الحركة الطلابية النقابية في تونس، مهد سياسي في حالة تحرك: حوار مع مطاع أمين الواعر

Student Activism in Tunisia: A Political Cradle in Flux | An Interview with Moutaa Amin El Waer
صورة غلاف صفحة UGET الرسمية على فيسبوك UGET

لطالما شكّل العمل النقابي الطلابي في تونس بوابة الدخول إلى عالم السياسة للمعارضة التاريخية للأنظمة المختلفة. بعد ثورة 2011، شهد هذا المجال تطورات مهمة سواء على مستوى دينامياته الداخلية أو في علاقاته بالسياسة. وخصص مطاع أمين الواعر أطروحته الجامعية لتحليل هذه التطورات السياسية داخل النقابات الطلابية. واستفاد من خبرته داخل إحدى هذه النقابات خلال فترة دراسته (واستضفناه سابقاً عام 2022 في الحلقة الثامنة من سلسلة البودكاست «على الميدان» حول تجربته في الإثنوغرافيا الذاتية)، حلّل علاقة النقابتين الطلابيتين التونسيتين (الاتحاد العام لطلبة تونس، المرتبط تاريخياً باليسار، والاتحاد العام التونسي للطلبة، ذو التوجه الإسلامي تاريخياً) بالسياسة، سواء باعتبار النقابتين حاضنة للتنشئة السياسية أو بوصفها طرفاً مقابلاً لبعض الأحزاب السياسية. وفي سياق عودة النزعة الاستبدادية، لم تعد مكانة النقابات الطلابية، التي كانت تاريخياً في صلب المعارضة، واضحة كما كانت في السابق.

مطاع أمين الواعر هو أستاذ مساعد في قسم علم الاجتماع في جامعة تورونتو. ويحمل درجة الدكتوراه في علم الاجتماع من جامعة مونتريال.

هل يمكنك أن تخبرني عن مدى أهمية النقابات الطلابية في المجال السياسي التونسي؟

عندما نتحدث عن أهمية النقابات الطلابية، فإن أول ما يجب ملاحظته هو أن هذه الأهمية لا جدال فيها بالنسبة إلى الفاعلين السياسيين. بالنسبة إليهم، هي مسألة بديهية تمامًا. بالنسبة إليّ أيضًا، كانت كذلك في البداية: عندما بدأت، عملت أيضًا على مساري الخاص بصفتي عضوًا سابقًا في إحدى النقابات الطلابية UGET (الاتحاد العام لطلبة تونس ذو التوجه اليساري) قبل عام 2010. ما كان يثير اهتمامي في البداية هو الخلل الوظيفي في هذا الفضاء. لكن تدريجياً، بدأت أشكك في هذه البديهية المشتركة لدى الجميع، والتي تفترض أن الفضاء الجامعي هو نقطة الانطلاق الحتمية لأي دخولٍ في السياسة الثورية أو الراديكالية.

هنا، يمكنني توضيح الفكرة من خلال حكايةٍ صغيرة. قبل بضع سنوات، أعتقد أنها كانت منذ أربعة أو خمسة أعوام، قدمتُ ورقةً بحثيةً في مؤتمرٍ نظمته جمعية لقدماء النشطاء والناشطات. تناول البحث الحراك الطلابي في شباط/فبراير 1972.1Wael Benjeddou, “The Student Uprising of 5 February 1972: Circumstances, Causes, and Consequences” [Arabic], Nawaat, 7 February 2016, https://tinyurl.com/5acjsufv وكان من بين الحضور نشطاء من تلك الحقبة، وآخرون من أجيال لاحقة، بالإضافة إلى أشخاص تخرجوا من الجامعة حديثاً، وأخيراً نشطاء لا يزالون نشطين في الجامعة. كان جمهوراً متنوعاً للغاية، ومثيراً للاهتمام لعرض مثل هذه الأفكار. أذكر أنني ترددت كثيراً في طرح تساؤلاتي حول هذه البديهية، لكنني قلت لنفسي إنه لن يكون هناك وقت أفضل لعرض هذه الأفكار. في مداخلتي، انتقدت ما يمثله شباط/فبراير 1972 بالنسبة إلى الجيل الحالي، محاولاً إعادة طرح فكرة ضرورة التفكير في هذه البديهية القائلة إن النضال السياسي يجب أن يبدأ من الجامعة. حاولت أن أشرح أن هذه المسلّمة إشكالية على عدة مستويات. لكنني تلقيت ردود فعل شديدة العدائية. لكنها عدائية أتعاطف معها كثيراً لأنها صادرة عن أشخاص يشعرون أنهم محاصرون من كل الجهات، فيقولون لأنفسهم: «حتى هذا الشخص الذي هو منا، ابن الاتحاد العام لطلبة تونس UGET، بدأ يطرح أسئلةً غريبة». من بين التعليقات التي تلقيتها أن العضو يحاول اختلاق مشكلات داخل الاتحاد حتى حين تغيب المشاكل، للقول فقط إن الأمر لا يعمل بشكلٍ جيد، في حين أن هذا هو بالضبط الجانب الوحيد الذي يعمل فيه الاتحاد بكفاءةٍ عالية: إدماج النشطاء في العمل السياسي عبر الجامعة، وهذا أمر إيجابي. ولم يكن مطروحاً أصلاً أن تسير الأمور بطريقةٍ أخرى.

بالطبع، بالنسبة إلى جمهور غير مطلع على واقع الجامعة التونسية، قد يبدو هذا الوضع غريباً، لكن ما يجب معرفته هو أن الحركة الطلابية ساهمت عملياً في نشأة جميع مجموعات المعارضة السياسية. بعض هذه الجماعات نشأت بشكلٍ مباشرٍ داخل الجامعة، وعملت فيها لفترةٍ طويلة، ثم سعت إلى توسيع نشاطها خارج الحرم الجامعي. وحتى الحركات التي لم تنشأ في الجامعة، مثل الإسلاميين، فتشكّلت إلى حدٍ كبير من خلال التجربة النضالية لأجيالها الطلابية الأولى. فحركة النهضة مثلاً، التي كانت تُعرف آنذاك باسم «حركة الاتجاه الإسلامي» (MTI)، صاغتها تلك التجربة الطلابية، وكان لدى أعضائها الكثير من القواسم المشتركة مع اليسار، والقوميين العرب، والليبراليين.

 

ما هي عواقب تمركز الجامعة في الحياة السياسية على تجنيد الأحزاب السياسية التونسية، ولا سيما أحزاب اليسار؟

أولاً، يخلق ذلك نمطاً معيناً من التنشئة الاجتماعية، وطريقة محددة في بناء العلاقات مع الآخرين، لكنه يخلق أيضًا أو يعزز (يصعب تحديد العلاقة السببية بدقة) علاقة خاصة مع المجتمع. وتترتب على هذه العلاقة نتائج عند الخروج من الجامعة. كما أن لذلك تأثيرًا كبيرًا، في رأيي، على الكيفية التي ترى فيها أحزاب اليسار نفسها كجهات فاعلة سياسية. لذا، يمكن الإشارة على الأقل إلى هذه الأبعاد الثلاثة.

التنشئة الاجتماعية: ما يجب فهمه هو أن الطلبة النقابيين عموماً، عند دخولهم إلى الجامعة، لا يكونون معزولين. فهم ليسوا أشخاصاً يملكون علاقات اجتماعية (صداقات، عائلية، إلخ) محدودة. لكنهم يخرجون من الجامعة وهم معزولين. لذلك طرحت على نفسي السؤال: هل السبب هو الجامعة؟ أم الحركة الطلابية؟ وأتحدث هنا أساساً عن قوى اليسار وبدرجةٍ أقل القوميين - العرب.

ما يحدث هو أنه خلال السنة الأولى أو الثانية، ينخرط الطلبة في الحركة الطلابية، ويندمجون في الجماعة، ثم يحدث انفصال تدريجي. المفارقة أن الانفصال الأول يكون عن بقية الطلبة. فعندما يبدؤون نشاطهم النقابي، يكون لديهم الكثير من الأصدقاء داخل الجامعة. ويمتلكون غالباً شبكة علاقات واسعة، وهو ما يجذب إليهم «المجندين» في الاتحاد العام لطلبة تونس (UGET) من أماكن أخرى. يكوّنون صداقات في قاعات المحاضرات، وفي حصص التدريبات العملية، وفي الأحياء الجامعية. وأحياناً تعود صداقاتهم إلى مرحلة الثانوية، أو إلى مدنهم الأصلية.

في الوقت عينه، ينخرطون في الاتحاد UGET. وما يحدث فعلياً هو أنهم يقضون، تدريجياً، وقتاً أطول مع نشطاء الاتحاد UGET من جيلهم، ومن الأجيال السابقة. يندمجون تدريجياً في هذه الدوائر ويقلّ تواصلهم مع بقية دوائرهم. وكلما تقدموا في دراستهم، (مع الأخذ في الاعتبار حالات الرسوب التي "تفصلهم" عن دفعاتهم)، أصبحوا لا يختلطون إلا بنشطاء الاتحاد UGET.  عملياً، يتجلى ذلك في عدد ساعات طويلة جداً يقضونها معاً يومياً، قد تصل إلى 10 أو 15 ساعة. وهذا ما عشته في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وأردت التحقق مما إذا كان لا يزال قائماً خلال عملي الإثنوغرافي. وكانت الأيام فعلاً طويلة: يلتقون في التاسعة أو العاشرة صباحاً، ويبقون معاً حتى الساعة العاشرة مساءً.

ما يحدث هو تكثيف كبير داخل هذه الشبكة، يقابله تراجع شديد في العلاقات الأخرى. وهذا ما يخلق تلك العزلة التي يخرجون بها، غالباً من دون وعي أو قلق. وعلى العكس، هم يشعرون بأنهم ينفتحون على عالم اجتماعي غني وجذاب من خلال النقابة، التي تتيح لهم أيضاً الوصول إلى شبكة الخريجين القدماء. هؤلاء هم أشخاص غادروا الجامعة وينشطون في المجتمع المدني أو في الاتحاد العام التونسي للشغل (UGTT) أو في أحزاب المعارضة. وهذا أمر مثير للاهتمام بالنسبة إلى نشطاء في السنة الأولى أو الثانية، أن يكونوا على تواصل، ولو نادرًا، مع نشطاء معروفين، أو محامين، أو أطباء، أو غيرهم.

العلاقة بالمجتمع: من هنا تنشأ علاقة معينة بالمجتمع تنطلق من العلاقة التي يطورها هؤلاء الطلبة مع بقية زملائهم الآخرين. وهنا، أستحضر عبارة عالم الاجتماع بيير بورديو الذي يقول إن إحدى طرق التعايش مع قيودنا تتمثل في «تحويل الضرورة إلى فضيلة».2Pierre Bourdieu, “Distinction: A Social Critique of the Judgement of Taste”, Richard Tice (trans), Harvard University Press, 1984, p. 317, https://tinyurl.com/2svkk4yv فهؤلاء المعزولون يسعون إلى إنتاج تفسير معقول ومقبول لعزلتهم. ولتفسيرها، يستندون إلى الإرث الاجتماعي القوي للعلاقة بين النخبة والجامعة. ففي هذا الإرث، كان خريجو التعليم الجامعي ينظرون تاريخياً بنوعٍ من التعالي إلى بقية المجتمع. وكانت مهمة الأكاديمي، بشكلٍ عام، تُفهم بوصفها مهمة "تمدينية". ويُعاد إنتاج هذا التصور داخل المجتمع وأيضاً داخل الجامعة. فيُنظر إلى الطلبة المسيّسين بوصفهم "واعين"، بينما يُوصف الآخرون بالجهل، أو بعدم إدراك الأخطار التي تواجه البلاد. وبالتالي، يُنظر إلى المسيّسين كأشخاص يمتلكون القدرة على التوجيه والقيادة.

ويتوسّع هذا التصور ليشمل المجتمع ككل، وهو أمر فعال لأنه ليس جديدًا، بل هو جزء من أيديولوجيا الدولة منذ ستينيات القرن الماضي، وربما قبل ذلك. فكانت النخبة التي قادت الاستقلال، تتكون أساساً من خريجي ما كان يُسمى بـ«التعليم الحديث» في مقابل التعليم الديني. وطبعت هذه النخبة الدولة الجديدة بخطابها، فأصبحت الجامعة مكان إنتاج المعرفة عن المجتمع وإنتاج الحلول له وأيضاً إنتاج نوع من الازدراء. واصل النشطاء في التسعينيات والألفينيات تغذية هذا الخطاب لأنه كان يضفي معنىً على عزلتهم. هكذا تتغذى الظاهرتان بعضهما من بعض: الخطاب يبرر الواقع، والواقع يعزز الخطاب.

عند الانتقال إلى الأحزاب، نجد أن أحزاب اليسار عند تحليلها صعوبات انتشارها في المجتمع أو إيصال خطابها، تعيد إنتاج هذا التصور. إذ تميل إلى القول إن خطابها معقد بالنسبة إلى الجمهور، الذي يعجز عن فهمه، وبالتالي يجب تبسيطه. وهذا ليس حكراً على اليسار، بل نجده أيضاً لدى الليبراليين والإسلاميين والقوميين. يُفسر هذا الخطاب سبب عدم اتباع «الناس» لهم: ليس لأن الأفكار موضع إشكال، بل لأن الجمهور لا يفهمها. وهكذا لا يُعاد النظر في مضمون الخطاب، بل يُختزل الأمر في مشكلة تواصل.

على المدى البعيد، يخلق ذلك ذهنية تتسم بالقدرية، إذ يرى اليسار نفسه حاملًا معرفة متقدمة على المجتمع، لكن المجتمع عاجز عن استيعابها. عملياً، تتحول العزلة إلى قدر محتوم. وهو ما يشبه مقولة: "لا كرامة لنبي في قومه". والنتيجة سياسياً أن أحزاب اليسار تستبطن هذه الهامشية وتقتنع بأن أفكارها لا يمكن أن تصبح سائدة. ومن هنا، يتكرر نمط معين: بدل فرض أجندتها، تبحث عن قوة سياسية أخرى لتنفيذها فتدعمها بشكلٍ نقدي (كما حدث في دعم قيس سعيّد)، أو تعارض قوة أخرى على أمل أن تتبنى هذه الأخيرة برنامجها. وفي الحالتين، ينتهي بها الأمر إلى تصور نفسها كفاعلٍ ثانوي، أو كملحق بقوى أخرى.

 

في عملك، تميز بين ملفات/أنماط حالية تصفها بـ«الملفات الناشطة» داخل النقابات الطلابية، تختلف عن تلك التي عرفتها أنت بنفسك كناشط نقابي في الاتحاد العام لطلبة تونس (UGET). كيف تميّز هذا النمط الجديد وما طبيعة علاقته بالسياسة؟

في الواقع، يكمن أكبر اختلاف بين المجموعتين في كيفية إدراكهم أنفسهم. المسألة تتعلق أساساً بمستوى التصورات، لأننا نميل، عند التفكير في هذا التمييز بين «المناضلين» و«النشطاء»، لا سيما في السياق الفرنكوفوني، إلى اعتباره تمييزاً معيارياً، أي أن المناضلين هم من يناضلون بشكلٍ غيري/غير مصلحي، بينما يُنظر إلى النشطاء على أنهم أشخاص يسعون إلى بناء سيرة ذاتية تمكّنهم من التموضع لاحقاً، ما يجعل هذا النمط من النضال فردانيًّا.

أنا لا أعتمد هذا التمييز. ما أحاول إظهاره هو وجود تحول في "الإيثوس" أي المنظمة القيمية والسلوكية. نشأت الأجيال السابقة في سياق كان يُفترض فيها إظهار نكران الذات. وكان النضال حينها أيضاً يحمل جانباً مصلحياً جزئياً، ولا يزال كذلك إلى اليوم. لكن ما تغير مع الجيل الجديد هو أنه أصبح أكثر انفتاحاً على إضفاء الشرعية على هذا البعد المصلحي، لم يعد من الضروري إخفاء أو رفض المصلحة.

ويتزامن ذلك مع تغيير كبير طرأ على المجتمع. فنشأت المجموعتان في سياقات مختلفة. التنشئة النضالية القديمة، على الرغم من استمرارها إلى حدٍ ما، أصبحت أقل إلهاماً وأقليةً بحسب ملاحظاتي. أما الشكل الآخر من التنشئة فظهر تدريجياً، منذ منتصف العقد الثاني من الألفية (عام 2015 تقريباً)، ويزداد اليوم حضوراً وهيمنةً لدى الطلبة المنخرطين في العمل النقابي.

تبرز أيضاً اختلافات سوسيولوجية تؤثر على طبيعة من يُستقطبون. في النموذج القديم، كان يتم استقطاب أشخاص يُفترض أن يصبحوا معتمدين كلياً على النشاط الطلابي، وكانوا يجدون أنفسهم ضمن ثنائية «تنظيم سياسي/نضال طلابي». أما اليوم، فمع النشطاء، لا يزال الفضاء الطلابي مهمًا جدًا بحكم الوقت الذي يُمضيه الطلبة في الجامعة، لكنه لم يعد الفضاء المرجعي الوحيد، بل أصبح واحداً من عدة فضاءات. اليوم، هناك من ينخرط في النضال الطلابي، وهم بالفعل نشطون في منظمات المجتمع المدني. على الأقل، كان هذا هو الحال حتى أوائل عام 2020 عندما أجريت بحثي. أما الآن، فلا أستطيع الجزم بمستقبل هذا النوع من النشاط بعد موجة القمع الحاد التي طالت منظمات المجتمع المدني، خصوصاً منذ عامي 2023-2024. لذا، عندما انتهيت من بحثي الميداني، لم أكن قد لاحظت اختلافاً واضحاً بعد، وربما كان من المبكر رصد النتائج. لكن حتى عام 2023، لم تعد تنشئة النقابيين الطلابيين محصورة في الإطار الجامعي فقط.

وكيف تصف علاقة هؤلاء النقابيين/النشطاء، أو بالأحرى هذا الجيل، بالسياسة أو بالأحزاب السياسية؟

هناك ديناميكية مثيرة للاهتمام، إذ يتزايد الخطاب النقدي تجاه الأحزاب السياسية، ويقابله التشديد على فكرة «الاستقلالية». هذا الخطاب يتصاعد بشكل كبير، وأصبح مسموعاً بوضوح، لكنه لا يقتصر على الجامعة فقط، بل إن فقدان الثقة بالأحزاب السياسية ظاهرة عامة. داخل النقابات الطلابية، يدفع هذا الواقع الأفراد إلى الاعتماد على أنفسهم كأفراد، بدل التركيز على انتمائهم الحزبي أو الأيديولوجي. وهذا ما يخلق نوعاً من التنافس الظاهر والمشروع على المناصب، في حين أن التنافس كان موجوداً في السابق أيضاً، لكن كان يُقدم أولاً من زاوية مصلحة الحركة من خلال القول إن هذا الشخص أو ذاك هو الخيار الأفضل للحركة. إما لأنه الأكثر كفاءة أو لأنه الأقدر على ضمان وحدة المجموعة، بغض النظر عن السبب، لكن التبريرات كانت دائماً مرتبطة بالمصلحة الجماعية.

اليوم، هناك تركيز أكبر على الناشط أو الناشطة كفرد. فبصفتهم مناضلين يمتلكون سيرة ذاتية قوية، يترشح الأفراد للانتخابات داخل المجالس العلمية.  لذا، يقول المناضل: لديّ سيرة جيدة ومسار مهني واعد، ومن المشروع—استناداً إلى مؤهلاتي—أن أترشح لمنصب تمثيلي للطلاب في هذه المجالس.. إنه خطاب أقرب إلى الجدارة. وهذا يعزز نزعة ريادة الذات سياسياً، إذ يستثمر الفرد في نفسه ليبني مساراً نضالياً لافتاً. عملياً، يسعى النقابي أو النقابية إلى الترشح للانتخابات الطلابية، من بين أمور أخرى، ليتمكن من «إضافة ذلك إلى سيرته الذاتية».  وأوضح لي العديد من الطلاب والطالبات أنهم يسعون أيضًا إلى شغل هذا النوع من المناصب لأنها ستكون ذات قيمة عند دخولهم إلى سوق العمل بعد التخرج من الجامعة.

ولكن، في الوقت عينه، لا تؤدي هاتان النزعتان إلى قطيعةٍ تامة مع الأحزاب السياسية. ما لاحظته هو أن هؤلاء المناضلين يواصلون نشاطهم في المجموعات السياسية. بعض هذه المجموعات موجود على المستوى الوطني، وبعضها الآخر يقتصر على الإطار الجامعي، مع ارتباطات بأحزاب سياسية خارج الجامعة، لكنها تتمتع باستقلالية نسبية. في الواقع، لا تزال هذه المجموعات تستقطب العدد الأكبر من الطلبة المنخرطين في العمل النقابي. فهم لا يزالون يحملون هوية سياسية، بل وأيديولوجية واضحة، يسارية في كثير من الحالات، بل إن بعضهم يعرّف نفسه كـ “لينيني" أو "ماركسي-لينيني"، وغيرها من الانتماءات. صحيح أن هذه الهويات أقل حضوراً مما كانت عليه سابقاً، لكنها لا تزال قائمة.

على مستوى التنظيم نفسه، أصبحت هذه الهويات الأيديولوجية أقل تأثيرًا في تحديد كيفية العمل، واتخاذ المواقف، وتحديد ما هو مقبول وغير مقبول من الممارسات. فالبنية الأيديولوجية لا تزال موجودة، لكنها أقل تأثيرًا في توجيه هذه الخيارات. في السابق، كانت أكثر حضوراً وتأثيراً في تحديد هذه الخيارات. أما اليوم، ومع تعدد المرجعيات، لا سيما المرجعية الفردية التي يسعى كل ناشط إلى تطويرها، تراجعت المرجعية السياسية والأيديولوجية نسبياً. لكن ذلك لا يمنع الأحزاب السياسية، حتى اليسارية منها، من مواصلة التجنيد داخل هذه الأوساط. وتبقى أرقام الاستقطاب داخل النقابات الطلابية متقاربة عندما قارنت بين عامي 2022 و2023 والفترة التي سبقت الثورة. الفارق الحقيقي يظهر عند مقارنة هذه الأرقام بأعوام 2011 و2012 و2013 و2014، إذ شهدت النقابات تدفقاً كبيراً من المنخرطين. في تلك المرحلة، كان هناك نوع من الشرعية "ما بعد الثورية" للنشاط الطلابي، بالإضافة إلى انخفاض كلفته، ما شجع عدداً كبيراً من الطلبة على الانخراط فيه.  لكن إذا تجاوزنا هذه الفترة الاستثنائية، وقارنّا ما قبل عام 2010 بما بعده، لا يبدو أن النقابات الطلابية والمجموعات السياسية الناشطة داخلها قد فقدت قدرتها على الاستقطاب.

هل تعتقد أن النقابات الطلابية، حتى اليوم، لا تزال تُعدّ حواضن لتكوين كوادر للأحزاب السياسية؟ وهل لا تزال فضاءً مثيراً للاهتمام للتجنيد؟

أعتقد أنها لا تزال تحتفظ بأهميتها. لم نتطرق كثيرًا إلى حركة النهضة، لكن هناك نلاحظ أمورًا لافتة. فمنذ عامي 2013 و2014، بدأت الحركة في مسار من الفصل النسبي عن منظمات المجتمع المدني. وأشدد على كلمة «نسبي» لأن العملية كانت أكثر تعقيداً داخل الجامعة، نظراً إلى الصلة التاريخية القوية بين «النهضة» والاتحاد العام التونسي للطلاب (UGTE). لكن مع ذلك، ومنذ عام 2014، نلاحظ نوعاً من الانفصال النسبي بين النهضة والاتحاد، في حين بدأت داخل الاتحاد نفسه دينامية تباعد عن النهضة. هذه ليست ديناميكية تأتي بالضرورة من القيادة، بل تنبع من القاعدة النضالية، بسبب عدة ظروف سياسية وتحوّلات اجتماعية على مستوى البلد. وبدأ الاتحاد العام التونسي للطلبة UGTE يستقطب فئات مختلفة نوعاً ماء، مع التركيز بشكل كبير على هويته كنقابة خدمية، وعلى خطاب التفوق الدراسي وما يرتبط به. هذا الخطاب، أعاد إلى الاتحاد نوعاً مختلفاً من الطلبة مقارنةً بمن كان يستقطبهم في عامي 2011 و2012. ومع مرور الوقت، أخذ هذا النمط الجديد من الطلبة حيزاً متزايداً، وبحلول سنوات العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، أصبح مؤثرًا للغاية، بل وربما أصبح الأغلبية داخل المنظمة. ومع ذلك، لا يزال أعضاء حركة النهضة الأكثر تنظيمًا، ما يمكنهم من الحفاظ على نوع من الهيمنة النسبية داخل الاتحاد. لكن هذه الهيمنة تراجعت بشكلٍ واضح، خصوصاً خلال المؤتمرين الأخيرين.

إلا أنه ومنذ عام 2021، ظهرت دينامية جديدة. فالقمع الذي تعرضت له حركة النهضة من نظام قيس سعيد دفع بعض الأصوات داخل الحزب إلى إعادة النظر في قرار الابتعاد عن الاتحاد العام لطلاب تونس (UGTE). لذا يبدو أن هناك اتجاهاً لإعادة الاستثمار فيه وتأكيد العلاقة العضوية بين الاتحاد العام للعمال التونسيين وحركة النهضة. فيريد نشطاء الحركة داخل النقابة استعادة الهوية النضالية للاتحاد، والتي نشأت في سياق النضال ضد بورقيبة ثم ضد بن علي، إذ دفع مؤسسوها ثمناً باهظاً من أجل الحفاظ على النقابة عبر التاريخ. ويريدون أن يقترب الاتحاد العام للعمال التونسيين بشكل أكبر من صفوف المعارضة.

خلال المقابلات التي أجريتها في عام 2022، لاحظت هذه النزعة في طور التشكل، لكنها لم تكن واضحةً تمامًا بعد. غير أن مؤتمري عامي 2023 و2025 اللذين تابعتهما، أظهرا هذا التوجه بشكلٍ أوضح بكثير. ولكن بالنظر إلى الوضع التنظيمي الصعب الذي تعاني منه حركة النهضة حالياً، لا أعرف إذا كانت قادرة على إعادة توجيه منظمة «شباب النهضة في الجامعة» نحو الاتحاد العام لطلاب تونس (UGTE). فقبل ذلك، كانت هناك منافسة بين التنظيمين، وهي منافسة كانت تنظر إليها الحركة بإيجابية. سيتعين الانتظار لمعرفة ما إذا كانت الحركة ستدفع شبابها، الذين يبدون أنهم يواجهون صعوبات، إلى التركيز أكثر على العمل داخل الاتحاد.

بشكلٍ عام، فإن التحولات السياسية الجديدة تجبر الأحزاب التي تواجه إغلاق مساحات التجنيد، على إعادة الاستثمار في الفضاء الجامعي. وأعتقد أن الجامعة ستستمر في لعب هذا الدور في المستقبل. لا يعني ذلك أن التعبئة ستكون بالضرورة قوية داخل الجامعة. فهي ضعفت نسبياً في رأيي، لا سيما بسبب التحولات التي تلت عام 2010 والتي غيرت هوية النضال الطلابي وجعلته أقل استعداداً للدخول في مواجهة مباشرة مع السلطة. ومع ذلك، تبقى الموارد متوفرة، إذ يبقى النضال الطلابي من بين أكثر أشكال النضال امتلاكاً للموارد مقارنةً بغيره.

 

ما كان تأثير أحداث 25 حزيران/يوليو في الجامعة؟3Shakeel Sobhan, AP and Reuters, “Tunisians Call for the Fall of 'Authoritarian Regime'”, Deutsche Welle (DW), 26 July 2025, https://tinyurl.com/46tbzy77

يبدو لي أن تأثيره داخل الجامعات أقل وضوحاً مقارنةً بقطاعات أخرى. صحيح أن هناك أثراً، لكنه أقل بروزًا بكثير مما هو عليه في قطاعاتٍ أخرى. من المثير للاهتمام أن نلقي نظرة فاحصة على القطاعات المنظمة المرتبطة مباشرةً بالإدارة، مثل الجامعات، والصحة العامة، والتعليم الثانوي والابتدائي، وغيرها. ينصبّ التركيز غالباً على قطاع المجتمع المدني، لكن هناك فاعلين آخرين لم يحظوا بالاهتمام الكافي، ومع ذلك لا يزالون حاضرين ويواصلون لعب دور الوساطة على الرغم من الوضع الكارثي الذي يعاني منه الاتحاد العام التونسي للشغل (UGTT) – حتى وإن كان الاتحاد قد واصل لعب دور الوساطة هذا. لدي انطباع بأن تراجع الدور السياسي للاتحاد اليوم قد يفسح المجال لعودة دور الوساطة، حتى وإن كانت الصراعات الداخلية الحادة الدائرة داخل الاتحاد النقابي لا تسهل ذلك. في الواقع، تواصل النقابات على المستوى المحلي، خصوصاً في القطاعات الأكثر تنظيماً، نشاطها وتأثيرها، لكن المستوى السياسي الوطني يعاني من خللٍ كبير. على سبيل المثال، هناك دينامية لافتة أطلقتها منظمة الأطباء الشباب، وهي لا تعاني من جميع نقاط ضعف الاتحاد العام التونسي للشغل. فهي تتحرك بطريقة نشطة وحيوية، ويبدو أنها تحظى ببعض الدعم من الرأي العام. كما أنها تواصل النضال ومعارضة السلطة بعد 25 حزيران/يوليو، في ظل حالة القمع المعروف.

على مستوى الجامعة أيضًا، لم ألحظ تغييرًا كبيراً. إذ تواصل النقابتان الطلابيتان الاحتجاج على استبعادهما من عملية اتخاذ القرار، وعلى ضعف تواصل السلطات، كما تعارضان السياسات القمعية. في الواقع، لا يوجد قطيعة حقيقية. فعلى المستوى المحلي، تستمر النقابتان في الحوار والتفاوض بشكلٍ دائم مع الإدارات. أما على المستوى الوطني، فتراجع تأثيرهما. لكن حتى قبل عام 2021، كان هناك قدر كبير من المقاومة من الوزارة لإشراكهما. وأُدمجوا في بعض الهيئات، ولا يزال هذا الإدماج قائماً إلى حدٍ ما، وإن كان بدرجة أقل الآن. وبالتالي، فالمنظمتان ليستا مستبعدتين تماماً على المستوى الوطني. لذا، خلاصة ما أراه في الواقع هو تقليص مستوى إشراك المنظمتين على المستوى الوطني، من دون أن يصل الأمر إلى حدّ القطيعة.

 

Endnotes

Endnotes
1 Wael Benjeddou, “The Student Uprising of 5 February 1972: Circumstances, Causes, and Consequences” [Arabic], Nawaat, 7 February 2016, https://tinyurl.com/5acjsufv
2 Pierre Bourdieu, “Distinction: A Social Critique of the Judgement of Taste”, Richard Tice (trans), Harvard University Press, 1984, p. 317, https://tinyurl.com/2svkk4yv
3 Shakeel Sobhan, AP and Reuters, “Tunisians Call for the Fall of 'Authoritarian Regime'”, Deutsche Welle (DW), 26 July 2025, https://tinyurl.com/46tbzy77

تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.