مريم بن سالم هي أستاذة محاضرة في العلوم السياسية في كلية العلوم القانونية والسياسية والاجتماعية في تونس. في هذا الحوار، نناقش أحدث منشوراتها، التي تتناول أزمة الأحزاب السياسية في تونس منذ عام 2011، ومؤخرًا، طرائق الفهم السياسية وفقًا للطبقة الاجتماعية ورأس المال الثقافي في تونس في ظلّ حكم قيس سعيد.
يشير مقالك في المجلة التونسية للعلوم السياسية إلى أن الانشغال بطبيعة النظام السياسي يقتصر عمومًا على الأشخاص ذوي رأس المال الثقافي المرتفع. وإلى حدٍ ما، يتجسّد هذا الاستنتاج في الشارع، حيث يصعب على تحركات المعارضة استقطاب جمهور يتجاوز الطبقات الوسطى والعليا المتعلمة، في حين تتطلّب تحرّكات النظام جهدًا لوجستيًا هائلًا لحشد الناس في الشارع. برأيك، كيف يمكن تفسير هذا العزوف عن الاهتمام بالمؤسسات والأشكال المؤسسية؟
أولًا، أود توضيح أنني اعتمدت في هذا العمل على مجموعات تركيز، وهي بالطبع غير ممثلة إحصائيًا. كما أنه من شأن الدراسات الكمية أن تُبيّن بشكلٍ أوضح هذه العلاقة بين رأس المال الثقافي والاهتمام بالسياسة. ما تقترحه الأدبيات السوسيولوجية في هذا المجال هو أنه كلما ارتفع رأس المال الثقافي، زاد معه الاهتمام بالسياسة، والقدرة على التموضع، وفهم المجال السياسي، وامتلاك أدوات قراءته. وما أظهرته مجموعات التركيز هو أن الأقلّ حظًا من الناحية الثقافية والاجتماعية يهتمون بالسياسة بشكلٍ ضعيفٍ جدًا.
وبالطبع، هناك أزمة ثقة عامة، لكن هذه الأزمة تتجلى بشكل مختلف بحسب الخصائص الاجتماعية والثقافية للأفراد.
ويميل الأقلّ حظًا اجتماعيًا وثقافيًا، عند متابعة الشأن السياسي، إلى الاعتماد على وسائل التواصل الاجتماعي، لا سيما تيك توك وإنستغرام وفيسبوك، من دون التحقق بالضرورة من صحة المعلومات. ويفضلون الصيغ المرئية (الفيديو)، من دون امتلاك القدرة على التمييز بين الأخبار الزائفة والحقائق المؤكدة. وتظهر أزمة الثقة أيضًا على مستوى الإعلام والمؤسسات السياسية. فتميل هذه الفئة إلى تفسير المعلومات انطلاقًا من تجاربهم الاجتماعية: فإذا صادفت معلومة أو مقطع فيديو ينسجم مع تصوراتها أو معتقداتها، فإنها تتعامل معه بجدية. وينطبق ذلك على المواقف العنصرية، أو كراهية الأجانب، أو النساء أو المثليين. في المقابل، يميل الأشخاص ذوو رأس المال الثقافي الأعلى إلى التحقق من المعلومات، خصوصًا حين تتضمن أرقامًا أو بيانات، بحكم طبيعة عملهم ومهنهم، إذ يلجؤون مثلًا إلى مراجعة بيانات البنك الدولي أو مصادر مشابهة. وعلى الرغم من أن تراجع الثقة في المؤسسات السياسية والإعلامية هو ظاهرة عامة، فإن الاهتمام بالسياسة والقدرة على فهمها يبقيان متفاوتين. ويكشف الربط بين المشاركة في الاحتجاجات والخصائص الاجتماعية والثقافية للمتظاهرين ضد النظام، عن أوجه عدم المساواة في العلاقة مع السياسة. لكن لا يعني ذلك أن ذوي رأس المال الثقافي الأعلى يعارضون النظام بالضرورة. إذ يمكن أن نجد بينهم من يدعمه، لكنهم يستخدمون حججًا ومصادر معلومات مختلفة لتبرير موقفهم. وبالمثل، يمكن لأشخاص ذوي رأس مال ثقافي أقل أن يتخذوا مواقف نقدية شديدة تجاه النظام.
تناقش أعمالك السابقة، ولا سيما فصل «نزع الشرعية عن الأحزاب السياسية في تونس الديمقراطية» ضمن الكتاب الجماعي (The Routledge Handbook on Political Parties in the Middle East and North Africa Region)، أحزابًا سياسيةً منفصلة عن اهتمامات الجماهير خلال المرحلة الانتقالية الديمقراطية. كيف تفسرين هذا الاستقلال/الانفصال الذي عرفته الأحزاب عن المجتمع؟ وما الذي يعنيه اليوم في السياق السياسي الراهن؟
ما أظهرته أعمالي، إلى جانب أعمال باحثين آخرين، هو أنه يمكن تقسيم الأحزاب السياسية التونسية إلى فئتين. هناك أولًا الأحزاب التاريخية، أي تلك التي ظهرت قبل الثورة، وثانيًا، الأحزاب التي أنشئت بعد الثورة. وفي هذه الفئة الثانية، لا يزال بعضها قائمًا حتى اليوم، بينما كان لبعضها الآخر عمر قصير جدًا.
السمة الرئيسية للأحزاب التاريخية، التي يسميها كامو وجيسر اسم «أشباه الأحزاب» هي أنها، في الواقع، ليست أحزابًا سياسية حقيقية، لأنها نشأت وتطورت في سياق سلطوي. لم تتح لها أبدًا فرصة حقيقية للحكم أو المشاركة في انتخابات تنافسية، حتى وإن قدمت أحيانًا لوائح مستقلة أو مرشحًا. ومن المعروف، بالطبع، أن انتخابات 11 تشرين الثاني/نوفمبر لم تكن نزيهة ولا شفافة. لذلك، لم تكن تعمل كأحزاب سياسية ضمن سياق ديمقراطي.
وبالتالي، حدث انفصال بين هذه الأحزاب التاريخية – التي تفتقر إلى الجذور الاجتماعية أو الإقليمية التي تمكنها من التشكّل كأحزاب فعلية – ومتطلبات النظام الديمقراطي. كما أنها لم تطور أي قدرة على إنتاج برامج سياسية. لماذا؟ لأن صياغة البرامج الانتخابية ترتبط بشكلٍ وثيقٍ بوجود انتخابات تنافسية. وهكذا، عند لحظة الانتقال، وعندما حان وقت حشد دعم الناخبين، وجدت هذه الأحزاب نفسها عاجزة عن تقديم برامج أو تعبئة الجماهير.
ويُنظر غالبًا إلى حركة النهضة باعتبارها الحزب الأكثر مأسسة/احترافية بينها، والأقرب إلى مفهوم الحزب السياسي بالمعنى الدقيق. في رأيي، كانت بالفعل أفضل من غيرها. لكن حتى «النهضة»، فشلت فعليًا في تقديم برامج حكم متماسكة. وهذا ما دفعها إلى تضخيم الانقسام الهوياتي. فكان ذلك نتيجة عدم امتلاكها الكثير لتقدمه، ولأنها لم تكن قادرة على صياغة برامج حقيقية، فأصبحت المنافسة السياسية بين عامي 2011 و2019 تدور حول الانقسام الهوياتي: إسلاميون مقابل غير إسلاميين.
على سبيل المثال، فوجئت حركة النهضة عندما حان الوقت لتقديم برنامج اقتصادي في عام 2011. وتُظهر مقابلاتي مع قيادات في الحركة، ولا سيما الذين عملوا على إعداد البرنامج، أنهم أنجزوه بسرعة كبيرة وبشكل مرتجل. فقد فاجأتهم الثورة، كما أن القضايا الاجتماعية والاقتصادية لم تكن تحظى باهتمام كبير لدى الأحزاب السياسية. فبقي الكثير منها عالقين في منطق احتجاجي، يركز على النضال والدفاع عن حقوق الإنسان والحريات. ثم وجدوا أنفسهم فجأة أمام منافسة انتخابية لم يكونوا مستعدين لها.
وتعد مسألة المركز الاجتماعي والإقليمي أساسية هنا. فلكي تتمكن الأحزاب من تعبئة دعم الجماهير، يجب أن يكون لديها علاقات مباشرة مع المواطنين، والقدرة على تمثيل مصالحهم. وأستند هنا إلى أعمال غاكسي التي تفيد بأن الأحزاب هي، في الوقت عينه، مستقلة ومرتبطة بعوامل خارجية: فهي مستقلة لأنها تخضع لمنطق داخلي خاص بالمجال السياسي، لكنها تعتمد أيضًا على دعم المواطنين الذين يُفترض أن تمثل مصالحهم. وهذا الاتجاه نحو الاستقلالية هو نتيجة مباشرة لضعف الارتباط الاجتماعي والإقليمي.
أتذكر خلال بحث ميداني في الجنوب التونسي عقب انتخابات عام 2011 أن العديد من الأحزاب اليسارية كانت غائبة تمامًا. كانت قدرتها على تنفيذ حملات ميدانية أو طرق الأبواب أو التحدث إلى الناس، أو تعبئة الدعم، ضعيفة جدًا للغاية. لذلك، لم يكن مستغربًا حدوث هذا الانفصال.
أما بالنسبة إلى الأحزاب التي نشأت بعد الثورة، فقد تشكّل جزء كبير منها حول شخصية معينة: شخصية إعلامية، أو فاعل سياسي، أو تكنوقراطي عمل في الإدارة التونسية، أو شخص تخرّج من كبرى الجامعات في أوروبا. وأنشئت هذه الأحزاب غالبًا بشكلٍ ظرفي، وكان عمرها قصيرًا جدًّا. وحتى عندما نجحت في التعبئة، كان ذلك مؤقتًا للغاية: ظاهرة عابرة سرعان ما اختفت.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك حزب «نداء تونس»، الذي نجح في تعبئة الدعم حول وعد بإقصاء «النهضة»، مستندًا مرة أخرى إلى انقسام هوياتي. لكن الحزب أنهى الدورة البرلمانية 2014-2019، على ما أعتقد، بثلاثة نواب فقط، بعدما بدأها بـ 86 مقعدًا.
اليوم، نحن في سياق يتسم برفض واضح جدًا لفكرة الأحزاب السياسية نفسها داخل المجتمع. في الوقت عينه، نشهد محاولة بعض الأحزاب التاريخية إعادة تعبئة الرموز التي كانت تخصها في زمن النضال ضد بن علي. فحزب الجمهوري (المعروف سابقًا باسم الحزب الديمقراطي التقدمي)، مثلًا يعيد تقديم مقرّه كفضاءٍ للمقاومة، إلى آخره. ويخلق ذلك نوعًا من المفارقة، إذ إن أحزابًا فشلت في ترسيخ وجودها ضمن الإطار الديمقراطي، ولم تجد طريقة لتمثيل المصالح الاجتماعية والإقليمية وترجمتها إلى برامج سياسية، تعود إلى أدوارها القديمة كمعارضة للنظام، وكأن هذا الموقع هو في النهاية وضعها «الطبيعي».
ما يحدث منذ عام 2021 هو أنهم، بحق، يعودون إلى نمط عمل مألوف لديهم، أي نمط المعارضة والاحتجاج. في نصٍ آخر حول قادة حركة النهضة، كنت أتحدث عن نوع من «الارتداد إلى العادات»، أي أنهم يعودون إلى استعداداتهم القديمة، أو على الأقل إلى أساليب العمل المألوفة لهم. لكن اليوم، لم يعد لديهم خيار آخر. هناك، مرة أخرى، انقطاع جديد يمنع الأحزاب السياسية من التطور نحو شيء آخر غير كونها أحزابًا احتجاجية تناضل من أجل حقوق الإنسان والحريات السياسية والفردية.
ليس المقصود هنا تحميل الأحزاب السياسية أكثر من حجم مسؤوليتها. فهي بالتأكيد تتحمّل جزءًا من مسؤولية فشل الانتقال الديمقراطي، لكنها كانت تحتاج حتمًا إلى الوقت لكي تتحول إلى أحزاب قادرة على تمثيل مصالح المواطنين، من ضمنها المصالح المتباينة والمتعارضة. لكنها كانت بحاجة إلى الوقت للخروج من منطق يُعتبر فيه الطرف المقابل خصمًا سياسيًا لا عدوًا يجب القضاء عليه. صحيح أنه قُبل مبدأ التناوب السلمي على السلطة، لكنه بقي شكليًا. في العمق، استمر منطق الإقصاء، وأصبح السؤال مجددًا: «في معركة مواجهة النظام القائم، هل ننفذها مع الإسلاميين أم ضدهم؟».
تبقى الإشكاليات نفسها تتكرر، وقد أعادها عام 2021 إلى الواجهة من جديد. ولم تحصل الأحزاب على الوقت الكافي للانتقال إلى مرحلةٍ أخرى.
كيف كان سيبدو التطور الإيجابي للمشهد الحزبي؟
ما كان يمكن أن يحدث هو أن يختفي عدد كبير من الأحزاب السياسية، لأنها في الواقع ليست أحزابًا سياسية حقيقية. وفي المقابل، كان من الممكن أن تتاح لأحزابٍ أخرى فرصة أن تصبح أكثر تنظيمًا واحترافية – على الرغم من أنني لا أحبذ كثيرًا هذا المصطلح – وأن تتحول فعليًا إلى أحزاب سياسية حقيقية، مهمتها تمثيل مصالح المواطنين والدفاع عنها.
لكن، إلى حدٍ ما، لم تعترف الطبقة السياسية التونسية يومًا بأنها كانت حديثة العهد في العمل السياسي. فخلال المرحلة الانتقالية الديمقراطية، نادرًا ما سمعنا سياسيين يقولون إنهم ما زالوا يتعلمون، أو إنهم يحتاجون إلى الوقت. كان هناك نقص في التواضع السياسي، ما يدفعون ثمنه اليوم.
ما تقوله دقيقٌ جدًا، لكنني أعتقد أن المشكلة التي واجهوها – وهي بالمناسبة تنطبق على جميع الأحزاب السياسية في مختلف أنحاء العالم – تتمثّل في خشيتهم من أن يؤدي مثل هذا الخطاب إلى فقدان الناخبين. فالحزب السياسي يسعى دائمًا إلى إظهار نفسه بوصفه الأكثر شرعية والأقدر على قيادة البلاد خلال هذه المرحلة. وهناك منطق المنافسة الانتخابية الذي يمنع الأحزاب من تبني خطاب من هذا النوع، لأن ذلك قد يجعلها تبدو وكأنها تفتقر إلى الخبرة. ببساطة، لا تستطيع الأحزاب تحمل كلفة تقديم نفسها بهذه الصورة.
في مجموعات التركيز التي تحللينها في مقالك المنشور في المجلة التونسية للعلوم السياسية، نرى أن اهتمامات الناس ملموسة للغاية: النقل، الأسعار، البطالة، وغيرها. ما وجدته مثيرًا للاهتمام هو وجود ما يمكن تسميته بـ«اليومية» في انشغالات المواطنين، وهي مسألة فشلت الأحزاب السياسية في تقديم إجابات لها. وأنا لا أتحدث هنا حتى عن برامج اجتماعية أو اقتصادية، بل عن فكرةٍ أبسط: هناك مشكلات يومية تحاصر حياة الناس، ويُفترض أن تكون مهمة السياسة المساهمة في حل هذه المشكلات. لدي انطباع بأن هذا البعد من العمل السياسي لم يوضع في صلب الاهتمام خلال مرحلة الانتقال الديمقراطي، وأن أحد عناصر قوة النظام الحالي يتمثل في تقديم نفسه بوصفه منشغلًا بـ «معالجة» هذه المشكلات اليومية أو على الأقل بإظهار الاهتمام بها: النظافة، النقص في المواد الأساسية، وغير ذلك. باختصار، كان هناك اهتمام بالحياة اليومية، مهما بدا بسيطًا أو عاديًا، لكنه كان غائبًا نسبيًا خلال المرحلة الانتقالية الديمقراطية.
إنها طريقة لخلق نوع من القرب بين المواطنين وهمومهم. وإذا استحضرنا السنوات الأولى من المرحلة الانتقالية، نجد أن الاستقطاب بين الإسلاميين وغير الإسلاميين طغى على القضايا اليومية، وقد نجح ذلك لفترة من الزمن. كان الحديث يدور باستمرار حول أن الإسلاميين يمثلون تهديدًا، أو أن اليساريين يشكّلون تهديدًا للإسلام، وما إلى ذلك. لكن سرعان ما أدرك الناس أن هذا الخطاب لا يغير شيئًا في حياتهم الفعلية.
والأحزاب السياسية نفسها، من ضمنها الأحزاب الإسلامية، تنبّهت سريعًا إلى ذلك. أتذكر أن عبد الحميد الجلاصي، الموجود حاليًا في السجن، قال لي خلال مقابلة: «في النهاية، لا يريد الناس أن نقودهم إلى الجنة، بل ينتظرون منا إصلاح الطرقات والإنارة العامة». أعتقد أنه منذ عام 2014، وربما قبل ذلك، أدرك الفاعلون السياسيون أن المسألة الهوياتية ليست بهذه الأهمية. كما أكد التحالف بين حركة النهضة ونداء تونس عام 2014 هذه الحقيقة. إذ بات واضحًا للجميع أن التنافس القائم على الهوية لم يكن سوى خطاب فارغ لا يؤدي إلى شيء.
لكن الإصلاحات التي كان يُفترض تنفيذها لم تُنفَّذ قط. وعندما نتحدث عن الإصلاحات، فهذا لا يعني بالضرورة أنها ستحسّن حياة المواطنين اليومية، بل قد تكون لها آثار سلبية أحيانًا، كما في حالة إصلاح نظام الدعم المالي. علاوة على ذلك، لم تحظَ النقاشات حول هذه القضايا بحضورٍ كافٍ في الإعلام أو في المجال العام. وهذا يعيدنا إلى السؤال الأساسي المتعلق بعدم المساواة بين المواطنين في علاقتهم بالسياسة. فحين يُطرح على شاشة التلفزيون نقاش حول الدعم المالي أو الضمان الاجتماعي أو خصخصة الخطوط الجوية التونسية، لا يمتلك الجميع القدرات أو المعارف نفسها لفهم هذه القضايا. لذا، فإن ما يهم عددًا كبيرًا من المواطنين هو أن تكون الشوارع نظيفة، وأن يشعروا بالأمان، وألا ترتفع أسعار السكر والحليب والخبز عندما يذهبون إلى التسوق.
اليوم، يخلق النظام هذا القرب مع المواطنين عبر إظهار اهتمامه بقضايا تمسّهم مباشرةً، ومنها قضية النفايات.
وتكمن خصوصية ما يجري الآن في نشر رسائل على فيسبوك، مثل: «أمر الرئيس بتنظيف الشوارع»، أو وجّه بتنفيذ هذا الإجراء أو ذاك. إنه خطاب مباشر للمواطنين ليقول لهم: «نحن نهتم فعلًا بكم وبما يشغلكم». وبطبيعة الحال، يظهر هنا أيضًا التفاوت في مستويات فهم السياسة. فهناك من يملكون خبرة سياسية تجعلهم يقولون: «هذا غير منطقي؛ فليس من مهام رئيس الجمهورية التعامل مع هذه الأمور»، بينما قد يقول المواطن العادي: «إنه يفكر فينا، ويهتم بنا». وهذه سمة أساسية في الخطابات والممارسات الشعبوية التي تسعى إلى الاقتراب قدر الإمكان من المواطنين ومن القضايا التي يفترض أنها تعنيهم. وهنا، أشير إلى أعمال بيير بورديو، فالأحزاب السياسية عمومًا، كذلك رئيس الجمهورية في هذه الحالة، لا تمثل مصالح المواطنين بدقة فحسب، بل تساهم أيضًا في تشكيل هذه المصالح وصياغتها.
ثمة نقطة مشتركة بين المجموعتين اللتين لفتتا انتباهي. فسواء كان الأشخاص مؤيدين للنظام أو معارضين له، وسواء كانوا ناقدين له أم لا، فإن قضية الهجرة من جنوب الصحراء الكبرى تشغلهم جميعًا. غير أن الاهتمام بهذه القضية، أو بنظرية «الاستبدال الكبير»، ليس أمرًا تلقائيًا، بل جرى بناؤه وصناعته وتقديمه باعتباره القضية الملحة والخطر الوشيك الذي يهدد المجتمع التونسي. وما تظهره مجموعات التركيز هو أن مسألة الهجرة من جنوب الصحراء فُرضت على المواطنين بوصفها مصدر قلق أساسي. وهذا في جوهره نتيجة لتأثر وسائل الإعلام والدعاية السياسية ووسائل التواصل الاجتماعي.
أود أن أعود قليلًا إلى المكانة التي باتت تحتلها نظريات المؤامرة. فيُنظر غالبًا إلى الفكر المؤامراتي على أنه من مظاهر الجهل الشعبي. لكن في ورقتك البحثية، نرى أنه يُستخدم لتفسير أمور تسير على نحوٍ خاطئ، مثل الاقتصاد، ونقص المواد الأساسية، وفرص العمل، والبطالة، وغيرها. برأيك، ما الذي تكشف عنه هذه النزعة إلى تفسير الأزمات من خلال نظرية المؤامرة؟
أعتقد أن مجموعات التركيز أظهرت أن الناس لا يسقطون في الفكر المؤامراتي أو يتبنونه بصورة تلقائية. هناك نوع من الاستعداد المسبق لتصديق هذه الخطابات المؤامراتية بسبب سياق الأزمة والحاجة إلى العثور على جهةٍ مسؤولة عنها. في المقابل، هناك أيضًا ما يمكن تسميته بالعرض المؤامراتي؛ أي أنه لو لم يجد هذا الشعور بالأزمة خطابًا مؤامراتيًا جاهزًا يواجهه، لما تحول بالضرورة من تلقاء نفسه إلى نظرية مؤامرة. وتنتشر نظريات المؤامرة هذه على وسائل التواصل الاجتماعي، وتروّج لها بعض الخطابات السياسية، وهي تمنح الناس تفسيرات لمشكلاتهم. فإذا كانت هناك ندرة في المواد الأساسية، فذلك، بحسب هذه السرديات، بسبب الهجرة من جنوب الصحراء. وإذا كان المجتمع مهددًا، فذلك بسبب المنظمات النسوية والتمويل الأجنبي الذي يهدف إلى تقويض المجتمع التونسي. وإذا لم تتوفر فرص العمل، فالمسؤول هو الهجرة من جنوب الصحراء، كذلك النساء اللواتي يعملن بقدر ما يعمل الرجال؛ إذ يقال إنه لو بقيت النساء في المنزل لأمكن حل مشكلة البطالة.
هذه الخطابات تمنح الناس شعورًا بوجود تهديد وشيك، وبأن المجتمع والدولة مستهدفان من قوى نافذة تعمل في الخفاء. وفي ذلك جانب مطمئن على نحوٍ ما، لأنه يمنح الأفراد إحساسًا بالأهمية، بينما يساهم في تعبئة المشاعر وتحريكها. فالشخص الذي يقول: «أنا أعارض المهاجرين من جنوب الصحراء» أو «أنا مهتم بقضية الهجرة من جنوب الصحراء»، لا يتحدث عادةً بلغة السياسات العامة للدولة تجاه وكالة «فرونتكس»، أو إيطاليا، أو الاتفاقيات المبرمة مع الدول الأوروبية. ولا ينشغل هذا الشخص بالجوانب التقنية أو السياسية للملف، بقدر ما يستشعر تهديدًا ومؤامرة تُحاك من قبل أطراف أخرى: «الخونة» داخل تونس، والقوى الغربية التي تسعى، بحسب هذا التصور، إلى تدمير البلاد. هذه التعبئة العاطفية تجعل النقاش حول الهجرة من جنوب الصحراء شبه مستحيل، لأن أي شخص يحاول مناقشة الموضوع قد يُتهم مباشرةً بالخيانة. فالمسألة تُطرح هنا بمنطق وطني أكثر مما تطرح بوصفها قضية سياسية أو إدارية قابلة للنقاش.
أودّ العودة إلى مسألة المصالح التي تمثلها الأحزاب، لأنه يبدو لي أن ثمة قدرًا من المفارقة في كون الأحزاب فشلت في الاضطلاع بمهمة تمثيل الانقسامات وتباينات المصالح داخل المجتمع. فعلى سبيل المثال، لم تسعَ إلى تمثيل فئة اجتماعية معينة أو حتى منطقة محددة، بل فضلت بدلًا من ذلك اعتماد سياسات توصف بالـ«توافقية» في ما بينها. ثم انتهى بها الأمر إلى الإقصاء من المشهد السياسي والتعرض لانتقادات واسعة من مختلف الأطراف، على أساس أنها لا تمثل سوى مصالحها الخاصة.
كانت الفكرة القائلة إن الأحزاب لا تمثل سوى مصالحها الخاصة، وإن غايتها الوحيدة هي الوصول إلى السلطة، كانت سائدة بالفعل عام 2012 عندما أجريت بحثًا ميدانيًا في جنوب تونس. هذا ما كان يقوله المستجيبون آنذاك، على الرغم من أن البلاد كانت بعيدة حينها عن مرحلة التوافق السياسي. ومنذ ذلك الحين، لم تزد هذه القناعة إلا رسوخًا، أي الاعتقاد بأن الأحزاب لا تسعى إلا إلى السلطة وأنها غير مبالية بالمواطنين ومصالحهم، إلى أن بلغت ذروتها في رفض شبه كامل للأحزاب، ما جسدته أجواء الابتهاج الشعبي مساء 25 تموز/يوليو 2021. ويقول باحثون مثل ميشال كامو، إن تونس شهدت في الواقع ثورتين. الأولى، هي ما يسميه ثورة الكرامة، في إشارة إلى المطالب الاجتماعية والاقتصادية التي رفعها المحتجون ضد نظام زين العابدين بن علي. أما الثانية فهي الثورة المؤسسية، أي المسار الذي انشغلت فيه الأحزاب السياسية بالقضايا المؤسسية، ولا سيما إعادة تشكيل النظام السياسي، على حساب القضايا الاجتماعية والاقتصادية. ويرى أن هذا التركيز هو أحد الأسباب الرئيسية التي أدت إلى فقدان الأحزاب مصداقيتها. ولا أعلم إن كان من المناسب وصف ذلك بالمفارقة، لكن المؤكد أن مجموعة من العوامل تضافرت لتضخيم هذه الظاهرة في تونس مقارنة بسياقات أخرى، لا سيما الديمقراطيات الأقدم عهدًا، إذ استغرق مسار تآكل الثقة بالأحزاب وقتًا أطول بكثير، في حين أنها حدثت بوتيرة سريعة للغاية في تونس.
ومن المهم التذكير بأن أي حزب أو فاعل سياسي حاول تناول القضايا المرتبطة مباشرةً بهموم المواطنين الحقيقية، كان يُتهم بالشعبوية. فنتذكر مثلًا منذ عام 2011، مبادرات مثل «العريضة الشعبية» التي دعت إلى مجانية النقل العمومي وخفض سعر الخبز إلى مئة مليم. وهكذا، بدت الساحة السياسية وكأنها منقسمة بين أطراف شعبوية فعلًا، بل وغير المسؤولة أحيانًا، وبين أحزاب سياسية تعيش على كوكب آخر، منفصلة تمامًا عن المواطنين وقضاياهم اليومية.
عندما ننظر إلى إحصاءات التحركات الاجتماعية التي ينظمها المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية FTDES كل ثلاثة أشهر، نلاحظ أن التحركات «المدنية» – أي المرتبطة بالحقوق السياسية والمدنية والديمقراطية – والتحركات الاجتماعية، سواء المتعلقة بالعمل أو بصرف الأجور أو بتنفيذ الاتفاقات والوعود التي قطعتها الدولة، تتنافس جميعها على صدارة قائمة الاحتجاجات. لكن هذه التحركات تبدو وكأنها خطان متوازيان لا يلتقيان. لماذا يصعب هذا التقاطع إلى هذا الحدّ، وما الدور الذي تؤديه الأحزاب السياسية في هذه الصعوبة؟
أعتقد أنه لفهم هذه المسألة يجب العودة إلى أمرٍ طبع المرحلة التي أعقبت عام 2011 بأكملها، وهو حالة التنافس أو التباعد بين المجتمع المدني والأحزاب السياسية. فلم يعمل الطرفان معًا، أو على الأقل كان تعاونهما محدودًا جدًا. ففي بعض المراحل، كان المجتمع المدني يقدم نفسه على أنه الطرف القادر على تحقيق الأمور الملموسة ومرتبط باحتياجات المجتمع اليومية. إذ كان ينظّم دورات تدريبية وينفذ أنشطة ميدانية، بينما بدت الأحزاب وكأنها تعيش في عالم آخر، وفقدت تدريجيًا جزءًا كبيرًا من شرعيتها.
ما يحدث اليوم يدفعنا إلى استعادة التمييز الذي وضعه كامو بين الثورة المؤسَّسَة وثورة الكرامة، وبالتالي الفصل بين المطالب والانشغالات الاجتماعية والاقتصادية من جهة، والقضايا المؤسسية والسياسية من جهة أخرى. ويستمر هذا التمييز حتى الآن، ويتجلى خصوصًا في حالة الارتياب تجاه الأحزاب السياسية، وفي الشعور السائد بأن تدخّل الأحزاب في أي تحرك يؤدي إلى إفشاله. علاوة على ذلك، تمر منظمات المجتمع المدني اليوم في مرحلة صعبة، لأنها بدورها واقعة تحت ضغوط السلطة الحاكمة، من خلال الرقابة المالية والضريبية وغيرها، ما يجعلها تعمل في ظروفٍ شديدة التعقيد. وربما ترى أن الارتباط بالأحزاب السياسية قد يعقّد الأمور أكثر.
مع ذلك، تبقى هذه الصورة تبسيطية إلى حدٍ ما. ففي الواقع العملي، توجد روابط ومبادرات مشتركة بين الطرفين، ولا يمكن الحديث عن فصل تام يمنع أي شكل من أشكال التعاون. فعندما ننظر إلى الاحتجاجات المناهضة للنظام، نجد حضورًا للأحزاب السياسية. على سبيل المثال، خلال تظاهرة 29 تشرين الثاني/نوفمبر، التي اعتُقلت خلالها شيماء عيسى، كان المشهد أشبه بموكبٍ تسير فيه الجمعيات والأحزاب السياسية كلٌ ضمن مجموعته الخاصة، الواحد تلو الآخر. إذن، الروابط موجودة بالفعل، الشكوك المتبادلة ما زالت قوية. وأعطي مثالًا ورد في إحدى المقابلات. عندما يُنظّم تحرّك احتجاجي، يكون الشعار المرفوع هو عدم إضفاء أي لون سياسي عليه، وألا ترفع الأحزاب شعاراتها أو أعلامها الخاصة. لكن العديد من قادة الأحزاب السياسية يفعلون ذلك، فيخرقون هذا التوافق ويسعون إلى تصدّر المشهد لأنهم يريدون نسب التحرك إلى أحزابهم. ومثل هذه الممارسات تزيد من حدة التنافس وتعمّق مشاعر الريبة بين الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني.
تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.