مقدمة
واجهت مصر أثناء حرب غزة تحدياً حوكمياً مركّباً: تمثل في الحفاظ على دورها في إدارة الأزمة في رفح وعلى مستوى الدبلوماسية الإقليمية، مع منع تحوّل المشاعر المرتبطة بالحرب في الداخل إلى حراك منظم مستقل. في العديد من الدول، يوسّع تقاطع المخاطر المتعلقة بالسيطرة على الحدود والانكشاف الإقليمي والتعبئة الشعبية المنافسة البيروقراطية بين أجهزة الدولة وإحداث انحراف مؤسسي واضح. لكن في مصر، جاءت النتيجة عكس ذلك. ازدادت السلطة تحكماَ، وتمركزت عملية صنع القرار، وأُعيد ترسيم الخطوط الفاصلة بين التضامن المسموح به والتعبئة غير المسموح بها بشكل أكثر حدة من خلال قواعد يحدّدها الأمن (مجموعة الأزمات الدولية، 2024).
تجادل هذه الورقة بأن أزمة غزة أسهمت في ترسيخ وتعميق نموذج الحوكمة المدني-الأمني في مصر بعد عام 2013. ولا يعني الترسيخ أن هذا النموذج نشأ بفعل الحرب على غزة؛ بل إن ضغوط الحرب سرّعت من منطقه التشغيلي ووسعت نطاقه. يُستخدم مصطلح "العلاقات المدنية-الأمنية" هنا للإشارة إلى نظام حكم تتجاوز فيه العلاقة حدود المدنيين والعسكريين بالمعنى الضيق، لتشمل جهاز الأمن الأوسع نطاقاً الذي يرسم حدود السياسة المدنية. وقد حدث هذا التعميق من خلال ثلاث ديناميكيات متقاطعة: تمركُز إدارة الأزمة في سلسلة قيادة ضيقة ترتكز على الرئاسة والمؤسسات الأمنية الأساسية؛ وتزايد دور الرقابة الأمنية على الحياة المدنية والسياسية، ليس فقط عبر القمع، بل من خلال استباق المبادرات التي يمكن أن تحول التعاطف إلى حراك سياسي على الأرض؛ وتطبيق منطق أمني موحد عبر إدارة الحدود، والدبلوماسية والاحتواء الداخلي وإدارة الشأن السياسي، ما قلّص هامش الارتجال ووسّع نطاق الملفات التي تُعامل بوصفها حساسة أمنياً.
لماذا أسهمت غزة في ترسيخ هذا النموذج بدلاً من إضعافه؟ جمعت الأزمة بين مستوى عالٍ من الشعور بالهشاشة ومستوى عالٍ من الانكشاف. فرفعت الهشاشة الكلفة المتصورة لعدم اليقين عند الحدود وفي الداخل. بينما زاد الانكشاف من كلفة سوء الإدارة، على مستوى السمعة والسياسة؛ خارجياً، خضعت تحركات مصر لتدقيق الفاعلين الإقليميين والدوليين، وداخلياً، حيث تستحضر غزة رهانات أخلاقية يمكن أن تتحول سريعاً إلى عملٍ جماهيري. في ظل هذه الظروف، تصبح الوسيلة الأكثر موثوقية لدى النظام للتقليل من عدم اليقين هي نمط حوكمة يتعامل مع المشاركة والتنظيم وكثير من الخيارات الإدارية كمتغيرات يجب ضبطها من خلال قنوات خاضعة للرقابة والتدقيق الأمني. ولهذا ضُبط التضامن الداخلي أساساً عند عتبة التنظيم: إذ يمكن التساهل مع التعبير الرمزي، لكن جمع التبرعات المستقل وسياسات القوافل والتعبئة المستدامة في الشوارع عوملت بوصفها تحديات محتملة لسلطة الدولة (هيومن رايتس ووتش، 2024).
ولا تقتصر الدلالات على الوصف فحسب. فقد عززت غزة مرونة النظام على المدى القصير من خلال تشديد عملية التنسيق بين الأجهزة والحد من السلوك المدني والمؤسسي غير المتوقع خلال أزمة إقليمية عالية المخاطر. غير أن هذا الترسيخ عينه عمّق مخاطر عدم الاستقرار على المدى الأطول عبر تضييق المجال المدني للسياسات وإضعاف الفاعلين السياسيين الذين يقومون بدور الوساطة بين النظام والجماهير وترسيخ وضعية الأزمة كعادة دائمة في الحكم.
وللتدليل على هذه الفرضية، يبدأ التحليل برسم خريطة للبنية المدنية-الأمنية قبل السابع من أكتوبر بوصفها خط الأساس الذي يجب على أساسه قياس الاستجابة للأزمة. ثم يتناول كيف سرّع الصراع هذه الآليات عبر ثلاثة محاور: إدارة الحدود، والاقتصاد السياسي في سيناء، ودورة الانتخابات البرلمانية لعام 2025. ويختتم البحث بتقييم المفارقة البنيوية لهذا الترسيخ: كيف أنه يؤمن النظام على المدى القريب، بينما يقوض المرونة المؤسسية اللازمة للاستقرار في المستقبل.
العلاقات المدنية-الأمنية قبل حرب غزة
لفهم ما الذي غيّرته الحرب على غزة – وما الذي لم تغيّره – لا بد من توضيح نظام الحوكمة الذي رسّخته مصر بالفعل مند عام 2013. تستخدم هذه الورقة مصطلح «العلاقات المدنية-الأمنية» بدلاً من مصطلح «العلاقات المدنية-العسكرية» الأكثر شيوعاً، لأن الإشكالية الحاكمة في مصر لا يمكن اختزالها في علاقة المدنيين والسياسيين بالمؤسسة العسكرية وحدها. ففي الحالة المصرية، تتمثل الديناميكية المركزية في دور الجهاز الأمني الأوسع – بما يشمل الجيش والاستخبارات ووزارة الداخلية – في رسم حدود السياسة المدنية. تشير العلاقات المدنية-الأمنية إلى التفاعل المنظم بين الفاعليين المدنيين والمؤسسات الأمنية التي تمتلك القدرة على الإكراه وسلطة تحديد الأجندة.
السمة الجوهرية لهذا النظام هي تحويل "الأمن" إلى منطق تنظيمي شامل ينظم عملية صنع القرار والتحكم في مختلف المجالات المدنية وأشكال المشاركة فيها. وضمن هذا النموذج، نادرًا ما يكون السؤال المحوري هو ما إذا كانت السياسة مرغوبة أو فعالة من منظور تكنوقراطي. بل يسبق ذلك سؤال آخر: هل يمكن السيطرة عليها؟ من سيُنفذها؟ ما هي الشبكات التي ستُقوّيها؟ أي نوع من التعبئة قد تُثيره؟ وإلى أي مدى يمكن التراجع عنها إذا تغيرت الظروف السياسية؟
في إطار هذا المنطق الحوكمي، تتمثل سمة تشغيلية حاسمة في مركزية الملفات عالية المخاطر. فالملفات المتعلقة بالحدود والسياسة في الشارع وتماسك النخب والسردية الوطنية، تُدار عبر بنية قيادة ضيقة ترتكز على الرئاسة وتُنسق من قبل المؤسسات الأمنية الأساسية. ولا تعني هذه المركزية إلغاء الوزارات المدنية أو السياسات البيروقراطية؛ بل تعني تقليص هامش التفاوض ونقل الحسم النهائي إلى مستوى أعلى. في ظل هذا الترتيب، تتعلم الجهات المؤسسية أن المبادرة تكون أكثر أماناً عندما تكون مسبقة التفويض، وأن الانحرافات، مهما بدت عقلانية من الناحية السياسية، تنطوي على كلفة مهنية وسياسية. والنتيجة العملية هي بيروقراطية مُحسّنة للانضباط والتنسيق أكثر من كونها مصممة لحل المشكلات من خلال التفاوض.
وتُكمّل هذه المركزية آلية الرقابة الأمنية على الحياة المدنية. وأعني بالرقابة الأمنية إخضاع الفعل السياسي والمدني والاقتصادي، وغالباً المهني، بشكلٍ روتيني لموافقة أمنية. ويعتمد هذا النهج على أدوات رسمية، مثل القوانين وأنظمة الترخيص، وعلى أدوات غير رسمية، مثل الأذونات والتطبيق الانتقائي. ويؤدي ذلك إلى تضييق نطاق الحركة للفاعلين القادرين على العمل بشكلٍ مستقل، وتوجيه النشاط الاجتماعي والسياسي نحو مسارات خاضعة للسيطرة. والأهم من ذلك، أن الرقابة لا تهدف فقط إلى قمع المعارضة، بل تضمن بقاء مشاركة قابلة للرصد والاحتواء وقابلة للعكس.
إلى جانب هذه الركائز الهيكلية تكمن ضرورة إدارة التماسك داخل الدولة. يعتمد النظام الأمني-المدني على التنسيق المنضبط بين المؤسسات الرئيسية، خصوصاً في أوقات الضغوط الأمنية والسياسية. وإحدى آليات ذلك استخدام صلاحيات متداخلة وقنوات موازية تتيح الرقابة والتدخل السريع. كما تستخدم آلية الفرز السلوكي: فيُقيّم كبار الموظفين بناءً على موثوقيتهم تحت الضغط، ويمكن للحظات الأزمات أن تتحول إلى اختبارات غير رسمية للولاء والكفاءة والانضباط. ويكتسب ذلك أهميةً خاصة في نظام يعتمد استقراره السياسي على منع تفتت النخب واحتواء مراكز القوة المستقلة.
كما ينعكس هذا النظام على إدارة الاقتصاد السياسي. ففي العديد من القطاعات، تُبنى الفرص على أساس الثقة الأمنية: من يحصل على العقود، ومن يتوسط في المشاريع، وأي الفاعلين المحليين يُعتبرون موثوقين، وأي المجالات تُعدّ قابلة للاستثمار. وتُعتبر سيناء الحالة الأوضح إذ لطالما حددت الاعتبارات الأمنية هناك شروط الوصول والتنمية. والنتيجة هي نمط من الإدماج المقيد: يُحافظ على الاستقرار من خلال إدماج شبكات مختارة تحت إشراف الأجهزة الأمنية، فيما تُقيّد المشاركة الأوسع عبر التدقيق والرقابة. ومع مرور الوقت، ينتج عن ذلك مفاضلة في الحوكمة: يتعزز الضبط، لكن الشفافية، وحوافز الاستثمار الواسعة، وقنوات التغذية الراجعة المؤسسية تضعف.
من هذا المنظور، جاءت حرب غزة بمثابة عامل تسريع. لم تُدخل منطق حكمٍ جديد؛ بل رفعت الكلفة المتصورة لعدم اليقين وزادت من أهمية التنسيق المنضبط.
غزة: لحظة ترسيخ النموذج المدني- الأمني المصري
أ. إدارة الحدود والدبلوماسية والاحتواء الداخلي
أجبرت غزة الدولة المصرية على إدارة أزمة جيوسياسية ومحلية في آنٍ واحد. جيوسياسياً، تحول معبر رفح إلى نقطة تماس عالية المخاطر إذ تلاقت السيادة والضغوط الإنسانية والمخاطر الأمنية تحت رقابة دائمة. أما داخلياً، فولّدت غزة موجة من التماهي الشعبي الذي يعتبر حساساً سياسياً في مصر لأنه قد ينتقل سريعاً من التضامن رمزي إلى التنظيمٍ فعلي، يشمل شبكات جمع التبرعات، التحركات في الشوارع، سياسات القوافل، والضغط المستمر على سردية الدولة حول السيطرة. تكمن ديناميكية الترسيخ في تعامل النظام مع هذه المجالات باعتبارها ملفاً أمنياً واحداً ومتكاملاً، بدلاً من فصلها إلى مجالي «السياسة الخارجية» و«السياسة الداخلية».
غالبًا ما توصف إدارة الحدود في رفح بأنها مسألة تقنية تتعلق بالإجراءات وتدفق العبور والتنسيق. لكنها في الواقع اختبار للإدارة لأنها تمس ثلاثة متغيرات حساسة للنظام في آن واحد: السيطرة الإقليمية، الشرعية المتصلة بالسمعة وإدارة عدم اليقين. وفي ظروف الحرب، يتقلص هامش الخطأ بشكلٍ كبير. فأي خرق أو تدفق غير مضبوط أو مشهد عام سيئ الإدارة يمكن تفسيره على أنه فشل تشغيلي وإشارة سياسية. وهنا يتجلى النموذج المدني- الأمني في مصر بوضوح أكبر: فهو يقلص عدم اليقين عبر تضييق سلسلة القيادة والحد من السلوك التقديري وتنظيم وصول المساعدات الإنسانية عبر قنوات مضبوطة.
وقد بدا هذا التشديد واضحاً في إدارة المساعدات. في نظام أمني-مدني، لا يتعامل مع الحركة الإنسانية بوصفها مجالاً إنسانياً بحتاً، بل كنشاط حساس سياسياً يتطلب ضبطاً دقيقاً: من يسلّم؟ وعبر أي مسار؟ وتحت أي إشراف؟ وبأي تأطير إعلامي؟ وقد تجلى ذلك في تركيز لوجستيات المساعدات في شمال سيناء عبر قنوات خاضعة لإشراف الدولة، لا سيما من خلال الدور التنسيقي للهلال الأحمر المصري في العريش ونقل المساعدات الإنسانية إلى رفح. كما ظهر أيضاً عندما استولت القوات الإسرائيلية على الجانب الغزي من معبر رفح في أيار/مايو 2024، وبعد ذلك رفضت مصر تطبيع دخول المساعدات عبر معبر خاضع لسيطرة عسكرية إسرائيلية مباشرة، وأصرت على الحفاظ على إطار تسليم مُحكم ومشروط سياسياً وقابل للتراجع أو التغيير في أي لحظة، حتى عندما جرى تحويل مسار المساعدات مؤقتاً عبر معبر كرم أبو سالم تحت ضغط خارجي (مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، 2024؛ مجموعة الأزمات الدولية، 2024). وبذلك استطاعت الدولة السماح بمرور المساعدات، لكنها بقيت المنظم المركزي والمصدّق الأساسي للعملية.
خلال العمل الميداني في القاهرة في شباط/فبراير 2026، وصف مصدر دبلوماسي أوروبي كيف كانت إدارة مصر للحدود خلال حرب غزة حيث كانت تقودها رسمياً الأجهزة العسكرية وأجهزة الاستخبارات العامة، لكنها كانت تُنفذ عملياً عبر قنوات مدنية تخضع لرقابة مشددة. وفقاً لهذا المصدر، لم يُسمح لسكان غزة ذوي الجنسية المزدوجة بالعبور إلى مصر إلا إذا قدمت سفاراتهم أسماءهم رسمياً وتعهدت بنقلهم إلى وجهةٍ أخرى خلال أسبوع. وأوضح المصدر عينه أن العمليات اللوجستية المرتبطة بالمعبر كانت تُدار من قبل شركة "هلا"، وهي شركة مرتبطة برجل الأعمال الشهير في سيناء إبراهيم العرجاني. وعلى الرغم من تقديمها علنًا على أنها وسيط مدني، تتولى ترتيب نقل الأمتعة والمواصلات والخدمات الأساسية، أفادت التقارير بأنها كانت تعمل تحت إشراف وثيق من مسؤولي أمن الحدود، ما أتاح للدولة التحكم في العملية مع الحفاظ على واجهة إنسانية. وأضاف المصدر أنه، إلى جانب رسوم الخدمات الاعتيادية المفروضة على حاملي الجنسية المزدوجة الذين حصلوا على الموافقات الرسمية، كانت تُفرض تكاليف غير رسمية أعلى على الفلسطينيين الذين لا يحملون جنسية أجنبية أو لا يعانون من حالات طبية طارئة، ما يعزز الطابع الانتقائي والأمني لعملية الوصول (مقابلة مع مصدر دبلوماسي أوروبي، القاهرة، 12 شباط/فبراير 2026).
بالتوازي مع ذلك، برز توحيد في الرسائل الخارجية والانضباط الداخلي. تطلبت الدبلوماسية المصرية خلال الحرب انخراطاً مدروساً مع إسرائيل والولايات المتحدة وشركاء الخليج والمنظمات الدولية، مع مخاطبة الرأي العام العربي الذي يتوقع من مصر دوراً حاسماً بحكم موقعها الجغرافي وتاريخها. في إطار النموذج المدني-الأمني، تُدار الدبلوماسية كملف حساس أمنياً، فيُعدّ التماسك وضبط الرسائل أصولاً استراتيجية. ولهذا السبب يفضل النظام الالتزامات المحدودة والقابلة للتراجع. ويتضح ذلك جلياً في الموقف المزدوج للقاهرة خلال أزمة رفح: إذ حذر المسؤولون المصريون علنًا من شن هجوم إسرائيلي على رفح، وطرحوا مسألة المعبر باعتبارها قضية سيادة واستقرار إقليمي، لكنهم تجنبوا عمليًا اتخاذ خطوات من شأنها أن تُلزم مصر بترتيب حدودي جديد طويل الأمد تحت ضغط الحرب. وسمح هذا الجمع بين الإشارات الدبلوماسية العلنية والتكيف العملي المحدود للغاية للنظام بالحفاظ على هامش المناورة، والدفاع عن الخطوط الحمراء الأساسية، ومنع الانفعالات الداخلية من تحديد إيقاع الدبلوماسية في إدارة الأزمات (مجموعة الأزمات الدولية، 2024).
وصف مسؤول مصري رفيع المستوى على دراية مباشرة بإدارة الأزمات خلال حرب غزة وجود تقسيمٍ للعمل، تولت فيه وزارة الخارجية السردية الدبلوماسية الخارجية لمصر، بينما بقيت سلطة اتخاذ القرار التنفيذي بشكلٍ أساسي لدى المؤسسات الأمنية. ووفقاً لهذا الوصف، حتى عندما استشارت الرئاسة وزارة الخارجية في التعامل مع الأطراف الأجنبية، كانت الملفات الأساسية، ومن ضمنها الوساطة مع حركة حماس والمفاوضات مع إسرائيل والولايات المتحدة وقرارات الحدود والمباحثات المتعلقة بالرهائن، تُدار في الغالب من قبل الأجهزة العسكرية والاستخباراتية. واعتبر المسؤول أن هذا النمط يعكس ترسّخ نموذج الحوكمة المدنية-الأمنية الراسخ، إذ تحتفظ المؤسسات الأمنية بالسيطرة الحاسمة على الملفات الإقليمية عالية الحساسية، بينما تؤدي الوزارات المدنية أدواراً تمثيلية ودبلوماسية (مقابلة مع مسؤول مصري رفيع المستوى، القاهرة، 15 شباط/فبراير 2026).
على الصعيد الداخلي، اعتمدت الاستراتيجية على الاستباق عند عتبة التنظيم. تعتبر غزة قضية قابلة للاشتعال سياسياً، ليس فقط لأنها قد تُشعل احتجاجات شعبية، بل لأنها قادرة على توليد شبكات تنظيم مستدامة: جمع التبرعات خارج القنوات المعتمدة، التنسيق المجتمعي، القوافل، المسيرات، والقيادة غير الرسمية. في إطار النظام المدني-الأمني، لا ينصب قلق السلطة غالبًا على التعبير بحد ذاته، بقدر ما يركز على القدرة التنظيمية التي يمكن أن ينتجها هذا التعبير. الخط الأحمر الرئيسي هو اللحظة التي يتحول فيها التضامن إلى تنسيقٍ مستقل. وبدا ذلك واضحًا في تعامل الدولة مع التظاهرات المؤيدة لفلسطين في تشرين الأول/أكتوبر 2023، حين تلت التعبئة في شوارع القاهرة عمليات اعتقال، واستمر هذا النهج في القيود المفروضة لاحقاً على أي تنظيم غير مرخّص مرتبط بغزة. كان النمط متسقاً: يمكن التسامح أحيانًا مع تعبيرات محدودة وواضحة المعالم، ولكن ما إن يهدد النشاط بإنشاء شبكات مستقلة أو قدرة تعبئة مستدامة، حتى يأتي التدخل، ويُعاد تأطير النشاط باعتباره قضية أمنية وليس مدنية (هيومن رايتس ووتش، 2024؛ مجموعة الأزمات الدولية، 2024).
يسهم ذلك في تعزيز التنسيق، والحدّ من تشتت المؤسسات، وتقليل احتمالية أن تفرض التعبئة الداخلية كلفة سياسية خلال فترات الاضطراب الإقليمي.
أما الكُلف طويلة الأمد فهي حقيقية بالقدر عينه. فتضعف هذه الاستراتيجيات المؤسسات الوسيطة والجمعيات والشبكات المهنية والفاعلين المدنيين الذين يمكنهم نقل المعلومات وتقاسم الأعباء أثناء الأزمات، بينما تضيق فرص التعلم في صنع السياسات من خلال تصفية التعليقات وتوجيهها صعوداً عبر قنوات توافق عليها الأجهزة الأمنية. كما تسهم في تطبيع وضعية الطوارئ كنهج حكمٍ دائم: إذ يتحول الضبط الاستثنائي إلى ممارسة روتينية لأن النظام يعتاد على إدارة السياسة من خلال الاستباق بدلاً من الوساطة. ومع مرور الوقت، قد تصبح الدولة أكثر تماسكاً في لحظات الضغط الحاد، لكنها أقل مرونة وأقل قدرة على امتصاص الصدمات المستقبلية من دون مزيد من المركزية ومزيد من تضييق الحيّز المدني (هيومن رايتس ووتش، 2024).
ب. الاقتصاد السياسي في سيناء: فرص محددة بالأمن تحت ضغط الحرب
تعد سيناء الساحة الداخلية الأوضح لملاحظة كيفية عمل نموذج العلاقات المدنية-الأمنية في مصر، لأن الحوكمة الأمنية فيها هيكلية وليست ظرفية. لطالما جرى تصفية الوصول والتنمية والوساطة المحلية والفرص الاقتصادية من خلال هرم ثقة يحدده الجهاز الأمني. وقد أدت حرب غزة إلى تكثيف هذا المنطق بدلاً من تغييره. ومع ازدياد تقلب البيئة الإقليمية وازدياد حساسية رفح السياسية، سُحبت حوكمة سيناء أكثر فأكثر داخل الإطار الأمني.
في النموذج التنموي التقليدي، توسع الدولة نطاق المشاركة – منح التراخيص، التعاقد، حرية الحركة، والتمثيل – ثم تدير المخاطر عبر التنظيم والمساءلة. أما في سيناء، فالأمر معكوس: تأتي إدارة المخاطر أولاً، ولا تتبعها الفرص إلا من خلال وصول مُراقب. والسؤال الحاكم ليس ما إذا كان المشروع مفيداً اقتصادياً، بل ما إذا كان آمناً سياسياً للنظام الحاكم. وهذا ينتج اقتصاداً سياسياً قائماً على الإدماج المقيد: فالمشاركة ليست مفتوحة، بل منتقاة عبر وسطاء معروفين لدى جهاز الأمن وغالباً ما يعتمدون عليه.
جعلت ظروف غزة هذا المنطق أكثر بروزاً، لأن سياسات الحدود تقلص الفرق بين القرارات الاقتصادية والأمنية. وتحت ضغط الحرب، تصبح التنمية مسألة حساسة عملياتياً. وظهر ذلك في تحول العريش والمناطق المحيطة بها في شمال سيناء إلى مراكز إنسانية ولوجستية خاضعة لإشرافٍ مشدد، إذ أصبح التخزين والنقل بالشاحنات وتوجيه المساعدات أموراً لا تنفصل عن ضبط الحدود وإدارة الأزمات (مجموعة الأزمات الدولية، 2024؛ رويترز، 2024). كما تجلى ذلك عندما أدى تعطّل عمليات التسليم عبر رفح في أيار/مايو 2024 إلى تكدّس الشاحنات، ومخاطر تلف البضائع، وتجدد الضغط لإعادة توجيه المساعدات عبر معبر كرم أبو سالم، ما حوّل إدارة النقل وسلاسل التوريد إلى مسائل حساسة أمنياً بشكل صريح بدلاً من كونها إدارية عادية (رويترز، 2024). لم يكن الأثر بالضرورة وقف التنمية، بل ضبطها. فاستمرت المشاريع عبر قنوات أضيق، مع تدقيق أشد وإشراف أكثر مركزية. كان تفضيل الدولة في هذه الظروف هو تقليل عدد الفاعلين القادرين على تحويل الموارد إلى نفوذ خارج نطاق الرقابة.
يزيد هذا التكثيف من تأثيرين مهمين بالنسبة إلى حجة التوحيد. أولاً، يعزز السلطة عبر إخضاع مجالات مدنية متعددة لمنطق أمني موحد. تبقى الوزارات المدنية والإدارات المحلية موجودة، لكن حريتها محدودة عندما تُحدّد الجدوى والوصول واختيار الشركاء من الأعلى بموافقة الأجهزة الأمنية. عملياً، يعني ذلك أن الوظائف التي تبدو مدنية – مثل تحديد الشركاء المحليين وتوجيه الإمدادات وتخصيص سعة التخزين، أو تسهيل الحركة المرتبطة بالمساعدات والخدمات – تعمل ضمن معايير حددتها المؤسسات الأمنية، وليس عبر حكم إداري محلي مفتوح (مجموعة الأزمات الدولية، 2024). والنتيجة ليست مجرد تعزيز الأمن. بل هي هيكل حوكمة تعمل فيه المؤسسات المدنية كمنفذين داخل ممر مصمم أمنياً. ويمكن توسيع هذا الممر أو تضييقه تكتيكيًا، لكنه لا يخضع للتفاوض العلني ولا للرقابة المدنية التي يمكن التنبؤ بها. وهذا يقلل من احتمالية ظهور مراكز قوة محلية مستقلة، ويحد من عدم التنبؤ، ويتيح تنسيقاً سريعاً عندما تتدهور البيئة الإقليمية.
وبالتالي، فإن سيناء تجسد النقطة الأوسع حول ترسيخ الحكم بعد أحداث غزة: فقد عززت منطقاً إدارياً تبقى فيه المؤسسات الأمنية الحكم الرئيسي في الحياة المدنية – من يمكنه العمل وما الذي يمكن بناؤه وأي الشبكات يمكن أن تنمو وكيفية توزيع الفوائد. ويمكن لهذا المنطق أن يثبّت النظام خلال لحظات الضغط الشديد. لكنه في الوقت عينه، يرسخ الهشاشة طويلة الأمد من خلال تضييق القدرات المدنية، وإضعاف التغذية الراجعة المؤسساتية، وجعل الحوكمة أكثر اعتماداً على السيطرة المركزية بدل الإدماج الاجتماعي المتفاوض عليه.
ج. الانتخابات البرلمانية لعام 2025: المنافسة المُدارة كأداة لتوطيد الحكم
لم تكن الانتخابات البرلمانية لعام 2025 حدثاً جانبياً مرتبطاً بأحداث غزة؛ بل كانت جزءًا من كيفية إعادة إنتاج نموذج العلاقات المدنية-الأمنية للسيطرة تحت ضغوط إقليمية. ففي نظام يُنظر فيه إلى عدم اليقين السياسي على أنه خطر على الحكم، تعمل الانتخابات بقدر أقل كآلية لتجميع التفضيلات الاجتماعية، وبقدر أكبر كأداة منظمة للتحكم في المشاركة، وإدارة تداول النخبة، وإعادة تأكيد أن السياسة، مثل الملفات عالية المخاطر الأخرى، تعمل من خلال قنوات مُتحكَّم بها أمنياً.
تبرز سمتان أساسيتان لانتخابات عام 2025 تعتبران مركزيتين في حجة التوطيد. أولاً، جرت العملية الانتخابية كسلسلة مُدارة بدلاً من حدث واحد، مع تدخلات رسمية أشارت إلى كل من الرقابة الإجرائية وقدرة الدولة على تصحيح النتائج من دون فتح النظام أمام منافسة حقيقية. فألغت الهيئة الوطنية للانتخابات النتائج في 19 دائرة انتخابية من أصل 70 في الجولة الأولى، مستندةً إلى مخالفات موثقة، وأمرت بإعادة الاقتراع – وهي اضطرابات كبيرة نسبياً وفقًا للمعايير المصرية، لكنها عززت في النهاية الرسالة الأساسية: الدولة تتحكم في العملية الانتخابية وستعيد ضبطها عند الحاجة من دون السماح لهذه العملية بأن تتحول إلى منافسة مفتوحة على السلطة (رويترز، 2025ب). لم يكن ذلك مجرد إجراء لضمان النزاهة. بل كان أيضًا آلية حوكمة تحافظ على ادعاء الدولة بالإجراءات المنظمة بينما تحمي الحدود التي رسمتها الأجهزة الأمنية بين المنافسة المسموح بها وعدم اليقين السياسي.
ثانياً، صُمم الهيكل العام للمنافسة لإنتاج مجلس تشريعي تهيمن عليه قوى موالية للرئاسة مع الحفاظ على مظهر التعددية. ركزت التقارير حول التصويت على كثرة الأحزاب المشاركة، لكنها قللت من حدة المنافسة الجوهرية، لا سيما لأن الجزء الخاص بالقوائم المغلقة من الانتخابات شمل قائمة واحدة فقط تهيمن عليها القوى المؤيدة للحكومة، ما ضمن فعلياً حصول هذه القوى على كتلةٍ كبيرةٍ من المقاعد قبل بدء التصويت (رويترز، 2025أ). وبالتالي، جمع الشكل الانتخابي بين التعددية الشكلية والنتائج الخاضعة للرقابة: أسماء كثيرة، لكن قدرة المعارضة محدودة على تحويل المشاركة إلى نفوذٍ حقيقي. وأكدت المرحلة النهائية للإعلان عن النتائج، بعد إعادة الاقتراع وتأجيل بعض المقاعد، حصول أنصار الرئيس عبد الفتاح السيسي على غالبية ساحقة قوية، محافظين على الحسابات البرلمانية التي تتيح الهندسة الدستورية عند الحاجة (رويترز، 2026).
وهذا مهم لأن البرلمان، في هذا السياق، يعمل كمعزز مؤسسي وليس كقوة موازنة. ويتمثل دوره الأساسي في تنظيم تفضيلات السلطة التنفيذية، وتوفير غطاء تشريعي لحكم محدد أمنياً، والحفاظ على المنافسة السياسية ضمن مسار لا يولد مراكز قوة مستقلة.
خلال حرب غزة، عندما واجه النظام حساسية متزايدة تجاه التعبئة والشرعية وتماسك النخبة، أدت الانتخابات وظيفة مزدوجة. فقد وفرت مشاركة خاضعة للرقابة تشير إلى الحياة المؤسسية الطبيعية، بينما عززت في الوقت عينه، منطق الانضباط الذي يقوم عليه النظام الأمني-المدني. وبهذا المعنى، لم تقتصر دورة عام 2025 على كونها حدثاً موازياً لغزة، بل أكملت عملية التوطيد التي أعقبت الحرب من خلال تشديد سيطرة الدولة على الساحة السياسية في لحظة اعتُبرت فيها تكاليف عدم اليقين مرتفعة بشكلٍ غير عادي.
الآثار: التوطيد من أجل الاستقرار قصير المدى وعدم الاستقرار على المدى الطويل
عززت حرب غزة النظام المدني-الأمني في مصر باعتباره دعماً مؤسسياً بدلاً من مجرد قمع مؤقت. وتشير الحالات السابقة إلى منطق حاكم واحد عبر ميادين متعددة: عندما يزداد عدم اليقين، تتشدد السلطة؛ وعندما ترتفع العاطفة، يُحبط التنظيم؛ وعندما يصبح ملف سياسي حساساً، يضيق هامش التصرف المدني وتوجيهه إلى قنوات تُدار أمنياً. ما تغير بفعل غزة لم يكن هوية النموذج، بل شدته. اعتمد النظام بشكل أكبر على أدواته الافتراضية لأن التكلفة المتصورة للانحراف – على الحدود، وفي التعبئة الداخلية، وفي تماسك النخبة – كانت مرتفعة بشكلٍ غير معتاد.
أدى هذا التوحيد إلى ثلاثة مكاسب فورية للحكم. أولاً، حسّن التنسيق أثناء الأزمات. من خلال تضييق قنوات صنع القرار والحد من الارتجال المؤسسي، خفضت الدولة احتمالية ظهور إشارات متناقضة أو حدوث قصور تشغيلي في لحظة كان فيها كل من الفاعلين الإقليميين والجمهور المحلي يراقبون عن كثب. هذه هي الميزة الكلاسيكية للمركزية في ظل الضغوط: أصوات أقل، سلاسل قيادة أوضح، وتوافق أسرع. بالنسبة إلى نظام يعتمد استقراره جزئياً على إظهار قدرة الدولة، فإن التماسك أثناء الأزمات يمثل في حد ذاته رصيداً سياسياً.
ثانياً، عزز التوطيد الاحتواء الاستباقي. يتعامل النظام مع التنظيم المستقل – وليس الاحتجاج فحسب – باعتباره عامل خطر رئيسي. زادت غزة من احتمالية أن يتحول التضامن الأخلاقي إلى سياسة شبكية من خلال جمع التبرعات أو القوافل أو التعبئة المستمرة. في ظل نظام أمني-مدني، تكون الاستجابة الأكثر أماناً هي عدم مناقشة هذه التعبئة علناً، بل منعها من الوصول إلى عتبة تنظيمية. والنتيجة العملية هي أن الحياة المدنية لا تُقيد فحسب، بل تُدرب أيضاً: يتعلم الفاعلون أن المبادرة من دون إذن مسبق تنطوي على تكاليف، وأن المساحة المسموح بها هي المساحة التي تبقى مفهومة وقابلة للتراجع.
ثالثاً، أدى هذا النهج إلى استقرار إدارة النخبة. خدمت الانتخابات والمشاركة المراقبة والانضباط البيروقراطي، هدفاً واحداً: منع أزمة إقليمية من خلق فرص للمساومة الداخلية أو الانحراف المؤسسي أو تفكك النخبة. لهذا السبب، ينبغي قراءة العملية الانتخابية لعام 2025، على الرغم من الدراما الإجرائية وإعادتها المتكررة، كجزء من النظام عينه. فقد أكدت أن التداول السياسي يحدث ضمن ممر لا يولد نتائج غير مؤكدة ولا يسمح للساحة السياسية بأن تصبح منصة للنفوذ المستقل.
ومع ذلك، تأتي هذه الفوائد قصيرة المدى بتكاليف طويلة المدى تكون هيكلية أكثر من كونها عرضية. إحدى النتائج الرئيسية هي ضعف الوساطة. عندما يُقيّد الوسطاء المدنيون والسياسيون بشكلٍ أساسي باعتبارهم عوامل خطر، يفقدون القدرة على ترجمة المطالب إلى أشكال قابلة للإدارة، وتقديم ردود فعل للدولة، وامتصاص الضغط قبل أن يتحول إلى اضطراب. مع مرور الوقت، تصبح الدولة أكثر قدرة على منع التنظيم المستقل، لكنها تصبح أقل قدرة على التعلم من المجتمع إلا من خلال الإشارات المصفاة أمنياً. هذا لا يلغي السياسة. بل ينقلها إلى قنوات غير رسمية وغير شفافة بشكلٍ يصعب معه التفاوض وتصبح ردود الفعل على السياسات أقل موثوقية.
تكلفة إضافية تتمثل في انخفاض القدرة على التكيف. يميل النظام الحاكم المُصمم للسيطرة إلى اعتبار المرونة ضعفا. يكون هذا المنطق فعالاً في الأزمات الحادة، لكن له آثار مؤسسية تراكمية. تتكيف البيروقراطيات المدنية عن طريق تقليل المبادرة إلى الحد الأدنى وزيادة الامتثال إلى الحد الأقصى. تتراجع قدرة التعلم السياسي لأن التجريب غير مشجع ولأن النجاح غالبًا ما يُقاس بغياب المشاكل بدلاً من جودة النتائج. ومع مرور الوقت، تتقلص قدرة النظام على مواجهة المشكلات الجديدة من دون زيادة المركزية. وهذه واحدة من الطرق المؤدية إلى عدم الاستقرار طويل المدى: تبقى الدولة قوية في منع التحديات، لكنها أضعف في معالجة الظروف التي تولد الضغط في المقام الأول (صايغ، 2025).
تكلفة طويلة المدى ثالثة هي تعميق الرقابة الأمنية ضمن مسارات العمل المدني. لم يتوقف التوطيد في عهد غزة عند إدارة الأزمات فقط. تشير تقارير كانون الثاني/يناير 2026 حول دور الأكاديمية العسكرية في فحص وتدريب مجندي الأوقاف، وحول التوسع المزعوم لتأثير الأكاديمية العسكرية في التوظيف القضائي، إلى أن الرقابة الأمنية تنتقل إلى مراحل أبكر، متجذرةً في عملية التوظيف والدخول المهني بدلاً من تطبيقها فقط بعد تشكيل المؤسسات (ممدوح، 2026أ، 2026ب). هذا مهم لأنه يعيد تشكيل المؤسسات المدنية من الداخل. عندما تخضع المعايير المهنية لمعايير الأهلية الأمنية، تتراجع الاستقلالية، وتتجه ثقافات المؤسسات نحو الامتثال، وتصبح الدولة أكثر اعتماداً على الفرز المركزي للحفاظ على التماسك. قد يزيد ذلك السيطرة قصيرة المدى، لكنه يعزز أيضاً الهشاشة طويلة المدى عبر تقويض القدرة المهنية المدنية وتسييس التوظيف بطرق يصعب عكسها.
لم تخلق حرب غزة النظام المدني-الأمني في مصر بعد عام 2013، لكنها عززته. تحت ضغوط إدارة الحدود، والدبلوماسية في الأزمات، وتصاعد المشاعر الداخلية، كثفت الدولة منطقها الحاكم الافتراضي: تشديد سلسلة القيادة على الملفات عالية المخاطر، توسيع الرقابة الأمنية على المبادرات المدنية والسياسية، وإحباط التنظيم المستقل قبل أن يصبح قدرة دائمة. وكانت النتيجة تكويناً إدارياً أصبح أكثر اتساقاً وفعالية في امتصاص الصدمات، بالضبط لأنه قلل من عدم اليقين عن طريق تضييق القنوات المصرح بها وتقييد التصرف المؤسسي (مجموعة الأزمات الدولية، 2024). ومع ذلك، عمّق هذا الأمر أيضاً مخاطر عدم الاستقرار طويل المدى عبر تضييق قنوات الوساطة، خفض القدرة التكيفية، وتمديد الاختيار المحدد أمنياً ليتعمق أكثر داخل المؤسسات المدنية. والخلاصة السياسية الأساسية هي أن التوطيد ليس مرونة خالية من التكلفة. إنه مقايضة: فالأدوات نفسها التي تمتص الصدمات اليوم يمكن أن تجعل النظام أقل مرونة وأكثر هشاشة عند حدوث الصدمة التالية.
المراجع
هيومن رايتس ووتش. (2024). التقرير العالمي 2024: مصر. هيومن رايتس ووتش.
مجموعة الأزمات الدولية. (16 أيار/مايو 2024). معضلات مصر بشأن غزة. مجموعة الأزمات الدولية.
مقابلة مع مصدر دبلوماسي أوروبي. (2026، 12 شباط/فبراير). القاهرة.
مقابلة مع مسؤول مصري رفيع المستوى. (2026، 15 شباط/فبراير). القاهرة.
ممدوح، ر. (2026أ، 13 كانون الثاني/يناير). الأكاديمية العسكرية تستبعد 179 إمامًا من الخدمة الحكومية بسبب معايير اللياقة البدنية. مدى مصر.
ممدوح، ر. (2026ب، 22 كانون الثاني/يناير). قضاة الغد سيتم اختيارهم وتدريبهم من قبل الأكاديمية العسكرية، بحسب مصادر قضائية. مدى مصر.
رويترز. (2025أ، 10 تشرين الثاني/نوفمبر). العديد من الأحزاب المؤيدة للسيسي، لكن المنافسة ضئيلة، بينما تصوت مصر لانتخاب برلمان جديد. طومسون رويترز.
رويترز. (2025ب، 18 تشرين الثاني/نوفمبر). مصر تلغي نتائج الجولة الأولى من انتخابات البرلمان في ربع الدوائر الانتخابية بسبب "مخالفات". طومسون رويترز.
رويترز. (2026، 10 كانون الثاني/يناير). مصر تعلن نتائج المقاعد الأخيرة في انتخابات البرلمان التي منحت السيسي غالبية ساحقة. طومسون رويترز.
صايغ، ي. (2025). الجمهورية المصرية الثانية: الأمن، والتوطيد، وإعادة هيكلة الدولة. مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي.
مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية. (من دون تاريخ). معابر غزة: حركة الأشخاص والبضائع.
تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.