مقدمة
تستمر عمليات بيع الأصول العامة في مصر تحت ضغط الأزمة الاقتصادية، ومطالبات صندوق النقد الدولي المستمرة بالإسراع في عمليات الخصخصة والبيع كجزء من خطاب أشمل حول الإصلاحات الهيكلية في مصر. شكلت عمليات بيع الأصول العامة مكونًا جوهريًا ضمن خطة الحكومة المصرية لمعالجة الأزمة الاقتصادية (2022-2024)، وشكلت الصناديق السيادية الخليجية الفاعل الأساسي في توفير السيولة الدولارية اللازمة لمعالجة آثار تلك الأزمة وتثبيت الوضع الاقتصادي من الانزلاق لمستويات أكبر من الخطر. تركز هذه الورقة على الفترة الممتدة بين 2022-2024 التي اشتدت خلالها الأزمة الاقتصادية، ومن ثم فإن تحليل الممارسات الخاصة بعمليات بيع الأصول يكتسب بعدًا آخر تحت ضغط الأزمة المالية.
تتناول هذه الورقة تحليل الاستحواذات الخليجية الأخيرة في مصر، ليس من منظور اقتصادي فقط، بل من خلال منظور مؤسسي يبرز التحديات الأساسية التي تواجه عملية حوكمة تلك الاستحواذات والمتعلقة بالأساس بغياب الشفافية في الصفقات المعلنة وكذلك تراجع الرقابة المفترضة من الجهات الرقابية الحكومية والقضاء والبرلمان وغيرها من المؤسسات التي يجب أن تلعب أدوارًا مهمة في حوكمة تلك الاستحواذات وضمان عدم إلحاق الضرر بالمال العام.
تنقسم الورقة إلى ثلاثة أجزاء رئيسية، ففي الجزء الأول نتناول طبيعة تلك الاستحواذات والسياق الاقتصادي الذي دفع إلى بيع الأصول، وكيف جرت عمليات البيع في ظل الأزمة الاقتصادية. وتحت ضغط تلك الأزمة، غابت الكثير من العوامل الأخرى التي يجب أن تؤخذ في الاعتبار وعلى رأسها كيفية تسعير تلك الأصول.
وفي الجزء الثاني من الورقة نحاول النظر في التحديات القانونية والمؤسسية لعمليات الاستحواذ، وكيف هُيِّئ الإطار القانوني والتشريعي بطريقة سمحت بتغييب كثير من الاعتبارات المتعلقة بالشفافية ومكافحة التركز والاحتكار في تلك الصفقات، أما في الجزء الثالث فنحاول تقييم الأثر التنموي لتلك الصفقات على الاقتصاد المصري على المدى الطويل.
تهدف الورقة إلى مساءلة الفرضيات الأساسية التي تربط الخصخصة وجذب الاستثمارات الأجنبية بالإصلاح الاقتصادي الهيكلي في مصر، وذلك من خلال تقييم أثر تلك الاستحواذات على الحوكمة، والسيادة الاقتصادية، وإمكانية بناء نموذج اقتصادي يدفع في اتجاه تنمية مستدامة وعادلة في السياق المصري.
أولاً: تشخيص الإطار الحاكم للاستحواذات الخليجية في مصر
قبل أن نبدأ في توصيف الظروف الاقتصادية والسياسية التي دفعت نحو الاستحواذات الأخيرة، ثمة تأطير مفاهيمي يجب علينا أن نسلكه، وهو متعلق بفكرتين الأولى هي مفهوم حوكمة الاستثمارات نفسها في الحالة المصرية، والثانية متعلقة بما نقصده بالآثار التنموية لتلك الاستثمارات. تستخدم الورقة المفهومَين بشكل مركب يصبح خلاله ضمان الأثر التنموي طويل المدى جزءًا من عملية الحوكمة نفسها.
تشير الحوكمة ضمن الأدبيات الاقتصادية الشائعة إلى مجموعة من الترتيبات المؤسسية والقانونية والسياسية التي تتخذ من خلالها قرارات الاستثمار، وكذلك الكيفية التي يتم بها التفاوض حول الصفقات وكذلك عمليات التقييم، إلا أن ذلك المفهوم المؤسسي والذي يختصر الحوكمة في مجموعة من الإجراءات المرتبطة بالشفافية يعبر عن خلل كبير، إذ لا يراعي الأبعاد المختلفة لتلك الصفقات.
تستخدم الورقة مفهوم الحوكمة بشكل أوسع من الترتيبات المؤسسية للصفقات التي تمت، حيث تتعامل مع الاستثمار الأجنبي المباشر ليس باعتباره تدفقًا إيجابيًا بالضرورة، ولكن تنظر لما هو أوسع من التدفق المالي، وتضع هذا الاستثمار، وتحديدًا صفقات الاستحواذ، ضمن سياق علاقات القوة والقيود المالية واستراتيجيات الدولة طويلة المدى وبالأخص خلال الأزمات الاقتصادية. ومن ثم فإن هذه الورقة تتبنى مفهومًا للحوكمة نابع من تحليل سياق الاقتصاد السياسي، حيث لا تفهم الحوكمة على أنها مجرد عملية تحسين للبيئة التنظيمية – على الرغم من أهمية ذلك – بل كمجال للتفاوض بين الدولة بوصفها تدير «المال العام» والمجتمع بوصفه مالك المال العام، والطرف الثالث هو الصناديق السيادية الخليجية بوصفها المستفيد النهائي من عمليات نقل الأصول التي تمت.
كانت عمليات بيع الأصول العامة وما زالت سمة مميزة للأزمة الاقتصادية الأخيرة في مصر، لقد أضحت عمليات بيع الأصول شرطا أصيلا ضمن مشروطية قرض صندوق النقد، والذي وقعته مصر بنهاية 2022، حيث تضمن الاتفاق الأساسي للقرض النص على أن الحكومة المصرية سوف تحشد تمويلا إضافيا بقيمة 14 مليار دولار من شركاء مصر الإقليميين والدوليين، بما في ذلك تمويلات من دول مجلس التعاون الخليجي عن طريق التخارج من الأصول المملوكة للدولة.
خلال الثلاث سنوات الماضية- سنوات الأزمة – أكد صندوق النقد الدولي في أكثر من مراجعة على ضرورة تسريع عمليات بيع الأصول الحكومية، كان مبرر الصندوق هو أن تلك المشروعات الحكومية – على إطلاقها – تساهم في تقليل التنافسية في الاقتصاد ككل، وتجعل من الصعب على القطاع الخاص الدخول إلى تلك القطاعات.
لكن ما يمكن أن نلحظه في خطاب الصندوق هو أنه، رغم التفريق الظاهري بين الأصول العامة (القطاع العام) وبين الأصول المملوكة للجهات السيادية، فإنه لا يفرق فعليًا بين الاثنين. إذ يتعامل مع التأثيرات السلبية الناتجة عن كل منهما على أنها متساوية. وهذا أمر ينبغي أن نبدأ في تفكيكه إذا أردنا التفكير في حوكمة موجة الاستحواذات الأخيرة.
بدأت هذه الموجة منذ توقيع اتفاق قرض التسهيل الائتماني في نهاية 2022، وهو الاتفاق الذي أنقذ الحكومة المصرية. ويرتبط هذا الاتفاق بشكل كبير بمستوى الخطاب وبمدى نجاح الحكومة في عمليات بيع الأصول وفقا لما اشترطه صندوق النقد الدولي.
فقد نص الاتفاق بين مصر والصندوق على حاجة البلاد إلى دعم الشركاء الخليجيين، سواء عبر تقديم القروض والتسهيلات أو عبر شراء الأصول من أجل إنقاذ مصر من الأزمة. وتحقق هذا في شباط/فبراير 2024 مع صفقة رأس الحكمة، والتي تعد أكبر صفقة استثمار أجنبي مباشر في مصر بقيمة تقارب 34 مليار دولار.
وتم دفع معظم قيمة تلك الصفقة بالـ«الكاش» وهي ليست طبيعة صفقات شراء الأراضي الضخمة، حيث يميل المطورون العقاريون إلى تسديد دفعات تمتد حتى بعد نهاية المشروع نفسه. إضافة إلى ذلك، فإن الصفقة كانت ذات أبعاد أكبر من كونها صفقة تجارية، إذ كانت سياسية بالأساس تهدف إلى توفير السيولة الدولارية اللازمة وتوسيع الحيز المالي للحكومة المصرية قليلا، ما دعم استقرار عدد من مؤشرات الاقتصاد الكلي الرئيسية، وعلى رأسها التضخم وسعر الصرف.
لم يكن اتفاق التسهيل الائتماني الممتد هو أول اتفاق قرض توقعه مصر مع الصندوق ينص على عمليات خصخصة الأصول العامة، حيث كان ذلك شرطا مستمرا ضمن برامج الصندوق المختلفة، لكن الجديد هذه المرة كان النص على بيع الأصول للدول الخليجية لتوفير الدولار، وليس طرح الأصول في البورصة كإحدى أفضل الآليات لتفعيل الشفافية وتحسين كفاءة السوق بالأساس. كان هذا المطلب ضمن محاولات حشد التمويل لحل الضغوط عن ميزان المدفوعات في مصر، وعلى الرغم من أن عمليات بيع الأصول الحكومية ومنها صفقة رأس الحكمة لم تسفر عن تدفقات دولارية كبيرة تسهم في حل أزمة ميزان المدفوعات، وصلت حصيلة بيع الأصول الحكومية إلى ما يقارب من 3.9 مليارات دولارات خلال عامي 2022 و2023، وتمت عمليات البيع على مراحل مختلفة بدأت في نيسان/أبريل 2022 وحتى حزيران/يونيو 2023. وخلال تلك الفترة لم توفر الاستحواذات الخليجية الحيز المالي المطلوب من أجل حل الأزمة الاقتصادية ما استدعى تخفيض آخر للجنيه في آذار/مارس 2024 حيث تم تخفيض قيمة الجنيه من ما يقارب 30 جنيه لكل دولار إلى حوالي 50 جنيه لكل دولار.
ورغم ذلك استمرت عمليات تخارج الحكومة من الأصول المملوكة لها، بحلول شباط/فبراير 2024 جاءت الصفقة الأكبر، الخاصة ببيع أرض رأس الحكمة. وقعت الحكومة المصرية في شباط/فبراير صفقة ضخمة مع صندوق الثروة السيادي الإماراتي ADQ لتطوير شبه جزيرة رأس الحكمة على ساحل المتوسط. ووصفت الصفقة بأنها الأكبر في تاريخ الاستثمار الأجنبي المباشر في مصر، بحسب الأرقام المعلنة من رئيس الوزراء المصري فإن الاستثمارات الإجمالية لتطوير مدينة رأس الحكمة سوف تصل إلى 150 مليار دولار، وسيتم إنفاق تلك الأموال على مشاريع لتطوير مدينة من الجيل الرابع على مساحة تبلغ 170 كم مربع. وبحسب المعلومات القليلة المتوفرة عن طبيعة الاتفاق فإن الحكومة المصرية ستحصل على حصة تبلغ 35 بالمئة من المشروع، لا يعرف على وجه الدقة ماذا تعني تلك الحصة وما إذا كانت ستشارك في الأرباح المستقبلية. وبالتالي تتحمل مشاركة الحكومة في ترفيق المشروع، وما هي تكلفة ذلك الترفيق؟ والدراسة المالية المتوقعة للإيرادات وكيف ستحصل الحكومة المصرية على حصتها البالغة 35 بالمئة؟ هل سوف يتم ذلك عبر توزيعات نقدية بعد افتتاح المشروع؟ أم ستتحمل الحكومة تطوير أجزاء مخصصة من الأرض مقابل الحصول عليها؟
تغيب الكثير من التفاصيل الأولية عن تلك الصفقة، وخاصة أنها أضحت مسار استقطاب سياسي محلي بين مؤيدين ومعارضين. لكن من الناحية الاقتصادية فإن مثل هذا التدفق يشكل دفعة كبيرة نحو حل الأزمة المالية الخاصة بميزان المدفوعات في مصر، فقد واجهت مصر ضغوطا كبيرة تمويلية على ميزان المدفوعات خلال سنوات الأزمة بين 2022 و2023، وبالتالي كانت طبيعة استخدام أموال الصفقة دليلا على أهميتها في توفير قدر من الحيز المالي لميزان المدفوعات المصري. فعلى الرغم من إعلان الحكومة أن أموال الصفقة ستستخدم في خفض الدين الخارجي، إلا أنه سرعان ما عاد الدين الخارجي للارتفاع مرة أخرى بعد 6 أشهر فقط، وبحلول الربع الأول من العام المالي التالي 2024-2025، سجل الدين الخارجي 155 مليار دولار، وهو مستوى مقارب لمستوى الدين الخارجي في بداية الأزمة في الربع الأول من العام المالي 2022-2023.

المصدر: بيانات الدين الخارجي البنك المركزي المصري
في الرسم البياني السابق يمكننا أن نلحظ أن تأثير أموال صفقة رأس الحكمة على الدين الخارجي سرعان ما تلاشى، فعلى الرغم من الانخفاض الكبير خلال ربعين متتاليين بما يقارب من 16 مليار دولار، إذ انخفض الدين الخارجي من 168 مليار دولار بنهاية 2023 إلى ما يقرب من 152.2 مليار دولار بحلول حزيران/يونيو 2024، لكن ما لبث أن ارتفع مرة أخرى ليصل بحسب آخر البيانات بحلول نهاية حزيران/يونيو 2025 إلى ما يقرب من 161.2 مليار دولار، وهو مستوى أعلى من مستواه في بداية الأزمة عند ما يقرب من 155 مليار دولار. وعلى الرغم من أن ذلك يثبت مشكلة في إدارة المديونية الخارجية على المدى القصير، إذ لم ينجح التدفق الكبير لهذه الأموال سوى في تخفيض 14 مليار منها 11 مليار كانت ودائع بالفعل في المركزي، ما يعني أنه تم تحويلها لاستثمارات وخرجت من الدين الخارجي.
أما على مستوى احتياطي النقد الأجنبي فكان تأثير الصفقة إيجابيًا بشكل أكبر، إذ ارتفع احتياطي النقد الأجنبي بحوالي 15 مليار دولار، حيث كان قد سجل ما يقرب 35.2 مليار دولار وسجل بنهاية 2024 ما يقرب من 50 مليار دولار، هذا الارتفاع يعني أن أموال الصفقة استخدمت بالأساس في تحسين بعض المؤشرات المالية الخاصة بالمستثمرين الأجانب في أدوات الدين المصرية، سواء المقومة بالجنيه أو بالدولار، حيث يبقى تحسين تلك المؤشرات وخاصة ميزان المدفوعات، والاحتياطي الأجنبي أمرا أساسيا لقياس المخاطر التمويلية للدين العام المصري. غير أن الهدف الأهم وهو خفض الدين الخارجي، وخفض مدفوعات الديون السنوية لم يتحقق بشكل كبير بسبب الصفقة، وإن كانت تلك التدفقات المالية قد دفعت بالفعل في تقليل معدلات الفائدة التي سوف تكون ضرورية لإعادة تمويل الدين الخارجي بدون أن يتسبب ذلك في قفزات كبيرة في رقم الدين.

المصدر: بيانات البنك الدولي
يمكن القول أنه من الناحية الاقتصادية، وفرت التدفقات المالية الخاصة بصفقة رأس الحكمة دفعة للاحتياطي النقدي، وحسنت بشكل واضح من الظروف التمويلية الخارجية التي تواجه الاقتصاد المصري، لكنها في نفس الوقت لم تدفع في اتجاه إصلاح أعمق للأزمة الاقتصادية الهيكلية في مصر، تثير الصفقة أيضًا الكثير من التساؤلات حول النمط التنموي والمعتمد بشكل أساسي على الاستثمار في قطاع البنية التحتية والعقارات، لقد أدى تركز الاستثمارات العامة والخاصة خلال العقد الماضي في تلك المشروعات إلى أزمة مركبة في الاقتصاد المصري، ورفعت من معدلات الاقتراض الخارجي من أجل تمويل المشروعات القومية الكبرى في العاصمة الإدارية أو العلمين الجديدة أو غيرها من المدن الجديدة التي توسعت الحكومة في إنشائها قبل ما يقرب من 10 سنوات واستنزفت الكثير من الموارد العامة.
يشكل قطاعا التشييد والبناء والأنشطة العقارية بحسب آخر بيانات البنك المركزي بنهاية حزيران/يونيو 2022 حوالي 19 بالمئة من الناتج المحلي وارتفعت تلك المساهمة بما يقرب من 5 بالمئة من الناتج المحلي خلال السنوات من 2014-2022، وخلال تلك السنوات نفسها ظلت نسبة مساهمة قطاع الصناعات التحويلية للناتج المحلي ثابتة تقريبًا أو ارتفعت بما يقارب 1 بالمئة من الناتج المحلي خلال ثماني سنوات.

المصدر: بيانات البنك المركزي المصري
يلخص الرسم البياني السابق مشكلة الاقتصاد المصري الهيكلية، قبل وبعد 2016، فعلى الرغم من أن تخفيضات سعر الصرف وغيرها من الإجراءات التي دعمها الصندوق كرفع الدعم عن الطاقة وإطلاق موجة الخصخصة الحالية التي تم الترويج لها على أنها إصلاحات هيكلية، إلا أن تلك الإصلاحات تتجاهل الحاجة الملحة لمصر لأن تغير نمطها التنموي وتركز الاستثمارات العامة والخاصة في قطاع الصناعات التحويلية بما له من قيمة مضافة مرتفعة، في مقابل قطاعي التشييد والبناء والعقارات والتي تكون قيمتها المضافة منخفضة إذ تضعف الروابط الأمامية في هذين القطاعين، ما يؤشر إلى أن النمو المتحقق غير مستدام.
يوفر «مفهوم الروابط الأمامية والخلفية» نقطة مهمة في فهم الأزمة الهيكلية الحالية في مصر، يشير المفهوم إلى قدرة القطاعات الاقتصادية المختلفة على تحفيز النشاط الاقتصادي في قطاعات أخرى، حيث تشير الروابط الخلفية Backward Linkages إلى مدى اعتماد القطاع على المدخلات الإنتاجية من قطاعات أخرى، أي من الموردين في المراحل الأولى من الإنتاج، هذا المؤشر مرتفع في قطاع التشييد والبناء والعقارات بشكل كبير، إذ يتطلب بناء كوبري أو عقار تشغيل مصنع للأسمنت والحديد وأسلاك الكهرباء وغيرها من المواد، لكن على مستوى الارتباطات الأمامية والتي تشير إلى قدرة القطاع على تحقيق نمو في قطاعات أخرى في المستقبل، تميل الروابط الأمامية لقطاع العقارات والتشييد والبناء لأن تكون ضعيفة بشكل ملحوظ عن قطاعات مثل الصناعات التحويلية مثلا أو حتى الزراعة.
يولّد قطاع التشييد والبناء طلبًا واسعًا على مدخلات القطاعات الأخرى، إلا أنّ مخرجاته لا تدخل، بالقدر نفسه، في سلاسل إنتاجية لاحقة، بل تتجه غالبًا إلى الطلب النهائي، كما في حالة المباني والمساكن. ومن ثمّ، فإن نمط النمو القائم على التوسع في هذا القطاع يظل محدود الاستدامة. وفي الحالة المصرية، حيث يعاني القطاع أصلًا من مستويات مرتفعة من التركز، فإن استمرار ضخ الاستثمارات العامة والخاصة فيه بالوتيرة نفسها قد يفاقم الاختلالات القائمة ويزيد من احتمالات تشكّل فقاعات مالية.
أما قطاع الصناعة التحويلية، فيميل إلى امتلاك روابط أمامية وخلفية أقوى بكثير، تظهر الكثير من الدراسات المتعلقة بأثر القطاعات على النمو والتشغيل في مصر أن الصناعات التحويلية لديها مضاعفات عالية لكل من الإنتاج والتشغيل بسبب الترابط القوي بينها وبين باقي القطاعات، وإن كانت مصر تواجه مشكلة أخرى في القيمة المضافة للقطاع بسبب اعتماد الكثير من المصانع على مدخلات إنتاج مستوردة، وبالتالي تقل القيمة المضافة الكلية في الاقتصاد. وبما أن الصناعات التحويلية تمتلك قدرة أكبر على استخدام مدخلات الإنتاج وتوريد مخرجاتها لأكثر من قطاع في السوق أو للتصدير فإنها تنتج قيمة مضافة كلية أكبر مقارنة بقطاع التشييد والبناء. يعني ذلك أن الاستثمارات المكثفة في قطاع التشييد والبناء يمكنها أن تنتج زيادة في الطلب على المدخلات مثل مواد البناء واستغلال المحاجر وغيرها، لكنها لا تخلق آثارًا تنموية قوية في باقي الاقتصاد ولا تساهم في بناء سلاسل قيمة إنتاجية معمقة. خلصت دراسة للمركز المصري للدراسات الاقتصادية في 2016 إلى نفس النتيجة تقريبا، وهي أن قطاع البناء على الرغم من أهميته للاقتصاد المصري في السنوات الأخيرة إلا أن أثره التنموي يبدو ضعيفا لحد كبير إذا نظرنا له من وجهة نظر فكرة المضاعفات الاقتصادية للناتج المحلي. تكمن الأزمة الهيكلية للاقتصاد المصري في انخفاض مساهمة القطاعات الإنتاجية، والتي تمتلك قدرة أكبر على إحداث تحول هيكلي للاقتصاد، إذ تسمح الروابط الأمامية في هذه القطاعات بأن تغذي مخرجاتها قطاعات أخرى وسلاسل تصدير عالمية ما يساهم في اندماج أفضل للاقتصاد المصري ضمن نظيره العالمي، إذ تمثل صفقة رأس الحكمة – على الرغم من أهميتها لتحسين الظرف التمويلي – استمرارًا للأزمة الهيكلية الاقتصادية في مصر.
استمرت عمليات بيع الأصول الحكومية العامة بالتوازي، كاستكمال لموجة الاستحواذات الخليجية الأولى التي شهدتها مصر في 2022-2023 بعدد من صفقات البيع الأخرى، والتي لخصها صندوق النقد خلال مراجعته الأولى والثانية لاتفاق القرض المبرم مع مصر، الجدير بالذكر أن تلك المراجعة تمت بعد صفقة رأس الحكمة مباشرة في آذار/مارس 2024.
يوضح الجدول التالي أهم الشركات التي باعتها الحكومة خلال العام المالي 2023-2024
| القطاع |
إجمالي التدفقات الداخلة بالدولار الأمريكي (بالمليون) |
نسبة حصة الكيان (بالمئة) |
النسبة المتبقية من الحصة العامة للكيان (بالمئة) |
طبيعة الصفقة |
التاريخ الفعلي/المتوقع لإغلاق الصفقة (الشهر) |
الكيان المشتري |
الشركة |
| الصناعة الكيميائية |
625 |
30 |
21 |
أسهم في البورصة + وديعة نقدية |
تشرين الثاني/نوفمبر 2023 |
شركة الإمارات العالمية للاستثمار القابضة (الإمارات) |
الشركة الشرقية للدخان |
| الإقامة والسياحة |
800 |
39 |
63 |
زيادة رأس المال |
الربع الأول 2024 |
شركة «آيكون إنفستمنتس» (تابعة لمجموعة طلعت مصطفى) |
الشركة المصرية العامة للسياحة والفنادق (إيجوث) |
| تكرير البترول والغاز الطبيعي |
800 |
--- |
— |
بيع حصص أسهم مملوكة لصندوق مصر السيادي |
الربع الأول 2024 |
شركة أبوظبي القابضة (ADQ) |
الشركة المصرية لإنتاج الإيثيلين ومشتقاته (إيثيدكو)،
الشركة الوطنية للحفر،
الشركة المصرية للألكيل بنزين (إيلاب) |
| الصناعة المعدنية |
175 |
31 |
0 |
أسهم في البورصة |
أيلول/سبتمبر 2024 |
شركة حديد عز |
شركة عز الدخيلة للصلب |
| الاتصالات |
4 |
10 |
70 |
أسهم في البورصة |
أيار/مايو 2023 |
مستثمرون مؤسسيون (9.5 بالمئة) وموظفون |
المصرية للاتصالات |
| الصناعة الكيماوية |
17 |
56 |
0 |
أسهم في البورصة |
أيار/مايو 2023 |
شركة الدهانات الوطنية (الإمارات – دبي) |
شركة باكين للدهانات والصناعات الكيماوية |
| توليد الكهرباء |
339 |
— |
— |
بيع أصول بواسطة صندوق مصر السيادي |
الربع الثاني 2024 |
مازالت معروضة للبيع |
مزرعة الرياح بجبل الزيت |
| توليد المياه/الكهرباء |
300 |
— |
— |
بيع أصول بواسطة صندوق مصر السيادي |
الربع الثاني 2024 |
ما زالت معروضة للبيع |
محطة تحلية المياه و/أو مزرعة الرياح بالزعفرانة |
| — |
3,060 |
— |
— |
— |
— |
— |
الإجمالي |
المصدر: تقرير المراجعة الأولى والثانية لصندوق النقد الدولي (نيسان/أبريل 2024)
من الجدول السابق يمكن أن نلاحظ عددًا من السمات الأساسية لصفقات الاستحواذ الحالية، واحدة من أهم تلك السمات هي تركز الاستحواذات على مشروعات قائمة بالفعل Brownfield projects وليست مشروعات جديدة greenfield يمكنها أن تخلق أصولًا جديدة وطاقة إنتاجية إضافية في الاقتصاد، أدت تلك الصفقات فعليًا إلى تغير في هيكل الملكية الخاص بتلك الشركات دون تغير في نشاطات الشركة أو عمليات إعادة هيكلة واسعة تضمنت زيادة الأصول الإنتاجية، كما يمكن أن نلحظ أيضًا أن معظم الصفقات سواء في موجة الاستحواذات الأولى في 2022- 2023 أو في التخارجات الأخيرة تمت من خلال البيع لمستثمر استراتيجي عن طريق صندوق مصر السيادي بالأساس، وهو ما يؤكد الطبيعة الآنية لتلك الصفقات والتي تمت من أجل محاولة حصار أزمة السيولة الدولارية، والتي جاءت بدورها بسبب مدفوعات الديون المرتفعة خلال السنوات الثلاث الماضية.
لم توفر صفقات التخارج تلك الحيز المالي المتوقع، فلم تكن حصيلتها في موجات الاستحواذات المختلفة خلال 3 سنوات تتجاوز 6 مليارات دولار، ما يعني أنها لم تكن العامل الحاسم في توفير الملاءة المالية، بل كانت صفقة رأس الحكمة، وهي التي رفعت مؤشرات الاستثمار الأجنبي في مصر لمستويات غير مسبوقة في 2024 جعلت مصر تحتل المركز التاسع على مستوى العالم، لكن على الرغم من تلك الصفقة الضخمة وتأثيرها الإيجابي على سد الاحتياجات التمويلية وبالأخص تمويل مدفوعات الديون إلا أنها لم توفر الحيز المالي المناسب لسد الفجوة التمويلية بشكل كامل.
بحسب تقديرات صندوق النقد الدولي فإن الفجوة التمويلية للاقتصاد المصري استمرت بشكل كبير، ارتفعت الاحتياجات التمويلية خلال السنة الأولى للأزمة (2022-2023) من 21.5 مليار دولار إلى ما يقرب من 36 مليار دولار خلال 2023-2024 قبل أن تنخفض مرة أخرى خلال العام المالي 2024-2025 لتسجل حوالي 26 مليار دولار، ومن المتوقع أن تعود للارتفاع مرة أخرى خلال السنة المالية الحالية لتسجل ما يقرب من 32.9 مليار دولار، ومن المتوقع أن تسجل انخفاضًا لحوالي 26 مليار دولار خلال السنة المالية القادمة.

المصدر: تقديرات صندوق النقد الدولي في المراجعة الرابعة لقرض التسهيل الائتماني لمصر (آب/أغسطس 2024)
تشكل الفجوة التمويلية المستمرة في الاقتصاد دافعًا أكبر لعمليات بيع الأصول خلال الفترة القادمة، لكن ثمة عوامل أخرى تدفع في اتجاه إبطاء عمليات البيع خلال الفترة القادمة، لم تعد الضغوط التمويلية كبيرة بما يكفي، وعلى الرغم من إصرار صندوق النقد على استكمال عمليات البيع التي يراها ضرورية بحسب خبراءه في تقليل بصمة الدولة في الاقتصاد، إلا أن غياب الضغوط التمويلية الكبيرة من الممكن أن يساهم في المزيد من التريث في عمليات البيع.
ثانيًا: التحديات المؤسسية والقانونية في إطار حوكمة الاستحواذات الخليجية
خلال السنوات الماضية ترسخت عبر تعديلات قانونية مختلفة وضعية قانونية غير سليمة تمنع من تحقيق الشفافية والحوكمة المفترضة للاستثمارات الأجنبية بشكل عام، والاستحواذات الخليجية الأخيرة بشكل خاص، في كل صفقات الاستحواذ الخليجية السابقة ثمة غياب واضح في الشفافية سواء في الصفقات نفسها، وآليات التسعير المتعلقة بالأصول التي اشترتها الصناديق السيادية الخليجية، وكذلك في الاتفاقيات الملحقة بالصفقات والتي ساد فيها الكثير من الغموض، على سبيل المثال، في صفقة البيع الثلاثية لثلاثة شركات في قطاع البترول وهي الشركة المصرية لإنتاج الإيثيلين ومشتقاته ( ايثديكو) الشركة الوطنية للحفر، الشركة المصرية للألكيل بنزين (إيلاب) والتي تمت بين شركة أبوظبي القابضة والصندوق السيادي المصري، قدم المركزي ضمانًا لا يحدث دائما في صفقات الاستثمار المبدئي، حيث ضمن عائد ثابت على مبلغ الصفقة البالغ 800 مليون دولار بقيمة 8 بالمئة على أساس سنوي لمدة 4 سنوات. يعني ذلك أن الجانب الإماراتي سيقوم بشراء أصول وحصص في شركات مصرية رابحة في هذا القطاع ويحصل على اتفاق جانبي على عائد ثابت وكأن ذلك ليست عملية شراء للأصول.
قدم البنك المركزي المصري ما يشبه ضمانا للاستثمار الإماراتي، حولت الملكية الإماراتية في الشركات الثلاث وكأنها ملكية لأسهم ممتازة، وذات عائد مرتفع على الدولار في 2024، لا يفهم لماذا قدمت الحكومة في هذه الصفقة تحديدا هذا الضمان، لكن وجوده يطرح إشكاليات مركبة، الأولى تتعلق بالغموض الاجرائي في هذه الصفقة مثلها مثل صفقات الاستحواذ الأخرى حيث لم يتم الإفصاح عن صيغة هذا الضمان ولا مصدر تغطية العائد الفعلي والعائد المضمون حال انخفضت أرباح الشركات ما يفتح الباب بأن تتحمل الهيئة العامة للبترول ذات الديون المرتفعة هذا الفارق، وهو ما يعني تحميل هذا الفارق في المستقبل للموازنة العامة المصرية، أما الإشكالية الثانية فتتعلق بمبدأ المخاطرة المعمول به والمتفق عليه في كل اتفاقات الاستثمار الأجنبي، حيث إن تخصيص عائد مضمون بنسبة مرتفعة للمستثمر الأجنبي يحوله لدائن وليس لمستثمر، في حين أن أبسط قواعد الاستثمار تفترض تقاسم المخاطر بين البائع والمشتري.
يثير تدخّل البنك المركزي لتقديم هذه الضمانة كثيرًا من الاستغراب؛ فتعهد جهة نقدية بضمان عائد ثابت لمستثمر خارجي لا يعكس فقط تراجعًا في الاستقلالية الفعلية للبنك المركزي، بل يطرح أيضًا تساؤلات حول دور الجهات التنظيمية الأخرى التي كان يُفترض أن تمارس رقابتها على الصفقة، وفي مقدمتها جهاز حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية، الذي انتهى إلى الموافقة عليها. في هذه الصفقة وبقية الصفقات ثمة غياب واضح للحياد المؤسسي والفصل في المهام التنفيذية والرقابية بين الجهات المختلفة داخل الدولة.
لعل أبرز الأمثلة على تلك الضبابية المؤسسية هي حالة صندوق مصر السيادي نفسه، فمنذ إنشاء الصندوق في 2018 تغيب الشفافية بشكل كامل عن الدور المفترض أن يلعبه الصندوق، تصدر قرارات تخصيص الأصول للصندوق من خلال نزع صفة النفع العام عنها بقرار من رئيس الجمهورية، وهو ما يعد غريبًا حيث إن صفة النفع العام من المفترض أن تقع على الصندوق نفسه الذي يدير في النهاية أصولًا عامة، خلال السنوات الماضية تضخمت محفظة صندوق مصر السيادي بشكل كبير حيث حصل بموجب قرارات رئاسية على مبنى مجمع التحرير، وزارة الداخلية، مبنى الحزب الوطني القديم، مبنى القرية الكونية في السادس من تشرين الأول/أكتوبر، وعدد من المباني والأراضي الملحقة بمعهد ناصر، وأرض حديقة الحيوان بطنطا وغيرها من الأصول.
توسعت عمليات نقل الأصول للصندوق بعد تعديل قانون إنشائه في 2020، حيث أضافت التعديلات القانونية التي أقرت في 2020 الكثير من التحصين على عمليات بيع الأصول من خلال الصندوق، أضيفت خلال تلك التعديلات المادة ال6 مكرر والتي نصت على أن «يكون الطعن في قرار رئيس الجمهورية بنقل ملكية الأصول أو الإجراءات التي اتخذت بناء على هذا القرار من الجهة المالكة للأصل أو الصندوق المنقول له الملكية دون غيرهما، ولا ترفع الدعاوي ببطلان العقود التي يبرمها الصندوق أو التصرفات التي يتخذها لتحقيق أهدافه، أو الإجراءات التي اتخذت استنادا لتلك العقود أو التصرفات إلا من أطراف التعاقد دون غيرهم».
وكذلك تمت إضافة مادة أخرى نصت على عدم قبول الطعون أو الدعاوى المتعلقة بالمنازعات المنصوص عليها، وهي مادة تزيد في تحصين تلك العقود التي يبرمها الصندوق السيادي. لقد برز دور الصندوق السيادي كفاعل مهم في عمليات الاستحواذ الأخيرة كاستمرار للتعديلات القانونية المتعلقة بالخصخصة، والتي بدأت في 2014 من خلال قانون رقم 32 لسنة 2014 والخاص بتنظيم إجراءات الطعن على عقود الدولة، كان هذا القانون المبكر الذي صدر من رئاسة الجمهورية قبل أن ينعقد برلمان 2015 ويقره لاحقا رد فعل تشريعي على الأحكام التي صدرت من القضاء الإداري بعد ثورة كانون الثاني/يناير 2011 والخاصة بعقود خصخصة وبيع الكثير من أصول القطاع العام، غير أن القانون الذي صدر في 2014، وظل محل نزاع عدم دستورية حتى 2023 حين حكمت المحكمة الدستورية بدستورية القانون قصر حق الطعن على العقود الحكومية على طرفي التعاقد فقط وأصحاب المصلحة المباشرة، وهو ما منع الطعن أمام القضاء على الكثير من العقود الحكومية ومنها عقود الخصخصة التي تمت في فترات سابقة، ومازالت منظورة أمام المحاكم، وبموجب هذا القانون لا تقبل المحاكم أية دعاوى أو طعون من طرف ثالث على العقود المبرمة بين الدولة والمستثمرين، وهو ما يمثل تعديًا صريحًا على حق المواطنين الأفراد في حماية المال العام.
أغلق هذا القانون إحدى أهم قنوات الرقابة القضائية والمجتمعية على صفقات بيع الأصول العامة، ما حصن العقود الحكومية ومنها عقود بيع الأصول من أي مراجعة قضائية مستقلة، غير أن الإقرار بضرورة صدور القانون لجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة في 2014 بدا غريبا أن يستمر لأكثر من عشر سنوات كاملة، إذ يعني ذلك أن حالة الاستثناء التي اقتضت القفز على القنوات التقليدية للرقابة على المال العام استمرت معنا حتى اليوم. لقد اتبعت الحكومة في موجة الاستحواذات الأخيرة المزيد من التحصين لتلك العقود، فمن خلال نقل الشركات المباعة لصندوق مصر السيادي، تضاف طبقة أخرى من التحصين على تلك العقود، لأن أموال الصندوق السيادي بحسب قانون إنشائه ليست أموالًا عامة، بل أموالًا خاصة مملوكة للدولة.
لقد ساهمت العوامل السابقة من ضعف للشفافية وتحصين عقود الخصخصة من النظر أمام القضاء إلى إضعاف دور الأجهزة الرقابية خلال صفقات الاستحواذ الخليجية، يتم إبرام معظم تلك الصفقات بعيدًا عن البرلمان وحتى حينما تعرض بعض تلك الصفقات على جهاز مثل حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية فإنه غالبا ما يتم الموافقة عليها، ما يطرح الكثير من التساؤلات حول مدى استقلالية الجهاز وغيره من الأجهزة الرقابية التي يفترض بها أن تلعب أدوارًا مهمة في حماية المال العام وتحقيق مبدأ الفرص المتساوية في عمليات البيع. أدى ذلك في النهاية إلى تعزيز وضعيات احتكارية موجودة بالفعل، ويمكن رؤية ذلك بشكل واضح في صفقة بيع شركة الشرقية للدخان، فقد تم استبدال احتكار الحكومة لقطاع التبغ باحتكار المستثمرين الإماراتيين، بعد بيع 30 بالمئة من الشركة لشركة جلوبال للاستثمار المملوكة لرجلي الأعمال الإماراتيين محمد العبار وأبو بكر الحسيني، سبق ذلك قرار الحكومة بإعطاء المتحدة للتبغ وهي شركة مملوكة أيضًا للإمارات رخصة تصنيع جديدة، ما جعل الإمارات تستبدل احتكار الحكومة بشكل كبير لسوق التبغ في مصر.
كانت المحصلة النهائية لغياب الشفافية، وكذلك غياب الدور المفترض أن تلعبه الأجهزة الرقابية على تلك الصفقات هو حصر القرارات الخاصة بتلك الصفقات ضمن قلة من المسئولين التنفيذيين، بدون أي محاسبة. غابت الكثير من الإجابات عن الأسئلة الهامة في ذلك السياق مثل من يشتري الأصول؟ وبأي سعر؟ وهل تمت ضمن آليات عروض سعرية مختلفة تدعم التسعير العادل لها؟ ومعها غابت الأدوار المفترضة للمجتمع المدني والنقابات والصحافة، بسبب غياب الشفافية، يقوض ذلك في المجمل مبادئ الحوكمة الرشيدة ويساهم في إضعاف الثقة الشعبية في كيفية إدارة الحكومة للموارد العامة، ما يجعل الخطاب حول الاستثمارات الأجنبية المباشرة يتحول من نقاش من المفترض أن يحمل طابعًا اقتصاديًا إلى مساحة للاستقطاب السياسي، وتظهر معها خطابات على طرفي نقيض بين «بيع البلد» كما تروج له المعارضة السياسية أو استثمارات بأحلام كبيرة تروج لها الحكومة على أنها دليل على النجاح الاقتصادي الذي لا يلمسه المواطن العادي.
يمكن تلخيص الفاعلين الأساسيين وأصحاب المصلحة في صفقات الاستحواذ الأخيرة في الجدول التالي:
| الفاعلون |
المصلحة الرئيسية |
الدور المؤسسي في عمليات الاستحواذات |
تقييم مستوى النفوذ السياسي والمؤسسي على قرارات البيع |
| رئاسة الجمهورية |
تخفيف الضغوط الاقتصادية وما ينتج عنها من احتقان سياسي واجتماعي. |
السلطة التنفيذية العليا، تخصص الأصول لصندوق مصر السيادي، وتلعب أدوار كبيرة في التوجيه الاستراتيجي لسياسات الخصخصة بشكل عام في مصر |
مرتفع جدًا |
| رئاسة الوزراء ومجلس الوزراء |
تنفيذ وثيقة سياسات ملكية الدولة |
الاشراف القانوني على الصندوق السيادي، وتنسيق الجهود بين الوزارات في تقييم الأصول وطرحها للبيع |
مرتفع |
| صندوق مصر السيادي |
وسيط للقيام بعمليات البيع، يفترض أن يضمن الحصول على تقييمات عادلة للأصول المباعة. |
هيكل شبه مستقل؛ ينقل إليه أصول الدولة ويبرم الصفقات دون رقابة برلمانية |
مرتفع جدًا |
| البنك المركزي المصري |
استقرار سعر الصرف والمؤشرات الاقتصادية الرئيسية كالتضخم |
ضمن صفقات بعينها (مثل ADQ) من خلال ضمان عائد ثابت 8 بالمئة، الحصول على جزء من أموال الصفقات لسداد الديون. |
متوسط – مرتفع |
| وزارة المالية |
تخفيض الدين، توليد إيرادات سريعة، تحسين مؤشرات الاقتصاد الكلي |
التنسيق مع صندوق النقد الدولي، إعداد سياسات الخصخصة والدين العام |
مرتفع |
| الصناديق السيادية الخليجية |
الربحية، النفوذ الإقليمي، تحصين الاستثمارات ضد المخاطر السياسية. |
شراء أصول في قطاعات استراتيجية مختلفة كجزء من استراتيجية التنويع الاقتصادي في الخليج، والإنقاذ المالي لمصر خلال الأزمة. |
مرتفع |
| صندوق النقد الدولي |
التأكد من تنفيذ عمليات بيع الأصول لتوفير الحيز المالي لسد الفجوة التمويلية للاقتصاد. |
ربط المشروطية الخاصة ببرنامج الصندوق وصرف الشرائح بالتقدم المحرز في بيع الأصول. |
مرتفع |
| مجلس النواب المصري |
تعزيز الشرعية المؤسسية، تمثيل سياسي محدود |
دور رقابي شكلي؛ لا يطلع غالبًا على تفاصيل الصفقات أو تقييم الأصول |
منخفض |
| الجهاز المركزي للمحاسبات |
مراجعة بعدية للمال العام، رقابة رمزية |
جهاز رقابي من المفترض به رقابة المال العام، لا يتمتع بصلاحيات حقيقية في وقف الصفقات. |
منخفض |
| جهاز حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية |
منع الممارسات الاحتكارية، حماية السوق المحلي |
مراجعة صفقات الاستحواذ وإذا ما كانت تنتج وضعيات احتكارية في السوق. |
منخفض |
| العمال والنقابات |
الأمان الوظيفي، حماية الحقوق العمالية |
فئة متأثرة بإعادة الهيكلة بعد البيع؛ لا تمثيل حقيقي في المفاوضات أو الصفقات. |
منخفض جدًا |
| الصحافة / المجتمع المدني |
الشفافية، المصلحة العامة، المساءلة الشعبية |
تعقب الصفقات وكشف الغموض المؤسسي من خارج النظام الرسمي |
منخفض |
| الجمهور العام / دافعو الضرائب |
الحفاظ على الثروة الوطنية، جودة الخدمات، حماية السيادة الاقتصادية. |
المالك الفعلي للأصول العامة؛ محروم من المعلومات أو القدرة على الطعن على عمليات البيع. |
منخفض |
وفيما يتعلق بالمجتمعات المحلية، وهم أصحاب مصلحة رئيسيون في تلك العملية، فإن صفقات الاستحواذ الأخيرة على الأراضي مثل رأس الحكمة، علم الروم، وغيرها من الأراضي الكثير تسببت في الكثير من عمليات التهجير، بل وفي أحيان كثيرة بالقوة للسكان المحليين في تلك المناطق. لعبت الدولة أدوارًا مباشرة في قمع المجتمعات المحلية، وهو ما يؤكد أن الاستحواذات ليست فقط مالية أو استثمارية وإنما تطرح أسئلة متكررة في مصر عن الأرض، وأنماط الملكية، والحقوق المترتبة عليها من تعويضات في حالة نزعها للصالح العام، وهي الممارسة التي توسعت فيها الحكومة المصرية خلال السنوات الأخيرة. اعتمدت الدولة على أدوات نزع الملكية أو «التخصيص الاستثماري» دون مسار تشاركي واضح، ما حوّل التعويض من كونه أداة إنصاف إلى آلية احتواء اجتماعي تُحددها السلطة التنفيذية من طرف واحد. هذا النمط يعكس فجوة حَوْكمية أساسية في صفقات الاستحواذ الخليجية: غياب إطار ملزم لتقييم الأثر الاجتماعي، وعدم إشراك المجتمعات المحلية في التفاوض، والاكتفاء بتعويضات نقدية قصيرة الأجل لا تعالج خسارة سبل العيش أو الروابط المكانية، بما يهدد بتحويل هذه الصفقات من «مشروعات تنمية» إلى مصادر توتر اجتماعي مزمن.
ثالثاً: أنماط الاستثمار، أهدافها، وغياب الدور التنموي.
من العرض السابق تتضح لنا عدة أنماط في إدارة ملف الاستثمار الخارجي تثبط عملية التنمية الاقتصادية وتجعل مكاسب الاستثمار تتراوح بين آثار سلبية أو آثار إيجابية محدودة البعد الزمني لأنها لا تحاول إصلاح الخلل الهيكلي في الاقتصاد المصري فتتحول لمجرد محاولة لـ«تلصيمه» مؤقتاً بلا خطة واضحة لتحول هيكلي بعيد المدى.
أولاً: الدولار ملكاً
الانكفاء على إحراز الدولار بسرعة وبأي ثمن لتخفيف آثار الأزمة الاقتصادية والاحتقان الاجتماعي الناتج عنها نتج عنه اتباع سياسات أجحفت مصر حقها. لطالما ارتبطت سياسات التقشف ببرامج صندوق النقد الدولي في مصر، خاصة بين عامي 1991 و2022، حين أدت إزالة الدعم دون زيادة موازية في الأجور إلى تفاقم الفقر. وقد نتج عن تدني الأجور ضعف في الادخار والاستثمار، مما جعل القطاع الخاص تهيمن عليه الشركات الكبرى مع غياب الطبقة المتوسطة من المؤسسات وهي العمود الفقري لأي اقتصاد. ورغم هذا الخلل البنيوي، الذي يظهر في ضعف مؤشر مديري المشتريات، يصرّ الصندوق على أن السبب هو الشركات المملوكة للدولة، رغم أن القطاع الخاص يسيطر على أكثر من 85 بالمئة من التصنيع، و89 بالمئة من البناء، و99 بالمئة من السياحة، أي أكثر من 75 بالمئة من الناتج المحلي غير النفطي. وبدلاً من معالجة ضعف الأجور، يدفع الصندوق نحو الخصخصة، مستفيداً منها كبار المستثمرين عبر شراء الأصول المنتجة بدون تكبد تكاليف الإنشاء أو مخاطرات البداية. فبعد البداية بخصخصة الشركات الخاسرة والمُهمَلة في الجولات الأولى للخصخصة، تستهدف المرحلة الحالية الشركات الرابحة، في عملية أشبه ببيع إرث مصر الاقتصادي مقابل عونٍ مؤقت لا يلبث إلا أن يتبخر بسرعة. كان لسرعة البيع تحت ضغط الجدول الزمني للصندوق خاصة في ظروف الأزمة وترقب تخفيض سعر الجنيه أثر بالغ في تقييم الأصول بثمن بخس كما أفردنا في هذه الورقة وكما أظهرت أبحاث عدة.
ثانياً: البيع السريع بديلاً عن التخطيط طويل المدى
يتطلب استخدام الاستثمارات لتحقيق أهداف تنموية اختيار نوع الاستثمار المناسب للقطاع المناسب، وهو ما أهملته الحكومة في تسابقها لبيع أصول رابحة، وبعضها شديد الأهمية ومرتفع الربحية، بلا استراتيجية محددة لدور هذا الاستثمار في سياسة صناعية أكبر وغير دورها في استجلاب الدولار بأسرع ما يمكن. فلم تراعٍ مثلا أن تكون هذه الاستحواذات مقرونة باتفاقيات لحماية العمال والبيئة، أو تعهدات بزيادة القدرة الإنتاجية. كما لم تراع الحكومة التركيز على استجلاب استثمارات في قطاعات كثيفة العمالة ومرتفعة الأجور لرفع معدلات الادخار والاستثمار تسمح ببناء قطاع خاص صغير ومتوسط ذي روابط خلفية وأمامية قوية. مع انعدام التعهد بتوسيع الطاقة الإنتاجية نلتفت لغياب الأثر الممتد لهذه الصفقات على الحساب الجاري حيث أنها لا تبني مصدراً مستداماً للنقد الأجنبي من الصادرات ولا تعمل على إشباع السوق المحلي بإحلال الواردات. في هذا الإطار لا تتخطى هذه الاستحواذات كونها مسّكنًا مؤقتًا ولا ترقى إلى أن تكون استثمارًا تنمويًا أو حقيقيًا بأي معنى معروف للكلمة.
ثالثاً: أنواع الاستثمارات وتركيزاتها القطاعية
بالنظر إلى النوعين الأساسيين للاستثمارات الأجنبية المباشرة من الاستحواذات على مشروعات قائمة بالفعل أو استثمارات في مشروعات جديدة، يظهر نمط آخر في هذه الموجة من الاستثمارات. فالتركز العددي يظل في جانب الاستحواذات على مشاريع قائمة بالفعل كما أسلفنا، بينما فضلاً عن مشروعي رأس الحكمة وعلم الروم تحظى الاستثمارات المباشرة بالثقل النقدي الأكبر. تركزت الاستحواذات في قطاعات تحويلية مرتبطة بالوقود الأحفوري مثل الصناعات البترولية، الكيميائية، وتوليد الطاقة وهي في غالبها موجهة للسوق المحلي وتتمتع بسوق مضمون وعوائد سخية؛ أو في قطاعات خدمية مثل السياحة والخدمات الفندقية وهي موجهة للسوق الخارجي عامة فالتعداد السكاني الكبير مقروناً بضعف المستوى المعيشي ينتج احتياط دائم من الطلب غير الملبّى وهو ما يجعل السوق الداخلي مضموناً بضمان دوام الطلب على المعروض. أما بالنسبة للسياحة التي يأتي على الأقل 10 بالمئة منها من الخليج فيمكننا رؤية الاستحواذات فيها كجزء من سياسة الخليج العامة في العقد المنصرف التي تهدف لإعادة تدوير أكبر قدر ممكن من الأموال الخليجية داخل النظم المالية الخليجية.
على الجانب الآخر وبالنسبة للاستثمارات في مشاريع جديدة بالأساس في قطاعات التشييد والبناء والتطوير العقاري وهي قطاعات غير تجارية فهي تعتمد على سيولة القطاع العقاري المصري واتسامه بالتعطش لضمان الربحية والحد من عامل المخاطرة المتضمن في الاستثمار في مشاريع جديدة.
في هذا السياق يمكننا أن نستشف نوايا ومقاصد الصناديق الخليجية المستحوذة على هذه المشاريع. اتسام المشاريع بمضمونية الربحية وشبه غياب تام للمخاطرة –ضمن ضمانات رسمية بالربحية في بعض الحالات – يرسم صورة للاستحواذات في السوق المصري كاستراتيجية تحوط طويلة المدى لرأس المال الخليجي ضد تقلبات أسعار البترول -خاصة إذا رفعت الولايات المتحدة العقوبات عن أي من روسيا، وإيران، أو فنزويلا. وهي مقاصد متسقة – مؤقتاً – مع أهداف الحكومة المصرية قصيرة المدى في استجلاب الدولار بأسرع ما يمكن. لكن غياب الأثر الممتد، سواء في تخفيض العجز التمويلي بشكل مستدام، أو توليد تنمية حقيقية تسمح لمصر بالخروج من دوامة الأزمة يعني أن هذا الاتساق المؤقت قد يتلاشى مع مرور الوقت، فالاستحواذات والاستثمارات المبرمة عقودها لن تولد مصدرًا مستدامًا للعملة الصعبة بل سترفع معدل استنزاف العملة الصعبة على المدى المتوسط والبعيد بسبب تحويلات الأرباح خاصة في ظل غياب ضرائب التخارج، وهو ما يؤشر بأن المصاهرة بين الدوائر السياسية والاقتصادية قد تكون محدودة الأفق، لتترك مصر في حال لا تحسد عليه تتضارب فيه مصالح الدولة مع مصالح المستثمرين المستحوذين على مقدراتها الاقتصادية؛ وهو ما يستوجب تطوير سياسة حاكمة للاستثمارات الأجنبية في الاقتصاد المصري تراعي مصالح المواطنين ودولتهم في الآماد القريبة، المتوسطة، والبعيدة، لئلا ينقلب حلم الأمس لكابوس الغد.
خاتمة
تخلص الورقة إلى أن موجة الاستحواذات الخليجية في مصر (2022-2024) ليست مجرد تدفقات عادية للاستثمار الأجنبي، ولكنها كانت أقرب لآلية لإدارة أزمة السيولة الدولارية التي ضربت الاقتصاد المصري خلال تلك الفترة. تعيد تلك الصفقات تعريف علاقة الدولة بالمال العام في مصر، ويمكن اعتبارها موجة جديدة من الخصخصة إلا أن لها سمات أكثر غموضًا من الموجات السابقة للخصخصة.
تدافع الورقة عن ضرورة وضع أطر قانونية ومؤسساتية لحوكمة هذا النوع من الاستثمارات الأجنبية المباشرة، ولا يجب أن تختزل تلك الحوكمة في سؤال الشفافية أو الإفصاح الشكلي، لكن يجب أن تفهم على أنها حقل للتفاوض السياسي والمؤسسي بين الدولة بوصفها تدير المال العام، والمجتمع بوصفه المالك النهائي المستفيد لهذا المال العام، وعلى مستوى الحوكمة المؤسسية والقانونية، فتوضح الورقة أن المشكلة البنيوية ليست فقط ندرة المعلومات، بل تأسيس بنية تشريعية تُحصّن قرارات نقل الأصول وعقود البيع من الرقابة القضائية والمجتمعية وتُضعف أدوار البرلمان والأجهزة الرقابية، بما يحوّل قرار البيع إلى قرار تنفيذي ضيق الدائرة.
تؤكد الورقة أن الاستحواذات الخليجية تُنتج «اتساقًا مؤقتًا» بين احتياجات الحكومة قصيرة الأجل للدولار وبين استراتيجيات رأس المال الخليجي للتحوط والربحية، لكن هذا الاتساق محدود الأفق إذا لم يُترجم إلى سياسة استثمارية حاكمة تفرض شفافية وتسعيرًا عادلاً، وتربط الصفقات بتعهدات إنتاجية وبيئية وعمالية، وتستهدف قطاعات مولّدة للتشغيل والأجور والصادرات. وإلا فإن النتيجة المرجحة ليست «إصلاحًا هيكليًا»، بل مسكّنًا تمويليًا يعمّق التبعية ويزيد استنزاف النقد الأجنبي عبر تحويلات الأرباح في المستقبل، ويقوض الثقة في إدارة المال العام ويترك الدولة والمجتمع أمام كلفة طويلة الأجل تفوق مكاسب اللحظة.
https://journals.ekb.eg/article_312596_b5ad3fb797ce9d3da37d89d5775973e7.pdf
تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.