رسم خريطة أصحاب المصلحة في إصلاح قطاع الكهرباء في لبنان

أسطح المنازل مكتظة بالألواح الشمسية، شرهابيل، صيدا، جنوب لبنان، 2024 (c) هشام مصطفى

مقدمة 

1.1. السياق: إصلاح قطاع الكهرباء في لبنان والدفع نحو الطاقة الخضراء 

يقف قطاع الكهرباء في لبنان عند نقطة تحول نادرة، وإن لم يكن ذلك بالضرورة بسبب تغير المشكلات التقنية أو المالية. فقد اتسم هذا القطاع لعقودٍ طويلة بخدمات غير موثوقة، وخسائر ضخمة، وحوكمة مجزّأة، كما أوضحت تقارير البنك الدولي والجهات المانحة المتعاقبة، ومن غير المرجح أن تختفي هذه المشكلات سريعًا. ما تغير فعليًا هو السياق السياسي: رئيس جديد، حكومة جديدة، وشعور عابر بإمكانية عودة التوافقات العابرة للاصطفافات السياسية، وهي سمة متكررة في النظام السياسي التوافقي في لبنان. وهذا يخلق فرصة لإعادة ترتيب الأولويات وبناء تحالفات، كانت أخفقت سابقًا في التشكّل. وتبرز أهمية الأحزاب السياسية هنا لأنها تؤثر في تشكيل الحكومة، وتعيين الوزراء، والرقابة البرلمانية، وعمليًا في الكثير من التسويات التي تحدد مسار إصلاحات الكهرباء. 

تنطلق هذه الخريطة من فرضية بسيطة: من دون معرفة من يمتلك النفوذ فعليًا، وكيف يجري التنسيق على أرض الواقع، وأين تتقاطع أجندات الإصلاح المختلفة أصلًا، ستظل عملية صنع السياسات تفاعلية ومجزأة. ويمكن لخريطة منهجية قائمة على الأدلة لأصحاب المصلحة أن تسرّع التقدم عبر توجيه جهود المناصرة والدعم الدولي نحو عدد محدود من القرارات القادرة على إحداث تغيير فعلي ومؤثر. 

ويشمل هذا السياق اليوم مكوّنًا مهمًا يتعلق بالطاقة الخضراء. ففي عام 2023، أقرّ لبنان القانون رقم 318/2023، الذي يضع إطارًا قانونيًا للطاقة المتجددة اللامركزية، ويسمح بأشكال مختلفة من أنظمة القياس الصافي، ويجيز التداول المباشر للطاقة بين الأقران. وفي الوقت عينه، أُطلِقَ «مرفق الاستثمار الأخضر للبنان» لجذب التمويل المناخي وتطوير هياكل استثمارية موحّدة وقابلة للتمويل لمشاريع الطاقة النظيفة ودعم الشبكة الكهربائية. وقد حوّل هذان التطوران التركيز من الاعتماد الحصري على المشاريع المركزية الكبرى نحو نظام أكثر تنوعًا، تبرز فيه الأصول اللامركزية، والعدادات الرقمية، وقواعد التسوية الشفافة أكثر حضورًا. والخلاصة السياسية هنا واضحة: يجب أن تتقدم إصلاحات الحوكمة وحشد الاستثمارات بالتوازي مع توافق أصحاب المصلحة حول وضوح الأطر التنظيمية، وحماية المستهلك، وإمكانية الوصول إلى السوق، إذا أريد لنظام التوليد اللامركزي أن ينمو بشكل مسؤول. 

غير أن تنوع الجهات الفاعلة واختلاف مصالحها يُصعّب تحقيق هذا التوافق، ما يفسّر أهمية إعداد خريطة منظمة لأصحاب المصلحة. فمن الجانب الحكومي، تمتلك وزارة الطاقة والمياه ولجنة الطاقة النيابية ومؤسسة كهرباء لبنان مستويات مختلفة من النفوذ على تطوير السياسات والتشريعات والعمليات التشغيلية. وتؤثر الأحزاب السياسية، سواء الكتل التقليدية أو الجهات الناشئة والمستقلة، في تحديد الأولويات والرقابة. ويوفر شركاء التنمية، مثل البنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي والاتحاد الأوروبي، الدراسات التشخيصية والتمويل والقدرة على جمع الأطراف المختلفة. أما القطاع الخاص، من مطوّري المشاريع ومزودي الخدمات والمصارف ومؤسسات التمويل التنموي، فيحوّل القواعد التنظيمية إلى مشاريع وتدفقات رأسمالية فعلية. وتضيف الشراكات بين القطاعين العام والخاص، مثل مؤسسة كهرباء زحلة ومؤسسة كهرباء جبيل، المؤسسات العامة المعتمدة بشكلٍ كبير على الكهرباء، كمؤسسات المياه الإقليمية، تحديات تشغيلية إضافية. حتى مؤسسات النفط والغاز تؤثر في التوقعات والسرديات المالية المرتبطة بسياسات الكهرباء. ويشكّل التصنيف الشامل لهذه الجهات باستخدام إطار «النفوذ - المصلحة - الاستخدام» أساسًا للتواصل المستهدف وبناء التحالفات. 

يُبرز هذا السياق أيضًا مجموعة من الخيارات الأساسية لعام 2026: 

أولًا، إن تفعيل القانون 462/2002 عبر هيئة ناظمة عاملة بالكامل لقطاع الكهرباء، والمعينة في أيلول/سبتمبر 2025، ليس مجرد إجراء شكلي، بل هو ما يفصل بين القرارات السياسية التقديرية والتنظيم القائم على القواعد، ويشكّل الركيزة الوحيدة الموثوقة لمنح التراخيص وتنظيم السوق وحماية المستهلك، سواء ضمن النظام التقليدي أو في قطاع الطاقة المتجددة. 

ثانيًا، يجب على مؤسسة كهرباء لبنان، أن تتجاوز إدارة الأزمات الآنية، وأن تُظهر تحسّنًا ملموسًا على الصعيدين التجاري والتشغيلي، من خلال خفض الهدر، واعتماد العدادات الرقمية، وتطبيق عقود أداء ذات مصداقية؛ وإلا فإن أي إصلاح للتعرفة أو للدعم لن يصمد أمام الضغوط السياسية. 

ثالثًا، يتعيّن أن تترافق تعديلات التعرفة مع إجراءات حماية اجتماعية واضحة للأسر ذات الدخل المحدود وللخدمات العامة الأساسية، مثل مرافق المياه والمؤسسات الصحية، العاجزة عن تحمّل مزيد من الصدمات. 

رابعًا، لن تجذب آلية مثل «مرفق الاستثمار الأخضر للبنان» رؤوس أموال جدية ما لم تترجم القواعد التنظيمية إلى مشاريع واضحة وشفافة وقابلة للتمويل، بدلًا من الاكتفاء بصفقات معزولة. وتربط هذه الخريطة بين مختلف هذه العناصر عبر إظهار نقاط التقاطع القائمة، ومواقع المقاومة الأشد، والجهات القادرة على التوسط لإبرام تفاهمات قابلة للتطبيق.1 

2.1. لماذا يهم هذا التحليل البنيوي 

أزمة الكهرباء في لبنان ليست مجرد فشل تقني، بل هي اختبار يومي لمن يستطيع الوصول إلى الخدمات الأساسية وبأي شروط. لقد تحملت الأسر والمؤسسات الصغيرة كلفة الاعتماد على مولدات الديزل لسنوات، لا سيما الفئات الفقيرة. ومع اتساع عجز مؤسسة كهرباء لبنان، تلاشت الأموال العامة وأصبحت ساعات التقنين والانقطاع أمرًا اعتياديًا. وباتت الخدمات الأساسية، كالمستشفيات ومؤسسات المياه، تعتمد على حلول كهربائية مؤقتة لمواصلة العمل. لذلك، يجب أن تنطلق أي خطة إصلاح جدية من هذا التوزيع غير العادل للكلفة والمنافع، لا من مخطط تقني محايد للشبكة الكهربائية، أي من مقاربة تقنية بحتة وغير مسيسة لنظام الكهرباء.2 

يركز التحول العادل في قطاع الطاقة على الحوكمة الديمقراطية والخاضعة للمساءلة، بما يشمل إصلاح السياسات البيئية وسياسات الطاقة. في قطاع الكهرباء اللبناني، يترجم ذلك إلى ثلاثة اختبارات أساسية: هل يوسع الإصلاح إمكانية الوصول إلى كهرباء موثوقة وميسورة الكلفة؟ وهل يوضح المسؤوليات والجهات المعنية؟ وهل يفتح المجال أمام المواطنين والمجموعات المنظمة للتأثير في القرارات التي تمسّهم؟ كلّ من القانون رقم 462 الخاص بالهيئة الناظمة، والقانون رقم 318/2023 المتعلق بالطاقة المتجددة الموزعة، إضافة إلى المبادرات الجديدة مثل «مرفق الاستثمار الأخضر للبنان»، يندرج ضمن هذا الإطار.3 

صُمّمت هذه الخريطة للإجابة عن هذه الأسئلة. فهي توثّق أدوار الوزارات والأحزاب ومؤسسة كهرباء لبنان، والمستثمرين، ويفحص التقرير كيف ستؤثر مواقفهم من الهيئة الناظمة للكهرباء، وإعادة هيكلة مؤسسة كهرباء لبنان، وإصلاح التعرفة والدعم، والطاقة المتجددة الموزعة، على الجهات التي ستستفيد أو ستخسر من القرارات المقبلة. كما يحدد نقاط التوافق، مثل الحاجة إلى هيئة ناظمة فاعلة، والعدادات الذكية، وخفض الهدر، وإطار تنظيمي فعال بموجب القانون 318/2023، ويشير أيضًا إلى مجالات يُرجّح أن تواجه مقاومة، بما في ذلك مصالح أصحاب المولدات وسائر الاقتصادات الريعية.4 

يمكن لمنظومة الدعم وخرائط الشبكات الواردة لاحقًا أن تساعد في تحديد أين ينبغي استثمار رأس المال السياسي وقدرات الوساطة وجمع الأطراف المختلفة، وأي تحالفات تمتلك فرصًا أكبر لدفع إصلاحات محددة، وأين يمكن فعليًا إدماج ضمانات قائمة على العدالة، مثل حماية المستهلك، والاستشارات العامة، وحماية الخدمات الأساسية، ضمن مسار الإصلاح وتسلسله.5 

باختصار، تنطلق هذه الخريطة من قناعة بأن الإصلاح في الدول العربية يجب أن يستند إلى فهمٍ محلي ومشاركة شاملة والتزام بالعدالة. ولا تهدف إلى فرض حلول خارجية، بل إلى توضيح المشهد بما يسمح لجميع الأطراف اللبنانية بفهمه والتعامل معه بشكل استراتيجي وتشاركي.

تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.