من التهديد الإلكتروني إلى الخطر الحقيقي: الصحافيات السودانيات في مرمى العنف الرقمي

تتناول هذه الورقة ظاهرة العنف الرقمي ضد الصحافيات السودانيات في سياق النزاع المسلح، بوصفها ممارسة ممنهجة تتجاوز كونها سلوكًا فرديًا لتغدو أداة قمع ذات أبعاد سياسية وجندرية. تنطلق الدراسة من فرضية مفادها أن الفضاء الرقمي تحوّل إلى ساحة صراع موازية، تُستخدم فيها التقنيات الرقمية لاستهداف الصحافيات وتقويض مشاركتهن في المجال العام. وتكشف النتائج عن أنماط تصاعدية ومنسّقة من العنف الرقمي تبدأ بالتحرّش والتشهير، وتتطور إلى تهديدات مباشرة واختراق الحسابات ونشر البيانات الشخصية، غالبًا عبر شبكات رقمية منظمة تستخدم حسابات وهمية وآلية.

كما تُظهر الدراسة أن هذا العنف يتقاطع مع الهشاشة السياسية وضعف الأطر القانونية والمؤسسية في السودان، ما يحدّ من فرص المساءلة ويُسهم في ترسيخ مناخ الإفلات من العقاب. ويبرز البعد الجندري في طبيعة الاستهداف، إذ تتعرض الصحافيات لأشكالٍ من العنف تتجاوز النقد المهني إلى التشهير الأخلاقي والتهديد الشخصي. وتخلص الورقة إلى أن استراتيجيات الحماية الفردية، على الرغم من أهميتها، لا تكفي بمفردها، مؤكدةً الحاجة إلى مقاربة متعددة المستويات تشمل إصلاحات قانونية، وتعزيز آليات المساءلة، وتحسين استجابة المنصات الرقمية، إلى جانب تمكين الصحافيات من أدوات السلامة الرقمية، بما يسهم في بناء بيئة إعلامية أكثر أمانًا وعدالة في سياقات النزاع.

صورة الغلاف التقطتها المصورة، عفراء العجب، وهي مصورة مساهمة في برنامج “حلفاء الصورة

في ذلك الوقت، كان المعهد يستضيف مكاتب معهد جوته - السودان، وكانت الفعالية الظاهرة في الصورة معرضاً فنياً يضم أعمالاً لفنانين في المنفى. في الصورة، المصوّرة الظاهرة إلى جانب الشابة التي تحمل حقيبة كُتب عليها "عاش السلام لا للحروب" هي حفصة برعي، المصوّرة وصانعة الأفلام السودانية المعروفة. © Afra Elagab

في ظل التحول المتسارع للفضاء الرقمي إلى امتداد أساسي للعمل الصحفي، تصاعدت أنماط العنف المُيسَّر بالتكنولوجيا ضد الصحافيات، بما يشمل التحرّش والتشهير والتهديدات المباشرة. وتشير البيانات المتاحة إلى أن هذه الظاهرة لم تعد تقتصر على تفاعلات فردية، بل باتت ترتبط بشكلٍ متزايد بديناميكيات سياسية واجتماعية أوسع، خصوصاً في سياقات النزاع والهشاشة المؤسسية.1UNESCO, The Chilling: Global Trends in Online Violence Against Women Journalists, UNESCO, 2021, available at https://unesdoc.unesco.org/ark:/48223/pf0000377223  (UNESCO, The Chilling).

وتشير الأدبيات الدولية إلى أن هذا النوع من العنف لا يُعدّ مجرد انتهاك فردي، بل يرتبط بشكل وثيق بإضعاف مشاركة النساء في المجال العام، عبر توظيف أدوات رقمية مثل التشهير وانتهاك الخصوصية كوسائل للإقصاء. وعلى المستوى الإقليمي، تُظهر الدراسات أن المنطقة العربية تعاني من فجوات تشريعية ومؤسسية، إلى جانب ضعف آليات التبليغ والاستجابة، ما يحدّ من إمكانية المساءلة ويُسهم في ترسيخ بيئة رقمية تتسم بالإفلات من العقاب.2هيئة الأمم المتحدة للمرأة، الأجندة البحثية المشتركة حول العنف القائم على النوع الاجتماعي المُيسَّر بالتكنولوجيا، أيلول/سبتمبر 2024، متاح على https://www.unwomen.org/sites/default/files/2024-09/technology-facilitated-gender-based-violence-shared-research-agenda-ar.pdf (هيئة الأمم المتحدة للمرأة، الأجندة البحثية المشتركة).

وتزداد حدّة هذه الظاهرة في السياقات المتأثرة بالنزاعات، إذ يتقاطع العنف الرقمي مع الاستقطاب السياسي والهشاشة المؤسسية، ما يعزّز استخدامه كأداة ضغط تستهدف الفاعلين في المجال العام، ومن بينهم الصحافيات. وفي هذا الإطار، تبرز الحالة السودانية بوصفها مثالًا دالًا، إذ شهد الفضاء الرقمي منذ اندلاع الحرب في نيسان/أبريل 2023 تصاعدًا ملحوظًا في أنماط الاستهداف، من ضمنها الحملات المنسقة، والتهديدات المباشرة، واختراق الحسابات، ما يعكس تحوّل هذا الفضاء إلى ساحة صراع موازية تُستخدم فيها الأدوات الرقمية لإسكات الأصوات الصحفية.3نقابة الصحافيين السودانيين، تقرير الحريات لعامي الحرب في السودان، 2024، متاح على https://sudanesejs.org/storage/app/Reports/6GRloLM7l8bXEG8k7W4dpyAaGya2Lbi89NywfHJ3.pdf?v=1  (نقابة الصحافيين السودانيين، تقرير الحريات).

تنطلق هذه الورقة من فرضية مفادها أن العنف الرقمي ضد الصحافيات السودانيات لا يُمارس بوصفه سلوكًا فرديًا معزولًا، بل يشكّل أداة قمع ممنهجة ذات أبعاد سياسية وجندرية، تتعزّز في سياق النزاع وغياب الحماية القانونية والمؤسسية. وانطلاقاً من ذلك، تهدف الورقة إلى تحليل أنماط هذا العنف من خلال الربط بين المعطيات الميدانية المستقاة من المقابلات، والبيانات المؤسسية، والأدبيات البحثية المتعلقة بالعنف القائم على النوع الاجتماعي الميسّر بالتكنولوجيا، إلى جانب الدراسات حول العنف الرقمي في سياقات النزاع، لفهم آلياته وتأثيراته، واستكشاف سبل الحماية الممكنة.

تعتمد الورقة على منهجية نوعية قائمة على مقابلات معمّقة شبه منظّمة أُجريت عن بُعد مع صحافيتين سودانيتين تعرّضتا لأشكال مختلفة من العنف الرقمي خلال الحرب، إلى جانب مقابلات مع ممثلة عن نقابة الصحافيين السودانيين، وخبراء في الأمن الرقمي والسلامة المعلوماتية والإطار القانوني. وتركّز المقابلات على محاور أساسية تشمل: أنماط الاستهداف الرقمي، آليات تنفيذ الهجمات، تأثيرها النفسي والمهني، واستراتيجيات الحماية المتاحة. كما تستند الورقة إلى مراجعة أدبية للتقارير والدراسات ذات الصلة بالعنف الرقمي في سياقات النزاع، بهدف تأطير النتائج ضمن نقاش أوسع حول العلاقة بين التكنولوجيا والجندر وحرية التعبير.

من النشر إلى الاستهداف: أنماط تصاعد العنف الرقمي ضد الصحافيات

تشير المعطيات النوعية المُستخلصة من هذه الدراسة إلى أن استهداف الصحافيات في الفضاء الرقمي لا يحدث بصورةٍ عشوائية، بل يتخذ نمطًا تصاعديًا يمكن تتبّعه زمنيًا، يبدأ غالبًا عقب نشر محتوى صحفي يتناول قضايا حساسة أو يرتبط بسياقات نزاع. ففي إحدى الحالات المدروسة، تعرّضت صحافية سودانية إلى موجة من التفاعلات العدائية مباشرة بعد نشر تحقيق استقصائي حول انتهاكات مرتبطة بالحرب. وتجلّى ذلك في تكثّف التعليقات المسيئة وإعادة تداول المحتوى ضمن مجموعات رقمية مختلفة، قبل أن يتطور خلال أيام، إلى تلقي رسائل تهديد مباشرة، وصولًا إلى اختراق حسابها الشخصي وفقدان السيطرة عليه مؤقتًا.4مقابلة مع صحافية سودانية [حُجِبَ الاسم لأسباب تتعلق بالسلامة]، أُجريت عبر البريد الإلكتروني، 11 كانون الثاني/يناير 2026. ويعكس هذا التصاعد وجود آليات ضمنية أو منسقة لتضخيم الهجمات، بما يحول الفضاء الرقمي إلى أداة ضغط تدريجي تدفع المستهدفات نحو الرقابة الذاتية أو الانسحاب من المجال العام.

تعكس هذه الحالة نمطًا من الاستهداف الرقمي يبدأ بأشكال منخفضة الحدة، مثل التعليقات المسيئة أو حملات التشويه، قبل أن يتصاعد تدريجيًا إلى تهديدات مباشرة وانتهاكات أكثر خطورة، من ضمنها الاختراق أو نشر البيانات الشخصية. كما ترتبط هذه الديناميكيات بوجود حملات رقمية منسّقة تعتمد على شبكات من الحسابات الوهمية والحسابات الآلية  (Bots)بهدف تضخيم المحتوى المسيء وتوسيع نطاق انتشاره، بما يعزّز الأثر النفسي والمهني على الضحايا. ولا تقتصر وظيفة هذه الأدوات على زيادة حجم الهجوم فحسب، بل تخلق انطباعًا زائفًا بوجود إجماع مجتمعي، ما يفاقم الضغط النفسي على الصحافيات، ويقوّض مصداقيتهن المهنية. وفي سياقات النزاع، يمكن فهم هذه الممارسات كجزء من استراتيجيات أوسع للحرب الإعلامية، إذ يُستخدم الفضاء الرقمي لإعادة تشكيل الرأي العام واستهداف الفاعلين فيه.

في هذا السياق، يشير تقرير مشروع "الدعاية الحاسوبية" في جامعة أكسفورد إلى وجود أنماط منظمة للتلاعب بالنقاش العام عبر وسائل التواصل الاجتماعي في عشرات الدول، عبر استخدام حسابات مزيفة وشبكات منسّقة للتأثير في الخطاب العام واستهداف فاعلين في المجال العام، بمن فيهم الصحافيات. ويُظهر هذا المعطى أن العنف الرقمي لا يُمارس بوصفه فقط فعلاً فردياً، بل كجزء من ديناميكيات أوسع تتداخل فيها الأبعاد السياسية والتكنولوجية.5Samantha Bradshaw and Philip N. Howard, The Global Disinformation Order: 2019 Global Inventory of Organised Social Media Manipulation, Oxford Internet Institute, 2019.

ويتعزّز هذا النمط مع التطور المتسارع للأدوات الرقمية، بما في ذلك تقنيات الذكاء الاصطناعي، التي أسهمت في تسريع وتيرة الهجمات وزيادة قدرتها على الانتشار والتنظيم. وتشير تقارير حديثة إلى أن هذه التحولات ساهمت في تصاعد حدّة العنف الرقمي ضد النساء في المجال العام، وجعلته أكثر تعقيدًا وتأثيرًا، بما يخلق ما يُعرف بـ"الأثر الردعي"، الذي يدفع العديد من النساء إلى الحد من مشاركتهن في النقاش العام.6UN Women, Tipping Point: The Chilling Escalation of Violence Against Women in the Public Sphere in the Age of AI, UN Women, 2025, available at https://knowledge.unwomen.org/en/digital-library/publications/2025/12/tipping-point-the-chilling-escalation-of-online-violence-against-women-in-the-public-sphere

ولا يقتصر أثر هذا العنف على الفضاء الرقمي، بل يمتد إلى الواقع الاجتماعي والمهني، إذ يسهم في خلق مناخ من الترهيب والضغط النفسي، قد يؤدي إلى الرقابة الذاتية أو الانسحاب الجزئي أو الكلي من المجال العام. وتُظهر المقابلات التي أُجريت في إطار هذه الدراسة أن هذا التصعيد يخلّف آثارًا نفسية مباشرة، تتجلى في التوتر والقلق المستمرين، حتى لدى الصحافيات اللواتي يمتلكن خبرة سابقة في التعامل مع العنف الرقمي. كما يدفع هذا الواقع بعضهن إلى تبنّي استراتيجيات حماية فردية، مثل تقييد التفاعل أو تعزيز إعدادات الخصوصية، من دون أن يوفّر ذلك حماية كاملة.

على المستوى المهني، لا يؤدي العنف الرقمي بالضرورة إلى التوقف الفوري عن العمل الصحفي، لكنه يسهم في خلق بيئة ضاغطة قد تدفع إلى تجنّب تناول مواضيع حساسة أو إلى الانسحاب المؤقت من العمل، خصوصاً في ظل غياب آليات فعالة للتبليغ أو المساءلة، ما يعزّز مناخ الإفلات من العقاب ويشجّع على تكرار هذه الانتهاكات.

ويتقاطع ذلك مع ما تؤكده الأدبيات الحقوقية، التي تعتبر العنف القائم على النوع الاجتماعي المُيسّر بالتكنولوجيا انتهاكًا لحقوق الإنسان، نظراً إلى تأثيره المباشر على قدرة النساء على التمتّع بحقوقهن الأساسية، من بينها حرية التعبير والمشاركة في المجال العام.7مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، "الحقوق الرقمية هي حقوق الإنسان: ناشطات يدافعن عن حقوق المرأة يواجهن كراهية النساء عبر الإنترنت"، 2024، متاح على https://www.ohchr.org/ar/stories/2024/12/digital-rights-are-human-rights-women-activists-fight-cybersexism

من اختراق المواقع إلى قوائم التحريض: أنماط الاستهداف في السياق السوداني

لا تندرج حالات الاستهداف الرقمي التي تتعرض لها الصحافيات في السودان ضمن حوادث فردية معزولة، بل تعكس نمطًا أوسع من الانتهاكات الممنهجة. فوثّق تقرير نقابة الصحافيين السودانيين تعرض الصحافيين لطيف واسع من التهديدات الرقمية، شمل حملات تشهير إلكترونية منظمة، واختراق حسابات، ومراقبة الاتصالات، إضافة إلى تهديدات مباشرة دفعت بعضهم إلى التوقف عن العمل أو مغادرة البلاد. وبلغ العدد الإجمالي للانتهاكات الموثقة 83 حالة، من بينها 33 حالة استهدفت صحافيات، ما يشير إلى بعد جندري واضح في طبيعة هذا العنف.

ويأتي هذا المعطى في سياق أوسع، إذ تُظهر تقديرات دولية أن نحو 73 في المئة من الصحافيات حول العالم تعرّضن لشكلٍ من أشكال العنف عبر الإنترنت، ما يعكس اتساع الظاهرة عالميًا، ويعزّز قراءة الحالة السودانية بوصفها جزءًا من نمط بنيوي يتجاوز الخصوصية المحلية.8UNESCO, The Chilling.

في هذا السياق، تُظهر إحدى الحالات المدروسة أن الاستهداف الرقمي قد يتخذ أشكالًا متراكبة ومتدرجة. فقد تعرّضت إحدى الصحافيات لإدراج اسمها ضمن قوائم تتهم صحافيين بـ"التحريض على الحرب"، ما يمثل ذروة في مسار من الضغوط الرقمية التي سبقت ذلك. وتشير المعطيات المستقاة من المقابلة إلى أن هذا الاستهداف لم يكن معزولًا، بل سبقته محاولة اختراق لموقعها الإخباري، إلى جانب تلقيها تهديدات متواصلة منذ اندلاع النزاع.9مقابلة مع الصحافية رجاء النمر، أُجريت عبر تطبيق واتساب، 23 كانون الثاني/يناير 2026.

يتقاطع هذا المسار مع سياق أوسع من الهشاشة الأمنية والمعيشية، إذ تزامن الاستهداف الرقمي مع نزوح قسري لعائلة الصحافية داخل السودان بعد احتلال منزلها، في حين كانت خارج البلاد لأسباب صحية تتعلق بعلاج أحد أبنائها. ويُظهر هذا التداخل بين العنف الرقمي والسياق الأمني والمعيشي في السودان أن الحدود بين الفضاءين الرقمي والمادي أصبحت أكثر تلاشيًا، إذ يمكن أن تتحول التهديدات الإلكترونية إلى مخاطر واقعية تمس السلامة الشخصية والعائلية. ويعكس هذا الواقع خصوصية سياقات النزاع، التي تضاعف أثر العنف الرقمي وتحوّله من أداة ضغط معنوي إلى تهديد أمني مباشر.

وعلى الرغم من هذه الظروف، تشير المعطيات إلى استمرار الصحافية في ممارسة عملها المهني، بما يشمل إدارة منصتها الإعلامية ونشر محتوى مرتبط بالنزاع، على الرغم من تعرضها لمحاولات متكررة لإسكاتها، سواء عبر التهديد أو الضغط الرقمي.

وتبرز هذه الحالة أيضًا خطورة ما يُعرف بـ"قوائم التحريض"، التي تقوم على نشر أسماء صحافيين في سياق اتهامي علني، بما يسهم في تأليب الرأي العام ضدهم. وتشير الأدلة إلى أن هذا النوع من الممارسات لا يقتصر على الضغط النفسي، بل قد يفتح المجال أمام تهديدات جسدية مباشرة، خصوصاً في سياق نزاع مسلح وضعف مؤسسات الحماية والمساءلة.

بناءً على ذلك، يمكن فهم هذه الحالات ضمن نمط أوسع من العنف الرقمي الممنهج، الذي لا يستهدف فقط تقويض العمل الصحفي، بل يسهم أيضًا في خلق بيئة معادية تدفع إلى الرقابة الذاتية أو الانسحاب من المجال العام، لا سيما بالنسبة إلى الصحافيات.

العنف الرقمي في السودان: فجوات الحماية القانونية وإشكاليات المساءلة

لا يندرج تصاعد العنف الرقمي ضد الصحافيين في السودان ضمن حوادث فردية، بل يعكس نمطًا متكرّرًا من الانتهاكات في سياق سياسي وأمني هش. وتشير بيانات نقابة الصحافيين السودانيين إلى توثيق 102 حالتين انتهاك مرتبطة بالعنف الرقمي منذ اندلاع الحرب في نيسان/أبريل 2023، استهدفت أكثر من نصفها صحافيات، مع ترجيح أن العدد الفعلي أعلى بكثير بسبب ضعف التبليغ في ظل الخوف والضغوط الاجتماعية والأمنية.10مقابلة مع إيمان فضل السيد، سكرتارية الحريات، أُجريت عبر تطبيق واتساب، 25 كانون الثاني/يناير 2026.

وتُظهر هذه المعطيات بعدًا جندريًا واضحًا في طبيعة العنف، إذ تأخذ الهجمات ضد الصحافيات أشكالًا تشمل التشهير والطعن في السمعة والتهديدات ذات الطابع الشخصي أو الأسري، ما يتقاطع مع أدبيات تشير إلى أن النساء في السياقات النزاعية يواجهن قيودًا إضافية على الإبلاغ بسبب الوصم الاجتماعي والبُنى الأبوية التي تُحمّلهن مسؤولية الحفاظ على "السمعة".11رنا العقباني، العنف الرقمي ضد النساء في مناطق النزاع في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، سلامات/مؤسسة سيكديف، تموز/يوليو 2025، متاح على https://portal.salamatmena.org/publication/dvaw-mena-conflict-zones-2025-ar/ (رنا العقباني، العنف الرقمي ضد النساء).

وعلى مستوى الإطار القانوني، يخضع الفضاء الرقمي في السودان أساسًا لقانون جرائم المعلوماتية لسنة 2007 وتعديلاته اللاحقة، إلى جانب القواعد العامة المنصوص عليها في قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991. ويغطي جرائم متعلقة بالأنظمة والمعلومات والمحتوى والإساءة وإشانة السمعة.

غير أن تحليل هذا الإطار يكشف عن فجوتين أساسيتين. الأولى تتعلق بضعف الإنفاذ، إذ تراجعت فاعلية الأجهزة العدلية في ظل الحرب والاستقطاب السياسي، ما يحدّ من إمكانية ملاحقة مرتكبي الانتهاكات الرقمية أو توفير سبل إنصاف فعالة للضحايا. أما الفجوة الثانية فتتمثل في غياب مقاربة جندرية في التشريع، إذ لا يتضمن القانون نصوصًا صريحة تعالج العنف الرقمي القائم على النوع الاجتماعي أو خصوصية استهداف النساء في الفضاء الرقمي، ما يترك الصحافيات ضمن إطار حماية قانوني عام لا يعكس طبيعة المخاطر التي يواجهنها.12مقابلة مع طارق صديق كانديك، خبير في القانون السوداني، أُجريت عبر تطبيق واتساب، 28 شباط/فبراير 2026.

وتُفاقم هذه الفجوات مناخ الإفلات من العقاب، خصوصاً في ظل الاستخدام المتزايد للفضاء الرقمي كامتداد للصراع السياسي. فتحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحة مواجهة موازية، تُستخدم فيها حملات التشهير وخطاب الكراهية كأدوات للضغط وإسكات الأصوات الصحفية، في غياب آليات رقابة فعالة أو استجابة مؤسسية ملائمة للسياق المحلي.13جامعة الخرطوم، الحرب الرقمية: استكشاف تأثير وسائل التواصل الاجتماعي في نشر خطاب الكراهية ومكافحته في المشهد الصراعي السوداني، 2025.   وتشير تحليلات حديثة إلى أن منصات التواصل الاجتماعي تحوّلت إلى فضاء موازٍ للصراع، تُستخدم فيه الدعاية السياسية والمعلومات المضللة بشكل مكثف من قبل أطراف النزاع، بما يسهم في تأجيج الاستقطاب واستهداف الفاعلين في المجال العام.14Hamid Khalafallah, Beyond the Battlefield: Sudan’s Virtual Propaganda Warzone, Timep, 14 January 2025, available at https://timep.org/2025/01/14/beyond-the-battlefield-sudans-virtual-propaganda-warzone/

في هذا السياق، يقتصر دور نقابة الصحافيين السودانيين على الرصد والتوثيق ورفع التقارير إلى الجهات الدولية، من دون امتلاك أدوات تنفيذية لحماية الصحافيين أو ضمان مساءلة المعتدين. كما تبرز محدودية استجابة المنصات الرقمية نفسها، التي لا تزال تفتقر إلى سياسات فعالة تأخذ في الاعتبار السياقات اللغوية والمحلية، ما يحدّ من قدرتها على رصد الحملات المنسقة أو التعامل مع المحتوى الضار بشكل سريع وفعّال.

وعلى مستوى التطبيق، يبقى إنفاذ هذه القوانين محدودًا، نتيجة ضعف القدرات التقنية للأجهزة المختصة، وتعقيد إجراءات التتبع الرقمي، إلى جانب هشاشة البنية المؤسسية في سياق النزاع. وتكشف الإفادات أن عدد القضايا التي جرت متابعتها قضائيًا في هذا المجال يبقى محدودًا، ولا يعكس حجم الانتهاكات المسجّلة، ما يعزّز الشعور بعدم جدوى التبليغ لدى الضحايا.

وفي المقابل، تشير إفادة قانونية إلى أن بعض القضايا الفردية ذات الطابع البسيط، مثل حالات الشتم عبر الرسائل الخاصة، قد تصل إلى القضاء وتُفضي إلى أحكام بالسجن والغرامة. غير أن هذه الحالات تبقى محدودة ولا تعكس بالضرورة قدرة النظام القانوني على التعامل مع أنماط العنف الرقمي الأكثر تعقيدًا، مثل الحملات المنسقة أو الاختراق أو نشر البيانات الشخصية، ما يبرز طابعًا انتقائيًا أو غير متكافئ في إنفاذ القانون.15مقابلة مع معاوية خضر الأمين، محامٍ ومهتم بقضايا النشر وحرية الصحافة، أُجريت عبر تطبيق واتساب، 19 نيسان/أبريل 2026.

ويرتبط هذا الضعف في التطبيق أيضًا بسياق سياسي أوسع، إذ يُستخدم الإطار القانوني في بعض الحالات لتقييد حرية الصحافة بدل حمايتها، خصوصاً في ظلّ سلطات تتبنى مقاربات تقييدية تجاه الإعلام وتسعى إلى مراقبة المجال الإعلامي والسيطرة عليه. فعلى سبيل المثال، تلفت إفادات قانونية إلى استمرار العمل بأنماط رقابية مثل الرقابة القبلية (قبل النشر) والرقابة البعدية (بعد النشر)، والتي تشمل مراجعة المحتوى الصحفي أو مصادرة المطبوعات من دور التوزيع، ما يعكس استخدام أدوات قانونية وإدارية لضبط المجال الإعلامي بدل حمايته.16مقابلة مع معاوية خضر الأمين.

وتتفاقم هذه التحديات في ظل الحرب، التي أدّت إلى تعطيل مؤسسات إنفاذ القانون، من ضمنها الشرطة والنيابات والمحاكم في العديد من المناطق، ما يحدّ بشكل كبير من إمكانية ملاحقة مرتكبي الجرائم الرقمية. ونتيجة لذلك، تميل العديد من الصحافيات إلى تجنّب التبليغ عن الانتهاكات، سواء بسبب ضعف الثقة في فعالية المسارات القانونية أو خشية التعرّض لمخاطر إضافية،17مقابلة مع معاوية خضر الأمين ما يحدّ من إمكانية المساءلة، ويُسهم في ترسيخ بيئة رقمية تتسم بالإفلات من العقاب، إذ يصبح استهداف النساء، ومن بينهن الصحافيات، منخفض التكلفة وعالي التأثير.

تكشف الفجوات القانونية المرتبطة بضعف الإنفاذ وغياب المقاربة الجندرية عن قصور بنيوي في التعامل مع العنف الرقمي، إذ يبقى الإطار القانوني قائمًا على تصورٍ تقليدي للجرائم لا يواكب الطبيعة المعقدة والمترابطة للهجمات الرقمية. كما أن غياب نصوص تعالج الحملات المنسقة أو الاستهداف القائم على النوع الاجتماعي يحدّ من قدرة القانون على توفير حماية فعالة، ويُسهم في ترسيخ مناخ الإفلات من العقاب، خصوصاً في ظل السياق السياسي والأمني الهش.

وتتقاطع حالة العزوف مع نتائج دراسات إقليمية حول العنف القائم على النوع الاجتماعي المُيسَّر بالتكنولوجيا. إذ تشير دراسة حديثة أُجريت في الأردن إلى وجود فجوات كبيرة في الاستجابات القانونية والمؤسسية، بما في ذلك ضعف إنفاذ القوانين ومحدودية الوصول إلى العدالة، إلى جانب قصور في استجابة المنصات الرقمية للمحتوى الضار، ما يترك الناجيات عرضةً لانتهاكات متكررة. وفي المقابل، تبرز الدراسة أيضًا إمكانات الفضاء الرقمي كأداة للمناصرة وبناء شبكات دعم، ما يعكس الطبيعة المزدوجة للتكنولوجيا في سياقات العنف الرقمي.18الجمعية الأردنية للمصدر المفتوح، أثر العنف القائم على النوع الاجتماعي المُيسَّر بالتكنولوجيا على الناجيات في الأردن، 2025.

ولا يقتصر هذا النمط من العزوف عن التبليغ على الحالة السودانية، بل يتقاطع مع نتائج أبحاث دولية حول العنف الرقمي ضد الصحافيات، التي تُظهر ضعفًا لافتًا في اللجوء إلى المسارات القانونية. إذ تؤكد بيانات مسحية أن نحو 11 في المئة فقط من الصحافيات اللواتي تعرّضن لعنفٍ رقمي أبلغن  عنه، في حين لم تتقدّم سوى نسبة محدودة جدًا بشكاوى رسمية لدى جهات إنفاذ القانون، بما يعكس فجوة بنيوية في الثقة في جدوى الملاحقة القضائية وفعالية الحماية القانونية.19UNESCO, The Chilling.

من التحرش إلى الاختراق: أنماط العنف الرقمي الممنهج

تشير المعطيات المستقاة من المقابلات إلى أن الهجمات الرقمية التي تستهدف الصحافيات في السودان لا تندرج ضمن تفاعلات فردية أو عفوية، بل تتخذ شكل أنماط مركّبة ومنسّقة تبدأ بالتحرش الإلكتروني عبر حسابات متشابهة في الأسلوب والمحتوى، وتمتد إلى ممارسات أكثر خطورة مثل نشر البيانات الشخصية  (doxxing)واختراق الحسابات والسيطرة على المواد الصحفية.20مقابلة مع يوسف الجريدي، خبير في الأمن الرقمي، أُجريت عبر الهاتف، 22 كانون الثاني/يناير 2026.

ويأخذ هذا العنف طابعًا جندريًا واضحًا، إذ تتحول الهجمات من نقد المحتوى إلى استهداف قائم على النوع الاجتماعي، يشمل التحرش والابتزاز الجنسي والتشهير الأخلاقي، ما يتقاطع مع ما توصلت إليه دراسات دولية حول العنف الرقمي ضد الصحافيات، التي توضح أن النساء العاملات في الإعلام يتعرضن لأنماط استهداف تختلف نوعيًا عن تلك التي تطال نظراءهن من الرجال. وتؤكد الأدبيات أن العنف الرقمي ضد الصحافيات لا يقتصر على الإساءة اللفظية، بل يشمل طيفًا واسعًا من الممارسات المنسّقة، من بينها الهجمات الجماعية (dogpiling)، وانتحال الهوية، واستخدام الحسابات الوهمية أو الآلية (bots) لتضخيم المحتوى العدائي، إضافة إلى التلاعب بالظهور الخوارزمي للمحتوى بهدف تقويض المصداقية المهنية وإغراق الفضاء الرقمي بمضامين مضللة.21UNESCO, The Chilling.

وفي هذا السياق، تُظهر بعض التحليلات الرقمية حالات موثقة لحملات منسقة تستهدف النساء عبر استغلال صورهن أو معلومات شخصية بغرض الابتزاز أو التشويه، كما في حالة ما يُعرف بـ"كتيبة بارود" على منصة "تيك توك"، التي تمثل نموذجًا واضحًا لاستخدام الفضاء الرقمي في تنفيذ حملات تشهير وابتزاز جنسي بشكل منظم.22سوداليتيكا، كتيبة بارود: الوجه الرقمي للعنف في السودان، 2024، متاح على https://sudalytica.beamreports.com/...

كما تُظهر دراسات حول "الدعاية الحاسوبية" أن الحملات الرقمية المنسّقة تعتمد على استخدام الحسابات الآلية (bots) والحسابات الوهمية للتلاعب بالنقاشات العامة، وخلق انطباع زائف بوجود دعم واسع أو إجماع، ما يُستخدم في سياقات سياسية لاستهداف فاعلين بعينهم، من ضمنهم الصحافيون والصحافيات. وتُبيّن هذه الدراسات أن تكرار الرسائل، وتزامن النشر، وتشابه أنماط التفاعل، تعد مؤشرات تقنية على وجود إدارة مركزية لهذه الحملات، التي تهدف إلى خلق ضغط نفسي ومهني، ودفع المستهدفات إلى الانسحاب أو ممارسة الرقابة الذاتية.23Samuel C. Woolley and Philip N. Howard, Computational Propaganda: Political Parties, Politicians, and Political Manipulation on Social Media, Oxford University Press, 2018.

وفي سياقات النزاع، كما هو الحال في السودان، تتضاعف خطورة هذه الممارسات، إذ يتقاطع العنف الرقمي مع هشاشة الأوضاع الأمنية وغياب الحماية المؤسسية، ما يجعل الاختراق الرقمي أو تسريب البيانات تهديدًا قد يتحول إلى خطر جسدي مباشر. كما أن استهداف الحسابات الرقمية للصحافيات لا يهدد سلامتهن الشخصية فقط، بل يعرّض أيضًا مصادرهن الصحفية وسرية عملهن المهني لمخاطر جسيمة، بما في ذلك الابتزاز أو الاستهداف المباشر. وفي ظل هذا الواقع، لا تملك الصحافيات ترف انتظار الحماية المؤسسية، ما يجعل امتلاك الحد الأدنى من أدوات السلامة الرقمية مسألة بقاء مهني وشخصي.

السلامة المعلوماتية: خط الدفاع الأول للصحافيات

في سياقات النزاع والهشاشة المؤسسية، لا تقتصر المخاطر التي تواجه الصحافيات على الميدان، بل تمتد إلى الفضاء الرقمي، إذ تتحول الحسابات الشخصية وأدوات العمل إلى نقاط استهداف مباشرة. وتشير المعطيات المستقاة من المقابلات إلى أن جزءًا مهمًا من هذه المخاطر لا يرتبط بتقنيات متقدمة بقدر ما يرتبط بممارسات يومية شائعة، مثل استخدام شبكات إنترنت مفتوحة، أو أجهزة غير مؤمنة، أو التفاعل مع روابط غير موثوقة، أو تثبيت برمجيات غير أصلية. وفي البيئات الحساسة، يمكن أن تشكّل هذه الممارسات مدخلًا لاختراق الحسابات أو تسريب البيانات أو كشف المصادر.24مقابلة مع حسام الكعبي، خبير في السلامة المعلوماتية، أُجريت عبر تطبيق واتساب، 27 كانون الثاني/يناير 2026.

وتتسق هذه النتائج مع الأدبيات الدولية في مجال السلامة الرقمية، التي تلفت إلى أن الهجمات الإلكترونية ضد الصحافيين تبدأ غالباً بأساليب منخفضة التعقيد، مثل التصيد الاحتيالي أو سرقة بيانات تسجيل الدخول، قبل أن تتطور إلى اختراق شامل للحسابات أو الأجهزة.25لجنة حماية الصحافيين، دليل السلامة الرقمية للصحافيين، 2018 (لجنة حماية الصحافيين، دليل السلامة الرقمية). وتؤكد هذه الأدبيات أن الإجراءات الوقائية الأساسية، مثل استخدام كلمات مرور قوية وفريدة، وتفعيل المصادقة الثنائية، وتحديث الأنظمة بشكل دوري، تساهم بشكل كبير في الحد من مخاطر الاختراق.

كما تُظهر الأدلة الإرشادية في مجال السلامة الرقمية أن حماية الصحافيات لا تقتصر على تأمين الحسابات، بل تشمل أيضًا إدارة البصمة الرقمية الشخصية وتقليل المعلومات المتاحة علنًا. إذ يُنصح بإجراء مراجعة دورية للبيانات المنشورة على الإنترنت، ومن ضمنها البحث عن المعلومات الشخصية مثل العنوان أو رقم الهاتف أو الصور، والعمل على حذفها أو تقييد الوصول إليها قدر الإمكان، نظرًا لاستخدامها المتكرر في حملات التهديد والتشهير. كما يُوصى بتقييم المخاطر الرقمية قبل البدء في العمل الصحفي، خصوصاً في المواضيع الحساسة، وفهم قدرات الجهات المحتملة التي قد تستهدف الصحافيات، بما في ذلك تقنيات التصيّد أو المراقبة الرقمية، ما يتيح اتخاذ تدابير وقائية أكثر ملاءمة للسياق.26لجنة حماية الصحافيين، دليل السلامة الرقمية.

تُوضح هذه المعطيات أن إجراءات السلامة المعلوماتية، على الرغم من أهميتها، تبقى غير كافية إذا عُزلت عن سياقها الأوسع، إذ لا يمكن اختزال حماية الصحافيات في تدابير فردية فقط، بل تستدعي مقاربة شاملة تتقاطع فيها الأبعاد التقنية والقانونية والمؤسسية، ما يفتح المجال لبحث سبل الحماية ضمن إطار متعدد المستويات.

مقاربة متعددة المستويات للحماية

تُبيّن المعطيات الميدانية والقراءات المؤسسية أن الاستجابة للعنف الرقمي ضد الصحافيات في سياقات النزاع، لا يمكن أن تقتصر على التدابير الفردية، بل تتطلب مقاربة متعددة المستويات، تتقاطع فيها الأبعاد القانونية والمؤسسية والتقنية. ففي السياق السوداني، تؤكد تقارير نقابية أن الحملات التحريضية الممنهجة لا تقتصر على الفضاء الرقمي، بل تسهم في خلق بيئة عدائية تُعرّض الصحافيين والصحافيات لتهديدات مباشرة، وتُقوّض الحق في الوصول إلى المعلومات، في ظل مناخ يتسم بضعف المساءلة واستمرار الإفلات من العقاب.27نقابة الصحافيين السودانيين، تقرير الحريات.

وعلى المستوى الإقليمي، تشير الأدبيات إلى أن العنف الرقمي القائم على النوع الاجتماعي في مناطق النزاع يرتبط بثغرات في الأطر التشريعية ومحدودية إنفاذ القوانين، إلى جانب غياب آليات فعّالة للإبلاغ والدعم، ما يفاقم هشاشة الضحايا ويحدّ من قدرتهم على طلب الإنصاف.28رنا العقباني، العنف الرقمي ضد النساء. كما تؤكد هذه الأدبيات أن التصدي لهذه الظاهرة يتطلب تدخلات متكاملة تشمل تعزيز التشريعات، ومساءلة المنصات الرقمية، وتطوير خدمات الدعم النفسي والقانوني، إضافة إلى رفع الوعي الرقمي وتمكين النساء من استخدام الفضاءات الرقمية بأمان.

ويتسق ذلك مع الأطر الدولية التي تشدد على ضرورة اعتماد نهج شامل قائم على الأدلة، يجمع بين البحث والسياسات العامة واستراتيجيات الوقاية، مع مراعاة الفئات الأكثر هشاشة، وتعزيز التعاون بين الباحثين وصنّاع السياسات والمجتمع المدني، بهدف بناء بيئات رقمية أكثر أمانًا وعدالة.29هيئة الأمم المتحدة للمرأة، الأجندة البحثية المشتركة. وفي هذا الإطار، يصبح التصدي للعنف الرقمي مسألة تتجاوز الحماية التقنية الفردية، لتشمل إصلاحات هيكلية تضمن المساءلة، وتحدّ من توظيف الفضاء الرقمي كأداة للقمع أو الإقصاء، خصوصاً في السياقات التي تتقاطع فيها الهشاشة السياسية مع التمييز الجندري.

توضح هذه الدراسة أن العنف الرقمي ضد الصحافيات السودانيات لا يمكن فهمه بوصفه سلسلة من الحوادث الفردية المعزولة، بل كجزء من منظومة أوسع من أدوات القمع، التي تتقاطع فيها الأبعاد السياسية والجندرية والتكنولوجية، لا سيما في سياق النزاع المسلح.

ويكشف تحليل المقابلات والمعطيات المؤسسية عن تحول الفضاء الرقمي إلى ساحة صراع موازية، تُستخدم فيها الحملات المنسقة، من ضمنها الحسابات الآلية، كوسائل لتقويض العمل الصحفي وإنتاج بيئة طاردة للصحافيات. كما يُبرز هذا الواقع محدودية الأطر القانونية والمؤسسية في الاستجابة لهذه الانتهاكات، سواء من جهة ضعف الإنفاذ أو غياب المقاربة الجندرية.

وفي ظل هذا السياق، لا تبدو استراتيجيات الحماية الفردية كافية بمفردها، بل تبقى مشروطة بإصلاحات أوسع تشمل تطوير الأطر القانونية، وتعزيز آليات المساءلة، وتحسين استجابة المنصات الرقمية للسياقات المحلية.

وعليه، فإن التصدي للعنف الرقمي ضد الصحافيات في السودان يتطلب مقاربة متعددة المستويات، تتجاوز البعد التقني لتشمل إصلاحات هيكلية تضمن بيئة إعلامية أكثر أمانًا وعدالة، وتكفل للصحافيات ممارسة عملهن من دون خوف أو تهديد.

Endnotes

Endnotes
1 UNESCO, The Chilling: Global Trends in Online Violence Against Women Journalists, UNESCO, 2021, available at https://unesdoc.unesco.org/ark:/48223/pf0000377223  (UNESCO, The Chilling).
2 هيئة الأمم المتحدة للمرأة، الأجندة البحثية المشتركة حول العنف القائم على النوع الاجتماعي المُيسَّر بالتكنولوجيا، أيلول/سبتمبر 2024، متاح على https://www.unwomen.org/sites/default/files/2024-09/technology-facilitated-gender-based-violence-shared-research-agenda-ar.pdf (هيئة الأمم المتحدة للمرأة، الأجندة البحثية المشتركة).
3 نقابة الصحافيين السودانيين، تقرير الحريات لعامي الحرب في السودان، 2024، متاح على https://sudanesejs.org/storage/app/Reports/6GRloLM7l8bXEG8k7W4dpyAaGya2Lbi89NywfHJ3.pdf?v=1  (نقابة الصحافيين السودانيين، تقرير الحريات).
4 مقابلة مع صحافية سودانية [حُجِبَ الاسم لأسباب تتعلق بالسلامة]، أُجريت عبر البريد الإلكتروني، 11 كانون الثاني/يناير 2026.
5 Samantha Bradshaw and Philip N. Howard, The Global Disinformation Order: 2019 Global Inventory of Organised Social Media Manipulation, Oxford Internet Institute, 2019.
6 UN Women, Tipping Point: The Chilling Escalation of Violence Against Women in the Public Sphere in the Age of AI, UN Women, 2025, available at https://knowledge.unwomen.org/en/digital-library/publications/2025/12/tipping-point-the-chilling-escalation-of-online-violence-against-women-in-the-public-sphere
7 مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، "الحقوق الرقمية هي حقوق الإنسان: ناشطات يدافعن عن حقوق المرأة يواجهن كراهية النساء عبر الإنترنت"، 2024، متاح على https://www.ohchr.org/ar/stories/2024/12/digital-rights-are-human-rights-women-activists-fight-cybersexism
8 UNESCO, The Chilling.
9 مقابلة مع الصحافية رجاء النمر، أُجريت عبر تطبيق واتساب، 23 كانون الثاني/يناير 2026.
10 مقابلة مع إيمان فضل السيد، سكرتارية الحريات، أُجريت عبر تطبيق واتساب، 25 كانون الثاني/يناير 2026.
11 رنا العقباني، العنف الرقمي ضد النساء في مناطق النزاع في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، سلامات/مؤسسة سيكديف، تموز/يوليو 2025، متاح على https://portal.salamatmena.org/publication/dvaw-mena-conflict-zones-2025-ar/ (رنا العقباني، العنف الرقمي ضد النساء).
12 مقابلة مع طارق صديق كانديك، خبير في القانون السوداني، أُجريت عبر تطبيق واتساب، 28 شباط/فبراير 2026.
13 جامعة الخرطوم، الحرب الرقمية: استكشاف تأثير وسائل التواصل الاجتماعي في نشر خطاب الكراهية ومكافحته في المشهد الصراعي السوداني، 2025.
14 Hamid Khalafallah, Beyond the Battlefield: Sudan’s Virtual Propaganda Warzone, Timep, 14 January 2025, available at https://timep.org/2025/01/14/beyond-the-battlefield-sudans-virtual-propaganda-warzone/
15 مقابلة مع معاوية خضر الأمين، محامٍ ومهتم بقضايا النشر وحرية الصحافة، أُجريت عبر تطبيق واتساب، 19 نيسان/أبريل 2026.
16 مقابلة مع معاوية خضر الأمين.
17 مقابلة مع معاوية خضر الأمين
18 الجمعية الأردنية للمصدر المفتوح، أثر العنف القائم على النوع الاجتماعي المُيسَّر بالتكنولوجيا على الناجيات في الأردن، 2025.
19 UNESCO, The Chilling.
20 مقابلة مع يوسف الجريدي، خبير في الأمن الرقمي، أُجريت عبر الهاتف، 22 كانون الثاني/يناير 2026.
21 UNESCO, The Chilling.
22 سوداليتيكا، كتيبة بارود: الوجه الرقمي للعنف في السودان، 2024، متاح على https://sudalytica.beamreports.com/...
23 Samuel C. Woolley and Philip N. Howard, Computational Propaganda: Political Parties, Politicians, and Political Manipulation on Social Media, Oxford University Press, 2018.
24 مقابلة مع حسام الكعبي، خبير في السلامة المعلوماتية، أُجريت عبر تطبيق واتساب، 27 كانون الثاني/يناير 2026.
25 لجنة حماية الصحافيين، دليل السلامة الرقمية للصحافيين، 2018 (لجنة حماية الصحافيين، دليل السلامة الرقمية).
26 لجنة حماية الصحافيين، دليل السلامة الرقمية.
27 نقابة الصحافيين السودانيين، تقرير الحريات.
28 رنا العقباني، العنف الرقمي ضد النساء.
29 هيئة الأمم المتحدة للمرأة، الأجندة البحثية المشتركة.

تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.