي. كما شكلت أداة ملائمة لتقديم القضايا باعتبارها خارجة عن نطاق سيطرة الحكومة، وبالتالي تحميل الشباب مسؤولية التعامل معها.
في تونس، قدّم بن علي نفسه على أنه «رئيس الشباب»، ويساعدهم على نيل «مكانتهم المستحقة في الوطن». وصوّر خطابه الشباب التونسيين بوصفهم مواطنين صالحين قيد التشكّل، يُتوقع منهم المساهمة في حل مشكلات البلاد. وعكس هذا التصور منطقًا نيوليبراليًا يقوم على نقل المسؤولية إلى الشباب أنفسهم بدلًا من الدولة. وكما أكد بن علي في أحد خطاباته: «إن الواقع يفرض علينا أن نصغي باستمرار إلى شبابنا في عالم دائم التغير، [...] وأن نُعِدَّهم ليصبحوا مواطنين ناضجين مسؤولين عن أوطانهم وعالمهم.» وبالمثل، ربط مبارك إنشاء وزارة للشباب بتنامي الاهتمام بـ«مستقبل الأجيال الواعدة» التي تحتاج إلى الدعم لكي تنجح في العالم الحديث. ووعد بالتخلص من «القيود البيروقراطية التي تخنق المواهب وتقوّض الطموح النبيل» لدى الشباب. وفي حين ساعد هذا الخطاب على استقطاب أعداد كبيرة من الشباب إلى جانب النظامين، إلا أنه وسّع نطاق الاعتراضات عليهما.
بقيت الديكتاتوريتان عالقتين في حلقة خطابية مفرغة، وفشلتا في إحداث تغييرات حقيقية لمعالجة قضايا الشباب أو توفير فرص ملموسة للحراك الاجتماعي. كما افتقرت عملية التخطيط للسياسات الشبابية وتنفيذها إلى التماسك والرؤية الاستراتيجية طويلة الأمد. في مصر، أطلق مبارك أول سياسة وطنية للشباب عام 2003، انسجامًا مع أهداف الأمم المتحدة الإنمائية للألفية. ركزت السياسة على التوظيف والمشاركة السياسية والرياضة والأنشطة الاجتماعية، واستهدفت العاطلين عن العمل والشابات والشباب ذوي الاحتياجات الخاصة وسكان المناطق الريفية. وعلى الرغم من الاهتمام الظاهر بقضايا الشباب، أخفق صانعو القرار في تخصيص ميزانيات أو تقديم خطط تنفيذية حقيقية لتطبيق هذه السياسات ، لتتحول إلى أداة دعائية تهدف أساسًا إلى إبراز صورة النظام بوصفه داعمًا للشباب أمام المجتمع الدولي. أما في تونس، فتشير الباحثة إيما مورفي إلى أن أحد أبرز أوجه القصور في مقاربة بن علي تمثّل في غياب سياسة شبابية متماسكة وواضحة المعالم. فقد ركزت البرامج والدورات التدريبية التي سمحت بها الأنظمة إما على معالجة أعراض قضايا الشباب أو على تقديم حلول مؤقتة لتخفيف تحديات الاندماج الاقتصادي النيوليبرالي. على سبيل المثال، بذلت الحكومة التونسية جهودًا لمعالجة بطالة الشباب عبر برامج سوق العمل النشطة (ALMPs). وكانت هذه البرامج تهدف إلى تعزيز قابلية الشباب للتوظيف من خلال خدمات الإرشاد المهني والمساعدة في البحث عن عمل والتوفيق بين الباحثين عن العمل وأصحاب العمل. غير أن الوعي بهذه البرامج والمشاركة فيها بقيا محدودين بين الشباب التونسي بسبب طابعها المركزي الشديد وافتقارها إلى الجذور المحلية.
في تونس ومصر، أدرك الشباب أن الوصول إلى الفرص غالبًا ما كان يعتمد على العلاقات الشخصية مع الحزب الحاكم، في انعكاس مباشر لتأثير المحسوبية والزبائنية والفساد. فالمنافع الممنوحة للشباب كانت مشروطة بالولاء السياسي، ما دفع كثيرين إلى الانضمام إلى الأحزاب الحاكمة على مضض. ومع ذلك، لم يكن الانتماء إلى الحزب الحاكم يضمن دائمًا الوصول إلى الفرص والمزايا. في مصر، يوضح الباحث يوسف ورداني أنه على الرغم من الخطاب الرسمي الداعي إلى دعم جميع الشباب بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية، فإن الشباب كانوا يدركون أن مستقبلهم يتوقف على طبيعة علاقاتهم بمسؤولي الحكومة والحزب الوطني الديمقراطي. لذلك انضم كثيرون إلى الحزب أو إلى منظمات ومؤسسات مرتبطة بالدولة مثل «جمعية جيل المستقبل»، التي ترأسها جمال مبارك، أملًا في دخول دوائر صنع القرار أو تحسين فرصهم الاجتماعية.
وفي تونس، أدرك مسؤولو بن علي أن توسيع نفوذهم داخل الجامعات أمر بالغ الأهمية. ومنذ وصوله إلى السلطة، ارتكزت استراتيجيته على تعزيز بنية حزب التجمع الدستوري الديمقراطي (RCD) واستمالة النشطاء الطلابيين المؤثرين. انضم بعض هؤلاء إلى الحزب بدوافع انتهازية، بسبب الحوافز المغرية، التي تراوحت بين تسهيلات السكن الجامعي والرحلات المجانية والعطلات المدعومة وغيرها من الامتيازات. كما استُخدِمت القروض كوسيلة لجذب الخريجين الشباب للانضمام إلى صفوف الحزب. فتحوّل البنك التونسي للتضامن، الذي أنشئ أساسًا لدعم ريادة الأعمال والمشاريع الصغيرة للشباب، إلى أداة للسيطرة السياسية والاستمالة. فكانت القروض تُمنح بصورة رئيسية إلى أعضاء الحزب الحاكم (RCD) أو إلى من يرغبون في الانضمام إليه. ومع ذلك، لم يكن الانتماء إلى الحزب كافيًا دائمًا لضمان الحصول على الوظائف أو الامتيازات. كما كان الحال بالنسبة إلى المحامين الشباب. فقد كانت القيادة الحزبية انتقائية بشأن المحامين الذين يمكنهم الاستفادة من الأعمال الممولة من القطاع العام. اشتكى المحامون الشباب المنتمون إلى الحزب RCD من احتكار قلة من المحامين المقربين الأعمال الممولة من الدولة وتمثيل الإدارات والشركات الحكومية. وكان عليهم إثبات ولائهم عبر المشاركة في الأنشطة الحزبية أملًا في كسب رعاية أحد كبار المسؤولين أو، في حالاتٍ نادرة، بن علي وعائلته. ومع مرور الوقت، تزايد إحباط هؤلاء المحامين الشباب في الحزب. وحين أضرب زملاؤهم بين كانون الأول/ديسمبر 2010 وكانون الثاني/يناير 2011، لم يسعوا إلى مواجهة الإضراب أو الدفاع عن الحزب، بل أبدوا لامبالاة واضحة تجاهه بسبب ضعف موارد الرعاية السياسية وغياب المنافع الموعودة. وهكذا، تآكلت قدرة النظام على ضمان ولاء حتى أولئك الذين استمالهم سابقًا، ما ساهم في إضعاف ركائزه الاجتماعية عشية الثورة.
استمالة الشباب في مصر: ما الذي تغير حقًا اليوم؟
مثل سلفه حسني مبارك، وكغيره من القادة الاستبداديين، يستخدم السيسي استمالة الشباب كأداة لتثبيت نظامه وترسيخ سلطته. وتوفر السياسات الشبابية التي تُفرض من أعلى إلى أسفل قنوات منظمة للمشاركة السياسية تتوافق مع أولويات الدولة. وتشكّل البرامج الشبابية والمؤتمرات والمنظمات التي تقودها الدولة ركائز أساسية لهذه الاستراتيجية، إذ تروج لأجندة الإصلاح النيوليبرالي. تنتشر روايات ريادة الأعمال والابتكار في كل مكان، وتصور الشباب بوصفهم أصحاب مبادرات قادرين على حلّ المشكلات الوطنية. على الرغم من التشابه في الخطاب، فإن السيسي أكثر طموحًا في توظيف الاستمالة كجهد منظم يهدف إلى استيعاب أكبر عدد ممكن من الشباب ضمن المشروع السياسي للنظام، بالتوازي مع مواصلة قمع أولئك الذين يرفضون الاندماج فيه. في القسم التالي، أبحث كيف يبني السيسي، في استمالة الشباب، على الاستراتيجيات التي اعتمدتها الأنظمة السابقة، لكنه يضيف إليها أهدافًا جديدة، أبرزها صناعة صورة جديدة للشباب تُباعد بينهم وبين «شباب الثورة»، واستخدام استمالة الشباب لاستبدال الطبقة السياسية التقليدية بجيل من السياسيين الشباب الموالين له.
يعتمد نظام السيسي على خطاب داعم يمنح الشرعية لسياساته الشبابية من خلال الترويج لنموذج «الشباب الصالح» المنسجم مع أجندته النيوليبرالية. وهذا الخطاب ليس جديدًا. ففي عهدي بن علي ومبارك، صُوِّر الشباب بوصفهم «أمل الأمة»، وتم توجيههم ليصبحوا مواطنين مسؤولين قادرين على مواجهة تحديات بلدانهم. إلا أن السيسي، بعد انتفاضات الربيع العربي، تبنى بصورة أعمق الخطاب المناهض للثورة وطبقه بصرامة أكبر. بدأ هذا الخطاب مع المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي حذر «المواطنين الشرفاء» من الأخطار الداخلية والخارجية. وترى الباحثة أميرة عبد الحميد أن الخطاب الرسمي للدولة قدّم مصر خلال الثورة المصرية بوصفها «دولة مهددة». ويشير هذا التصور أيضًا إلى أن الدولة تنظر إلى كل من لا يندرج ضمن نموذج «المواطن الشريف» بوصفه تهديدًا، من ضمنهم المثليون وشباب الثورة. وتشرح عبد الحميد أن هذا النمط من الحكم يشجع أنماطًا من المواطنة الطموحة التي تعمل في جوهرها على تقويض إمكانات التضامن بين الفاعلين المختلفين.» ويواصل السيسي البناء على هذا الخطاب. إذ يحمّل «الفوضى» التي تسبب بها شباب الثورة مسؤولية تدهور الأوضاع الاقتصادية. ويؤكد أن «ريادة الأعمال هي مفتاح المستقبل. نحن بحاجة إلى شباب مبدعين ويفكرون خارج الصندوق ومبتكرين قادرين على حل المشكلات. هكذا سنبني مصر أفضل.» ويؤدي التركيز على الخطابات العالمية المرتبطة بريادة الأعمال والابتكار إلى تحميل الشباب المسؤولية الأساسية عن بناء «مصر الجديدة»، بغض النظر عن العوائق الاجتماعية والاقتصادية التي يواجهونها، ما يضفي شرعيةً على الإصلاحات النيوليبرالية التي أسهمت أصلًا في هشاشة أوضاعهم. كما تجند الدولة المؤثرين لنشر هذا الخطاب، مانحةً إياهم ألقابًا فخرية وحوافز مالية لتعزيز الولاء للنظام.
في عهد التجمع الدستوري الديمقراطي (RCD) في تونس والحزب الوطني الديمقراطي (NDP) في مصر، كان الحزب الحاكم الركيزة المركزية للنظام والقناة الرئيسية لاستمالة الشباب. على سبيل المثال، شكّل جناح الشباب في التجمع الذراع الشبابية للحزب الحاكم في تونس. ولعب دورًا مركزيًا في التنشئة السياسية واستمالة الشباب. أما في ظلّ حكم السيسي، فلم يعد الاعتماد قائمًا على حزب مهيمن؛ بل صُممت سياسات الشباب لبناء ما يسميه الباحث سلام «الجهاز السياسي الشبابي». ومنذ عام 2014، أطلق السيسي سلسلة من المبادرات الموجهة للشباب، شملت برامج إعداد القيادات ومؤتمرات شبابية مثل «ابتكر! تقدم!» و«منتدى الشباب العالمي»، التي سُوِّقَ لها باعتبارها مساحات للحوار والتواصل وتبادل المعرفة بين الشباب والشخصيات العامة. كان لهذه المبادرات هدفان رئيسيان. الأول هو إنشاء شبكة من الأفراد الموثوقين عبر منحهم فرصًا للمشاركة من خلال قنوات تسيطر عليها الدولة. أما الهدف الثاني فهو بناء قاعدة شبابية مؤهلة تساعد النظام على الحد من التعبئة الشعبية، وبالتالي تعزيز الاستقرار السياسي.
وفي هذا الإطار، مثّل حزب «مستقبل وطن»، الذي خرج من رحم الحملة الانتخابية للسيسي عام 2013، منفذًا سياسيًا رسميًا لخريجي هذه البرامج. ويكشف الحزب عن طموح السيسي إلى استبدال الطبقة السياسية التقليدية بجيش من السياسيين الشباب الموالين له، وهي استراتيجية لم تحقق النجاح المأمول. ففي عام 2016، أطلق «البرنامج الرئاسي لتأهيل الشباب للقيادة» (PLP)، ضمن فعاليات «عام الشباب». واستهدف البرنامج إعداد «قادة شباب قادرين على فهم الحوكمة والإدارة السياسية وتنمية مهارات التفكير النقدي والتحليلي.» بعد ذلك بعامين، في 2018، عيّن السيسي ستة من خريجي البرنامج نوابًا للمحافظين، في إطار استراتيجية وطنية لإشراك الشباب في صنع القرار. كما أُنشئت «الأكاديمية الوطنية للتدريب» (NTA) عام 2017، بوصفها امتدادًا للبرنامج الرئاسي، مستلهمةً النموذج الفرنسي. وتهدف الأكاديمية إلى إعداد كوادر وطنية مؤهلة تقود التغيير وتنشر قيم القيادة والابتكار، عبر برامج تدريبية تتوافق مع أولويات الدولة وخططها التنموية. وكان السيسي يأمل من خلال هذه المنظومة في بناء ذراع سياسية داعمة له عبر حزب مستقبل وطن (MWP)، إلا أن الحزب بقي عمليًا أداة سياسية احتياطية للنظام أكثر منه مؤسسة للحكم الفعلي.
على الرغم من إعلان النظام أن هذه المبادرات تستهدف جميع الشباب المصريين بغض النظر عن خلفياتهم، إلا أن الواقع كشف عن محدودية هذا الادعاء. فتفاوتت فرص المشاركة تبعًا للخلفيات الاجتماعية والاقتصادية، فكان شباب الطبقة الوسطى العليا الأكثر حضورًا، إلى جانب أولئك المنخرطين مسبقًا في المبادرات الاجتماعية أو منظمات المجتمع المدني. وأشارت الباحثة سيكا إلى أن معظم المشاركين في المؤتمرات جاؤوا من خلفيات ميسورة نسبيًا. فيما أوضحت فرح رمزي أن هذه البرامج استهدفت جمهورين مختلفين: بالنسبة إلى شباب الطبقة الوسطى العليا، وفرت فرصًا لبناء العلاقات واكتساب خبرات مرموقة وفرصة التأثير في السياسات العامة، وفي الوقت عينه، أتاحت لشباب الطبقة الوسطى الدنيا، فرصًا للتدريب والخبرة العملية والتواصل، وفرص عمل محتملة. ومع ذلك، بحلول عام 2021، أُقصي معظم الشباب من مراكز القيادة داخل حزب «مستقبل وطن»، وعاد أعضاء الحزب الوطني السابقون للهيمنة عليه، بعدما استعان بهم النظام لحشد الدعم للسيسي لولاية ثانية عام 2018.
يقدم تعامل نظام السيسي مع الحراك الشبابي مثالًا واضحًا على كيفية تجدد الاستبداد وتكيّفه مع السياقات السياسية الجديدة. وعلى الرغم من استمرار عناصر عديدة من سياسات بن علي ومبارك، فإن السيسي طوّر نموذجًا أكثر وضوحًا، يقوم على إنتاج شباب يتبنون قيم التنافسية والمسؤولية الفردية والاعتماد على الذات. وقد نظر كثير من الشباب إلى برامج مثل البرنامج الرئاسي والأكاديمية الوطنية باعتبارها مسارًا للترقي الاجتماعي، لا سيما بين أبناء الطبقة الوسطى العليا والمنخرطين مسبقًا في العمل المدني.
لكن بخلاف أساليب أسلافه، لا تتمحور استراتيجيته حول دعم حزب سياسي مهيمن، بل حول بناء حضور مباشر للنظام داخل المجتمع. وبذلك، يُقدَّم الشباب المشاركون بوصفهم جيلًا جديدًا منخرطًا سياسيًا، مؤيدًا للدولة ومختلفًا عن شباب الثورة. هذه الاستراتيجية لم نشهدها في عهد بن علي أو مبارك. وشكّل حزب «مستقبل وطن» الإطار السياسي الرسمي لهذا التوجه، لكنه انتهى إلى تهميش الشباب أنفسهم الذين استعان بهم النظام لتعزيز موقعه السياسي في انتخابات 2018.
ما الذي تغير حقًا اليوم؟ في الواقع، لم يتغير الكثير. فاستمالة الشباب في عهد السيسي، في نهاية المطاف، ليست جديدة في جوانب عديدة. في جوهرها، لا تهدف السياسات الشبابية الحالية إلى تحسين مستويات معيشة الشباب المصريين على اختلاف خلفياتهم الاجتماعية والاقتصادية، بقدر ما تسعى إلى تحييد الشباب الثوري وتقديم صورة صديقة للشباب أمام المجتمع الدولي. ويُحتفى بالشباب بوصفهم «أمل مصر» فقط ما داموا أفرادًا منضبطين، نيوليبراليين، ووطنيين وفق تعريف الدولة. وعلى الرغم من نجاح السيسي في بناء واجهة من الشرعية، فإنها تستند إلى القمع الشديد عند أول إشارة إلى المعارضة. ومع استمرار تغير الخطوط الحمر، قد يجد حتى الشباب الذين أظهروا الولاء والامتثال أنفسهم مستبعدين أو مهمشين متى لم يعودوا يخدمون أجندة النظام.
الخلاصة
لا تزال الاستمالة تشكل أداة مهمة في ترسانة الأنظمة الاستبدادية العربية. ففي عهدي بن علي ومبارك، نجحت استمالة الشباب في جذب أعداد كبيرة من الشباب إلى فلك النظامين. ومع ذلك، كانت مصر وتونس من أوائل البلدان التي اجتاحتها الانتفاضات العربية. ويكمن الرابط بين فشل استمالة الشباب وضعف السياسات الموجهة إليهم في الفجوة بين الوعود التي تطلقها الأنظمة والواقع الذي يعيشه الشباب فعليًا. فقد أتقن الحكام الدكتاتوريون فنّ الخطاب. إذ صُوّر الشباب في الإعلام والخطابات الرسمية بوصفهم «أمل الأمة» وحملة مستقبلها والمسؤولين عن حل مشكلاتها. نجح هذا الخطاب في استمالة الشباب الراغبين في الدفع نحو إصلاحات اجتماعية وسياسية ضمن الحدود المسموح بها، مع محاولة إحداث تغيير تدريجي. فانخرط بعضهم في منظمات المجتمع المدني، وشاركوا في مبادرات وبرامج حظيت بتسامح السلطة. كان من السهل استيعاب فئات أخرى من الشباب الميسورين الذين قبلوا الوضع القائم، وتبنوا خطاب المسؤولين الحكوميين، واستفادوا من إعادة إنتاج الاقتصاد السياسي الاستبدادي.
لكن الخطاب عينه الذي ساهم في تقريب كثير من الشباب من مؤسسات الأنظمة، وسّع في الوقت عينه نطاق الاعتراض عليها. فتحولت السياسات الشبابية إلى أدوات خطابية وتنفيذية استخدمتها هياكل السلطة الوطنية والعالمية لإعادة إنتاج الأيديولوجيات النيوليبرالية أو ترسيخ الهيمنة السياسية. وبدا أن الحكومات مهتمة بشكل كبير بقضايا الشباب، كما ظهر في أول سياسة وطنية للشباب في مصر عام 2003، التي تتوافق مع أهداف الألفية الإنمائية لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، أو في سياسات التوظيف التونسية القائمة على برامج سوق العمل النشطة. غير أن هذه المبادرات اتسمت غالبًا بسوء التصميم وضعف التمويل والمركزية المفرطة. وعندما حققت بعض الصدى، كان تأثيرها يتركز أساسًا بين شباب الطبقات الوسطى العليا في المدن.
كما أن البرامج التي استهدفت استمالة الشباب كشفت حدود التزام الأنظمة بحلّ قضاياهم. قد ينخرط الشباب في البرامج التدريبية والمبادرات الرسمية أملًا في تحقيق الحراك الاجتماعي، لكن حين تتبين لهم محدودية هذه الحوافز وطابعها الرمزي والمؤقت، تنكشف هشاشة الوعود الرسمية. وتبرز هنا حالة المحامين الشباب المنتمين إلى حزب التجمع الدستوري الديمقراطي في تونس. فبدلًا من دعم الحزب، أبدوا لامبالاة بسبب أعوامٍ من التمييز وضعف شبكات الرعاية والمحسوبية، ما يشير إلى أن الولاء السياسي يمكن أن يتآكل بسرعة كبيرة. وهذا لا يقوض شرعية عملية الاستمالة فحسب، بل يمكن أن يسهم أيضًا في إحباط الشباب، ودفعهم إلى الابتعاد عن الفضاءات الرسمية والبحث عن أشكال بديلة من المشاركة، من ضمنها الأشكال الاحتجاجية التي ظهرت خلال الانتفاضات العربية.
يواصل النظام المصري فرض رقابة صارمة على الشباب والمجتمع من دون وجود أي جهة وسيطة فاعلة. فالسيسي يحكم في غياب حزب حاكم مهيمن، وفي ظل معارضة منهكة للغاية، ومنظمات مجتمع مدني مهمشة، ونقابات عمالية تعمل تحت قيود صارمة للغاية. لذلك يبقى النظام معتمدًا على القمع الشديد وإغلاق جميع قنوات التعبير السياسي والمعارضة. على الرغم من استراتيجيته لاستمالة الشباب عبر المؤتمرات والبرامج، إلا أنه لم ينجح بعد في بناء قاعدة قوية لنظامه خارج الجهاز الأمني الذي يحميه. كان ذلك واضحًا، نظرًا لأن النظام لم يتردد في التخلي عن أعضاء البرنامج الرئاسي لتأهيل الشباب للقيادة بمجرد انتفاء الحاجة إليهم. في الوقت عينه، لا تزال مصر تواجه تحديات اجتماعية واقتصادية عميقة، تتجسد في الفساد المستشري والمحسوبية وعدم المساواة وهيمنة المؤسسات العسكرية على الاقتصاد. منذ بدء الإبادة الجماعية في غزة، شهدت الجامعات المصرية احتجاجات عفوية تعد من أولى الحركات الطلابية في العامين الماضيين. كما سُجِّلت احتجاجات متفرقة في المساجد والساحات العامة، قبل أن تبادر الدولة إلى قمعها واعتقال المئات من المشاركين فيها. كذلك تعثر أسطول الصمود من أجل غزة بعد اعتقال أو ترحيل العديد من النشطاء. على الرغم من محدودية هذه التحركات، فإنها تشير إلى عودة خجولة للاحتجاج والعمل العام. وعلى الرغم من أن هذا الحراك لا يزال هامشيًا، إلا أن مجرد ظهوره كان سيبدو مستبعدًا قبل سنواتٍ قليلة. وتفتح الشقوق التي بدأت تظهر في واجهة النظام مساحةً محدودة من الأمل، لكنها تحتاج إلى وقت وجهد لكي تتحول إلى واقعٍ ملموس. على الرغم من هزيمة الانتفاضات العربية، فإن الحديث اليوم عن احتمال اندلاع موجة جديدة من التغيير يستند إلى خبرات وتجارب سابقة يمكن البناء عليها والتعلم منها.
تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.