إعادة الإعمار من دون مشاركة المجتمع: مخاطر نهج إعادة الإعمار "من الأعلى إلى الأسفل" في سوريا

لقراءة الورقة كاملة، يرجى النقر هنا

مظاهرات في ماروتا سيتي - أيار/مايو 2026. (c) حايد حايد

ملخص تنفيذي

  • منذ سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، وضعت السلطات الانتقالية في سوريا الاستثمار في صلب أجندتها لإعادة الإعمار. ولم تُعالج عملية إعادة الإعمار بوصفها مسارًا للتعافي العام تحدّده الاحتياجات الاجتماعية والنقاش المفتوح وتحديد الأولويات بشفافية، بل باعتبارها جهدًا يُدار مركزيًّا لجذب رؤوس الأموال وتسويق المشاريع وإظهار التقدم أمام المستثمرين الإقليميين والدوليين.
  • أدى هذا النهج إلى نموذج يغلب عليه نهج الهرمية الفوقية"من الأعلى إلى الأسفل". فغالبًا ما تُتخذ القرارات الرئيسية داخل دوائر رسمية واقتصادية ضيقة قبل إبلاغ المجتمعات المحلية المتأثرة بها أو إشراكها بشكل فعّال. ويبدو أن الافتراض السائد هو أن السلطة السياسية والموافقات الإدارية والإنجازات الملموسة ستكون كافية لضمان قبول الرأي العام. ومع ذلك، في بلد لا تزال فيه حقوق الملكية وقضايا النزوح وإعادة تطوير المدن موضع خلاف عميق، فإن هذا رهان محفوف بالمخاطر. فعندما تُعلن المشاريع قبل التشاور مع السكان، ولا تُعالج الشكاوى إلا بعد ظهور المعارضة بشكل علني، يمكن للمبادرات التي تُقدَّم على أنها جزء من التعافي أن تتحول سريعًا إلى بؤر توتر.
  • تُظهر الحالات التي جرى فحصها في هذا التقرير كيف تتجلى هذه التوترات في سياقات مختلفة. ففي حمص، يُجسّد مشروع بوليفارد النصر كيف يمكن لمشاريع إعادة التطوير الممولة من القطاع الخاص أن تُحيي مظالم قديمة عندما تتقاطع مع ملفات غير محسومة تتعلق بالمصادرة والنزوح. وفي حلب، تُبرز إعادة إعمار حي الحيدرية المخاطر المترتبة على استئناف خطط إعادة التطوير التي وُضعت في عهد الأسد وتعثرت لاحقًا، من دون شفافية أو مشاركة مجتمعية أو ضمانات موثوقة. أما في دمشق، فيكشف مشروعا "ماروتا سيتي" و"باسيليا سيتي" كيف يُعاد تقديم أطر إعادة التطوير التي أُقرّت خلال الحرب بوصفها فرصًا استثمارية، ما يُنذر بتطبيع المظالم السابقة بدلًا من معالجتها.
  • وتشير حالات أخرى إلى مخاوف ذات صلة، وإن كانت مختلفة في طبيعتها. ففي جوبر والقابون، تركز الجدل حول نموذج تمويلي بدا وكأنه يشترط على السكان التنازل عن جزء من حقوقهم العقارية مقابل إعادة الإعمار، ما جعل عملية إعادة الإعمار تبدو أقرب إلى تجدد نزع الملكية منه إلى تمكين السكان من العودة. أما حديقة الجاحظ في دمشق، فتُظهر أن مشاريع التأهيل القائمة على الاستثمار يمكن أن تثير أيضًا اعتراضات عندما يُنظر إليها على أنها تغير طبيعة الوصول إلى الفضاءات العامة المشتركة أو السيطرة عليها.
  • ولا تعني هذه الحالات أن الاعتراض على إعادة الإعمار أمر حتمي أو موحد أو واسع النطاق، بل إنها تحدد الظروف الأكثر احتمالًا لإثارة الاحتكاكات وهي: محدودية التشاور المبكر، وغموض القواعد التي تحكم إعادة الإعمار، وضعف الضمانات، واستمرار النزاعات حول الحقوق، والتصور بأن المجتمعات المحلية مُطالبة بقبول قرارات اتُخذت من دون استشارتها.
  • ويخلص التقرير إلى أنه لا ينبغي النظر إلى اعتراضات المجتمعات المحلية باعتبارها مجرد نزاعات محلية معزولة، بل بوصفها مؤشرًا على خللٍ أعمق في نموذج إعادة الإعمار الناشئ في سوريا، يتمثل في الإخفاق في إشراك الفئات الأكثر تضررًا من عمليات إعادة التطوير بصورةٍ حقيقية. فعملية إعادة الإعمار منفصلة عن احتياجات وأولويات السكان المحليين قد تؤدي إلى إحياء مظالم قديمة، وخلق أشكال جديدة من الإقصاء، وإضفاء الشرعية على نتائج ترى فيها العديد من المجتمعات المحلية قرارات مفروضة عليها، لا نابعة من توافقٍ معها.
  • وفي الوقت الذي تعيد فيه السلطات الانتقالية في سوريا تشكيل المشهدين الحضري والاقتصادي للبلاد، ستحدد القرارات التي تُتخذ اليوم من سيتمكن من العودة، ومن سيستفيد من إعادة الإعمار، ومن سيُعترف بحقوقهم، ومن ستُستبعد أصواتهم. ولا يمكن لعملية إعادة إعمار تُهمّش المجتمعات المتضررة أن تضع الأسس اللازمة للسلام أو الاستقرار أو الازدهار.

مقدمة

منذ سقوط نظام الأسد، أصبحت إعادة الإعمار، بصورة سريعة ومفهومة، أولوية مركزية للسلطات الانتقالية في سوريا. وتُقدَّم عملية إعادة الإعمار باعتبارها ضرورة اقتصادية ومؤشرًا على التعافي الوطني. فقد نُظِّمت مؤتمرات استثمارية، وكُشِفَ عن خطط لإعادة التطوير، واستُعرِضت مشاريع كبرى كدلائل على أن البلاد بدأت تتعافى من سنوات من الحرب.1Haid Haid, “Syria Needs a New Reconstruction Approach,” Al Majalla, 10 October 2025, https://en.majalla.com/node/327059/opinion/syria-needs-new-reconstruction-approach.

غير أن إعادة الإعمار في سوريا لا تجري في بيئة محايدة. فالبلد خرج من صراعٍ خلّف مؤسسات منهكة، وموارد عامة محدودة، ودمارًا ماديًا واسع النطاق، وموجات نزوح كبيرة. وفي الوقت نفسه، تتفاعل المجتمعات المحلية مع مشاريع إعادة الإعمار في ظلّ مظالم لم تسوَّ بعد، ونزاعات على الملكيات، وغموض قانوني، وإرث طويل من سياسات التغيير العمراني القسري ونزع الملكية.2Haid Haid, “Restoring Stolen Homes and Livelihoods in Post-Assad Syria,” PAX for Peace, 8 September 2025, https://paxforpeace.nl/news/restoring-stolen-homes-and-livelihoods-in-post-assad-syria/. كما تتعزز مخاوف السكان بفعل الذاكرة القريبة لسياسات إعادة الإعمار التي انتهجها نظام الأسد، التي لا تزال حاضرة بقوة، وتغذّي القلق من أن تُعيد خطط البناء الجديدة إنتاج أنماط سابقة من الإقصاء ونزع الملكية التي شهدتها البلاد سابقًا.

في هذا السياق، لا تقتصر إعادة الإعمار على ترميم البنية التحتية المادية، بل تشمل أيضًا إعادة بناء العلاقة بين المواطنين والدولة. فالطرق والمساكن وشبكات الخدمات والمرافق العامة عناصر أساسية، لكنها وحدها لا تكفي لاستعادة الثقة في السلطة العامة أو لترسيخ شعور جماعي بالتعافي.

ومع ذلك، لا يزال النهج الرسمي السائد يقوم إلى حدٍ كبير على نموذج مركزي وفَوقي لإعادة الإعمار، يركز على الاستثمار، وتتخذ فيه السلطات المركزية القرارات من دون إشراك فعلي للمجتمعات المتضررة. وتعامل إعادة الإعمار أساسًا باعتبارها عملية تقنية ومالية، تعطي الأولوية للسرعة وإظهار الإنجازات وجذب رؤوس الأموال. وغالبًا ما يأتي ذلك على حساب المشاركة المجتمعية وحقوق السكان والمجتمعات المحلية. ونتيجة لذلك، دفعت السلطات باتجاه تنفيذ مشاريع إعادة الإعمار قبل معالجة المظالم الأعمق بشكلٍ كافٍ.3Haid, “Syria Needs a New Reconstruction Approach.”

وقد أدت هذه الديناميكية إلى اتساع الفجوة بين الخطاب الرسمي والتجربة اليومية للسكان. على مستوى السياسات، تُقدَّم إعادة الإعمار بوصفها مسارًا نحو الانتعاش الاقتصادي والتحديث. أما على الأرض، فترتبط في كثير من الأحيان بحالةٍ من عدم اليقين والمخاطر واستمرار النزاعات، لا سيما في ما يتعلق بحقوق الملكية والتهجير والتعويضات وإمكانية الوصول إلى الفضاءات العامة.4مقابلة أجراها المؤلف مع باحث سوري، دمشق، تشرين الأول/أكتوبر 2025.

وتبدو عملية إعادة الإعمار وكأنها تُصاغ ويُتفق عليها داخل دوائر رسمية استثمارية ضيقة قبل عرضها على المجتمعات المتأثرة بها. وفي ظلّ غياب فرص حقيقية للتأثير في القرارات منذ مراحلها الأولى، يواجه السكان نتائج غير واضحة تتعلق بالتعويضات وحقوق الملكية وإمكان العودة إلى مناطقهم أو البقاء فيها. لذلك، لا يُنظر إلى إعادة البناء دائمًا بوصفها عملية تعافٍ، بل تُعدّ في كثير من الأحيان مصدرًا للقلق والنزاع.5Haid, “Syria Needs a New Reconstruction Approach.”

ويفسّر ذلك إلى حدٍ كبير تشابه ردود الفعل الاحتجاجية والاعتراضية التي أثارتها مشاريع إعادة الإعمار في أجزاء مختلفة من البلاد. وعلى الرغم من اختلاف التفاصيل من منطقةٍ إلى أخرى، تعكس المواقف المحلية هواجس مشتركة، أبرزها ضعف التشاور، وغياب الشفافية، وانعدام اليقين بشأن الحقوق، والمخاوف من الخصخصة، والشعور بأن أولويات الاستثمار تتقدّم على احتياجات السكان.6مقابلة أجراها المؤلف مع ممثل عن المجتمع المدني، دمشق، كانون الأول/ديسمبر 2025. وعندما تُهمّش هذه الأبعاد الاجتماعية والسياسية لصالح البناء السريع وجذب الاستثمارات، فإن إعادة الإعمار تخاطر بأن تظل  غير مكتملة، حتى وإن بدت ناجحة على الورق.

يستعرض هذا التقرير كيف تتطور عملية إعادة الإعمار خلال المرحلة الانتقالية في سوريا. ويبدأ بتحليل النموذج القائم على الاستثمار الذي اعتمدته السلطات والمنطق الذي يستند إليه. ثم ينتقل إلى دراسة مجموعة من الحالات في حمص ودمشق وحلب، لإظهار كيفية تطبيق هذا النهج عمليًا، وكيف تتلقاه الأطراف المحلية وتُعارضه وتعيد تشكيله. ويختتم التقرير بتأكيد الحاجة إلى الانتقال نحو إطار أكثر شمولًا يمنح أولوية أكبر للحقوق والمساءلة والشفافية والمشاركة العامة.

ويستند هذا التحليل إلى 45 مقابلة شبه منظمة أُجريت داخل سوريا بين تموز/يوليو 2024 وأيار/مايو 2026، وشملت سكانًا وفاعلين في المجتمع المدني ومسؤولين ومستثمرين ومحللين وصحافيين، بالإضافة إلى آخرين شاركوا بشكل مباشر في عملية إعادة الإعمار أو تأثروا بها. ومُنِح جميع المشاركين في المقابلات حق عدم الكشف عن هوياتهم، بما يضمن لهم حرية التعبير. كما يعتمد التقرير على مصادر مفتوحة، تشمل بيانات رسمية، ووثائق المشاريع، وتقارير إعلامية محلية.

وتتمثل الفكرة الأساسية للتقرير في أن اعتراضات المجتمعات المحلية لا ينبغي النظر إليها بوصفها نزاعات معزولة أو ردود فعل مرتبطة بمشاريع محددة، بل باعتبارها مؤشرات تحذيرية تكشف خللًا هيكليًا أعمق في نموذج إعادة الإعمار الناشئ في سوريا، يتمثل في الإخفاق في إشراك السكان الأكثر تأثرًا بهذه المشاريع بشكل هادف.

إن إعادة الإعمار المنفصلة عن احتياجات المجتمعات المحلية وأولوياتها تخاطر بأن تتحول إلى شيء آخر غير التعافي. فهي قد تُعيد إنتاج المظالم القديمة، وتخلق أشكالًا جديدة من الإقصاء، وتستخدم خطاب إعادة الإعمار لإضفاء الشرعية على نتائج ترى فيها العديد من المجتمعات المحلية قرارات مفروضة عليها، وليست عملية تشاركية.

ومع إعادة السلطات الانتقالية في سوريا تشكيل ملامح المستقبل العمراني والاقتصادي للبلاد، فإن القرارات التي تُتخذ اليوم ستحدد من سيتمكن من العودة، ومن سيجني ثمار إعادة الإعمار، وأي المطالب سيُعترف بها، وأي الأصوات ستبقى هامشية. ولن تتمكن إعادة إعمار سوريا من تحقيق السلام أو الاستقرار أو الازدهار، ما دامت تستمر في تجاهل الأشخاص الذين يُفترض أن تكون هذه العملية قد أُطلقت من أجلهم.

Endnotes

Endnotes
1 Haid Haid, “Syria Needs a New Reconstruction Approach,” Al Majalla, 10 October 2025, https://en.majalla.com/node/327059/opinion/syria-needs-new-reconstruction-approach.
2 Haid Haid, “Restoring Stolen Homes and Livelihoods in Post-Assad Syria,” PAX for Peace, 8 September 2025, https://paxforpeace.nl/news/restoring-stolen-homes-and-livelihoods-in-post-assad-syria/.
3 Haid, “Syria Needs a New Reconstruction Approach.”
4 مقابلة أجراها المؤلف مع باحث سوري، دمشق، تشرين الأول/أكتوبر 2025.
5 Haid, “Syria Needs a New Reconstruction Approach.”
6 مقابلة أجراها المؤلف مع ممثل عن المجتمع المدني، دمشق، كانون الأول/ديسمبر 2025.

تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.