مقدمة
تعد ندرة المياه قضية محورية في الجزائر صاحبة المرتبة 30 بين الدول الأكثر معاناة من ندرة المياه على مستوى العالم. وتعود أسباب هذه الندرة إلى تضافر عوامل جغرافية وتاريخية وديموغرافية.
واليوم، أكثر من 80% من مساحة البلاد، البالغة 2.38 مليون كيلومتر مربع باستثناء المسطحات المائية الداخلية، مناطقٌ شبه قاحلة وقاحلة في الصحراء الكبرى. يسكنها 47 مليون نسمة، يعيش 90% منهم على 10% من الأراضي الشمالية. على الرغم من أن الجزائر قاحلة في معظمها، فهي تتميز بمناظر طبيعية متنوعة، من بينها السهول الساحلية الخضراء وسلاسل الجبال الصخرية ومناطق الأراضي الرطبة الواسعة. وتعتمد على موارد مائية عذبة متفاوتة التوزيع، منها المياه السطحية من الأنهار والسدود والمياه الجوفية المستخرجة من طبقات المياه الجوفية الضحلة والعميقة.
لفهم المشهد المائي في الجزائر، لا بد من النظر في تاريخها البيئي وبالقدر ذاته في سياساتها الحالية المتأثرة تأثرًا عميقًا بماضيها الاستعماري. خلال الحكم الفرنسي (1830-1962)، أُقيمَت البنية التحتية المائية، كالسدود وشبكات الري، لخدمة المستوطنين والإنتاج الزراعي على حساب المجتمعات المحلية. ولا تزال الأضرار البيئية والاجتماعية والسياسية الناجمة عن الاستعمار، على نقص المعرفة بها وشح الدراسات عنها، قائمة بأشكال مختلفة في الحاضر. ولا تزال تواصل تأثيرها في توافر المياه وإدارتها جنبًا إلى جنب مع تأثيرات التحديات البيئية الحديثة – تغير المناخ، والانفجار السكاني، والتلوث الصناعي والمنزلي والزراعي.
تستند إدارة المياه في الجزائر إلى دستور عام 2020 وقانون المياه لعام 2005. تعد المياه من الأملاك العامة بموجب المادتين 14 و20 من الدستور، وتؤكد المادة 63 الحق في الحصول على مياه صالحة للشرب، وتكلف الدولة بضمان توفرها والمحافظة عليها للأجيال القادمة. )
يكفل القانون رقم 05-12 المؤرخ 4 آب/أغسطس 2005، "بشأن استعمال الموارد المائية وتسييرها وتنميتها المستدامة كونها ملكًا للمجموعة الوطنية"، الحق في الحصول على المياه الصالحة للشرب والصرف الصحي بموجب المادتين 2 و 3. ) ويشجع القانون الإدارة المتكاملة للموارد المائية، وينظم استعمال المياه في جميع القطاعات، مع التركيز على الاستدامة ومنع التلوث وإشراك أصحاب المصلحة.
تتوافق سياسات الجزائر مع أهداف التنمية المستدامة لخطة الأمم المتحدة لعام 2030، وتسعى إلى تحقيق الهدف 6: توفر المياه وخدمات الصرف الصحي للجميع. التزمت البلاد بخطة الأمم المتحدة لعام 2030 منذ اعتمادها من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 2015، وأدرجت أهداف التنمية المستدامة في الدستور واللوائح الوطنية الرئيسة. ) كما عززت الإنفاق العام في هذا القطاع، فاستثمرت أكثر من 45 مليار دولار أمريكي في البنية التحتية للمياه في الفترة من 2000 إلى 2025.
لكن تحقيق العدالة المائية يظل التحدي الأكبر. إذ لا تقتصر على تحقيق الوصول العادل وحده (العدالة التوزيعية)، بل تمتد إلى المساءلة وإشراك المواطنين في صنع السياسات (العدالة الإجرائية) وعمليات الإصلاح (العدالة التصالحية). ولذلك، لا تنحصر العدالة المائية في مواجهة الندرة المادية والضغوط البيئية، بل تتعداها إلى مواجهة الهياكل التاريخية والسياسية المتحكمة في الوصول إلى هذا المورد الحيوي والسيطرة عليه. لا تزال البلاد، بعد أكثر من 60 عامًا على استقلالها، تشقُّ طريقها وسط ركام 132 عامًا من الاحتلال الاستعماري. كما أنها تواجه، حالها حال دول الجنوب الأخرى، ثغرات في السياسات المحلية وعودة الإمبريالية الاقتصادية الأجنبية، بعدما ظُنَّ أنها من مخلفات الماضي.
النطاق والمنهجية
تستكشف هذه الورقة التحديات التاريخية والاجتماعية والبيئية والاقتصادية للحصول على المياه في الجزائر. وتبحث في الجذور الاستعمارية لتدهور البيئة وندرة المياه، والأطر السياساتية الحالية واستراتيجيات الإمداد. من خلال معالجة قضايا حاسمة مثل الحصول على المياه، والقدرة على تحمل تكاليفها، والحفاظ عليها، والتلوث، تسلط الدراسة الضوء على النجاحات والإخفاقات والفرص المتاحة لتعزيز إدارة المياه وتحقيق العدالة المائية. كما تبحث في الفئات الاجتماعية التي تستفيد من ندرة المياه أو السياسات الحالية أو تتأثر سلبًا بها.
تقترح هذه الورقة، بالاستناد إلى الأبحاث والتحليلات النقدية، استراتيجيات قابلة للتنفيذ يمكن من خلالها لمختلف الجهات الفاعلة، ولا سيما المجتمع المدني، تعزيز العدالة المائية. يقوم التقرير على مقابلات ومشاورات مع 30 خبيرًا. وقد أتاحت الزيارات الميدانية إلى الجزائر العاصمة وغرب وجنوب الجزائر فرصًا للتواصل مع صانعي السياسات والمهنيين وممثلي المجتمع المدني واكتساب رؤى قيّمة حول تجاربهم ووجهات نظرهم وجهودهم الرامية إلى التغيير. واجه البحث بعض القيود، أبرزها ندرة البيانات الحديثة والموثوقة والمتاحة للجمهور.
تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.