في أعقاب الحرب التي اختارت الولايات المتحدة وإسرائيل خوضها ضد إيران، ونظرًا لتأثيرها المحتمل في اقتصاد أوروبا وأمنها الطاقي وسياساتها المتعلقة بالهجرة، لم يعد من المعقول أن تتجنب استراتيجية الاتحاد الأوروبي المعالجة المباشرة لمسألة تحديد المصالح الأوروبية الأساسية في المنطقة. لذلك، حريٌ بالمفوضية أن تفكر استراتيجيًا للوقوف على المصلحة الأوروبية الجماعية في جوار لا يقل أهمية عن أوكرانيا، ثم وضع الدول الأعضاء أمام استحقاق حسم موقفها بالدعم أو الرفض لهذه المصلحة. وإلا، فالاستراتيجية الجديدة تخاطر بأن تكون مجرد إعادة صياغة لميثاق البحر الأبيض المتوسط، تجمع أجزاءً من سياسة قائمة بالفعل بلا أي رابط استراتيجي ناظم. يجادل هذا المقال بأن الاستراتيجية الجديدة يجب أن تمثل إعادة ضبط حقيقية للمقاربة الأوروبية تجاه الشرق الأوسط، ويقدم بعض المؤشرات الأولية حول ما يجب أن تنطوي عليه هذه العملية.
دور أوروبا في المنطقة
لحق بصورة أوروبا ودورها في المنطقة منذ 7 أكتوبر ضرر بالغ لدرجة نُسيَ معها في الغالب التاريخ الحديث الأكثر إشراقًا لعلاقتها مع المنطقة. اليوم، يبدو أن استراتيجية أوروبا تجاه المنطقة قد فُوضت بالكامل تقريبًا إلى الولايات المتحدة، حتى حين تتعارض استراتيجية الولايات المتحدة في المنطقة مع المصالح الأوروبية. ولم يتبقَ من الاستراتيجية الأوروبية المستقلة سوى استراتيجية دفاعية بحتة، ترمي إلى تسخير جميع سياساتها لخدمة الهدف الأسمى المتمثل في احتواء الهجرة القادمة من المنطقة.
لكن الأمر لم يكن هكذا على الدوام. بعد إعلان البندقية لعام 1980 الصادر عن رؤساء دول وحكومات الجماعة الأوروبية التسعة آنذاك، اتخذت أوروبا موقفًا مختلفًا تمامًا عن الولايات المتحدة، ودعت إلى مفاوضات مباشرة بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية. استندت استراتيجية أوروبا إلى فكرة أن حل الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني يشكّل القضية الاستراتيجية المركزية في المنطقة، في رؤية تتفق مع رؤية معظم الأطراف الفاعلة الإقليمية. وبالتالي، كان حل هذا الصراع في نظر أوروبا المفتاح الكفيل بفتح الباب أمام فرص التكامل داخل المنطقة والشراكة الأوروبية معها.
في عام 1991، مالت الولايات المتحدة نحو الموقف الأوروبي، في خطوة جاءت لقاء بناء التحالف لإخراج العراق من الكويت. بيد أن الدور الأوروبي، على الرغم من استضافة مدريد للمحادثات المتمخضة عن المحادثات الأمريكية والسوفييتية حول الصراع العربي الإسرائيلي، قُلِّص إلى مجرد مضيف ومراقب. ومن أسباب هذا التقليص أن إسرائيل رأت في أوروبا وسيطًا لا يدعمها بقدر الوسيط الأمريكي، ويضاف إلى هذا السبب حرص واشنطن على إبقاء زمام العملية في يديها. بعد تحقيق تقدم في المفاوضات السرية المباشرة في أوسلو، تكرر هذا التهميش السياسي لأوروبا طوال المفاوضات الطويلة والمضنية، والعقيمة في نهاية المطاف، بغية إبرام اتفاق بشأن الوضع النهائي.
ذكر لي أحد المفاوضين الأوروبيين في ذلك الوقت وجود ارتباط بين فشل مفاوضات أوسلو وتهميش الأوروبيين: "مع الوساطة الأمريكية، كان لدى الإسرائيليين محاور دولي موثوق داخل القاعة لن يفعل أبدًا أي شيء قد يمس بمصالح إسرائيل. وحين كنا [نحن الأوروبيين] في القاعة، كان للفلسطينيين محاور أيضًا. لذا، حين أُقصينا من مباحثات كامب ديفيد [محاولة كلينتون الفاشلة للتوصل إلى اتفاق بين باراك وعرفات في عام 2000]، لم يكن لدى عرفات أحد في القاعة يمكنه الوثوق به".
في مواجهة هذا التهميش، كرس الأوروبيون اهتمامهم بدلًا من ذلك لمجالين واسعين من السياسة، وكلاهما يقوم على افتراض التوصل المستقبلي إلى حل للوضع النهائي بين الإسرائيليين والفلسطينيين:
بلورة الحوافز الاقتصادية والإقليمية من أجل السلام
صُمم إعلان برشلونة لعام 1995 والعملية الأوروبية المتوسطية المنبثقة عنه لبلورة "عوائد سلام" للمنطقة من خلال مزيج من اتفاقيات الشراكة الطموحة في المجالات السياسية والتجارية والتعاونية، والاجتماعات الوزارية الإقليمية القطاعية. بيد أن التقارب التنظيمي والتعاون الإقليمي المنشودين في هذا الإطار لم يؤتيا ثمارهما بفعل عدم إبرام أي اتفاق سلام من شأنه تطبيع علاقات إسرائيل مع بقية المنطقة.
بناء السلطة الوطنية الفلسطينية لتكون أساسًا لدولة فلسطينية
أصبح الاتحاد الأوروبي الممول الرئيسي للسلطة الفلسطينية، واستثمر قرابة 30 مليار يورو في فلسطين خلال العقود الثلاثة الماضية. قام الاتحاد الأوروبي ببناء قدرات السلطة الفلسطينية لتكون قادرة على الانتقال من المسؤولية عن المنطقة (أ) الصغيرة إلى تولي مسؤولية حكم كامل الأراضي بمجرد إقامة الدولة الفلسطينية. كان هذا استثمارًا كبيرًا في المستقبل لم يكن ليؤتي ثماره إلا بعد أن يقر اتفاق الوضع النهائي قيام الدولة الجديدة.
على سبيل المثال، أدى الاتحاد الأوروبي دورًا رئيسًا في تمويل وتدريب قوة الشرطة الوطنية الفلسطينية. وأوضح لي قائد هذه القوة في مكتبه في رام الله عام 2005 أن القوة مدربة ومجهزة بأحسن ما يمكن، لكنها عاجزة عن القيام بعملها لأن حتى أبسط مهمة كالقبض على لص مستحيلة: فكل ما على اللص فعله أن يهرب إلى المنطقة (ج) الأكبر في الضفة الغربية، حيث تحتفظ إسرائيل بالمسؤولية الكاملة عن الأمن، ولم يكن بوسع ضباطه فعل أي شيء للقبض عليه. وما دامت إسرائيل غير مستعدة لنقل المنطقة (ج) إلى السيطرة الفلسطينية، سيظل الوضع على حاله.
لم يسفر فشل عملية أوسلو عن إعادة تقييم استراتيجي كبير من قبل الأوروبيين. وظلت كلتا السياستين ساريتين جوهريًا، مع تعديلات طفيفة. ودخلت جميع اتفاقيات الشراكة حيز التنفيذ (باستثناء سوريا)، لكن اللجان واللجان الفرعية المفترض بها أن تحقق التوافق التنظيمي لم تُحرز سوى القليل في ظل غياب اتفاق السلام المفترض يه أن يمنحها الزخم. حوّلَت سياسة الجوار، التي أُطلقت وسط ضجة كبيرة في عام 2004، السياسة الأوروبية المتوسطية من إطار إقليمي إلى إطار ثنائي، في اعترافٍ ضمني بفشل نواياها الأصلية. استمر تدفق التمويل إلى السلطة الفلسطينية، لكن هذه المرة بغية دعمها مع غياب أي أمل واقعي بتحولها إلى نواة لدولة فلسطينية.
انتهى هذا الجمود بعد هجوم حماس الإرهابي في 7 أكتوبر ورد إسرائيل الإبادي في غزة. سارع الاتحاد الأوروبي، وقد تجاهل سياسة راسخة دامت عقدين، إلى الاصطفاف مع إسرائيل والولايات المتحدة، وهدد في البداية بقطع كل المساعدات عن الفلسطينيين. ثم فشل بكل وضوح في اتخاذ أي من الإجراءات المطلوبة قانونيًا بموجب اتفاقياته الثنائية مع إسرائيل مع تزايد الأدلة على الإبادة الجماعية. وبذلك، أجهزت أوروبا على الباقي من استراتيجيتها تجاه منطقة البحر الأبيض المتوسط. وألقت فعليًا بعقود من الاستثمار أدراج الرياح وأعلنت فعليًا أن مستقبل المنطقة سيُترك لواشنطن، على الرغم من استعداد الأخيرة لتأييد سياسة الإبادة الجماعية الإسرائيلية المصممة لجعل الحل السلمي للصراع الإسرائيلي/الفلسطيني مستحيلًا.
الحجة الجيوسياسية لتجديد الدور الأوروبي
يتداعى الآن منطق تحالف أوروبا مع الولايات المتحدة في جوارها. وقد أدرك الأوروبيون ذلك عند النظر إلى الشرق: شاهدوا التحركات المحمومة لزيادة استقلالية أوروبا الدفاعية عن الولايات المتحدة وإقامة "تحالفات الراغبين" الجديدة لدعم أوكرانيا. لكن على الرغم من كل الخطب الرنانة في دافوس وميونخ، لم يبدأ هذا التفكير بعد في التوسع نحو الجنوب، حيث لا تزال أوروبا تبدو مترددة بغرابة في القيام بأي دور مستقل. على سبيل المثال، لم يرفع الاتحاد الأوروبي العقوبات عن سوريا إلا بعد أن التقى الرئيس ترامب بالرئيس الشرع، ما جعل الأوروبيين لاعبين هامشيين في هذه المرحلة من الانتقال السوري. وفي الآونة الأخيرة، غدت أوروبا هدفًا لضربات إيران بعد رفض الأولى إدانة الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران لعدم شرعيتها. وبهذه الطريقة، قوضت أوروبا دورها: إذا كانت بروكسل راضية عن اتباع قرارات واشنطن، فلماذا يهتم أي شخص في المنطقة بالتحدث إلى بروكسل؟ أيّ فرق قد يحدثه ذلك؟
بيد أن الحجج الداعية إلى قيام أوروبا بدور مستقل في جوارها الجنوبي أقوى، من تلك المتعلقة بالشرقي، حيث تكون أوروبا أكثر عرضة لابتزاز الولايات المتحدة بسبب اعتمادها الأمني الشديد على واشنطن في دعم دفاع أوكرانيا ضد روسيا. وهذا الاعتماد أقل حدة في الجنوب. وقد أوضحت الحرب على إيران بمزيد من الجلاء أن لأوروبا والولايات المتحدة مصالح مختلفة تمامًا في المنطقة، حيث يهدد الصراع بشكل مباشر أمن الطاقة الأوروبي، ويقوض الدعم العسكري لأوكرانيا، ويخاطر بإحداث عدم استقرار إقليمي وأزمة لاجئين جديدة على حدودها، وجميعها تداعيات لن تمس الولايات المتحدة مباشرةً. ومن المأمول أن تثير هذه الحرب، عبر تأثيراتها، في العواصم الأوروبية نوعًا من التفكير حول الحاجة إلى الاستقلالية عن الولايات المتحدة في جوارها الجنوبي، على غرار ما أثاره التردد الأمريكي في دعم أوكرانيا في الشرق.
أوضحت استراتيجية الأمن القومي الأمريكية الصادرة في كانون الأول/ديسمبر العام الماضي بوضوح شديد أن «الأيام التي كان فيها الشرق الأوسط يهيمن على السياسة الخارجية الأمريكية... قد ولت لحسن الحظ». تحاول الولايات المتحدة، لأسباب متعددة، ليس أقلها حقيقة أن الولايات المتحدة لم تعد تعتمد على واردات الوقود الأحفوري من المنطقة، الانسحاب من المنطقة، وإنْ استمر الإسرائيليون في جرها إليها، لا سيما فيما يتعلق بإيران. لكن على عكس الأمريكيين، لا يتمتع الأوروبيون برفاهية الانسحاب من جوارهم، وبالتالي عليهم التفكير مليًا وبعمق في مصالحهم وأهدافهم في المنطقة وكيفية تحقيقها.
وسيتضمن هذا حتمًا المعضلة السياسية نفسها التي تواجهها أوروبا في الشرق: كيف يمكن لأوروبا أن تطور استقلاليتها عن الولايات المتحدة من دون إثارة رد فعل أمريكي عنيف؟ الفرق هنا أن احتمالية وخطورة رد فعل كهذا أقل في الجنوب.
نهج استراتيجي جديد تجاه الشرق الأوسط
على هذا الأساس، يجب أن ينطلق أي نهج أوروبي جديد تجاه المنطقة من 3 مقدمات أساسية:
أوروبا بحاجة إلى أن تدرك أصولها وتستخدمها بفعالية واتساق.
تظل أوروبا طرفًا نشطًا في المنطقة. فهي لا تزال، بالمجمل، أكبر شريك تجاري لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وإنْ تجاوزتها الصين في دول الخليج. تتحاور أوروبا مع الجميع في المنطقة من خلال شبكتها الدبلوماسية الواسعة، ولديها شراكات واسعة بحكم اتفاقيات الشراكة في إطار مبادرة أوروبا والبحر الأبيض المتوسط مع جميع دول البحر الأبيض المتوسط، باستثناء سوريا. بالإضافة إلى ذلك، تظل أوروبا في الوقت الحالي أكبر جهة فاعلة إنسانية في العالم، وتمنح الجالية الأوروبية الواسعة من المنطقة أوروبا فهمًا أعمق للمنطقة أكثر من أي طرف خارجي آخر. وفي عالم لا تخشى فيه القوى الكبرى استخدام قوتها، حريٌ بأوروبا أن تكون أصدق بشأن دورها ومبتغياتها من المنطقة.
في حين انصبّ جلّ تركيز أوروبا إزاء المنطقة في السنوات الأخيرة على منع الهجرة من خلال اتفاقيات ثنائية (تونس ومصر، وغيرهما)، تضاءل بالمقابل حجم الاهتمام المولى لمعالجة أسباب الهجرة. وبدلًا من ذلك، حريٌ بأوروبا الأكثر ثقةً وحزمًا تحديد هدفها الأسمى في المنطقة بالسعي إلى تحقيق جوار أكثر سلامًا وازدهارًا من خلال تعزيز علاقاتها في جميع أنحاء المنطقة. وأي خطوة نحو هذا الهدف كفيلة في حد ذاتها بخفض أعداد اللاجئين والمهاجرين الاقتصاديين.
أوروبا بحاجة إلى العمل مع المنطقة لإعادة بناء الثقة التي فقدت في السنوات الأخيرة.
يجب أن تكون نقطة البداية، بناءً على إعلان نيويورك لعام 2025 بشأن فلسطين، الاعتراف بأن الصراع الإسرائيلي/الفلسطيني لا يزال القضية الاستراتيجية المركزية للمنطقة، وأن العمل مع المنطقة لإيجاد حل له يجب أن يكون على رأس الأولويات الأوروبية. وأي استراتيجية حقيقية سوف تنطوي على العديد من التداعيات. أولًا، ستتضمن تجاوز ما يسمى بخطة ترامب/نتنياهو للسلام، الموضوعة بالأصل لتفشل. وبدلًا من إرسال مفوضين أوروبيين ليكونوا مراقبين (وممولين بلا شك) لمجلس السلام، ستعمل أوروبا مع شركاء في المنطقة، ولا سيما في الخليج، لوضع خطط لتعزيز دور الفاعلية الفلسطينية في إعادة بناء غزة. ولن تتردد في استخدام نفوذها التجاري لتوضِح لإسرائيل أن التحركات نحو ضم الضفة الغربية، وخنق هياكل الحكم المنبثقة عن أوسلو، والقصف غير القانوني وتوسيع أراضيها في لبنان وسوريا، لها عواقب، إذا لزم الأمر، من خلال تعليق الترتيبات التجارية التفضيلية بموجب اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل.
لن يغير نهج كهذا نظرة الفلسطينيين إلى أوروبا فحسب، بل أيضًا سيكون له تأثير في علاقات أوروبا بالمنطقة بأسرها، وسيسمح لها بتعزيز علاقاتها الوثيقة تاريخيًا مع العراق وسوريا ولبنان ومصر وتركيا ودول الخليج. وهذا بدوره سيفتح الباب أمام دور أوروبي أكثر أهمية بكثير في إعادة تأهيل سوريا وإعادة إعمارها بعد الحرب، من خلال العمل بالشراكة مع تركيا ودول الخليج.
فقد تعيد أوروبا، على سبيل المثال، طرح اتفاقية الشراكة مع سوريا التي وقعتا عليها مبدئيًا في عام 2008 ولكن لم تصادقا عليها إلى الآن. كما قد يمكّن ذلك الأوروبيين من أداء دور أهم في مساعدة لبنان على التعافي من القصف الإسرائيلي الأخير، بما يتجاوز الدعم الإنساني ليشمل تعزيز مؤسسات الدولة وقوات الأمن، بناءً على مشاركتها السابقة بعد الحرب الأهلية.
3. أوروبا بحاجة إلى علاقة مختلفة نوعيًا مع دول الخليج
من المنطقي أن يسفر نهج كهذا عن تغيير جذري في علاقات أوروبا مع دول الخليج، لا سيما مع المملكة العربية السعودية وقطر، على أساس نهج مشترك أكثر ترابطًا تجاه المنطقة وأمنها. وتتوفر بالفعل الأدوات السياسية اللازمة لتحقيق ذلك، بفضل استراتيجية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي ودول الخليج المعتمدة في عام 2022. وبمقدور أوروبا الأكثر حزمًا واستراتيجية أن تبني على هذا الأساس وتساعد في تعزيز إطار أمني تعاوني في المنطقة، لا سيما في مجال الأمن البحري.
قد يبدو هذا بعيد المنال في وقت أثارت فيه الحرب الأمريكية والإسرائيلية على إيران ردًا إيرانيًا في جميع أنحاء المنطقة ووضعت ضغوطًا هائلة على دول الخليج للدخول في الصراع. لكن إذا أثمرت جهود تخفيف التوتر الإقليمي في نهاية المطاف، فإن نقاط الضعف التي أظهرتها الأحداث الأخيرة لكل من إيران ودول الخليج في مواجهة العدوان العسكري قد تولد استعدادًا أكبر بكثير للاستثمار في إطار أمني تعاوني أكثر استقرارًا. وإذا كانت أوروبا مستعدة للنأي بنفسها عن الأعمال غير القانونية للولايات المتحدة وإسرائيل، فستكون في وضع أفضل بكثير لأداء دور في تسهيل طرح البديل الإقليمي الذي طال انتظاره لـ "السلام الأمريكي" (Pax Americana).
وأخيرًا وليس آخرًا، من شأن هكذا نهج أن يساعد على الأقل في إصلاح الضرر الذي لحق بسمعة أوروبا كمدافعة عن القانون الدولي، ليس في الشرق الأوسط وحده، بل أيضًا في أفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا. وبالتالي، سيكون هذا نقطة انطلاق لتطوير نوع التحالف بين القوى المتوسطة الذي دعا إليه رئيس الوزراء الكندي كارني في دافوس، والذي ينبغي للاتحاد الأوروبي، بصفته مجموعة من القوى المتوسطة المرتبطة ببعضها البعض بالقوانين والقواعد، أن يضطلع فيه بدور مركزي منطقيًا.
تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.