سوريا بين موجات الصدمة: كيف تعيد الحرب على إيران تشكيل انتقالها

Syrian President, Ahmed al Sharaa, at a press conference by German Chancellor Friedrich Merz – March 2026.
الرئيس السوري أحمد الشرع في مؤتمر صحفي للمستشار الألماني فريدريش ميرز – آذار/مارس 2026. © Shutterstock - EUS-Nachrichten

سوريا بين موجات الصدمة: كيف تعيد الحرب على إيران تشكيل انتقالها

عندما شنت الولايات المتحدة وإسرائيل عمليات عسكرية ضد إيران، فتحتا مرحلة جديدة من عدم الاستقرار في المنطقة، لا تتسم بالمواجهة المباشرة فحسب، بل أيضًا بعواقب متفرقة وبعيدة المدى. امتدت التوترات المتصاعدة بين إيران وحلفائها وأعدائها عبر الحدود، مما أدى إلى تعطيل طرق التجارة، وزعزعة أسواق الطاقة العالمية، وإضعاف المالية العامة، وزيادة انعدام الأمن من الخليج إلى بلاد الشام.

في هذه الأزمة المتفاقمة، تبرز سوريا لسبب غير متوقع. فلأول مرة منذ أكثر من عقد من الزمن، لم تنجر سوريا إلى قلب حرب إقليمية. وحتى الآن، تجنبت دمشق أن تصبح ساحة معركة مباشرة.

يعكس هذا العزل النسبي خيارات سياسية متعمدة. فقد تحركت السلطات السورية لإبعاد البلاد عن إيران ومحور المقاومة التابع لها، مع تعزيز الرقابة على الحدود واتخاذ موقف حذر تجاه الدول المشاركة في الحرب لتجنب التصعيد. وقد قللت هذه الخطوات من احتمالية أن تصبح سوريا جبهة أخرى في الحرب.

ومع ذلك، فإن البعد لا يعني الانفصال. سوريا ليست خارج الصراع. إنها تتحمل عواقبه بطرق أقل وضوحًا، ولكنها لا تقل أهمية. فالصدمات الاقتصادية، والتداعيات الأمنية المحدودة والمستمرة، والضغوط الإنسانية المتزايدة تعيد بالفعل تشكيل المرحلة الانتقالية الهشة في البلاد. وفي الوقت نفسه، خلقت الديناميات الإقليمية المتغيرة فرصًا جديدة، وإن كانت غير مؤكدة، في الوقت الذي تحاول فيه سوريا إعادة تموضعها كممر عبور يربط بين آسيا والخليج وأوروبا.

والنتيجة هي مفارقة كبيرة: سوريا أكثر قدرة على تجنب الانخراط المباشر، لكنها أكثر تعرضًا للخطر الناجم عن الحرب بطرق مختلفة. لم يعد السؤال المركزي هو ما إذا كان بإمكانها تجنب الحرب، بل ما إذا كان بإمكانها إدارة الضغوط المصاحبة لها.

السياسة الخارجية كدرع

تشكل قدرة سوريا على تجنب التورط المباشر تحولاً كبيرًا عن ماضيها القريب. فخلال معظم العقد الماضي، كانت البلاد واحدة من الساحات الرئيسية للصراع في المنطقة، حيث كانت قوى خارجية متعددة تعمل على أراضيها. فقد كانت روسيا وإيران وتركيا والولايات المتحدة وإسرائيل جميعها منخرطة في سوريا بشكل مباشر وإن تفاوتت أساليب تدخلها، في حين مارست دول الخليج نفوذًا واسعًا عبر دعمها لمختلف الأطراف الفاعلة. أما اليوم، على النقيض من ذلك، تحاول دمشق إعادة تموضع سوريا كطرف أكثر حيادًا – وهي نتيجة شكلتها مقاربة السياسة الخارجية للسلطات الانتقالية في مرحلة ما بعد الأسد.

منذ أواخر عام 2024، اتبعت دمشق استراتيجية مدروسة لإعادة ضبط علاقاتها الخارجية. وشمل ذلك استعادة العلاقات الدبلوماسية مع الأطراف الإقليمية والدولية، واعتماد نهج "صفر مشاكل"، للحد من تعرضها لمخاطر التجاذبات الإقليمية. وتعكس الجهود الرامية إلى تخفيف التوترات مع إسرائيل، بما في ذلك المفاوضات المباشرة للوصول لترتيبات الأمنية جديدة، هذا التموضع الأوسع نطاقاً.

وفي الوقت نفسه، اتخذت سوريا خطوات للحد من النفوذ الإيراني داخل أراضيها، بما في ذلك الحد من وجود الجماعات المسلحة الموالية لإيران، وتشديد الرقابة على طول الحدود اللبنانية والعراقية، وقمع شبكات التهريب المرتبطة بإيران لقطع الطرق التي طالما استخدمتها إيران وحلفاؤها لنقل الأسلحة والنقود والإمدادات الأخرى إلى حزب الله. وقد قلل هذا من احتمال استخدام سوريا كمنصة لتصعيد الصراع بالوكالة، وهو عامل رئيسي في قدرتها الحالية على تجنب الانخراط في الحرب.

وقد أكد الرئيس أحمد الشرع على أهمية هذا التحول، حيث وصف في تصريحات أدلى بها عقب صلاة عيد الفطر في 20 آذار/مارس قدرة سوريا على تجنب المواجهة المباشرة بأنه نتاج إدارة أكثر فعالية للعلاقات الإقليمية والدولية. ومن خلال تجنب الانحياز إلى أي محور واحد وتقديم نفسها كشريك براغماتي، سعت الحكومة إلى حماية البلاد من الصدمات الخارجية في لحظة تتسم بتقلبات متزايدة.

وقد استمر هذا النهج منذ اندلاع الحرب ضد إيران. فقد نسقت دمشق مع الحكومات المجاورة في لبنان والأردن، مع الحفاظ على سياسة عدم التدخل، بهدف احتواء المخاطر دون الانجرار إلى الصراع. ولتعزيز هذا الموقف، قامت السلطات السورية بتشديد الإجراءات الأمنية على الحدود مع لبنان والعراق من خلال نشر قوات إضافية وتشديد الرقابة لمنع امتداد الصراع. كما تم اتخاذ تدابير للحد من التهريب عبر سوريا وتقييد نقل الأسلحة إلى لبنان، مما يقلل من خطر الضربات الانتقامية من قبل إسرائيل ويمنع استخدام الأراضي السورية كنقطة انطلاق لشن هجمات على إسرائيل.

وقد تجلى ذلك في قرار الرئيس الشرع برفض الضغط الأمريكي المزعوم على سوريا لاتخاذ إجراءات عسكرية ضد حزب الله داخل لبنان. ووفقاً لرويترز، لم تكن دمشق راغبة في فتح تلك الجبهة، مشيرة إلى مخاطر التصعيد الطائفي والانتقام من إيران وزيادة عدم الاستقرار في وقت لا تزال فيه سوريا تحاول توطيد سيطرتها بعد سنوات من الحرب. وقد نفى المسؤولون السوريون علنًا وجود أي خطط لشن هجوم في لبنان ووصفوا تحركات القوات بالقرب من الحدود بأنها دفاعية.

وقد أسفرت هذه الاستراتيجية حتى الآن عن نتائج ملموسة: فقد تجنبت سوريا المواجهة المباشرة وظلت إلى حد كبير خارج نطاق الحرب المباشر.

احتواء دون سيطرة

على الرغم من جهودها للبقاء على الحياد، لم تكن سوريا في مأمن من تداعيات الأزمة العسكرية. منذ بداية الحرب، تعرضت البلاد لسلسلة من الهجمات عبر الحدود، انطلقت في المقام الأول من الأراضي العراقية واستهدفت مواقع عسكرية في الشمال الشرقي والجنوب كانت القوات الأمريكية تستخدمها سابقًا وتم تسليمها للجيش السوري مؤخرًا.

وقع أول حادث تم الإبلاغ عنه في 23 آذار/مارس، عندما أصابت صواريخ قاعدة خراب الجير، التي يسيطر عليها الجيش السوري حالياً بالقرب من اليعروبية. تبع ذلك موجات متعددة من الهجمات بالطائرات المسيرة، استهدفت معظمها منشآت حول الحسكة، بما في ذلك قاعدة قسرك، بالإضافة إلى محاولة هجوم واحدة على الأقل على التنف في الجنوب التي يستخدمها الجيش السوري حالياً.

ظلت هذه الهجمات محدودة من حيث الحجم والأثر؛ إذ اعترضت الدفاعات الجوية السورية أو الطائرات الأمريكية عددا من الطائرات المسيرة، في حين اقتصر بعضها على إلحاق أضرار مادية دون تسجيل أي إصابات بشرية. ومع ذلك، فإن أهميتها تكمن في ما تجسده أكثر من تداعياتها المباشرة.

ورغم عدم إعلان أي جهة مسؤوليتها عن هذه الهجمات، فإنها تُعزى على نطاق واسع إلى الميليشيات الموالية لإيران التي تعمل في العراق. ويبدو أن هذه الضربات مصممة لتكون إشارات محسوبة، تشير إلى استعداد لمهاجمة القوات الأمريكية في سوريا إذا استمرت الهجمات ضد إيران، بدلاً من محاولات لإلحاق أضرار جسيمة. وهي بمثابة تذكير بأن سوريا لا تزال ضمن الجغرافيا الأوسع للصراع، حتى لو لم تكن ساحة معركة رئيسية.

وقد ردت دمشق بحذر. فقد نسقت السلطات مع بغداد، ورفعت مستويات التأهب، وعززت المواقع الحدودية، مع تجنب الإجراءات الانتقامية التي قد تؤدي إلى تصعيد التوترات مع العراق. وشدد الرئيس الشرع على اتباع نهج متوازن، مؤكداً أن سوريا "تحسب خطواتها" لمنع المزيد من التصعيد.

غير أن الخطر يبقى متراكماً؛ فبينما يمكن احتواء الحوادث الفردية، فإن تكرار الهجمات يرفع من احتمالية سوء التقدير. إذ قد تُفضي ضربةٌ واحدة تُخلِّف ضحايا أو تستهدف بنية تحتية أشد حساسيةً إلى ردّ فعل أعنف على الجماعات المنفِّذة، مما قد يجرّ سوريا إلى دوامة انتقامية ظلّت بمنأى عنها حتى الآن.

كما يؤثر الصراع على سوريا بطرق غير مباشرة. ففي المناطق الجنوبية مثل القنيطرة، تسببت حطام الطائرات المسيرة والصواريخ التي تم اعتراضها في الأجواء السورية في أضرار مادية وإصابة مدنيين وتعطيل الحياة اليومية. ويشير السكان إلى سماع انفجارات في السماء ورؤية ومضات في الليل وسقوط شظايا على المنازل والأراضي الزراعية.

إلى جانب المخاطر المادية، كان الأثر النفسي كبيراً. فقد أغلقت المدارس أبوابها بشكل متقطع، وتعيش المجتمعات المحلية في خوف دائم من سقوط الحطام في أي لحظة. وحتى في غياب استهداف مباشر، تكشف هذه التجارب عن استمرار الصراع في إنتاج حالة مزمنة من انعدام الأمن داخل سوريا..

الصدمات الاقتصادية

لم تكن قدرة سوريا على الحد من التكاليف العسكرية للصراع متوازنة مع قدرتها على حماية نفسها من عواقبه الاقتصادية. فقد تسبب الصراع في ارتفاع حاد في أسعار الطاقة العالمية وعطل طرق الشحن الرئيسية، ولا سيما عبر مضيق هرمز، مما أدى إلى صدمات في الاقتصادات الهشة أصلاً. وبالنسبة لسوريا، التي لا تزال تعتمد بشكل كبير على الوقود المستورد، تشكل هذه التطورات تهديدًا فوريًا ومنهجيًا.

حتى قبل الحرب على إيران، كان ميزان الطاقة في سوريا هشًا. وقد تعافى إنتاج النفط المحلي جزئيًا مع استئناف العمل في حقول الشمال الشرقي، لكنه لا يزال غير كافٍ لتلبية الطلب الوطني. ونتيجة لذلك، تعتمد البلاد على الواردات لتغطية ما بين ثلث استهلاكها ونصفه. وعلى الرغم من أن أسعار الوقود في سوريا ظلت مستقرة حتى الآن، فمن غير المرجح أن يستمر هذا الوضع في ظل محدودية إيرادات الدولة وارتفاع تكاليف الاستيراد.

مع توقعات تشير إلى احتمال ارتفاع أسعار النفط من حوالي 80 دولاراً للبرميل قبل الحرب الحالية إلى ما بين 120 و180 دولاراً، ومع احتمال وصولها إلى 200 دولار في السيناريوهات الأكثر تطرفاً، من المرجح أن تتزايد الضغوط على سوريا. وعلى عكس الاقتصادات الأكثر تنوعاً، فإن سوريا لديها قدرة محدودة على استيعاب مثل هذه الصدمات. فهي تفتقر إلى الحيز المالي اللازم للحفاظ على الإعانات، أو الاحتفاظ بالاحتياطيات الاستراتيجية، أو الحصول على تمويل خارجي لتثبيت الأسواق. وفي حين سارعت بعض الحكومات الإقليمية لتخفيف أثر الصراع من خلال الإعانات أو تعديلات السياسات، تواجه سوريا الأزمة بأدوات حماية أشد شحًا.

ويقدر الاقتصاديون السوريون أن أسعار الوقود المحلية قد ترتفع بنسبة تتراوح بين 40% و100%. ومن شأن هذه الزيادات أن تغذي التضخم بشكل مباشر، مما يؤدي إلى ارتفاع تكلفة النقل والغذاء والسلع الأساسية. ويشكل الديزل ركيزة أساسية للاقتصاد المحلي؛ فمع ارتفاع سعره، ترتفع تكلفة كل شيء آخر تقريباً. وقد ترتفع أسعار المواد الغذائية بنسبة تتراوح بين 40% و100%، وأسعار اللحوم بنسبة تصل إلى 120%، وتكاليف النقل بنسبة تصل إلى 150%.

كما أن الآثار الاقتصادية الكلية الأوسع نطاقًا لا تقل خطورة. تؤدي تكاليف الاستيراد المرتفعة إلى زيادة الطلب على العملات الأجنبية، ما يزيد من الضغط على الليرة السورية ويعزز دورة التضخم وانخفاض الدخل الحقيقي. ومع ضعف العملة، حيث فقدت الليرة السورية ما يقرب من 10% من قيمتها منذ بداية الحرب، تتآكل القوة الشرائية، ما يؤدي إلى تعميق الصعوبات الاقتصادية. وبالنسبة للأسر التي تكافح بالفعل لتلبية احتياجاتها الأساسية، فإن هذه التغيرات ليست اتجاهات اقتصادية كلية مجردة — بل تترجم إلى انخفاض في إمكانية الحصول على السلع والخدمات الأساسية.

وفي الوقت نفسه، تهدد الحرب بتقويض أحد الركائز الأساسية لاستراتيجية الانتعاش في سوريا: الاستثمار الأجنبي. وقد تتبنى دول الخليج، التي كانت من بين أهم المستثمرين المحتملين، نهجًا أكثر حذرًا في ظل تزايد عدم الاستقرار الإقليمي. وتزيد اضطرابات السفر، بما في ذلك الإغلاق المؤقت لمطار دمشق الدولي والقيود المفروضة على المعابر الحدودية مع لبنان، من تعقيد الجهود الرامية إلى جذب المستثمرين والحفاظ على المشاركة الاقتصادية.

الضغوط الإنسانية

إلى جانب الأمن والاقتصاد، تضع الحرب على إيران ضغوطاً إضافية على الوضع الإنساني الهش أصلاً في سوريا.

أدى التصعيد في البلدان المجاورة، ولا سيما لبنان، إلى تحركات سكانية جديدة، بما في ذلك عودة السوريين والنازحين الباحثين عن ملجأ. وفي غضون أسابيع قليلة، أفادت التقارير بأن أكثر من مائتي ألف شخص عبروا الحدود إلى سوريا، مما زاد الضغط على بلد يكافح بالفعل من أجل إعالة سكانه النازحين. ومن بين هؤلاء، كان حوالي 180 ألفاً من السوريين و28 ألفاً من اللبنانيين.

تستضيف سوريا ملايين النازحين داخلياً ولا تزال تعتمد بشكل كبير على المساعدة الإنسانية الدولية. ومع ذلك، فإن تمويل عمليات الإغاثة آخذ في الانخفاض، مما يفرض خيارات صعبة بشأن كيفية تخصيص الموارد المحدودة.

ويزيد وصول مجموعات سكانية جديدة، سواء كانوا سوريين عائدين من لبنان أو غير سوريين متزوجين من سوريين، من تعقيد هذه الصورة. فهو يزيد الطلب على السكن والرعاية الصحية والخدمات الأساسية في وقت لا تزال فيه البنية التحتية متخلفة ومثقلة بالأعباء.

وتنطوي هذه الديناميكية على خطر خلق مصادر جديدة للتوتر. فقد يؤدي التنافس على الموارد الشحيحة إلى تفاقم المظالم المحلية، لا سيما في المناطق التي تعاني مجتمعاتها المحلية بالفعل من الضعف الاقتصادي. وإذا استمر النزاع، فمن المرجح أن تتفاقم هذه الضغوط. وقد يؤدي النزوح الإضافي إلى زيادة الضغط على قدرات سوريا، مما يحول الضغوط الإنسانية إلى مصدر أوسع نطاقاً لعدم الاستقرار.

فرص وسط الأزمة

ومع ذلك، توفر الأزمة أيضاً فرصاً محتملة. فقد كشف تعطل الطرق البحرية، لا سيما عبر مضيق هرمز وباب المندب، عن هشاشة التجارة العالمية وتدفقات الطاقة التي تعتمد على هذه الممرات الضيقة. ومع ارتفاع تكاليف الشحن وتراجع القدرة على التنبؤ بعمليات النقل، ازداد الاهتمام بالبدائل البرية.

وفي هذا السياق، عادت سوريا لتبرز كجسر بري محتمل يربط الخليج بأوروبا. وتشمل المقترحات ممرات لأنابيب تنقل النفط والغاز من العراق، وربما من منتجين خليجيين آخرين، إلى محطات التصدير على البحر الأبيض المتوسط، إلى جانب شبكات السكك الحديدية والطرق البرية التي تربط الأردن وسوريا وتركيا.

وتشير التطورات المبكرة إلى هذا الاتجاه. فقد أعاد العراق مؤخراً فتح معبر الوليد الحدودي مع سوريا، مما يتيح نقل النفط الخام بواسطة ناقلات عبر الأراضي السورية إلى البحر الأبيض المتوسط. ومن المتوقع أن تمر ما يقدر بنحو 500 ناقلة يومياً عبر معبر التنف باتجاه محطة بني ياس للتصدير. وإذا استمرت هذه التدفقات وتوسعت، فإنها قد تولد إيرادات من العبور، وتخلق فرص عمل في مجال الخدمات اللوجستية، وتساعد على إعادة تنشيط البنية التحتية غير المستغلة بالكامل.

وإلى جانب الطاقة والنقل، أدت الحرب أيضاً إلى تسريع الاهتمام بالاتصال الرقمي. ومع تركز حصة كبيرة من كابلات البيانات العالمية في البحر الأحمر، أدى انعدام الأمن المستمر إلى إحياء مقترحات ببدائل برية. ويمكن أن توفر خطط ربط البنية التحتية للاتصالات بين المملكة العربية السعودية وسوريا عبر الأردن نقلًا أسرع وأكثر أمانًا للبيانات، مما يضع سوريا ضمن الشبكات الرقمية الإقليمية الناشئة. وتعزز المبادرات الموازية، بما في ذلك الربط المحتمل لشبكات الكهرباء وتوسيع ممرات الخدمات اللوجستية، الدور المحتمل لسوريا كمركز عبور متعدد المستويات.

ومع ذلك، تظل هذه الفرص مشروطة إلى حد كبير. ولن يعتمد تحقيقها فقط على الطلب الإقليمي المستمر على طرق بديلة، بل أيضاً على قدرة سوريا على معالجة القيود المحلية المتجذرة. ولا تزال البنية التحتية متدهورة بعد سنوات من الصراع، في حين أن عدم اليقين التنظيمي، والقدرة المؤسسية المحدودة، وضعف الشفافية لا تزال تعوق الاستثمار طويل الأجل. بالإضافة إلى ذلك، لا يزال التحول السياسي في سوريا غير مكتمل، مع وجود تحديات حوكمة لم تُحل وظروف أمنية متفاوتة عبر المناطق.

ونتيجة لذلك، ففي حين أن الأزمة الحالية قد أوجدت فرصة استراتيجية، إلا أنها لا تضمن بحد ذاتها حدوث تحول. فبدون إصلاحات مستدامة، وتحسين الحوكمة، وبيئة استثمارية تتمتع بالمصداقية، فإن عودة سوريا إلى الساحة كممر إقليمي قد تظل جزئية ومؤقتة – محققة مكاسب قصيرة الأجل دون أن تضمن لها دوراً مستداماً في النظام الاقتصادي العالمي المتغير.

هامش ضيق للاستقرار

تعد قدرة سوريا على البقاء خارج المواجهة العسكرية المباشرة إنجازاً ملحوظاً. فهي تعكس جهداً متعمداً للتعامل مع بيئة إقليمية متقلبة دون التورط فيها.

لكن هذا الموقف هش. فالبلد ليس محصناً من القوى التي تعيد تشكيل المنطقة – بل هو أكثر عرضة لها، وإن بطرق مختلفة لا تقل أهمية. فالصدمات الاقتصادية تعمق الهشاشة الهيكلية، والمخاطر الأمنية تتراكم على الأطراف، والضغوط الإنسانية تتزايد باستمرار.  فالجدار الذي يعزل سوريا عن الاشتباكات المباشرة يظل هشّاً أمام الأخطار الأخرى الناجمة عنها.

الاختبار الحقيقي لا يزال أمامنا. مع تطور الصراع، ستواجه سوريا ضغوطاً متزايدة للانتقال من إدارة الأزمات إلى شيء أكثر ديمومة. الفرص التي أفرزتها تحديات طرق التجارة حقيقية، لكنها مشروطة أيضاً. وبدون إصلاحات ذات مصداقية، وقدرات مؤسسية، ودرجة من الاستقرار السياسي تطمئن المستثمرين والشركاء على حد سواء، ستظل هذه الفرص غير محققة إلى حد كبير.

في الوقت الحالي، تقع سوريا في مساحة ضيقة بين المخاطر الناجمة عن الحرب والفرص التي أوجدتها. ولن تعتمد قدرتها على الحفاظ على استقرارها على تجنب الاضطرابات في المنطقة فحسب، بل أيضاً على قدرتها على التكيف معها والاستفادة مما تقدمه من فرص. وفي شرق أوسط يعيد الصراع تشكيله، لم يعد السؤال ما إذا كانت سوريا قادرة على البقاء خارج الحرب، بل ما إذا كانت تستطيع استثمار هذا الحياد في إنعاش اقتصادها المنهك، بدلاً من أن يبقى مجرد فسحة مؤقتة قبل الصدمة التالية.

تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.