مقدمة
قبل كتابة هذا المقال، سألت على صفحتي العامة على فيسبوك: "منذ سقوط النظام السوري، من هن النساء اللواتي استُهدفن بحملات الكراهية الإلكترونية؟" فجاءت الردود سريعة وكاشفة. كتبت ثماني نساء: «أنا». وكتبت أخرى: «كلنا». وطلبت ثالثة تصحيح السؤال قائلةً: «عليك أن تسألي. من لم تتعرض للهجوم؟»
في أعقاب انهيار نظام الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، أصبحت الفضاءات الرقمية – ولا سيما فيسبوك وتيليغرام – شديدة الاستقطاب، ومتقلبة، وغير آمنة على الإطلاق، خصوصاً بالنسبة إلى من يتحدّين السرديات الاجتماعية والطائفية والسياسية المبسّطة والثنائية. على مدى عقود، شلّ الخوف من «المخابرات السورية»، التي كانت تسجن الناس في السابق بسبب «إعجاب» واحد على فيسبوك، السوريين/ات وأبقاهم/ن تحت السيطرة. أما اليوم، بعد أن تلاشى هذا الخوف، اندفع الكثير إلى وسائل التواصل الاجتماعي للتعبير بحرية. لكن خوض تجربة الحرية الجديدة هذه، يتم دون ضوابط أو رقابة أو آليات حماية.
إذ لا تزال العديد من المساحات الإلكترونية تعيد إنتاج نفس الديناميكيات التي يدعي النشطاء الأوائل معارضتها، من ضمنها إسكات الأصوات، ونزع الإنسانية عن الآخرين، والطائفية، وكراهية النساء، إضافة لفرض قيود على الآراء المقبولة اجتماعيًا.
منذ سقوط النظام، تابعتُ حملات تشويه إلكترونية منسّقة استهدفت 20 امرأة سورية من مختلف المجالات المهنية، فتعرّضت كل واحدة منهن للهجوم تحت ذرائع مختلفة. وتعتمد هذه الاعتداءات على الأساليب المعروفة والموّثقة في الأدبيات العالمية عن تشويه السمعة رقميًا: من استخدام لغة جنسية مهينة، وتهديدات صريحة بالاغتصاب، ونشر صور من دون موافقة صاحباتها، إلى جيوش إلكترونية منظمة تُغرِقُ حساباتهن بخطاب الكراهية والإهانات القائمة على أساس النوع الاجتماعي. وبشكلٍ متزايد، تُدعَّم هذه الأساليب بحملاتٍ تضليلية مولَّدة بالذكاء الاصطناعي ومبنية على أساس جندري، تُصمّم بدقة لتدمير سمعة النساء. كما تسمح خوارزميات التفاعل في منصات التواصل الاجتماعي للجهات المتطرفة – من مختلف الأطراف – بتحويل هذه المنصات إلى أدوات للتحريض على العنف.
ولفهم هذا الاتجاه في سوريا بشكل أعمق، أجريتُ مقابلات (شخصية أو عبر الإنترنت) مع 13 امرأة من خلفيات مختلفة، 11 منهن مقيمات داخل سوريا واثنتان في الخارج. قاومت بعضهن هذه الحملات وقررن البقاء نشطات على الإنترنت، بينما اضطرت أخريات إلى الانسحاب والمغادرة. عشر من هذه المقابلات أجريتها في إطار عملي مع «تحالف الصحفيات» (WJA). وتعكس قصصهن واقع الفضاءات الرقمية السورية التي أصبحت أكثر عداءً وكراهيةً للنساء.
بغض النظر عن خلفياتهن أو «إرثهن الثوري»، كانت النساء السوريات الهدف الرئيسي لحملات الكراهية التي قادها وأطلقها المؤثرون الصاعدون على وسائل التواصل الاجتماعي، لا سيما الحملات التي يتقاطع فيها النوع الاجتماعي مع الانتماء الطائفي. وأدى خوف النساء من تحوّل هذا العنف الإلكتروني إلى هجماتٍ حقيقيةٍ في الواقع إلى تقييد حركتهن وإجبارهن على فرض رقابة ذاتية صارمة أو الانسحاب تمامًا من الشأن العام السوري.
حملة الكراهية: الأهداف والتكتيكات والتبعات
لا امرأة بمنأى عن الاستهداف
لا يبدو أن هناك ما يحمي أي امرأة من الاستهداف، حتى مكانتها أو دورها بوصفها «ثورية» لا يشكلان حصانةً لها. فمن بين النساء اللواتي تعرضن للهجوم، شخصيات رائدة في الحراك الثوري مثل مروة الغميان، التي كانت أول امرأة يعتقلها النظام السوري أمام الكاميرا، في حي الحريقة في اليوم الأول من الانتفاضة في 15 آذار/مارس 2011، وريما فليحان، التي شغلت منصب الناطقة باسم لجان التنسيق المحلية في سوريا. والمُلفت أن العديد من المهاجمين يصفون هؤلاء النساء بأنهن «فلول»!
ومن بين المُستهدفات أيضاً ريم أصيل، التي تصاعد العداء ضدها بعد سقوط النظام. تقول ريم: «عندما كتبتُ عن المجازر التي ارتُكبت بحق المدنيين العلويين في المنطقة الساحلية، واجهتُ محاولة منسقة لإسكاتي، هاجمني أكثر من 1,200 حساب، ويبدو أن العديد منها حديث الإنشاء»، واصفةً ما تعرضت له خلال تلك الحملات بأنه «تحرش، وتنمر، وترهيب، وتخويف، وتشويه للسمعة، وكلها أخذت طابعًا قائمًا على النوع الاجتماعي».
وتشير نور الأحمد، وهي صحافية مستقلة وإحدى الناشطات السوريات القليلات اللواتي يقدّمن تعليقات مصورة عبر الإنترنت، إلى أن الهجمات الإلكترونية تطالها بغض النظر عن مضمون رسالتها الفعلية. وتوضح: «لديهم مشكلة مع وجودي في حدّ ذاته. أنا امرأة كنت أرتدي الحجاب، وأتحدث علنًا. وأنا أيضًا سنية أواجه خطاب الكراهية الموجه ضد الدروز والعلويين».
انتهكت الهجمات الإلكترونية التي استهدفت نور حياتها الخاصة بشكلٍ عنيف، إذ استُخدمت لغة ذات طابع جنسي مهين، وسجلات محادثات مفبركة، وصوراً زائفة مُولّدة بتقنيات «التزييف العميق» (deepfake) في محاولة لإسكاتها.
وتسهم هذه الأساليب المتكررة في ترسيخ المعايير الأبوية عبر فرض الرقابة على حضور النساء في الفضاءين العام والرقمي، وهي ظاهرة «لها تأثير مخيف» بحسب تقرير للأمم المتحدة، ووجد التقرير أن نحو نصف مُستخدمات الإنترنت في الدول العربية (49 في المئة) يشعرن بعدم الأمان بسبب التحرش عبر الإنترنت.
تقاطع الكراهية: النوع الاجتماعي والطائفة والسياسة
منذ سقوط نظام الأسد، سارت أعمال العنف وعمليات تصفية الحسابات على امتداد خطوط الانقسام الطائفي. وتصاعدت مع الكشف الواسع عن الجرائم التي ارتكبها النظام، إلى جانب الطبيعة الطائفية للقوى التي اعتمد عليها الأسد في حكم البلاد. وبلغت هذه التوترات ذروتها مع المجازر التي ارتكبتها فصائل مسلحة مرتبطة بالسلطات الجديدة في مناطق الساحل (في آذار/مارس 2025) وفي السويداء (في تموز/يوليو 2025)، إضافةً إلى الصراع مع القوات الكردية في حلب.
ويُبَلَّغ بشكلٍ أسبوعي عن استهداف أفراد من الطائفة العلوية في حمص، ويخشى كثير من أبناء الطائفة الدرزية مغادرة محافظتهم والتوجه إلى دمشق خوفًا من العنف الطائفي.
وعندما تتقاطع الهجمات القائمة على النوع الاجتماعي مع الاستقطاب الطائفي أو العرقي أو السياسي، يتضاعف حجم التهديد الذي تواجهه النساء.
وهذا تحديداً ما كشفته أثناء عملي على إعداد تقرير لصالح «تحالف الصحافيات» هذا العام. إذ أجريتُ مقابلات مع 10 صحافيات علويات يعشن في اللاذقية وحماة ودمشق، وتتراوح طبيعة أعمالهن بين إدارة التحرير والعمل الصحفي الحرّ. استخدمن جميعًا أسماء مستعارة لدواعٍ أمنية. ولم تكن أي منهن من الشخصيات المؤثرة على مواقع التواصل الاجتماعي، ومع ذلك تلقت كل واحدة منهن رسائل مباشرة تصفهن بعبارات مثل «صبايا العطاء» أو «يتيمات الأسد» أو «عاهرات»، إلى جانب تهديدات صريحة أخرى.
ويضيف الانتماء الطائفي طبقة أخرى من الخوف بالنسبة إلى النساء كما تشرح دعاء (اسم مستعار)، وهي صحافية تبلغ من العمر 40 عامًا في اللاذقية، قائلةً: «ثمني رصاصة بالنسبة إلى أي شخص لا يعجبه شيء أنشره على فيسبوك. يمكنه قتلي، وهو يعلم أنه لن يُحاسب في ظل الغياب التام لآليات العدالة».
إن غياب المساءلة عن الجرائم المرتكبة بحق العلويين في آذار/مارس 2025، وعن عمليات القتل التي استمرت لاحقًا ووصفتها وسائل الإعلام الحكومية بأنها «حالات فردية»، جعل العديد من العلويين/ات يشعرون بالخوف عينه الذي عبّرت عنه دعاء.
من الفضاء الرقمي إلى الواقع
تنسجم الهجمات الإلكترونية التي تستهدف السوريات مع الاتجاه العالمي، إذ أفادت سبع من كل عشرة مدافعات عن حقوق الإنسان وناشطات وصحافيات بتعرضهن للعنف الإلكتروني، وفقًا لتقرير صادر عن هيئة الأمم المتحدة للمرأة عام 2025. وبينما يمتد هذا العنف إلى العالم الواقعي بالنسبة إلى أربع من كل عشرة نساء على مستوى العالم، فإن نحو نصف النساء في سوريا يواجهن تبعات واقعية مباشرة للاعتداءات الإلكترونية. ويعكس هذا الفارق مدى هشاشة الحدود الفاصلة بين العالمين الواقعي والافتراضي في بلدٍ انهارت فيه مؤسسات الدولة، وتنتشر فيه جماعات مسلحة تابعة لمختلف الأطراف.
ولا يقتصر التهديد الشخصي على اللواتي يُقمن في سوريا، فعلى الرغم من إقامتها في الخارج، تعرضت نور الأحمد لمضايقات ارتبطت مباشرة بحضورها على الإنترنت؛ إذ وصل الأمر إلى أن توجّه أشخاص إلى منزل عائلتها في شمال شرقي سوريا مطالبين إياهم بـ«إسكاتها». ومع رفضها الخضوع لضغوط عائلتها للتوقف عن نشاطها، فإنها تدرك حجم الخطر الذي كانت ستواجهه لو بقيت في بلدها، وتقول: «كان الأمر سيكون أصعب بكثير لو كنت لا أزال أعيش داخل سوريا».
وأثناء كتابة الفقرة الأخيرة من هذا التقرير، أرسل إليّ خالي، الذي لا يستخدم وسائل التواصل الاجتماعي، لقطة شاشة لمنشور كنت قد نشرته في اليوم السابق على فيسبوك، انتقدت فيه الحكومة لمنع طلاب السويداء من تقديم امتحاناتهم في محافظتهم. وأرفقها برسالة وصلته جاء فيها: «أنت تعرف أنها قد تختفي بسهولة كشربة ماء»، في استحضار لمثلٍ عربي شائع.
لكن هذا الإرهاب الرقمي لا يتوافق دائماً مع الواقع الميداني، تلاحظ زينة شهلا، وهي صحافية مستقلة تعيش في دمشق، أن السوريين في حياتهم اليومية أقل عنفًا بكثير مما توحي به شخصياتهم على وسائل التواصل الاجتماعي. وتقول: «هناك طائفية وعنف، لكن ليس بالمستوى الذي تراه على فيسبوك. معظم الناس مشغولون بحياتهم اليومية».
وبدأت الحملة التي استهدفت زينة حين صوّر أحد المعتدين نفسه وهو يتعرّض لها، بينما كان مع مجموعة من الأشخاص يعتدون على وقفةً احتجاجية حملت شعار: «الدم السوري على السوري حرام».
ونُظمت الوقفة على خلفية الاعتداءات التي شهدتها محافظة السويداء في تموز/يوليو 2025. وبعد انتشار مقطع فيديو يُظهِر تعرض زينة للإساءة اللفظية، وجدت نفسها في مهب حملة إلكترونية واسعة ضدها. وتوضح زينة: «كانت حملة منظمة بلا شك. فخلال دقيقة واحدة من نشر أي شيء، كنت أتلقى نحو 100 تعليق، معظمها يتضمن إهانات جنسية متطابقة ومنسوخة».
و ربما يُعد حال زينة استثناءً لأسباب عديدة. أولها، أنها صُوّرت أثناء تعرضها للاعتداء وهي تتحدث إلى الرجل بهدوء واحترام، ولم تكن حينها تتحدى أو تنتقد أي سلطة أو واقع قائم. كما كانت الوقفة عينها ترفع شعار رفض قتل أي سوري، وبالتالي، لم يكن يُفترض أن تكون مثيرةً للجدل، لكنها أثارت غضب المؤيدين للهجمات على السويداء.
وتتفاعل الهجمات الإلكترونية والاعتداءات في الواقع مع بعضها بشكل كبير. فيمنح الفضاء الرقمي المعتدين القدرة على التخفي والواقع يعطيهم حصانة -شبه كاملة- من المساءلة مما يزيدهم جرأةً على ارتكاب أفعالٍ لا يجرؤون عليها وجهاً لوجه. كما تُضاعف الحملات المنسقة حجم التهديد على النساء بما يتجاوز قدرة أي معتدٍ منفرد.
مما يدفع النساء اللواتي يعرفن بأن "ثمن حياتهن رصاصة" كما دعاء إلى السكوت، فمنشور واحد أو رجل يصور نفسه وهو يعتدي عليك كما حدث مع زينة كافيان لإنهاء حياتك، معرفة هذا كافية لتحقيق الردع والإسكات حتى عند بقاء التهديدات محصورة داخل الشاشات.
الخوف من الجمهور أكثر من الدولة: بين الرقابة الذاتية واستراتيجيات التكيّف
أكدت جميع النساء الثلاث عشرة اللواتي قابلتهنّ أن الخوف من التحرش الإلكتروني وحملات التحريض على وسائل التواصل الاجتماعي بات الدافع الأساسي لممارسة الرقابة الذاتية، وأبرز مصدر للقلق في المرحلة الراهنة. وتكشف شهاداتهن عن واقعٍ لافت: فالتعامل مع السلطة المركزية، أصبح، في كثيرٍ من الأحيان، أسهل من مواجهة الفاعلين غير المنظمين على الإنترنت، الذين يتحركون دون أيّ مساءلة أو محاسبة.
تشرح جمانة، وهي صحافية مستقلة في دمشق: «أصبحت أخاف من الجمهور أكثر من الدولة. هناك أشخاص معروفون يمارسون التشهير ولديهم أعداد كبيرة من المتابعين. أكثر ما يخيفني هو أن يأتي دوري، وأن تمتد الهجمات إلى عائلتي». وتقول علياء، وهي صحافية مستقلة في دمشق: «خوفي منهم يفوق خوفي من الاعتقال. أستطيع مناقشة وزارة الداخلية، لكن إذا نشر أحدهم صوري على الإنترنت، فلا يوجد ما يمكنني فعله».
وبينما تصرّ نور الأحمد على الحفاظ على حضورها عبر الإنترنت، اختارت ريم أصيل الانسحاب من هذا الفضاء، لا لأنها لم تعد تكترث، كما تقول، بل لأنها بدأت أخيرًا تهتم بنفسها. وتوضح ريم: «ما زلت أؤمن إيمانًا عميقًا بالمساءلة والكرامة الإنسانية والعدالة الانتقالية. لكنني لم أعد أؤمن بأن من واجبي التضحية بسلامتي ورفاهي من أجل الدفاع عن هذه القيم».
أما بالنسبة إلى سمر (اسم مستعار)، وهي صحافية مستقلة في اللاذقية، فيتركّز خوفها الأساسي حول عائلتها. وتتساءل: «لماذا أضع نفسي في موقف أتعرض فيه أنا وعائلتي لحملة إلكترونية شرسة تصفني بـ(العاهرة العلوية) أو أسوأ من ذلك؟ لماذا أعرّض نفسي لكل ذلك؟ لا… من الأفضل أن أختفي».
في المقابل، سعت زينة شهلا إلى إيجاد حل وسط. فأغلقت صفحتها على فيسبوك، لكنها أبقت حسابها على إنستغرام. وتصف بيئة فيسبوك بأنها «سيئة، مرهقة، ومستنزفة»، ما دفعها إلى مغادرة المنصة على الرغم من أهميتها لعملها. وترى زينة أن «إنستغرام» يطرح تحديات مشابهة، وإن كانت أقلّ حدة. وتتفق زينة مع رأي ريم بجدوى هذا الثمن متسائلة: «ما مدى فعالية ما نقوم به على وسائل التواصل الاجتماعي إذا كان ذلك يعني التعرض للهجوم مجدداً؟ في كثير من الأحيان، أقرر ألا أعبّر عن رأيي، وأفضل استثمار طاقتي في أمور أخرى».
صعود «الديكتاتوريين الرقميين»: المؤثرون كأدوات في يد الدولة
في كانون الأول/ديسمبر 2024، وبعد أسبوعين فقط من سقوط نظام الأسد، استضاف الرئيس الجديد أحمد الشرع، لقاءً رفيع المستوى ضمّ صحافيين وصنّاع محتوى. وكان من بين الحاضرين صانعا المحتوى الأردنيان البارزان قاسم حاتو، المعروف بـ«ابن حاتوتة»، وجهاد حطاب، المعروف بـ«جو حطاب»، إلى جانب الناشط الإعلامي جميل الحسن، المقرب من السلطات الجديدة، وعدد من الشخصيات الإعلامية الأخرى الموالية للإدارة الجديدة. وشكّل هذا اللقاء مؤشراً على بداية مرحلة جديدة يتصدّر فيها مؤثري وسائل التواصل الاجتماعي المشهد، ويحظون بإمكانية الوصول إلى المعلومات والمواقع بدرجة تفوق ما يُتاح للصحافيين/ات التقليديين/ات والفاعلين والفاعلات في المجتمع المدني.
تبع ذلك انعقاد مؤتمر «المؤثرون من أجل سوريا» في مدينة حلب في 1 أيلول/سبتمبر 2025، شارك فيه عدد من المؤثرين العرب والتقوا بالرئيس الجديد، وفق ما أوردته قناة «الإخبارية» السورية. وفي تكريسٍ لهذا النمط الذي بات يتكرر، استضاف الشرع اجتماعاً آخر للصحافيين والمؤثرين في آذار/مارس 2026.
وعلى المستوى المحلي، دعا محافظو دمشق واللاذقية وحلب أيضًا صناع المحتوى إلى اجتماعات رسمية، في ما يبدو أنه جزء من استراتيجية إعلامية متكاملة تهدف إلى إعادة تشكيل الخطاب العام في سوريا ما بعد الأسد.
يعكس كل ذلك نية واضحة لاستخدام المدونين و«المؤثرين» كأدوات لبناء شرعية السلطات الجديدة، بدلاً من أن يكونوا أطرافاً تراقب أداءها وتسائلها وتحاسبها، كما يفترض أن يفعل الصحافيون والصحفيات. ولا يعني ذلك بالضرورة وجود تنسيقٍ مباشر وراء كل حملة هجوم. إلا أن منح هؤلاء المؤثرين امتيازات استثنائية، على صعيد الوصول إلى المعلومات، والجمهور، بل وحتى القرب من الرئيس، ثم تجاهل اعتداءاتهم في حق النساء، يترك المستهدفات وحدهن يتحمّلن كلفة الإساءة والانتهاك. ويبدو أن هذا التمكين – المقترن بالإفلات من العقاب – يعكس قدرًا من التساهل مع ممارسات هؤلاء المحرّضين.
مُنِح هؤلاء المؤثرون – الذين عززتهم الدولة الجديدة ويبدو أنهم يتمتعون بحصانة شبه كاملة و من ضمنهم شخص معروف بتحريضه على الكراهية عُيِّن مؤخرًا في مؤسسة إعلامية كبرى ممولة من قطر – صلاحيات مفتوحة عمليًا. فهم قادرون على التشهير بأي امرأة يختلفون معها أو مهاجمتها أو تقويض مصداقيتها، ويمكن لمنشور واحد على فيسبوك أن يطلق حملة تشهير مدمرة بحقها.
وذكرت النساء، اللواتي قابلناهن، أسماء خمسة مؤثرين معروفين، يملك كل منهم ملايين المتابعين، باعتبارهم الأكثر «إثارة للخوف»؛ فمنشور واحد من أي منهم كفيل بقلب حياتهن رأسًا على عقب. وقد حُجِبت أسماء هؤلاء المؤثرين عمدًا. إذ تُظهر الحالات الواردة أدناه أن هؤلاء باتوا يستخدمون قوانين التشهير السورية ضد أي شخص يذكر أسماءهم، ما يعني أن الكشف عن هوياتهم سيعرّض هؤلاء النساء، والكاتبة، لملاحقات قانونية.
ويُعرف أحد هؤلاء المؤثرين، الذي يتجاوز عدد متابعيه مليوني شخص، باستخدام «قانون الجرائم الإلكترونية» الذي سنّه نظام الأسد لملاحقة منتقديه عبر دعاوى تشهير شخصية. ويضيف استخدام هؤلاء الأشخاص للقانون ضد الصحافيين وصنّاع المحتوى طبقة جديدة من الخوف بالنسبة إلى النساء.
قبل أيام، علّق هذا المؤثر على منشور على صفحتي انتقدت فيه استخدامه لقوانين الأسد في قمع حرية التعبير، مدعيًا أنني لا أفهم السياق، وأن انتقادي له شخصيّ. بعد تعليقه، انهالت أكثر من 150 مشاركة داعمة له، تضمنت تعليقات عدائية ذات إيحاءات جنسية استهدفتني شخصيًا.
وأُعدّ أنا من المحظوظات لأنني أنحدر من محافظة إدلب، التي تُعتبر الآن قلب الثورة السورية، ولأنني أنتمي إلى الطائفة السنية، ولدي سجل في المشاركة في الثورة منذ يومها الأول، كما أنني صحافية أحمل جواز سفر أجنبيًّا. لولا كل هذه العوامل، ربما كان مجرد ذكر اسم «المؤثر» على صفحتي كافياً لإسكاتي.
مؤثر آخر يُقيم في هولندا، وقد صنّفه «رادار الكراهية» التابع لـ«تحالف الصحافيات» ضمن قائمة أبرز المحرضين على الكراهية (Top Hater) خلال شهر أيار/مايو، فقد أطلق بالفعل حملتين على الأقل ضد نساء، أجبرتهن على مغادرة الفضاء الرقمي تمامًا. ويُستخدم اسمه اليوم على سبيل الفكاهة السوداء في التعليقات على منشورات النساء، من قبيل: «احذري أن تتحولي إلى منشور على صفحة *** في فيسبوك».
في الحملة الأولى، في أيار/مايو 2025، دعا هذا المؤثر متابعيه صراحةً إلى مهاجمة ناشطة، واصفاً إياها بالعاهرة لأنها انتقدت مقطع فيديو يلعب فيه الرئيس أحمد الشرع كرة السلة. وفي العام عينه، نشر محادثة مفبركة لناشطة أخرى، وأطلق حملة تنمر وتحريض واسعة ضدها.
ما بعد التشريعات: سد الثغرات وبناء مستقبل رقمي أكثر أمانًا
يُشير المحامي فادي الرحال، المتخصص في قانون الجرائم الإلكترونية منذ عام 2015، إلى وجود سوابق قضائية في سوريا حصلت فيها نساء على أحكام لصالحهن في قضايا تتعلق بالتشهير الإلكتروني، أو فبركة مقاطع فيديو، أو الابتزاز الإلكتروني. ومن بينها قضية شابة تعرّضت لابتزاز مالي من قبل رجل فبرك صورًا عارية لها.
إلا أن معظم هذه القضايا، من ضمنها التي أشار إليها الرحال، تدور حول الاحتيال المالي أو الابتزاز أو استغلال الفتيات القاصرات، في حين تكاد تنعدم السوابق القضائية التي تتناول حملات التحرش المنسقة القائمة على أساس النوع الاجتماعي.
فقد تقدّمت زينة، على سبيل المثال، بشكوى رسمية إلى إدارة الأمن الجنائي بشأن حملة التحريض الإلكترونية المنسقة التي تعرضت لها هذا العام، لكن لم ينتج عنها أي شيء حتى الآن. وتقول: «لا أعرف إن كان ذلك يعود إلى محدودية إمكانياتهم أم لأن العديد من الحسابات المتورطة زائفة. لكن، في جميع الأحوال، أنا مصممة على مواصلة متابعة القضية».
استعادة السيطرة على الفضاءات الرقمية
تشدد نور على الحاجة الملحّة إلى تفعيل الإطار القانوني القائم لمكافحة الجرائم الإلكترونية. وترى أنه عندما يُحاسب الجناة، سواء عبر فرض غرامات كبيرة على جرائم التشهير أو من خلال أحكام بالسجن، فإن ذلك سيجعل «وجود النساء السوريات على الإنترنت أكثر أماناً».
ويتضمن قانون الجرائم الإلكترونية الحالي الصادر عام 2022، مادتان تتناولان بوضوح وهما مادة التشهير الإلكتروني (المادة 24)، ومادة الافتراء والإساءة إلى الكرامة (المادة 25). إلا أن هاتين المادتين تفتقران إلى أيّ مقاربة تراعي النوع الاجتماعي. وفي المقابل، يتضمن القانون عينه الذي طُبِّق في عهد الأسد، مادة أخرى (المادة 28) تجرّم «النيل من هيبة الدولة»، وهي تهمة فضفاضة استُخدمت لقمع أي انتقاد موجه إلى السلطة. وبذلك، تُطبّق هذه القوانين كأداة للقمع، وليس لحماية النساء والفئات المهمشة.
بشكل عام، تتفق العديد من النساء اللواتي أُجرت معهن مقابلات لهذا التقرير على مطلب تطبيق مواد التشهير الموجودة أصلاً، وإدماج منظور واضح يراعي النوع الاجتماعي في القانون، وإلغاء المادة 28 من قانون الجرائم الإلكترونية.
وتضيف ريم إليها: الحاجة إلى دعمٍ مؤسساتي، قائلةً: «قبل كل شيء، تحتاج النساء إلى الأمان. كما نحتاج إلى ثقافة أقوى تقوم على التضامن والمساءلة. فكثيرًا ما تُترك النساء لمواجهة الإساءات بمفردهن».
أما زينة فتلفت إلى ضرورة تحقيق توازن دقيق بين محاسبة المعتدين وعدم المساس بحرية التعبير، التي ترى أنها شرط أساسي لكي تشعر النساء بالأمان الحقيقي في الفضاءات الرقمية.
ومع ذلك، فإن الأطر القانونية وحدها لا تكفي عندما تُسهم منصات التكنولوجيا نفسها في تسهيل الانتهاكات. ففي المجتمعات المنقسمة بشدة أو الخارجة من النزاعات، تُمكّن الخوارزميات – التي تعطي الأولوية للتفاعل على حساب السلامة – الفاعلين الحكوميين وغير الحكوميين من التحريض على العنف. ومن غير الواقعي توقُّع أن تنظّم شركة «ميتا» نفسها ذاتيًا في بلدٍ لا يحقق لها عائدات مباشرة. ويزداد هذا الأمر وضوحًا في ظلّ توجه الشركة إلى تقليص عدد موظفيها الإقليميين، بدلاً من توظيف وتمكين مشرفين ومشرفات على المحتوى يمتلكون فهماً دقيقاً للسياقات المحلية.
ونظراً إلى أن «ميتا» لن تُقدِم على هذه الخطوة طوعًا، فلا بد أن تكون المطالب مدعومةً بضغوط خارجية من الجهات التنظيمية والمعلنين، إلى جانب حملات مستمرة تقودها منظمات المجتمع المدني. وباعتبار أن منصاتها تُعدّ الوسيلة الأساسية للتواصل الاجتماعي في سوريا، يجب على الشركة إنشاء «قناة استجابة طارئة نسوية إقليمية» تقودها المجتمعات المحلية. وستسمح هذه الآلية بالإبلاغ المباشر عن حملات التحرش والاستهداف المنظم إلى فريق متخصص قادر على إزالة المحتوى الضار بسرعة، ومعاقبة المؤثرين الذين يحرضون على الكراهية، والحد من انتشار محتواهم.
وفي الوقت عينه، بدأت شبكات نسوية مثل «تحالف الصحافيات» في تبني حملات تضامن إقليمية. ويقوم هذا النموذج على أن تتولى صحافية من بلد آخر الدفاع عن امرأة تتعرض لهجوم إلكتروني في أي دولة، كما حدث في الحملة الداعمة للصحافية المصرية إيمان عادل، عندما تعرضت لهجمات بسبب مواقفها الرافضة لترحيل السوريين/ات من مصر، إذ سارع صحافيون وصحافيات من مختلف أنحاء المنطقة إلى الدفاع عنها، كما أصدر «تحالف الصحافيات» بيانًا داعمًا لها. ولا يخفف هذا النموذج العبء عن الضحية فحسب، بل يعزز أيضًا قدرتها على الصمود. ويمكن لهذه الشبكات النسوية الإقليمية أن توفر استجابة فورية تشمل الدعم في مجال الأمن الرقمي، والإحالة إلى المساعدة القانونية، والدعم النفسي والاجتماعي، إلى جانب تنسيق «رواية مضادة» تحد من تأثير خطاب الكراهية.
ما تغير منذ كانون الأول/ديسمبر 2024 ليس أن النساء السوريات أصبحن يشعرن بالخوف للمرة الأولى، بل إن مصدر هذا الخوف تبدّل. فقد حلّ محل مراقبة جهاز المخابرات حشدٌ من المراقبين، تضاعف تأثيره بفعل منصات تكافئ الإثارة والغضب، وبواسطة مؤثرين تمنحهم السلطات الجديدة مساحة ونفوذًا من دون أن تفرض عليهم رقابة حقيقية. وقد تكون زينة محقة في قولها إن الشارع أكثر هدوءًا من منصات التواصل الاجتماعي، لكن النساء اللواتي تحدثن في هذا التقرير يؤكدن أن التهديد لا يحتاج إلى أن يتحول إلى فعل لينجح في إسكات الشخص المستهدف.
وكما أشارت ريم أصيل، لا ينبغي للنساء أن يضطررن إلى التضحية بصحتهن النفسية ورفاههن من أجل الدفاع عن المساواة والسلام. ولا يمكن تحقيق عدالة انتقالية حقيقية في سوريا ما بعد الأسد إذا استمر إسكات نصف المجتمع بصورة ممنهجة، وتهديده، ودفعه إلى الخروج من الفضاء العام الرقمي.
تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.