مقدمة
يقع لبنان على ساحل البحر الأبيض المتوسط، ويحدّه برًا كل من سوريا شمالًا وشرقًا، وإسرائيل جنوبًا، إذ يتقاسم مع جيرانه موارد مائية سطحية وجوفية عابرة للحدود.
في الشمال، يتشارك مع سوريا الـنهر الكبير الجنوبي، الذي يشكل الحدود بين البلدين. وينبع نهر العاصي من لبنان، ويتدفق شمالًا نحو سوريا، قبل أن يواصل مجراه حتى يصب في البحر الأبيض المتوسط في تركيا. وتوجد مياه جوفية مرتبطة بهذين النهرين العابرين للحدود.
وفي جنوب لبنان، يتدفق نهر الحاصباني-الوزاني باتجاه الجنوب نحو إسرائيل، ويُعدّ أحد روافد نهر الأردن الأعلى، ما يجعله جزءًا من حوض نهر الأردن المشترك بين إسرائيل والأردن ولبنان وفلسطين وسوريا. وتتدفق مياه جوفية من لبنان باتجاه إسرائيل.
وتخضع جميع هذه الأحواض المشتركة لأحكام القانون الدولي للمياه. ففي عام 1999، انضم لبنان إلى اتفاقية الأمم المتحدة بشأن قانون استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية، فيما كانت سوريا قد صادقت عليها في العام السابق. وتخضع طبقات المياه الجوفية العابرة للحدود لـ«مشروع قانون طبقات المياه الجوفية العابرة للحدود» (2008)، الملحق بقرارين صادرين عن الجمعية العامة للأمم المتحدة. كما تحظى المياه بالحماية بموجب القانون الدولي الإنساني، كما ورد في اتفاقيات جنيف لعام 1949 وبروتوكولاتها الإضافية لعام 1977، وقد صادق لبنان على هذه الاتفاقيات والبروتوكولين الإضافيين.
بالإضافة إلى ذلك، اعترفت الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2010 بأن الحصول على مياه الشرب الآمنة هو حق من حقوق الإنسان. وتقع على عاتق الدول مسؤولية العمل التدريجي لتحقيق هذا الحق. وتتضمن «خطة التنمية المستدامة 2030»، التي اعتمدتها الجمعية العامة عام 2015، هدفًا محددًا من أهداف التنمية المستدامة، وهو الهدف السادس الرامي إلى ضمان «توافر المياه وخدمات الصرف الصحي للجميع وإدارتها على نحوٍ مستدام». ولا يقتصر دور المياه على هذا الهدف وحده، بل يمتد ليشكل عنصرًا محوريًا في عددٍ من الأهداف الأخرى. وكما هو الحال بالنسبة إلى الحق في الماء، فإن تحقيق أهداف التنمية المستدامة يقع على عاتق الدول، منفردة ومجتمعة، ومن خلال الشراكة العالمية من أجل التنمية المستدامة (الهدف 17).
ستتناول ورقة السياسات هذه مسألة المياه العابرة للحدود في لبنان، عبر تقييم واقع التعاون القائم بشأن الإدارة المنصفة والعادلة لهذه الموارد بما يحقق العدالة المائية في لبنان، وتقدم توصيات بشأن السبل الممكنة للمضي قدمًا نحو تحقيق هذا الهدف.
وتستند هذه الورقة إلى دراسة مكتبية، شملت مراجعة الاتفاقيات القائمة (حيثما توافرت) والوثائق الرسمية والأدبيات المتخصصة المتعلقة بالموضوع.
أولًا: الخلفية والنظرة العامة: مبادئ وسياسات القانون الدولي للمياه في لبنان
كما ذُكر أعلاه، يعد لبنان طرفًا في اتفاقية الأمم المتحدة للمياه لعام 1997. وتنطبق هذه الاتفاقية على المجاري المائية الدولية، التي تُعرَّف بأنها أنظمة من المياه السطحية والجوفية المترابطة التي تتدفق نحو مصبٍ مشترك، وتقع أجزاء منها في دول مختلفة. وبالتالي، تنطبق أحكام الاتفاقية بالكامل على الأنهار العابرة للحدود في لبنان. ومع ذلك، فإن نطاق تطبيقها يبقى محدودًا في ما يتعلق بالمياه الجوفية العابرة للحدود، إذ يتعين توافر شرطين لتدخل ضمن نطاق الاتفاقية:
- أن تكون متصلة بجسم مائي سطحي
- أن تتدفق نحو المصب عينه
وفي الواقع، نادرًا ما يتوافر هذان الشرطان معًا، كما أن التحقق منهما ليس دائمًا ممكنًا، نظرًا لعدم اليقين الذي يحيط بالعديد من طبقات المياه الجوفية. ومع ذلك، فإن مشروع القانون الدولي بشأن طبقات المياه الجوفية العابرة للحدود يغطي هذه الموارد. وفي آخر قرار صدر عنها حول هذا الموضوع (عام 2022)، أكدت الجمعية العامة للأمم المتحدة قراراتها السابقة، وأشادت بمشروع المواد باعتباره مرجعًا توجيهيًا لترتيبات إدارة طبقات المياه الجوفية العابرة للحدود. ويستند المشروع إلى المبادئ عينها الواردة في اتفاقية المجاري المائية، مع تكييفها بما يتناسب مع خصائص طبقات المياه الجوفية العابرة للحدود المشتركة.
المبادئ الأساسية لاتفاقية الأمم المتحدة للمجاري المائية ومشروع القانون هي:
- الاستخدام المنصف والمعقول: ينصّ هذا المبدأ على حق كل دولة مشاطئة في استخدام المورد المائي المشترك بطريقة منصفة ومعقولة، مع مراعاة العوامل ذات الصلة سواء كانت طبيعية أو اجتماعية أو اقتصادية، وإعطاء الأولوية لـ«الاحتياجات الإنسانية الحيوية». كما يفرض على كل دولة التزامًا مقابلًا بعدم حرمان الدول الأخرى من حقوقها المشروعة في الاستفادة من المورد المائي المشترك. وبموجب هذا المبدأ، تتمتع الدول المشاطئة بحقوق متساوية، ويحقّ لها الحصول على توزيع منصف للمنافع الناشئة عن استخدام المياه المشتركة.
الالتزام بعدم التسبب في ضرر ذي شأن (أثناء استخدام المورد المائي المشترك): وهو يمثل التزام الدول ببذل العناية الواجبة أثناء استغلال الموارد المائية المشتركة، بمعنى أن الضرر لا يُتسبب عمدًا أو بسبب الإهمال. ويجب أن يكون الضرر ذا شأن، أي أكثر من مجرد تأثير سلبي. ولا يوجد تعريف موحّد لهذا المفهوم، بل يُقيّم وفق ظروف كل حالة على حدة.
ويعدّ هذان المبدآن جزءًا من القانون الدولي العرفي للمياه، ما يعني أنهما ينطبقان على جميع الدول حتى لو لم تكن أطرافًا في الاتفاقية.
إلى جانب هذه المبادئ المتعلقة بإدارة الموارد المائية المشتركة، تحظى المياه بحماية خاصة في أوقات النزاعات المسلحة، سواء كانت دولية أو غير دولية، بموجب اتفاقيات جنيف والبروتوكولات الملحقة بها. وتحظر هذه الوثائق القانونية استهداف منشآت إمدادات المياه أو احتياطياتها، وتمنع حرمان السكان المدنيين من الوصول إلى المياه. وبشكل عام، تفرض اتفاقيات جنيف واجب احترام وحماية المنشآت المدنية، من ضمنها البنى التحتية المرتبطة بتوفير المياه بهدف صون بقاء السكان المتضررين من النزاعات وكرامتهم. وتُعتبر حماية المياه والبنية التحتية المرتبطة بها التزامًا أساسيًّا خلال النزاعات المسلحة بموجب القانون الدولي الإنساني العرفي، وبالتالي فهي تنطبق على جميع الدول، سواء كانت أطرافًا في اتفاقيات جنيف وبروتوكولاتها أم لا.
شهد عام 2010 تطورًا مهمًا في القانون والسياسات الدولية، عندما اعترفت الجمعية العامة للأمم المتحدة بالحق في مياه الشرب الآمنة والنظيفة وخدمات الصرف الصحي باعتباره حقًا من حقوق الإنسان، مؤكدةً أن المياه «ضرورية للتمتع الكامل بالحياة وبجميع حقوق الإنسان». وفي وقتٍ لاحق، أقرّت الجمعية العامة للأمم المتحدة بأنهما يشكلان حقين مستقلين ومتكاملين. وتقع على عاتق الدول مسؤولية العمل تدريجيًا على ضمان هذين الحقين، استنادًا إلى معايير محددة بشكلٍ يمنح لكل شخص، «دون تمييز،... مياه الشرب المأمونة والميسورة التكلفة وخدمات الصرف الصحي للجميع».
ويرتبط هذا الاعتراف بشكلٍ وثيقٍ بالهدف السادس من أهداف التنمية المستدامة، الذي يدعو إلى ضمان توافر المياه وخدمات الصرف الصحي للجميع وإدارتها بشكلٍ مستدام. ومن المهم الإشارة إلى أن هذا الهدف يتضمن بندًا خاصًا بالتعاون العابر للحدود، إذ ينص الهدف الفرعي 6.5 على ما يأتي: «تنفيذ الإدارة المتكاملة لموارد المياه على جميع المستويات، بما في ذلك من خلال التعاون العابر للحدود حسب الاقتضاء، بحلول عام 2030». ويعكس هذا الهدف إدراك المجتمع الدولي لأهمية التعاون بين الدول في إدارة الموارد المائية المشتركة باعتباره عنصرًا أساسيًا لتحقيق الأمن المائي والتنمية المستدامة.
ثانيًا: المياه العابرة للحدود بين لبنان وسوريا
أ. التعاون بشأن الأنهار العابرة للحدود: اتفاقيتا نهر العاصي والنهر الكبير الجنوبي
أبرم لبنان وسوريا اتفاقيات ثنائية بشأن النهرين المشتركين بينهما. وقد جرى التفاوض على هاتين الاتفاقيتين واعتمادهما خلال فترة الوجود العسكري السوري في لبنان، وفي ظل النفوذ السوري «المؤسس» على البلاد بموجب معاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق، الموقعة عام 1991.
اتفاقية نهر العاصي
استمرت المناقشات والمفاوضات بشأن نهر العاصي بين لبنان وسوريا منذ أربعينيات القرن الماضي، وأفضت في نهاية المطاف إلى توقيع اتفاقية عام 1972، التي لم تدخل حيز التنفيذ، لكنها شكّلت الأساس للاتفاقية الموقعة عام 1994. ) تنص المادة الأولى من اتفاقية 1994 على أن الطرفين يعتبران مياه نهر العاصي المنبثقة من الأراضي اللبنانية ذات منفعة مشتركة. وحددت الاتفاقية حصة لبنان بـ80 مليون متر مكعب من المياه سنويًّا عندما يتجاوز تدفق النهر عند محطة قياس جسر الهرمل 400 مليون متر مكعب سنويًّا. أما إذا انخفض التدفق عن هذا الحد، فتُحدد حصة لبنان بنسبة 20 بالمئة من إجمالي التدفق السنوي (المادتان 3 و4). وتحظر الاتفاقية حفر آبار جديدة ضمن الحوض المائي الواقع في لبنان، مع السماح باستثمار الآبار القانونية القائمة مسبقًا (المادة 8). واعتُبرت هذه الاتفاقية مجحفة بحق لبنان، إذ إن جزءًا كبيرًا من المياه المخصصة له خلال فصل الشتاء لم يكن بالإمكان استخدامه أو تخزينه، كما أن القيود المفروضة على تطوير المياه الجوفية حرمت القرى الحدودية اللبنانية من الاستفادة منها لأغراض الري. وفي محاولةٍ لمعالجة هذا الخلل، أُلحق بالاتفاقية ملحق تكميلي عام 1997. ونص هذا الملحق على استثناء مياه الأحواض المغلقة، في اليمونة ولبوة ورعش وجباب الحمر، ومرجحين؛ والمقدرة بنحو 16 مليون متر مكعب، من احتساب الكمية المخصصة للبنان بموجب اتفاقية عام 1994 (البند 6). ) وبناءً عليه ارتفعت الحصة السنوية للبلاد. كذلك، يمنح هذا البند لبنان حق الاستفادة من كامل المياه المتدفقة من ينابيع اللبوة خلال موسم الري (من نهاية نيسان/أبريل حتى منتصف تشرين الأول/أكتوبر)، إضافة إلى استخدامها لتأمين مياه الشرب للقرى المجاورة. وفي المقابل، يلتزم الجانب اللبناني، خلال بقية أشهر السنة، بعدم الحدّ من تدفق المياه من الينابيع أو من مياه الأمطار نحو نهر العاصي.
وتطور مسار التعاون لاحقًا إلى توقيع اتفاقية جديدة عام 2002، ضمت اتفاقية عام 1994 وملحقها لعام 1997، بالإضافة إلى محاضر الاجتماعات اللبنانية-السورية المشتركة المعتمدة رسميًا. ومن أبرز نتائج اتفاقية عام 2002 الموافقة على إنشاء سدّين استنادًا إلى دراسات فنية واقتصادية: سد تحويلي يعود بالنفع على البلدين، وسد تخزيني مخصص للبنان وحده.
تتولى إدارة الاتفاقية اللجنة المشتركة لنهر العاصي ضمن إطار اللجنة المشتركة اللبنانية-السورية للمياه المشتركة، التي شكلت الهيئة المركزية للتعاون بين البلدين في إدارة الموارد المائية المشتركة. وتتفرع عن لجنة نهر العاصي لجنتان فرعيتان: اللجنة الفرعية لحماية النهر والحفاظ على البيئة، واللجنة الفرعية لمصادرة الأراضي المحيطة بقنوات زيتا.
اتفاقية النهر الكبير الجنوبي
وقّع لبنان وسوريا اتفاقية لتقاسم مياه النهر الكبير الجنوبي وإنشاء سدّ مشترك على المجرى الرئيسي للنهر عام 2002. وتشير الاتفاقية صراحةً في ديباجتها إلى مبادئ القانون الدولي وإلى اتفاقية الأمم المتحدة بشأن قانون استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية. وحددت الاتفاقية حصص كل من الطرفين من مياه النهر بنسبة 60 بالمئة لسوريا و40 بالمئة للبنان (المادة 3)، على أن تُطبّق هذه النسب في جميع الظروف، سواء في السنوات الرطبة أو العادية أو الجافة (المادة 4). كما نصت على ضرورة مراعاة حماية النظم البيئية عند استثمار مياه النهر. وتُكلّف اللجنة المشتركة اللبنانية-السورية للمياه المشتركة بمتابعة تنفيذ الاتفاقية (المادة 7). ) وكما هو الحال في اتفاقية نهر العاصي، أُنشِئت لجنة مشتركة للنهر الكبير، تضم ممثلين من البلدين، وتتفرع عنها لجنتان فرعيتان: اللجنة الفرعية لمكافحة زهرة النيل واللجنة الفرعية لحماية النهر والمحافظة على البيئة.
واتفق الطرفان على بناء سد مشترك لتلبية الاحتياجات المائية لكل من البلدين (المادة 6). وستتولى اللجنة المشتركة إعداد جميع الدراسات اللازمة لتحقيق هذا المشروع (المادة 9).
التنفيذ: النتائج، الصعوبات، الثغرات، التحديات
لم تحظَ الاتفاقيات المتعلقة بنهر العاصي بتنفيذٍ يذكر، ويرجع ذلك أساسًا إلى الهواجس الأمنية والتوترات السياسية وضعف المؤسسات وغياب الإرادة السياسية. وبالاستناد إلى ملحق عام 1997، بقي استخدام لبنان لمياه حوض نهر العاصي محدودًا ولم يتجاوز 25 بالمئة من حصته السنوية. واستُخدمت هذه الكمية بصورة رئيسية لأغراض الشرب (23 بالمئة)، فيما خصصت الكمية المتبقية للري. كما بقيت المساحات المروية محدودة، ما يعكس ضعف البنية التحتية المائية وصعوبة تنفيذ المشاريع المرتبطة بها. بدأت أعمال بناء سد التخزين، لكنها لم تدم طويلا، إذ دمر القصف الإسرائيلي المشروع خلال حرب عام 2006. ولم يُستأنف العمل به لاحقًا بسبب مشكلات مع الشركة الأجنبية المنفذة، وتعقيدات قانونية وإجرائية في لبنان تتعلق بعمليات الاستملاك الضرورية، إضافة إلى النزاعات الاجتماعية المحلية الناتجة عن التغيرات المكانية والاقتصادية التي كان يُتوقّع أن يسببها المشروع. فاعترض بعض المزارعين في المنطقة على غمر أراضيهم بالمياه نتيجة إنشاء السد، مقابل تطوير الري في أراضٍ أخرى، معبرين عن خشيتهم من تهميش المصالح المحلية لصالح السياسات المركزية.
فرضت اتفاقية نهر العاصي قيودًا على استخدام المياه الجوفية، إلا أن هذه القيود لم تُحترم عمليًا. فقد جرى تعميق الآبار القائمة على جانبي الحدود، وضخت كميات أكبر من المياه، وتوسعت المساحات المروية، فضلًا عن حفر آبار جديدة. ويُظهر هذا الواقع ضعف الالتزامات المؤقتة المنصوص عليها في الاتفاقية من الجانب اللبناني، وضعف تطبيق القوانين الوطنية التي تحظر حفر الآبار بالقرب من النهر في الجانب السوري، كما يعكس غياب آليات فعالة للرقابة والتنفيذ. وتتمثل إحدى المشكلات الرئيسية أيضًا في أن الاتفاقية لا تشمل كامل حوض النهر، الذي يمتد إلى تركيا، ما يعني أن إدارة الحوض لا تُعالج بطريقة شاملة تجمع الدول الثلاث المعنية؛ بل تُعالج بطريقة مجزأة عبر ترتيبات ثنائية بين لبنان وسوريا من جهة، وسوريا وتركيا من جهة أخرى. وتتيح اتفاقية شاملة بين الدول الثلاث معالجة أكثر تكاملًا للقضايا المترابطة داخل الحوض.
أما اتفاقية النهر الكبير الجنوبي فلا تبدو أفضل حالًا لجهة التنفيذ، على الرغم من أن نصها أكثر وضوحًا في المضمون والأحكام. فهي الأداة القانونية الوحيدة الخاصة بالنهر الكبير الجنوبي، بخلاف نهر العاصي الذي تنظمه اتفاقية عام 1994 وملحقها الصادر عام 1997 واتفاقية عام 2002، ما أضفى قدرًا من التعقيد على إطاره القانوني. ومع ذلك، لم يُبنَ السد المخطط له، ولا تتوافر معلومات واضحة حول ما إذا كانت البرامج السنوية لاستخدام المياه في الحوض قد أُعدت فعلًا أم لا. ) ويواجه الحوض كذلك مشكلات تتعلق بنوعية المياه السطحية والجوفية بسبب التخلص العشوائي من النفايات، وتصريف مياه الصرف الصحي المنزلية غير المعالجة، والممارسات الزراعية غير المستدامة. وسجّلت في النهر والينابيع مستويات مرتفعة من الفوسفور والنيتروجين تتجاوز المعايير الطبيعية، كما عُثر على معادن ثقيلة في الرواسب الموجودة في قاع النهر. وعلى الرغم من إعداد مشاريع لإنشاء محطات جديدة لمعالجة مياه الصرف الصحي في كلا البلدين، لا تتوفر معلومات تؤكد دخول هذه المشاريع حيز التنفيذ. وتنتج مشكلات إضافية عن ضعف الرقابة الحدودية، وعمليات التهريب، وتصريف المواد الملوثة على طول مجرى النهر.
ومع تعليق عمل المجلس الأعلى السوري-اللبناني وسائر الهيئات التابعة له، يبرز تساؤل حول مستقبل لجنة المياه المشتركة واستمرارية عملها، خصوصًا أن الملفات التي باتت تحظى بالأولوية لدى الطرفين تتمثل في قضايا الحدود والمعتقلين واللاجئين.
ب. طبقات المياه الجوفية العابرة للحدود
بالإضافة إلى ذلك، يتشارك لبنان وسوريا موارد مائية جوفية مهمة وخزانات مائية (أحواض جوفية) في منطقة سلسلة جبال لبنان الشرقية، الواقعة بين سهل البقاع غربًا، وسهل دمشق شرقًا، وسهل حمص شمالًا، وتمتد جنوبًا إلى ما بعد جبل الشيخ. تضم المنطقة أكثر من نظام من الخزانات الجوفية المشتركة بين البلدين. ولا تزال الخصائص الهيدرولوجية والهيدروجيولوجية المعقدة لهذه المنطقة غير مفهومة بشكل كافٍ، من ضمنها تحديد حدود الأحواض المائية ومناطق التغذية ورسم خرائط مناطق الهشاشة والتأثر واحتساب الميزان المائي وتقييم تأثيرات التغير المناخي. وعلى الرغم من وجود اللجنة السورية-اللبنانية المشتركة للمياه المشتركة، ليس من الواضح ما إذا كانت قد تناولت يومًا دراسة أو إدارة المسطحات والخزانات المائية في جبال لبنان الشرقية.
ثالثًا: المياه العابرة للحدود بين لبنان وإسرائيل: حالة نهر الوزاني-الحاصباني
يتشارك لبنان مع جاره الجنوبي موارد مائية سطحية وجوفية. ويُعد نهر الحاصباني-الوزاني المجرى المائي السطحي المشترك بين لبنان وإسرائيل. ويتدفق هذا النهر من لبنان نحو سهل الحولة في شمال إسرائيل، حيث يلتقي بنهر بانياس الآتي من الجولان، وبينابيع دان في إسرائيل. وتشكل هذه الروافد معًا نهر الأردن الأعلى. ويقع هذا النظام المائي بالكامل ضمن حوض نهر الأردن المشترك بين إسرائيل والأردن ولبنان وفلسطين وسوريا.
لا توجد أي اتفاقية أو آلية تعاون شاملة بين الدول الخمس المشاطئة لحوض نهر الأردن. وتقتصر الاتفاقيات القائمة على ترتيبات ثنائية، أبرزها الاتفاق بين الأردن وسوريا بشأن نهر اليرموك، أحد روافد نهر الأردن، والاتفاق بين الأردن وإسرائيل ضمن معاهدة السلام الموقعة عام 1994. أما حق فلسطين في الوصول إلى مياه نهر الأردن فلا يحظى باعتراف. وفي ما يتعلق بلبنان، فإن الوضع يتمثل في الآتي:
منذ عام 1978، بقيت منطقة الحاصباني-الوزاني تحت الاحتلال الإسرائيلي، حتى انسحابها عام 2000. بعد ذلك، أطلق لبنان سلسلة مشاريع لتنمية المنطقة، شملت مشاريع على نهر الوزاني، مثل إنشاء محطة ضخ وسد. وأثارت هذه المشاريع احتجاجات إسرائيلية وتهديدات بتدخلات عسكرية، إذ اعتبرت أنها قد تؤثر في تدفق المياه نحو بحيرة طبريا. في المقابل، رأى لبنان أن الكميات المزمع سحبها لا تمثل سوى جزء محدود من حصته في حوض نهر الأردن. وفشلت جهود الوساطة التي شاركت فيها الولايات المتحدة والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي في تسوية النزاع. وتمكن لبنان من استكمال محطة الضخ، لكنه لم يمضِ في تنفيذ المشاريع الأخرى. تعرضت محطة الضخ للقصف خلال حرب عام 2006، ثم مرة أخرى في عام 2024، ما حدّ من قدرة السكان على الوصول إلى المياه وزاد الأعباء على الدولة.
إلى جانب المياه السطحية، توجد تدفقات للمياه الجوفية بين إسرائيل ولبنان. ويتشارك البلدان حوضين جوفيين رئيسيين، وينبع جزء مهم من هذه المياه الجوفية من الجانب اللبناني. وتشير التقديرات إلى أن المياه الجوفية المتدفقة من لبنان إلى إسرائيل تغذي نهر الليدان، الذي ينبع من إسرائيل، كما تسهم في التدفقات القاعدية لنهر بانياس المتدفق من هضبة الجولان نحو إسرائيل. ومع ذلك، لا تزال هناك درجة كبيرة من عدم اليقين بشأن هذه الموارد الجوفية نتيجة محدودية البيانات المتاحة وعدم موثوقيتها.
وتُظهر هذه الحالة الترابط الوثيق بين المياه السطحية والجوفية ضمن نظام مائي موحد، ما يستدعي التعامل معها كوحدة متكاملة على مستوى الدول الخمس المشاطئة للحوض. كما أن تعقيدات الأوضاع السياسية والجيوسياسية في المنطقة تجعل أي اتفاق مستقبلي بشأن الموارد المائية المشتركة مرتبطًا بخطة أشمل، تهدف إلى تحقيق تسوية عادلة وشاملة.
رابعًا: الاستنتاجات وآفاق العمل المستقبلية
عانت المياه العابرة للحدود في لبنان، ولا تزال تعاني، من الأوضاع السياسية الداخلية ومن طبيعة العلاقات مع الدول المجاورة. وقد بدأ التعاون بشأن المياه السطحية مع سوريا من خلال اتفاقيتي نهر العاصي والنهر الكبير الجنوبي، استنادًا إلى مرجعيات واضحة في مبادئ القانون الدولي للمياه. إلا أن هاتين الاتفاقيتين لم تُنفّذا، إن نُفذتا أصلًا، سوى بشكلٍ محدود للغاية. وقد تفاقم هذا الوضع نتيجة القصف الإسرائيلي للبنية التحتية المائية في منطقة العاصي، ما حال دون إنشاء سدود التخزين المخطط لها. ويعدّ هذا القصف انتهاكًا لمبادئ القانون الدولي الإنساني، الذي ينص على حماية منشآت المياه ويحظر استهداف الأعيان المدنية. وتكرر الانتهاك عينه مع تدمير إسرائيل محطة ضخ الوزاني، ما حرم السكان المحليين من الوصول إلى المياه.
في المقابل، لم تحظَ المياه الجوفية باهتمام كافٍ، إذ أُدرجت بشكلٍ هامشي ضمن التعاون المتعلق بالمياه السطحية مع سوريا أو جرى التعامل معها بصورة محدودة جدًا، على الرغم من أن حجم الموارد الجوفية المشتركة للبنان يُقدَّر بأنه يفوق حجم موارده السطحية المشتركة. ويتمثل الوضع الحالي في أن معظم الأحواض الجوفية المشتركة تشهد تراجعًا في كميات المياه وانخفاضًا في منسوب المياه الجوفية، نتيجة الاستغلال غير المنضبط والمفرط للمياه الجوفية في كل من لبنان وسوريا.
وأدى التغيير الذي شهدته سوريا على مستوى النظام السياسي إلى فتح آفاق لإقامة علاقة جديدة ومختلفة بين البلدين. إلا أنه حتى شباط/فبراير 2026 لم يتحقق أي تحسن ملموس، بسبب استمرار الخلافات المرتبطة بملف السجناء السوريين في لبنان، ووجود شخصيات مرتبطة بالنظام السوري السابق في لبنان.
ويمثل الواقع السوري الجديد فرصة لإعادة إطلاق مسار التعاون بشأن نهري العاصي والنهر الكبير الجنوبي، استنادًا إلى مبادئ القانون الدولي للمياه. وهذا يتطلب، بطبيعة الحال، إرادة سياسية للمضي قدمًا وفتح قنوات تعاون ثنائي حول القضايا الحيوية المرتبطة باحتياجات السكان. وبهدف إحياء هذا التعاون على أسس متينة، يمكن أن تتمثل الخطوة الأولى في إعادة تشكيل لجان فنية مشتركة لكل حوض مائي، بما يوفر إطارًا مؤسسيًا مناسبًا لتنفيذ الاتفاقيات وتعزيز الأنشطة المشتركة. كما يتطلب ذلك تطوير قدرات أعضاء هذه اللجان لضمان التطبيق السليم للالتزامات المتفق عليها. وفي كلا الحوضين، يُعد إنشاء أنظمة للرصد وتبادل البيانات أمرًا ضروريًا، ويفضل أن يجري ذلك عبر شبكة مشتركة على جانبي الحدود، تتيح تقييم جودة المياه وكمياتها، ودراسة التفاعل بين المياه السطحية والجوفية، ورصد أي مؤشرات أخرى ذات صلة. أما بالنسبة إلى المياه الجوفية، فمن الضروري إجراء دراسات مشتركة بهدف تطوير المعرفة العلمية حول هذه الموارد.
وتسهم جميع هذه الخطوات في إعداد خطط إدارة متكاملة، تشمل تدابير الوقاية والحماية من التلوث، استنادًا إلى واقع الموارد المائية واحتياجات كل منطقة. كما يمكن، في حالة النهر الكبير الجنوبي، إعادة إحياء مشروع السد المشترك وإعادة تقييمه. أما في حالة نهر العاصي، ينبغي إعادة النظر في مشاريع البنية التحتية المخطط لها، من ضمنها السدود، في ضوء الاحتياجات المائية الإقليمية والاعتبارات الاجتماعية القائمة. ومن الجوانب المهمة أيضًا ضمان الالتزام ببنود الاتفاقيات والتشريعات الوطنية ذات الصلة. وهو دور يمكن أن تضطلع به اللجان المشتركة بشكلٍ فعال. وعلى المدى الطويل، يمكن إطلاق حوار بين الدول الثلاث المتشاطئة على نهر العاصي (لبنان وسوريا وتركيا) بهدف إدراج النهر ضمن اتفاقية شاملة تغطي كامل الحوض.
وبالنظر إلى الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية المائية اللبنانية، سواء عبر تدمير محطة ضخ الوزاني أو استهداف مشروع السد على نهر العاصي، يمكن للبنان أن يتقدم بشكوى على المستوى الدولي، من ضمنها أمام مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، بشأن الانتهاكات التي طالت قواعد القانون الدولي الإنساني. وسبق للبنان أن سلك هذا المسار في قضايا أخرى، منها بناء الجدار الإسرائيلي داخل أراضٍ لبنانية، أو ما يتعلق باستخدام مادة الغليفوسات في رشّ مناطق من القرى الجنوبية، وما يسببه ذلك من تلوث بيئي خطير.
تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.