مقدمة
فشل لبنان باستمرار في تصميم وتنفيذ سياسات زراعية تضع المزارعين والمجتمعات الريفية في صلب أولوياتها. فمنذ فترة الانتداب الفرنسي، ساهمت الديناميكيات السياسية والاجتماعية والاقتصادية في ترجيح كفة تراكم رأس المال على امتداد سلسلة القيمة الزراعية – بما يخدم مورّدي مستلزمات الإنتاج الزراعي ورأس المال المالي في المراحل الأولى، ويعطي الأولوية للصناعات الزراعية والتجارة في المراحل اللاحقة. حتى خلال عهد الرئيس فؤاد شهاب (1958-1964) – عندما أدركت الدولة الحاجة إلى توزيع الثروة ووضعت، على الأقل على الورق، ما بدا سياسةً زراعية متماسكة – تمكنت الطبقة الحاكمة في لبنان من توجيه الموارد نحو المزارعين وكبار الملّاك النافذين وذوي العلاقات السياسية.
خرج لبنان من الحرب الأهلية (1975-1990) كفسيفساء من المناطق والمساحات السياسية ذات التوزيع المتفاوت للسلطة بين الجهات الرسمية وغير الرسمية. في هذا المشهد السياسي، دخلت الدولة في عمليات تفاوض ومساومة مع القوى السياسة والاقتصادية، وقبلت غالبًا بتعايش وتداخل أنظمة متعددة للسلطة وصنع القرار والشرعية. وتنطبق هذه الديناميكية على رسم السياسات الزراعية، إذ تحولت الدولة الضعيفة وغير المهتمة، ذات النفوذ المحدود، إلى أداة تُستثمر من قبل رأس المال والأحزاب السياسية أو المنظمات الدولية أو المانحين، وجميعها تسعى أساسًا إلى خدمة أجنداتها الخاصة، أو هُمِّشت بالكامل.
ومع محدودية قدرة الدولة ورغبتها في تصميم وتنفيذ سياسات وطنية شاملة، أصبح المانحون، منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي، لاعبًا أساسيًا في القطاع الزراعي اللبناني، مرثرةً في أولوياته واتجاهاته البرامجية. لذلك، يُعدّ تتبع تدخلات المانحين أمرًا ضروريًا لفهم كيفية تصوّر التنمية الزراعية في لبنان، ولماذا تستمر التحديات.
ويكتسب فهم مسار وحدود إطار السياسات المشتركة بين المانحين ووزارة الزراعة اللبنانية أهميةً خاصة في ظلّ التحولات الاقتصادية والسياسية العميقة الراهنة. فمنذ عام 2019، تعرّض لبنان لثلاث صدمات حادّة أثّرت بشكلٍ كبير على أسعار مستلزمات الإنتاج الزراعي: الأزمة المالية لعام 2019، والحرب في أوكرانيا عام 2022 وما رافقها من تضخم ما بعد جائحة كوفيد-19، ثم إغلاق مضيق هرمز عام 2026 وما ترتب عليه من ارتفاعٍ في تكاليف الطاقة والأسمدة. وإلى جانب هذه الصدمات الاقتصادية، شهد لبنان منذ عام 2023 موجات متتالية من التصعيد العسكري الإسرائيلي، بلغت ذروتها عام 2026 في اجتياح القرى الحدودية في جنوب لبنان، وما رافقه من تدمير واسع ومتعمّد للمنازل والبنية التحتية، و عمليات تطهير عرقي، وإبادة بيئية.
تحلل هذه الدراسة كيف أن المشاريع الممولة من المانحين لم تُقيّد فقط بعوامل الاقتصاد السياسي والصدمات والأزمات، بل أيضاً بتردّد المانحين في تحدي الرؤى الحكومية الراسخة والدفع نحو سياسات تتمحور حول المزارعين. وتجادل الدراسة بأن هذه المشاريع لم تضع المزارعين في صميم تدخلاتها، ولم تؤد، إلا في حالاتٍ قليلة، إلى تمكينهم وإدماجهم في أنظمة غذائية عادلة. وعلى وجه التحديد، تستعرض الدراسة مجالات مختلفة من دعم المانحين، بما فيها تعزيز التنافسية والاستدامة، والتنمية الموجهة نحو التصدير، وتحقيق الاستقرار في ظلّ الأزمة السورية، ودعم قطاع التعاونيات. كما يتناول التحليل الاهتمام المتزايد بالزراعة البيئية منذ عام 2019، والتحول الذي طرأ عام 2025 على خطاب وسياسات وزارة الزراعة اللبنانية.
تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.